HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٩

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول الله ﷺ «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جهنم خالا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خالدا مخلدا فيها أبدا».
ج ١ ص ١٠٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن الدارمي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص٣٠١
لكن قال: «شيخ زانٍ، ومَلِكٌ كذاب، وعائل مستكبر»، والظاهر أن هذا حديث آخر، أخرجه من هذا الوجه، عن الأعمش، فقال: عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذرّ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئًا، إلا مَنَّهُ، والمنفِّق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره» . قال الحافظ رحمه الله تعالى: وليس هذا الاختلاف على الأعمش فيه، بقادح؛ لأنها ثلاثة أحاديث عنده، بثلاثة طُرُق، ويجتمع من مجموع هذه الأحاديث تسع خصال، ويحتمل أن تبلغ عشرًا؛ لأن المنفق سلعته بالحلف الكاذب، مغاير للذي حلف لقد أعطي بها كذا؛ لأن هذا خاص بمن يَكْذِب، في أخبار الشراء، والذي قبله أعمّ منه، فتكون خصلة أخرى. انتهى كلام الحافظ ﵀ «تعالى ، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٩) - (بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الانْسَانِ نَفْسَهُ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي النَّارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٧] (١٠٩) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِه، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِه، فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا؛ أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، غير: ١ - (أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ) وهو: عبد الله بن سعيد بن حُصَين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن شيخه الأشجّ أحدُ المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وأنه مسلسل بالكوفيين إلى الأعمش، وبقيّة اللطائف مرّت قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ)»من«شرطية، وجوابها: جملة قوله:«فحديدته … إلخ»، وقوله: (بِحَدِيدَةٍ) متعلّقٌ بـ«قتل»، ولفظ الحديدة أعمّ من السكّين، فيشمل آلات النجار، وآلات الحداد، وغيرهما (فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ) مبتدأ وخبره (يَتَوَجَّأُ) بمثناة، ووا ومفتحتين، وتشديد الجيم، آخره همزة، بوزن يتكبّرُ، ويجوز تسهيله بقلب الهمزة ألفًا: أي يطعن، والجملة في محلّ نصب على الحال. وقال القرطبيّ: معنى:«يتوجّأ»: يَطعن، وهو مهموز من قولهم: وَجَأته بالسكّين أَجَأه: أي ضربته، وَوُجِئَ هو، فهو مَوجوءٌ، ومصدره وَجْئًا مقصورًا مهموزًا، فأما الوِجَاءُ بكسر الواو والمدّ فهو رَضُّ الأنثيين، وهو ضربٌ من الْخِصَاء. انتهى . وقال في«القاموس»: وَجَأَهُ باليد، والسكّين كوَضَعَهُ: ضربه، كتَوَجَّأه. انتهى . وفي«المصباح»: وجَأْته، أوْجَؤُهُ، مهموزٌ، من باب نفع، وربّما حُذفت الواو في المضارع، فقيل: يَجَأُ، كما قيل: يَسَعُ، ويَطَأُ، ويَهَبُ، وذلك: إذا ضربته بسكين، ونحوه، في أيّ موضع كان. انتهى . وفي رواية البخاريّ»: «يجأ» قال في «الفتح»؛ بفتح أوله، وتخفيف الجيم، وبالهمز: أي يطعن بها، وقد تُسهّل الهمزة، والأصل في «يجأ» يوجأ، قال التين: في رواية الشيخ أبي الحسن: «يُجأ» بضمّ أوله، ولا وجه له، وإنما يُبنى للمجهول بإثبات الواو، «يُوجَأُ» بوزن يُوجَدُ. انتهى. (بِهَا) أي بتلك الحديدة، وهو متلّق بـ «يتوجّأ»، وكذا قوله: (فِي بَطْنِهِ) وأما قوله: (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) متعلّق بحال محذوف: أي حال كونه كائنًا في نار جهنّم، و«جهنّم» اسم لنار الآخرة - عافانا الله منها، ومن كلّ بلاء - قال يونس، وأكثر النحويين: هي عجميّة، لا تنصرف للعجمة والتعريف، وقال آخرون: هي عربيّة، لم تصرف للتأنيث والعلميّة، وسميت بذلك لبعد قعرها، يقال: بئر جَهنّم، وجِهِنَّام - بكسر الجيم والهاء -: أي بعيدة الْقَعْر، وقيل: مشتقّة من الْجُهُومة، وهي الغِلَظ، يقال: جَهْمُ الوجه: أي غليظه، فسميت جهنّم لغلظ أمرها. والله أعلم . وقوله: (خَالِدًا) منصوب على أنه حال مقدّرة من فاعل «يتوجّأ»، وهو اسم فاعل من خَلَدَ بالمكان خُلُودًا، من باب قَعَدَ: إذا أقام فيه، وأخلد بالألف مثله ، وقوله: (مُخَلَّدًا) بفتح اللام المشدَّدة: اسم مفعول من التخليد، حال مؤكّد لما قبله (فِيهَا) أي في نار جهنم، وهو متعلّق بـ «خالدًا»، أو بـ «مُخَلَّدًا» على سبيل التنازع، وكذا قوله: (أَبَدًا) ظاهره موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]؛ لعموم المؤمن نفس القاتل أيضًا، لكن قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى: قد جاءت الرواية بلا ذكر «خالدًا مُخلّدًا أبدًا»، وهي أصحّ، لما ثبت من خروج أهل التوحيد من النار. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهره التخليد الذي لا انقطاع له بوجه، وهو محمول على من كان مستحلّا لذلك، ومن كان متعمّدًا لذلك كان كافرًا، وأما من قتل نفسه، وهو غير مستحلّ، فليس بكافر، بل يجوز أن يعفو الله عنه، قال: ويجوز أن يراد بقوله: «خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا» تطويل الآماد، ثم يكون خروجه من النار من آخر من يخرج من أهل التوحيد، وَيجري هذا مَجرى المثل، فتقول العرب: خلّد الله ملكك، وأبّد أيامك، ولا أُكلّمك أبد الآبدين، ولا دهر الداهرين، وهو ينوي أن يكلّمه بعد أزمان، وَيجري هذا مجرى الإغياء في الكلام. انتهى . وقال في «الفتح»: وقد تمسّك بقوله: «خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا» المعتزلة، وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار، وأجاب أهل السنّة عن ذلك بأجوبة: منها: توهيم هذه الزيادة، قال الترمذيّ بعد أن أخرجه: رواه محمد بن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة - ﵁ - فلم يذكر: «خالدًا مخلّدًا»، وكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: وهو أصحّ؛ لأن الروايات صحّت أن أهل التوحيد يُعذّبون، ثم يُخرجون منها، ولا يُخلّدون. وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحلّه، فإنه يصير باستحلاله كافرًا، والكافر مخلّد بلا ريب، وقيل: ورد مورد الزجر والتغليظ، وحقيقته غير مرادة، وقيل: المعنى أن هذا جزاؤه، لكن قد تكرّم الله على الموحّدين، فأخرجهم من النار بتوحيدهم، وقيل: التقدير مخلّدًا فيها إلى أن يشاء الله. وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا حقيقة الدوام، كأنه يقول: يُخلّد مدة معيّنةً، وهذا أبعدها. انتهى . وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: والظاهر أن المراد من هؤلاء الذين فعلوا ذلك مستحلّين له، وإن أريد منه العموم، فالمراد من الخلود والتأبيد: المكث الطويل المشترك بين دوام الانقطاع له، واستمرارٍ مديدٍ ينقطع بعد حين بعيد؛ لاستعمالها في المعنيين، فيقال: وقف وقفًا مخلَّدًا مؤبّدًا، وأُدخل فلان حبس الأبد، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فيجب جعلهما للقدر المشترك بينهما؛ للتوفيق بينه وبين ما ذكرنا من الدلائل. [فإن قلت]: ما تصنع بالحديث الذي يأتي عن جندب بن عبد الله - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -: «بادرني عبدي بنفسه، فحرّمت عليه الجنّة»؟. [قلت]: هو حكاية حال، فلا عموم فيها؛ إذ يحتمل أن الرجل كان كافرًا، أو ارتدّ؛ لشدّة الجراحة، أو قتل نفسه مستبيحًا، مع أن قوله: «فحرّمت عليه الجنّة»، ليس فيه ما يدلّ ظنًّا على الدوام والإقناط الكلّيّ فضلًا عن القطع. انتهى كلام الطيبيّ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن أحسن التأويل إذا لم يكن مستحلّا تأويل من قال: هذا جزاؤه إن جُوزي، لكن قد تكرّم الله على الموحّدين، فأخرجهم من النار بتوحيدهم؛ وهو أقرب التأويلات؛ للجمع بين النصوص التي تقطع بدخول الموحّدين الجنة، وإن فعلوا ما فعلوا غير الشرك، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١١٦] الآية، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَمَنْ شَرِبَ) وفي رواية للبخاريّ: «ومن تَحَسَّى سمًّا»، و«تَحَسَّى» بمهملتين بوزن تغدَّى: أي شَرِبَ بتمهّل، وتجرّعه، والتحسّي، والحسو واحد، غير أن فيه تكلّفًا، قاله الطيبيّ. (سَمًّا) هو: بتثليث السين المهملة، والفتح أفصح، وتشديد الميم، قال في «المصباح»: السِمّ: ما يَقتل، وبالفتح أكثر، وجمعه سُموم، مثل فَلْس، وفُلُوس، وسِمَام أيضًا، مثل سَهْم، وسِهَام، والضمّ لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم، وسَمَمتُ الطعامَ سَمًّا، من باب قَتَلَ: جعلتُ فيه السمّ، و«السّمّ» ثَقْبُ الإِبْرَة، وفيه اللغات الثلاث، وجمعه سِمَام. انتهى. وقال القرطبي: السمّ القاتل للحيوان يقال بضمّ السين، وفتحها، وأما السمّ الذي هو ثُقْبُ الإبرة، فبالضمّ لا غير. انتهى . وقال السنديّ: والسمّ دواء قاتل، يُطرح في طعام، أو ماء، فينبغي أن يُحمل «تحسّى» على معنى أدخل في باطنه، ليعمّ الأكل والشرب جميعًا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره القرطبيّ من ضبط السمّ فيه نظر؛ لأنه يردّه ما سبق عن «المصباح»، فإنه ضبطه بالتثليث، ونحوه في «القاموس»، فإنه قال: السّمّ الثَّقْبُ، وهذا القاتل المعروف، ويثلّث فيهما، جمعه سُمُوم، وسِمَام. انتهى . فقد ثبت فيهما التثليث، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) فائدة ذكر هذه الجملة بعد ما قبلها بيان توقّف الجزاء المذكور عليها (فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ) أي السمّ (فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ) أي أسقط نفسه منه؛ لما يدلّ عليه قوله: (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) على أنه تعمّد ذلك، وَإلا فمجرّد قوله: «تردَّى» لا يدلّ على التعمّد، قاله في «الفتح» . وقال الطيبيّ: التردّي في الأصل: التعرّض للهلاك من الردى، وشاع في التدهور؛ لإفضائه إلى الهَلَكَة، والمراد به هنا أن يتهوّر الإنسان، فيرمي نفسه من جبل. انتهى . (فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أي ينزل من جبال النار إلى أوديتها (خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) قال الطيبيّ: وفي تعذيب الفسّاق بما هو من جنس أفعالهم حِكَمٌ لا تخفى على المتفكّرين من أولي الألباب. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٤٩/ ٣٠٧ و٣٠٨] (١٠٩)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٣٦٥ و٥٧٧٨)، و(أبو داود) في «الطبّ» (٣٨٧٢)، و(الترمذيّ) في «الطبّ» (٢٠٤٣)، و(ابن ماجه) في «الطبّ» (٣٤٦٥)، و(النسائيّ) في «الجنائز» (١٩٦٥) وفي «الكبرى» (٢٠٩٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٤١٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٥٤ و٤٧٨ و٤٨٨)، و(الدارمي) في «سننه» (٢/ ١٩٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٢٣ و١٢٤ و١٢٥)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٢٩٣ و٢٩٤ و٢٩٥)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٦٢٧ و٦٢٨ و٦٢٩)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (١٩٦ و١٩٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٢٣ - ٢٤ و٩/ ٣٥٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن هذه الأشياء تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراد هذا الحديث في «كتاب الإيمان». ٢ - (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه، وأنه من كبائر الذنوب التي يستحقّ بها العذاب الأليم. ٣ - (ومنها): أن جزاء من قتل نفسه بشيء أن يعذّب بذلك الشيء. ٤ - (ومنها): ما قاله التوربشتيّ: لَمّا كان الإنسان بصدد أن يحمله الضجر، والْحُمْق، والغضب على إتلاف نفسه، ويُسَوِّلُ له الشيطان أن الخطب فيه يسير، وهو أهون من قتل نفس أخرى حرم قتلها عليه، وإذا لم يكن لصنيعه مطالب من قِبَل الخلق، فإن الله يغفر له، أعلم النبيّ - ﷺ - المكلّفين أنهم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة، ومُعذَّبون به عذابًا شديدًا، فإن ذلك في التحريم، كقتل سائر النفوس المحرَّمة. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: هذا من باب مجانسة العقوبات الأخرويّة للجنايات الدنيويّة، ويؤخذ منه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا، بل هي لله تعالى، فلا يتصرّف فيها إلا بما أذن له فيه. قال القاضي عياض: وفيه حجة لمالك، ومن قال بقوله على أن القصاص من القاتل بما قَتَل به، مُحدّدًا كان أو غير محدّد، خلافًا لأبي حنيفة؛ اقتداءً بعقاب الله ﷿ لقاتل نفسه في الآخرة، ثم ذكر حديث اليهوديّ، وحديث العرنيين. وتعقّبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا الذي أخذه من هذا الحديث في هذه المسألة ضعيفٌ جدًّا؛ لأن أحكام الله تعالى لا تقاس بأفعاله، وليس كلُّ ما ذكر الله أنه يفعله في الآخرة يُشرع لعباده في الدنيا، كالتحريق بالنار، هالساع الحيّات والعقارب، وسَقْي الحميم المقطِّع للأمعاء. وبالجملة، فما لناَ طريق إلى إثبات الأحكام إلا نصوص تدلّ عليها، أو قياس على المنصوص عند القياسيين، ومن شرط ذلك أن يكون الأصل المقيس عليه حكمًا، أما ما كان من فعل الله تعالى فلا، وهذا ظاهرٌ جدًّا، وليس ما نعتقده فعلًا لله تعالى في الدنيا أيضًا بالمباح لنا فيه، فإن لله تعالى أن يفعل ما يشاء بعباده، ولا حكم عليه، وليس لنا أن نفعل بهم إلا ما أذن لنا فيه، بواسطة، أو بغير واسطة. انتهى كلام ابن دقيق العيد . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استدلال القائلين بالمماثلة في القصاص بهذا الحديث، وإن ضعّفه ابن دقيق العيد، إلا أن لهم أدلّة أخرى، فقد استدلّوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وحديث رَضّ النبيّ - ﷺ - رأسَ اليهوديّ الذي رَضَّ رأس الجارية، وغيرِ ذلك من الأدلة، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرُ (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، غير: ١ - (يَحْيَى بْنِ حَبِيبٍ الْحَاثِيِّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبت [٨] (ت ١٨٦) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٣. وقوله: (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد. وقوله: (عَبْثَرُ) بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، وفتح الثاء المثلّثة، هو: ابن القاسم الزّبَيديّ. وقوله: (يَعْني ابْنَ الْحَارِثِ) العناية من المصنّف، وقد تقدّم توجيهها غير مرّة. وقوله: (كُلُّهُمْ) أي كلّ الثلاثة: جرير، وعَبْثَرُ، وشعبة. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد الماضي، وهو إسناد وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وقوله: «كلُّهم بهذا الإسناد مثله»، وفي رواية شعبة: «عن سليمان: قال: سمعت ذكوان»: يعني بقوله: «هذا الإسناد» أن هؤلاء الجماعة المذكورين، وهم: جرير، وعَبْثَرُ، وشعبة، رووه عن الأعمش، كما رواه وكيع في الطريق الأولى، إلا أن شعبة زادها هنا فائدةً حسنةً، فقال: «عن سليمان» - وهو الأعمش - «قال: سمعت ذكوان» - وهو أبو صالح - فَصَرَّحَ بالسماع، وفي الروايات الباقية يقول: «عن»، والأعمش مُدَلّسٌ لا يُحْتَجُّ بعنعنته إلا إذا صَحَّ سماعه الذي عنعنه من جهة أخرى، فَبَيَّنَ مسلمٌ أن ذلك قد صَحَّ من رواية شعبة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى . وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل متن الحديث السابق. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما رواية جرير، وعبثر، فلم أجد من ساقهما، وأما رواية شعبة، فقد ساقها البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (٥٧٧٨) حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت ذكوان، يحدث عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «مَن تَرَدَّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم، يتردَّى فيه، خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا، ومَن تَحَسَّى سَمًّا فقتل نفسه، فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنم، خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا، ومن قَتَل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يَجَأ بها في بطنه، في نار جهنم، خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا». وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ) هو الأعمش (قَالَ) أي سليمان الأعمش (سَمِعْتُ ذَكْوَانَ) أي أبا صالح، وغرض المصنّف رحمه الله تعالى بهذا بيان لطيفة إسناديّة مهمّة جدًّا، وهي أن الأعمش مشهور بالتدليس، وقد عنعن في الرواية السابقة مما يوقع في اتّهامه بالتدليس، فأزال ذلك برواية شعبة عنه المصرّحة بسماعه من أبي صالح، على أنه لو لم يُصرّح لكفانا رواية شعبة عنه، فإنه قد صرّح بأنه قال: كفيتكم شرّ تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة، وقد ذكرت هذه القاعدة، وقاعدة رواية الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر - ﵁ - في «الجوهر النفيس»، فقلت:
مصادر المؤلف (١٨)

١. هو الحديث الماضي قبل أربعة أحاديث.

٢. «الفتح» ١٣/ ٢١٥ «كتاب الأحكام» رقم (٧٢١٢).

٣. «المفهم» ١/ ٣١٠.

٤. «القاموس» ص ٥٢.

٥. المصباح في مادة «وجأ».

٦. شرح مسلم للنوويّ بتصرّف ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤ كتاب الإيمان.

٧. «المصباح» ١/ ١٧٧.

٨. المفهم ١/ ٣١٠ - ٣١١ كتاب الإيمان، باب من قتل نفسه بشيء عُذّب به.

٩. فتح ٣/ ٥٩٣ - ٥٩٤ كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، رقم الحديث (١٣٦٣).

١٠. «الكاشف» ٨/ ٢٤٥٧.

١١. «المفهم» ١/ ٣١١.

١٢. شرح السنديّ ٤/ ٦٦.

١٣. «القاموس» ص ١٠١٣.

١٤. «فتح» ١٠/ ٢٥٩.

١٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٨/ ٢٤٥٧.

١٦. راجع: «الكاشف» ٨/ ٢٤٥٧.

١٧. «إحكام الأحكام» ٤/ ٤٠٨ - ٤١٠ بنسخة الحاشية «العدّة».

١٨. «شرح النوويّ» ٢/ ١١٩ - ١٢٠.