HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١١١

وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حميد، جميعا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنا معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا. فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلَامِ «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّار» فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا. وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إِلَى النَّارِ» فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ. وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا! فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ«ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ»أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ. وَأَنَّ الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص73
ج ١ ص ١٠٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص٣٣٤
[أجيب]: بأنه ساقه بطوله؛ لأنّ في الرواية الأولي، وهي رواية شعبة، عن أيوب نَسَبَ ثابت بن الضحاك، فقال: «الأنصاريّ»، وفي رواية الثوريّ، عن خالد لَمْ يَنْسُبه، فلم يكن له بُدٌّ من فِعْلِ ما فَعَلَه؛ ليُبيّن ما وقع في أحد الإسنادين من زيادة النسب، وهذا من تحقيقه، واحتياطه، ومراعاة ألفاظ شيوخه، فلله درّه، ما أتقن صناعته، وما أورعه رحمه الله تعالى . وقوله: (هَذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ) أي هذا المتن الذي ساقه هو حديث سفيان الثوريّ، عن خالد الحذاء، وأما حديث شعبة، عن أيوب فيُخالفه في اللفظ، وإن وافقه في المعنى، كما بيّنه بقوله: (وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَاذِبًا … إلخ») فقد أسقط منه لفظ «متعمّدًا»، وقال: «وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَه بشيءٍ» بدل«ومن قَتَلَ نفسه بشيء»، وقال: «ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» بدل «عذَّبه الله به في نار جهنّم»، و«ذُبح» بالبناء للمفعول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٠) - (بَاب لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣١٢] (١١١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حُنَيْنًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالْإِسْلَامِ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ، قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِلَى النَّارِ»، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْل، لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاح، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَلِكَ، فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا، فَنَادَى فِي النَّاسِ: «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ يُوَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الحافظ الْكِسّيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المثبت، تقدّم قريبًا. ٤ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد بن الْمُسَيّب بن حَزْن بن أبي وهب، الإمام الحجة الشهير، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤، والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه شيخان للمصنّف، قرن بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجة، والثاني تفرّد به هو والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ، عن ابن المسيّب. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن هذا أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ -، وقيل: أصحّ أسانيده أبو الزناد، عن الأعرج، عنه، وقيل: حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه، وإلى هذا أشار السيوطيّ - ﵀ - في «الفيّة الحديث» حيث قال: وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ أَوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ عَنْ أَعْرَجٍ وَقِيلَ حَمَّادٌ … بِمَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَا ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ قال: أخبرني سعيد بن المسيِّب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حُنَيْنًا) أي غزوة حنين، كذا وقع هنا وعند «أبي نُعيم» في «مستخرجه على صحيح مسلم» بلفظ «شهدنا حنينًا»، ووقع عند البخاريّ من «طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ»، بلفظ «شهدنا خيبر»، وهو الذي عند «أبي عوانة» في «مسنده المستخرج على صحيح مسلم»، وهو الصواب، كما قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى. قال في «الفتح»: قوله: «شهِدنا خيبر» أراد جيشها من المسلمين؛ لأن الثابت أن أبا هريرة - ﵁ - إنما جاء بعد أن فُتحت خيبر، ووقع عند الواقديّ أنه قَدِمَ بعد فتح معظم خيبر، فحضر فتح آخرها، ولا يُعارضه ما ثبت في «الصحيح» عن أبي هريرة - ﵁ - قال: أتيت رسول الله - ﷺ -، وهو بخيبر، بعدما افتتحها؛ لإمكان الحمل على معنى بعدما افتتح معظمها، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: نسب بعضهم الوَهَمَ في ذكر حنين إلى عبد الرزاق، وهو غير صحيح؛ لأنه وقع في «مصنّفه» على الصواب بلفظ خيبر، ودونك نصّه: (٩٥٧٣) «عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: شهدنا مع رسول الله - ﷺ - خيبر، أو قال: لما كان رسول الله - ﷺ - بخيبر، قال لرجل …» الحديث. فتبيّن بهذا أن الخطأ ليس من عبد الرزاق، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: غزوة حنين كانت في شوّال سنة ثمان من الهجرة، وحُنين مصغّرًا وادٍ إلى جنب ذي المجاز، قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا من جهة عرفات. وغزوة خيبر كانت في المحرّم سنة سبع من الهجرة، وكانت خيبر مدينة كبيرةً، ذات حُصُون ومَزَارع، على مسافة مائة وخمسين كيلو مترًا من المدينة إلى جهة الشام، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ لِرَجُلٍ) أي في شأنه، وفي سببه، فلم يخاطب النبيّ - ﷺ - الرجل، وإنما أخبر الصحابة الحاضرين لديه عن شأنه، ومصيره، فتكون اللام هنا بمعنى «في»، قال الفرّاء، وابنُ الشَّجَريّ، وغيرهما من أهل العربية: اللام قد تأتي بمعنى «في»، ومنه قول الله - ﷿ -: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]: أي فيه . وقال في «الفتح»: قوله: «لرجل»: أي عن رجل، واللام قد تأتي بمعنى «عن»، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢]، ويحتمل أن يكون بمعنى «في»: أي في شانه: أي سببه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. انتهى . واسم الرجل قُزمان، ذكره الخطيب البغداديّ، وتبعه النوويّ، قال الخطيب: وكان من المنافقين . (مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلَامِ) ببناء الفعل للمفعول: أي يوصف بأنه مسلم؛ لتظاهره بالإسلام، وفي نسخة: «ممن يَدَّعي الإسلام»، فـ «يَدّعي» بالبناء للفاعل، مضارع ادّعى، من باب الافتعال: أي ينسُبُ نفسه إلى الإسلام، وقوله: («هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ») مقول «قال» (فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ) هذا مما يؤيّد ما سبق آنفًا من أن أبا هريرة - ﵁ - حضر بعض فتح خيبر، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: «فلما حضر القتالَ»، بالرفع والنصب، قاله في «الفتح» (قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ) أي بسبب سهم رُمِي به، وفي رواية البخاريّ المذكورة: «حتى كثُر به الجراحة» (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ) أي قلت في شأنه (آنِفًا) أي قريبًا، وفيه لغتان: المدّ، وهو أفصح، والقصر، قاله النوويّ . وقال في «القاموس»: ﴿قَالَ آنِفًا﴾ كصَاحِب، وكَتِفٍ، وقُرئ بهما: أي مُذْ ساعةً: أي في أوّل وقتٍ يقرُبُ مِنَّا. انتهى . (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّار، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ) هذا قالوه ظنًّا منهم، لا حقيقةً بدليل ما يأتي من قوله: «إنه لَمْ يمت». ثم إن قولهم هذا ليس سؤال استثبات؛ لأن المعلوم الصدق لا يُستثبتُ، وإنما هو سؤال تعجّب عن كونه من أهل النار مع ما ظهر منه من نُصرة الدين . (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِلَى النَّارِ») أي هو ذاهب إلى النار، قال المهلب رحمه الله تعالى: هذا الرجل ممن أَعْلَمَنا النبيّ - ﷺ - أنه نَفَذَ عليه الوعيدُ من الْفُسّاق، ولا يلزم منه أنّ كُلّ مَن قَتَلَ نفسه يُقضَى عليه بالنار، وقال ابن التين رحمه الله تعالى: يَحْتَمِل أن يكون قوله: «هو من أهل النار»: أي إن لَمْ يَغفِر الله له، ويَحتَمِل أن يكون حين أصابته الجراحة ارتاب، وشكّ في الإيمان، أو استَحَلَّ قَتْلَ نفسه، فمات كافرًا، ويؤيده قوله - ﷺ - في بقية الحديث: «لا يدخل الجَنَّة إلَّا نفسٌ مسلمة»، وبذلك جزم ابن الْمُنَيّر. والذي يظهر - كما قال الحافظ رحمه الله تعالى - أن المراد بالفاجر أعمّ من أن يكون كافرًا أو فاسقًا، ولا يعارضه قوله - ﷺ -: «إنا لا نستعين بمشرك»؛ لأنه محمول على مَن كان يُظهِر الكفر، أو هو منسوخ. انتهى . (فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ) قال النوويّ: كذا هو في الأصول «أن يرتاب»، فأثبت «أن»، مع «كاد»، وهو جائز، لكنه قليل، و«كاد» لمقاربة الفعل، ولم يَفْعَل إذا لَمْ يتقدمها نفيٌ، فإن تقدّمها، كقولك: ما كاد يقوم، كانت دالّةً على القيام، لكن بعد بُطْء، كذا نقله الواحديّ وغيره عن العرب، وأهل اللغة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دخول «أن» المصدريّة في خبر «كاد»، جائز في سعة الكلام، وليس خاصًّا بالشعر، كما ادّعاه بعض النحاة، وقد كثر في الأحاديث، ومنه حديث عمر - ﵁ -: «ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرُب»، متّفقٌ عليه، وحديث أبي بكرة - ﵁ - قال: «لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله - ﷺ - أيام الجمل بعدما كِدتُ أن الحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم …»الحديث، أخرجه البخاريّ. إلَّا أن الغالب في خبرها تجرّده عنها، كقوله - ﷿ -: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]، وهذا بخلاف «عسى» فإنها، وإن كانت مثلها في كون خبر كلّ منهما مضارعًا في الغالب، إلَّا أن الغالب في «عسى» اقتران خبرها بـ «أن»، كقوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ الآية [المائدة: ٥٢]، وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٨]. وإلى ما ذكرته من القاعدة أشار ابن مالك في «الخلاصة» حيث قال: كَـ «كَانَ» «كَادَ» وَ«عَسَى» لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ وَكَوْنُهُ بِدُونِ «أَنْ» بَعْدَ «عَسَى» … نَزْرٌ وَ«كَادَ»الأمْرُ فِيهِ عُكِسَا (فَبَيْنَمَا) هي«بين»الظرفيّة، زيدت عليها «ما»، وهيّأتها للدخول على الجملة، ويقال فيها: «بينا» بالالف فقط، قال المجد: «بينا نحن كذا»: هي «بين» أُشبعت فتحتها، فحَدَثت الألف، و«بينا»، و«بينما» من حروف الابتداء ، والأصمعيّ يخفض بعد «بينا» إذا صَلَح موضعَهُ «بين»، كقوله: بَيْنَا تَعَنُّفِهِ الْكُمَاةَ وَرَوْغِهِ … يَوْمًا أُتِيحَ لَهُ جَرِئٌ سَلْفَعُ وغيره يرفع ما بعدها على الابتداء والخبر. انتهى . وقال غيره: «بينا»، و«بينما» ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، فيحتاجان إلى جواب يَتِمّ به المعنى، وهو هنا قوله: «إذ قيل: إنه لَمْ يمت» . وخلاصة القول في «بينما» أنَّها من الظروف الزمانيّة الملازمة للإضافة إلى الجملة، وهو هنا قوله: «هم على ذلك»، ولا بدّ لها من جواب، وهو هنا قوله: «إذ قيل .. إلخ»، والجواب هو العامل فيها إذا كان مجرّدًا من كلمة المفاجأة، وهي «إذ»، كما هنا، أو «إذا»، وإلا فالعامل معنى المفاجأة، كما هنا، والتقدير: فاجأهم قول الناس: إنه لَمْ يمت وقت قرب ارتيابهم، والله تعالى أعلم. (هُمْ عَلَى ذَلِكَ) أي على حالهم من مراجعة النبيّ - ﷺ - في شأنه (إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ) أي فقولهم: «وقد مات» ظنّ منهم (وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا) فيه تقديم خبر «لكنّ»، مع أن خبر «إنّ» وأخواتها لا يتقدّم على اسمها؛ لكونه جارًّا ومجرورًا، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» بقوله: وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلَّا فِي الَّذِي … «كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي» وقوله: «جِرَاحًا» بكسر الجيم: جمع جِرَاحة، قال المجد: جَرَحَه كمَنَعَهُ: كَلَمَهُ، كجَرَّحَهُ، والاسم الْجُرْحُ بالضمّ، جمعه جُرُوحٌ، وقَلَّ أَجْرَاحٌ، والْجِرَاحُ بالكسر: جمع جِرَاحة. انتهى . وعند أبي عوانة، وأبي نعيم في «مستخرجيهما»: «ولكن به جرح شديد» بالرفع، وعليه، فـ «لكن» مخفّفة النون. وقوله: (شَدِيدًا) صفة لـ «جِراحًا»، وإنما ذكّره مع أن «جِراحًا» جمع، فكان حقّه أن يقال: «شديدة» لعله باعتباره اسم جنس جمعيّ، يفرّق بينه وبين واحده بالتاء، كتمر وتمرة، فإنه يجوز تذكيره وتأنيثه، ونظيره قوله - ﷿ -: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، حيث ذكّر ﴿رَمِيمٌ﴾ ومع كون جمع ﴿الْعِظَامَ﴾، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ) الظاهر أن «من» اسم بمعنى «بعض»، وهو فاعل بـ «كان»، وهي تامّة بمعنى «جاء»: أي فلما جاء بعض الليل، أو هي بمعنى: «في»، وفاعل «كان» ضمير «الرجل»: أيْ فلما استقرّ في الليل، ووصل إليه (لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ) أي لشدّة ألمه، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب: «فوجد الرجل ألم الجراحة» (فَقَتَلَ نَفْسَهُ) أي بنحر نفسه، وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب المتقدّمة: «فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهمًا، فنَحَرَ بها نفسه». (فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِذَلِكَ) وفي رواية البخاريّ المذكورة: «فاشتدّ رجال من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، صدَّقَ الله حديثك، انتحر فلانٌ، فقتل نفسه» (فَقَالَ) - ﷺ - («اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ») قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله - ﷺ -: «الله أكبر إلخ» عند وقوع ما أخبر به من الغيب دليلٌ على أن ذلك من جملة معجزاته - ﷺ -، وإن لَمْ يقترن بها في تلك الحال تَحَدٍّ قوليُّ، وهذا على خلاف ما يقوله المتكلّمون: إن من شروط المعجزة اقتران التحدّي القوليّ بها، فإن لَمْ تكن كذلك فالخارق كرامة، لا معجزة، والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك لا يُشترط، بدليل أن الصحابة - ﵃ - كانوا كلّما ظهر لهم خارقٌ للعادة على يدي النبيّ - ﷺ - استدلّوا بذلك على صدقه، وثبوت رسالته، كما قد اتّفق لعمر - ﵁ -، حين دعا رسول الله - ﷺ - على قليل الأزواد، فكثرت، فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنك رسول الله، وكقول أسامة بن زيد - ﵄ -، وبدليل الاتّفاق: على نبع الماء من بين أصابعه - ﷺ -، وتسبيح الحصى في كفّه، وحَنِين الْجِذع من أظهر معجزاته - ﷺ -، ولم يصدُر عنه مع شيء من ذلك تحدٍّ بالقول عند وقوع تلك الخوارق، ومع ذلك فهي معجزات، والذي ينبغي أن يقال: إن اقتران القول لا يلزم، بل يكفي من ذلك قولٌ كليٌّ يتقدّم الخوارق، كقول الرسول - ﷺ -: الدليل على صدقي ظهور الخوارق على يدي، فإن كلّ ما يظهر على يديه منها بعد ذلك يكون دليلًا على صدقه، وإن لَمْ يقترن بها واحدًا واحدًا قولٌ، ويمكن أن يقال: إن قرينة حاله تدلّ على دوام التحدّي، فيتنزّل ذلك منزلة اقتران القول. انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن اشتراط اقتران التحدّي في حدوث المعجزة مما لا دليل عليه، وإنما المعجزة تحدث بحسب الحاجة، فمن ذلك أنه - ﷺ - لما فقد شيئًا يستتر به عند قضاء الحاجة، أمر جابرًا - ﵁ - أن يأمر الشجرتين حتى تأتيا، وتستراه، ففعلتا ذلك، ولما فقد الصحابة - ﵃ - ماء للوضوء، ورأى شدّة حاجتهم إليه وضع يده على الإناء، فنبع الماء حتى توضؤوا من عند آخرهم، ولما دعاه جابر - ﵁ - في غزوة الخندق إلى طعام قليل، فرأى شدّة الجوع على أصحابه - ﵃ -، فبرّك في ذلك الطعام حتى أكلوا كلّهم، وشبعوا، وكذلك فَعَلَ في طعام أم سليم - ﵂ -، وطعام وليمة زينب بنت جحش - ﵂ -، وكحنين الجذع، وشكوى البعير الذي يُجيعه صاحبه، وغير ذلك مما ثبت في «الصحيحين»، وغيرهما، وليس في ذلك كلّه شيء من التحدّي، بل إنما حدث لتقوية إيمان الصحابة، وتثبيته؛ لأنه يزيد بكثرة الأدلّة، وزيادة الآياتِ. والحاصل أن أكثر معجزات النبيّ - ﷺ - ليس معها تحدّ أصلًا، فمن اشترط ذلك من المتكلّمين فإنما حمله على ذلك جهله بالسنّة، وعدم اطّلاعه على الأخبار التي جاءت ببيان المعجزات، وإنما الغريب على مثل القرطبيّ الذي عنده علم بالسنة، وأخبار المعجزات يذكر مذهب المتكلّمين، ولا يفنّده، بل يأتي بما يقرّره، إن هذا لشيء عُجاب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ثُمَّ أَمَرَ) بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير النبيّ - ﷺ -، وقوله: (بِلَالًا) - ﵁ - منصوب على المفعولية، ومتعلَّقه محذوف لدلالة ما بعده عليه: أي بالنداء، وفي رواية عند المصنّف: «يا ابن الخطّاب»، وفي رواية عند البيهقيّ: أن المنادي بذلك عبد الرَّحمن بن عوف، ويُجمَعُ بينها بانهم نادوا جميعًا في جهات مختلفة، قاله في «الفتح» . (فَنَادَى فِي النَّاسِ: «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) يجوز في»إنّه«، وكذا في»إِنّ الله ليؤيّد«كسر همزة»إنّ«، وفتحها، وقد قُرئ في السبع قول الله - ﷿ -: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: ٣٩] بفتح الهمزة وكسرها، قاله النوويّ . (إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ») وفي رواية للبخاريّ: «لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن». قال القرطبيّ: قوله: «نفسٌ مسلمة»: أي مؤمنة؛ لأن الإسلام الْعَرِيَّ عن الإيمان لا ينفع صاحبه في الآخرة، ولا يُدخله الجنّة، وذلك بخلاف الإيمان، فإن مجرّده يُدخل صاحبه الجنّة، وإن عُوقب بترك الأعمال، على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - فدلّ هذا على أن هذا الرجل كان مرائيًا منافقًا، ومما يدلّ على ذلك أيضًا قوله - ﷺ -: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»، متّفق عليه، وهو الكادر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، وإنما أمر النبيّ - ﷺ - بلالًا أن ينادي بذلك القول تنبيهًا على وجوب الإخلاص في الجهاد، وأعمال البرّ، وتحذيرًا من الرياء والنفاق. انتهى كلام القرطبيّ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم . (وَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ») يحتمل أن تكون«أل»في«الرجل»للعهد، والمراد به قُزمان المذكور، ويحتمل أن تكون للجنس. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال في«الفتح»، وعندي أن كونها للجنس أقرب، فتأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في«الإيمان»[٥٠/ ٣١٢] (١١١)، و(البخاريّ) في«الجهاد»(٣٠٦٢)، و«المغازي»(٤٢٠٣)، و«القدر»(٦٦٠٦)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٩٥٧٣)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٣٠٩ - ٣١٠)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(١٣٣)، و(أبو نُعيم) في«مستخرجه»(٢٩٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٤٥١٩)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٢٥٢٦)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٨/ ١٩٨)، و(القضاعيّ) (١٠٩٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تعظيم قتل النفس؛ لضجر أصابه مهما بلغت الآلام، وأنه ينافي الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان أن الجَنَّة محرّمة إلَّا على المؤمنين. ٣ - (ومنها): بيان أن الله تعالى يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر. ٤ - (ومنها): بيان معجزة النبيُّ - ﷺ - الظاهرة، وآياته الباهرة حيث أخبر بالمغيّبات، فظهر صدقه في حينه. ٥ - (ومنها): جواز الإخبار عن حال الرجل السيئ إذا كان الإخبار به يُحقّق مصلحة شرعيّة، من تحذير، أو غيره. ٦ - (ومنها): بيان عظمة الإسلام، ومكانته الرفيعة حيث جعله الله تعالى مؤيّدًا، ومؤزّرأ بأهله، وبغير أهله. ٧ - (ومنها): بيان أن العبرة بالخاتمة، فلا ينبغي الحكم بما يظهر من حال المرء حتى يُعلم مصيره، وخاتمته التي خرج بها من الدنيا، وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في «كتاب القدر» من «صحيحه»، «باب العملُ بالخواتيم»، وأورد فيه حديث أبي هريرة، وسهل بن سعد - ﵃ - المذكور في الباب، وفي آخر حديث سهل لجنه ما نصّه: «وإنما الأعمال بالخواتيم»، وأخرج الترمذيّ، وصحّحه من حديث أنس - ﵁ -، مرفوعًا: «إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله»، قيل: كيف يستعمله؟ قال: «يوفّقه لعمل صالح، ثم يقبضه عليه»، وأخرجه أحمد مطوّلًا، وأوله: «لا تعجبوا لعمل عامل حتى تنظروا بم يُختم له …»، وأخرج البزّار من حديث ابن عمر - ﵄ -، وفيه ذكر الكتابين، وفي آخره: «العمل بخواتيمه، العمل بخواتيمه» . ٨ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز لأحد أن يجزم لأحد من الناس بالجنّة، ولا بالنار، بسبب ما يراه من حال الإنسان من خير أو شرّ، إلَّا لمن حكم له النبيّ - ﷺ -، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: وَلَا تَقُلْ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ … كَلَّا وَلَا هَذَا مِنَ الأَبْرَارِ إِلَّا لِمَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ الْمُصْطَفَى … فَالْفَوْزُ وَالنَّارُ لِمَنْ قَدْ وَصَفَا ٩ - (ومنها): بيان وجوب الإخلاص في الأعمال، وأنه لا ينفع منه إلَّا ما كان خالصًا لله تعالى. ١ - (ومنها): بيان خطر الرياء، والسمعة، وأنهما يُفسدان العمل الصالح؛ إذ فيهما من الشرك المحبط للعمل، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان الاختلاف الواقع في هذا الحديث: (اعلم): أنه وقع اختلاف في هذا الحديث أشار إليه البخاريّ في «كتاب المغازي» من «صحيحه»، ودونك عبارته مع شرح الحافظ له، قال رحمه الله تعالى: (٤٢٠٤) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة - ﵁ - قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله - ﷺ - لرجل ممن معه يَدَّعِي الإسلام: «هذا من أهل النار»، فلما حَضَرَ القتالَ، قاتل الرجل أشدّ القتال، حتى كَثُرت به الجراحة، فكاد بعض الناس يرتاب، فَوَجَد الرجل أَلَمَ الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أَسْهُمًا، فنحر بها نفسه، فاشتد رجال من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله صَدَّق الله حديثك، انتَحَر فلان، فقتل نفسه، فقال: «قم يا فلان، فأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر»، تابعه معمرٌ، عن الزهريّ. وقال شبيب، عن يونس، عن ابن شهاب: أخبرني ابن المسيب، وعبد الرَّحمن بن عبد لله بن كعب، أن أبا هريرة قال: شَهِدنا مع النبي - ﷺ - حُنَيْنًا. وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد، عن النبيّ - ﷺ - تابعه صالح، عن الزهريّ. وقال الزُّبيديّ: أخبرني الزهريّ، أن عبد الرَّحمن بن كعب أخبره، أن عبيد الله بن كعب قال: أخبرني مَن شَهِد مع النبيّ - ﷺ - خيبر. قال الزهريّ: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله، وسعيد، عن النبيّ - ﷺ -. انتهى. فقال في «الفتح»: قوله: «تابعه معمر»: أي تابع شعيبًا، عن الزهريّ: أي بهذا الإسناد، وهو موصول عند المصنف - ﵀ - في آخر «الجهاد»، مقرونًا برواية شعيب، عن الزهري. وقوله: «وقال شبيب»: أي ابن سعيد، عن يونس: أي ابن يزيد، عن ابن شهاب: أي الزهري بهذا الإسناد. وقوله: «شَهِدنا حنينًا»: يريد أن يونس خالف معمرًا وشعيبًا، فذكر بدل «خيبر» لفظة «حنين»، ورواية شبيب هذه وصلها النسائيّ مُقْتَصِرًا على طرف من الحديث، وأوردها الذُّهْليّ في «الزهريات»، ويعقوب بن سفيان في «تاريخه»، كلاهما عن أحمد بن شبيب، عن أبيه بتمامه، وأحمد من شيوخ البخاريّ، وقد أخرج هذا، وقد وافق يونسُ معمرًا وشعيبًا في الإسناد، لكن زاد فيه مع سعيد بن المسيب عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وساق الحديث عنهما، عن أبي هريرة. وقوله: «وقال ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد، عن النبيّ - ﷺ -» يعني: وافق شبيبًا في لفظ «حنين»، وخالفه في الإسناد، فأرسل الحديث، وطريق ابن المبارك هذه وصلها في «الجهاد»، ولم أر فيها تعيين الغزوة. وقوله: «وتابعه صالح» يعني: ابن كيسان، عن الزهريّ، وهذه المتابعة ذكرها البخاري في «تاريخه»، قال: قال لي عبد العزيز الأُوَيسيّ، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: أخبرني عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن بعض مَن شَهِد مع النبيّ - ﷺ - قال: إن النبيّ - ﷺ - قال لرجل معه: «هذا من أهل النار …»الحديث، فظهر أن المراد بالمتابعة أن صالحًا تابع رواية ابن المبارك، عن يونس في ترك ذكر اسم الغزوة، لا في بقية المتن، ولا في الإسناد، وقد رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن الزهريّ، فقال: عن عبد الرَّحمن بن المسيب، مرسلًا، وَوَهِمَ فيه، وكأنه أراد أن يقول: عن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب، وسعيد بن المسيب، فَذَهِلَ. وقوله: «وقال الزبيديّ: أخبرني الزهريّ أن عبد الرَّحمن بن كعب، أخبره أن عبيد الله بن كعب قال: أخبرني مَن شَهِد مع النبيِّ - ﷺ - خيبر، قال الزهريّ: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله، وسعيد، عن النبيّ - ﷺ -، وفي رواية النسفيّ: عبد الله بن عبد الله، هكذا أورد البخاريّ طريق الزُّبيديَ هذه معلقةً مختصرةً، وأجحف فيها في الاختصار، فإنه لَمْ يفصل بين رواية الزهريّ الموصولة عن عبد الرَّحمن، وبين روايته المرسلة عن سعيد، وعبيد الله بن عبد الله، وقد أوضح ذلك في «التاريخ»، وكذلك أبو نعيم في «المستخرج»، والذُّهليّ في «الزهريات»، فأخرجوه من طريق عبد الله بن سالم الحمصيّ، عن الزُّبيديّ، فساق الحديث الموصول بالقصة، ثم ساق بعده: قال الزُّبَيديّ: قال الزهريّ: وأخبرني عبد الله بن عبد الله، وسعيد بن المسيب: أن رسول الله - ﷺ - قال: «يا بلال قُمْ، فأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا رجل مؤمن، واللهُ يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»، هذا سياق البخاريّ، وفي سياق الذُّهليّ، قال الزهري: وأخبرني عبد الرَّحمن بن عبد الله، وهذا أصوب من عبيد الله بن عبد الله، نَبَّهَ عليه أبو علي الجيانيّ. وقد اقتضى صنيع البخاريّ ترجيحَ رواية شعيب ومعمر، وأشار إلى أن بقية الروايات محتملة، وهذه عادته في الروايات المختلفة، إذا رَجَحَ بعضُها عنده اعتمده، وأشار إلى البقية، وأن ذلك لا يستلزم القَدْحَ في الرواية الراجحة؛ لأن شرط الاضطراب أن تتساوى وجوه الاختلاف، فلا يُرَجَّحَ شيءٌ منها. وذَكَر مسلم في «كتاب التمييز» فيه اختلافًا آخر على الزهريّ، فقال: حدثنا الحسن بن الحلوانيّ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: أخبرني عبد الرَّحمن بن المسيب، أن النبيّ - ﷺ - قال: «يا بلال قُمْ، فأَذِّنْ: إنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا مؤمن»، قال الحلوانيّ: قلت ليعقوب بن إبراهيم: مَنْ عبدُ الرَّحمن بن المسيب هذا؟ قال: كان لسعيد بن المسيب أخٌ اسمه عبد الرَّحمن، وكان رجل من بني كنانة يقال له: عبد الرَّحمن بن المسيب، فأظنه أن هذا هو الكنانيّ، قال مسلم: وليس ما قال يعقوب بشيء، وإنما سَقَطَ من هذا الإسناد واو واحدة، فَفَحُشَ خطؤه، وإنما هو عن الزهريّ، عن عبد الرَّحمن، وابن المسيب، فعبد الرَّحمن هو ابن عبد الله بن كعب، وابن المسيب، هو سعيد، وقد حدث به عن الزهريّ كذلك
مصادر المؤلف (٢٠)

١. راجع:«شرح النوويّ»٢/ ١٢٠ - ١٢١.

٢. «شرح النوويّ» ٢/ ١٢٢.

٣. «الفتح» ٧/ ٥٤٠ «كتاب المغازي» رقم (٤٢٠٣ - ٤٢٠٤).

٤. «تنبيه المعلم» ص ٦٥.

٥. «شرح النوويّ» ٢/ ١٢٢.

٦. «القاموس المحيط» ص ٧١٤.

٧. راجع: «شرح الأبيّ» ١/ ٢٢٥ - ٢٢١.

٨. «فتح» ٧/ ٥٤٠.

٩. «شرح النوويّ» ٢/ ١٢٢.

١٠. المراد بالحروف: الكلمات، لا الحروف قسيم الأسماء والأفعال، كما بيّنه في «التاج» ٩/ ١٥٠.

١١. قوله: «تعنّفه» بالفاء، ويُروى «تعنّقه» بالقاف، و«السلفع» كجعفر: الجريء الشجاع.

١٢. «القاموس المحيط» ص ١٠٦٥.

١٣. راجع: «تاج العروس» ٩/ ١٥٠.

١٤. «القاموس» ص ١٩٥ - ١٩٦.

١٥. «المفهم» ١/ ٣٠١٩ - ٣٢٠.

١٦. «فتح»٧/ ٥٤٢«كتاب المغازي»رقم الحديث (٤٢٠٧ - ٤٢٠٨).

١٧. «شرح النوويّ»٢/ ١٢٢.

١٨. «المفهم»١/ ٣٢٠ - ٣٢١.

١٩. «فتح» ٧/ ٥٤١.

٢٠. راجع: «الفتح» ١١/ ٥٠٧ - ٥٠٨ «كتاب القدر» رقم (٦٦٠٩).