HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢٩

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ؛ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رسول الله ﷺ فذكر أَحَادِيثَ مِنْهَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَالَ اللَّهُ ﷿: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ. فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا. فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا». وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ«قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً (وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ) فَقَالَ: ارْقُبُوهُ. فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا. وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً. إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ». وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ«إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ. وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله».
ج ١ ص ١١٧

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص٥٧٩
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرقيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] (ت سنة بضع ١٣٠) (ز م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجُهَنيّ الْحُرقيّ مولاهم، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. وشرح الحديث، وبيان مسائله تقدّما في الحديث الماضي، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٣] (١٢٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ ﷿: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً، مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنا أَكْتبهَا بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِاَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ، مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَاِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا»، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، وَهُوَ أَبْصَرُ بِه، فَقَالَ: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتموهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا، فَاكْتموهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ»، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئةٍ يَعْمَلُهَا، تُكتَبُ بِمِثْلِهَا، حَتَّى يَلْقَى الله»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) بن أبي زيد، واسمه سابور الْقُشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت هـ ٢٤) (خ م دت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، تغير في آخره، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عُقبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن قوله: «هذا ما حدَّثنا أبو هريرة … إلخ» إشارة إلى أن هذا الحديث مأخوذ من صحيفة همّام بن منبّه المشهورة المرويّة بإسناد واحد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عنه، وفيه إشارة إلى القاعدة المشهورة عند المحدّثين، وهو أن النُّسَخَ، والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد، كنسخة همام بن منبّه، عن أبي هريرة المذكورة، منهم من يجدد الإسناد، فيذكره أوّلَ كل حديث منها، وهو أحوط، وأكثر ما يوجد في الأصول القديمة، وأوجبه بعضهم، ومنهم من يَكتفي به في أول حديث منها، أو أول كلِّ مجلس من سماعها، ويُدرج الباقي عليه قائلًا في كل حديث بعد الحديث الأول: «وبالإسناد»، أو «وبه»، وهو الأغلب الأكثر. فمن سَمِع هكذا، فأراد رواية غير الأول مُفْرَدًا عنه بإسناده كما فعل المصنّف في هذا الحديث جاز له ذلك، عند الأكثرين، منهم وكيع، وابن معين، والإسماعيليّ؛ لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أوله. ومنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ وغيره، كبعض أهل الحديث، ورأوا ذلك تدليسًا. فعلى هذا، فالأولى له أن يُبَيِّن كما يفعله المصنّف في كتابه هذا، فيقول: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن هَمّام بن منبّه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله - ﷺ -، وذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله - ﷺ -: «إن أدنى مقعد أحدكم …»، وذكر الحديث، وهكذا اطّرد له هذ الأسلوب في كتابه كلّه، وكذا فعله كثير من المؤلفين. وأما البخاريّ، فإنه لم يسلك قاعدة مُطَّردةً، فتارةً يذكر أول حديث في النسخة، وَيعْطِف عليه الحديث الذي يساق الإسناد لأجله، كقوله في «كتاب الطهارة»: حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «نحن الآخرون السابقون»، وقال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم …» الحديث، فأشكل على قوم ذكره: «نحن الآخرون السابقون» في هذا الباب، وليس مراده إلا ما ذكرناه، وتارة يَقتصر على الحديث الذي يريده، وكأنه أراد بيان أن كِلا الأمرين جائز. واما إعادة بعض المحدثين الإسناد آخر الكتاب أو الجزء، فلا يرفع هذا الخلاف الذي يَمنَع إفراد كل حديث بذلك الإسناد، ثم روايتها؛ لكونه لا يقع متصلًا بواحد منها، إلا أنه يفيد احتياطًا، وإجازةً بالغة من أعلى أنواعها، قاله في «التدريب» . وقال في «الفتح» عند شرح هذا الحديث، ما نصّه: وهذا الحديث من نسخة همّام بن منبّه المشهورة المرويّة بإسناد واحد عن عبد الرزّاق، عن معمر، عنه، وقد اختَلَف العلماء في إفراد حديث من نسخة، هل يُساق بإسنادها، ولو لم يكن مبتدأ به، أو لا؟ فالجمهور على الجواز، ومنهم البخاريّ، وقيل: يمتنع، وقيل: يَبدأ أبدًا بأول حديث، ويذكر بعده ما أراد، وتوسّط مسلم، فأتى بلفظ يُشعر بأن المفرد من جملة النسخة، فيقول في مثل هذا إذا انتهى الإسناد: «فذَكَرَ أحاديث، منها كذا»، ثم يذكر أيَّ حديث أراد منها. انتهى ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّام) بفتح الهاء، وتشديد الميم (بْنِ مُنَبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل المشدد، أنه (قَالَ: هَذَا) أي الحديث الآتي، فاسم الإشارة مبتدأ، وقوله: (مَا) موصولة بمعنى «الذي» خبر المبتدأ (حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) صلة «ما»، وحُذِف العائدُ جوازًا، كما قال في «الخلاصة»: ...................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كـ«مَنْ نَرْجُو يَهَبْ» (عَنْ مُحَمّدٍ رَسُول اللهِ - ﷺ -) بالجرّ على البدليّة (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) الضمير لهمّام بن منبّه (مِنْهَا) الضمير للأحاديث، وسقط من بعض النسخ قوله: «فذكر أحاديث منها»، فقوله: «منها» جار ومجرور خبر مقدّم لقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) فـ «قال … إلخ» مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه. والمعنى أن من جملة تلك الأحاديث قوله: قال رسول الله - ﷺ - … إلخ. («قَالَ اللهُ - ﷿ -: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي) هو بمعنى ما سبق:»إذا همّ عبدي«(بِأنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَأنا كتُبُهَا لَهُ) أي آمر الملائكة بكتابتها، كما بيّنه فيما يأتي بلفظ:»فاكتبوها له«(حَسَنَةً، مَا لَمْ يَعْمَلْ) تلك الحسنة التي تحدّث بها (فَإِذَا عَمِلَهَا فَأنا كتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) إذ الحسنة بعشر أمثالها (وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَأنا أغْفِرُهَا لَهُ) أي أسترها عن أعين الملائكة، فلا يكتبونها (مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإذَا عَمِلَهَا فَأنا أكتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا») أي سيّئة واحدةً، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ) منادى بحذف حرف النداء، جوازًا، قال الحريريّ في»ملحته«: وَحَذْفُ«يَا»يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ«رَبّ اسْتَجِبْ دُعَائِي»وقال في«الخلاصة»: وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا (ذَاكَ) إشارة إلى من حدّث نفسه بسيّئة (عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً) أي يُحدّث نفسه بذلك (وَهُوَ) أي الله - ﷾ - (أَبْصَرُ بِهِ) أي هو أشدّ بصرًا من هؤلاء الملائكة بهذا العبد الذي حدّث نفسه بالسيّئة، وهذه الجملة اعتراضيّة، لا محلّ لها من الإعراب، جيء بها لرفع إيهام أن إخبارهم له لإفادة العلم (فَقَالَ: ارْقُبُوهُ) أي انظروا ماذا يفعل بعده؟، انتظروا أمره، يقال: رَقَبتُهُ أرقُبه، من باب نصر: حفِظته، فأنا رقيبٌ، ورقَبتُهُ، وترقّبته، وارتقبته: انتظرته . (فَإِنْ عَمِلَهَا) أي السيّئة التي همّ بها (فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا) أي سيّئةً واحدةً (وَإِنْ تَرَكَهَا، فَاكتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً) أي واحدةً (إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ) أي من أجلي، يقال: فعلتُهُ من جَرَاكَ، ومن جَرَائِكَ - بفتح الجيم، وتخفيف الراء، مقصورةً، وتُمَدُّ -: أي من أجلك، كجَرّاك، بتشديد الراء، ومنه قول أبي النجم [من الرجز]: فَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنْ جَرَّاهَا قال القرطبيّ: قوله: «من جرّاي» فيه لغتان: المدّ والقصر، ومنه الحديث: «دخلت امرأة النار من جرّاء هرّة» أي من أجل، وهي مشدّدة الراء في اللغتين، وقد تخفّف معهما. ومقصود هذا الحديث أن الترك للستئة لا يُكتب حسنةً إلا إذا كان خوفًا من الله تعالى، أو حياءً من الله تعالى، وأيُّهما كان، فذلك الترك هو التوبة من ذلك الذنب، وإذا كان كذلك فالتوبة عبادة من العبادات، إذا حَصَلت بشروطها أذهبت السيّئات، وأعقبت الحسنات. انتهى كلام القرطبيّ . (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ) هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء، وإنما ذكره بلفظ المذكّر تغليبًا، وكذا الخطاب ليس مقصودًا، بل يعمّ الغائبين، ولذا جاء في حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - عند البخاريّ معلّقًا بلفظ:»إذا أسلم العبد، فحسن إسلامه … «الحديث (إِسْلَامَهُ) أي إذا صار إسلامه إسلامًا حقيقيًّا، وليس كإسلام المنافقين، وذلك أن يكون حسنًا باعتقاده وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربّه منه، واطّلاعه عليه، كما دَلَّ عليه تفسير الإحسان في حديث سؤال جبريل؛ المتقدّم. وقال في«الفتح»: قوله:«إذا أحسن أحدكم إسلامه»، كذا للبخاريّ ومسلم وغيرهما، ولإسحاق بن راهويه في«مسنده»عن عبد الرزاق:«إذا حَسُنَ إسلام أحدكم»، وكأنه رواه بالمعنى؛ لأنه من لوازمه، ورواه الإسماعيليّ من طريق ابن المبارك، عن معمر كالأول، والخطاب«بأحدكم»بحسب اللفظ للحاضرين، لكن الحكم عامّ لهم، ولغيرهم باتّفاق، وإن حصل التنازع في كيفيّة التناول، أهي بالحقيقة اللغويّة، أو الشرعيّة، أو بالمجاز؟. انتهى . (فَكُلُّ حَسَنَةٍ) هذه العبارة تشعر بأن اللام في رواية أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - عند البخاريّ معلّقًا:«الحسنة بعشر أمثالها»للاستغراق (يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ) متعلّق بمقدّر: أي منتهية إلى سبعمائة ضعف، وحكى الماورديّ: أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية، فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة، ورُدّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وأصرح منه حديث ابن عبّاس - ﵁ - الآتي بلفظ:«كَتَبَهَا اللهُ - ﷿ - عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»(وَكُلُّ سيِّئةٍ يَعْمَلُهَا، تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا، حَتى يَلْقَى اللهَ) زاد في حديث أبي سعيد - ﵁ - المذكور:«إلا أن يتجاوز الله عنها»، وفي«فوائد سمويه»:«إلا أن يغفر الله، وهو الغفور»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا ثلاثة أجزاء، ساقه المصنف مساقًا واحدًا، فأما الجزء الأول، وهو قوله:«قال الله - ﷿ -: إن تحدّث عبدي … »، فقد تقدّم قبل حديث أنه متّفق عليه، وأما الجزء الثاني، وهو قوله:«وقال الله - ﷺ -: قالت الملائكة»، فإنه من أفراد المصنّف، وأما الجزء الأخير، وهو قوله:«وقال رسول الله - ﷺ -: إذا أحسن أحدكم إسلامه … »، الحديث، فهو متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أما الجزء الأول، فقد سبق تخريجه قبل حديث، وأما الجزء الثاني، فأخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[٦٢/ ٣٤٣] (١٢٩)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٣١٧، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢٤٠)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣٣٥)، وهو في«صحيفة همّام بن منبّه»(١٠٦). وأما الجزء الأخير، فمتّفقٌ عليه، أخرجه (المصنّف) هنا [٦٢/ ٣٤٣] (١٢٩)، و(البخاريّ) في«الإيمان»(٤٢)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٣١٧)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢٤٠)، و(أبو نُعيم) في«مستخرجه»(٣٣٥)، وهو في«صحيفة همام»(١٠٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه قولَه:«قال الله - ﷿ -»، وهذا هو النوع المسمّى بالحديث القدسيّ، وقد قيل في الفرق بينه وبين الحديث النبويّ: إن الحديث القدسيّ لفظه ومعناه من عند الله تعالى، والحديث النبويّ لفظه من عند الرسول - ﷺ -، ومعناه من عند الله تعالى، وإن الحديث القدسيّ يُسند إلى الله تعالى، فيقال عنه: قال الله تعالى، والحديث النبويّ يُسند إلى النبيّ - ﷺ -، والفرق بين القرآن الكريم، والحديث القدسيّ بناء على هذا أن القرآن متواترٌ، يكفر من جحد شيئًا منه، بخلاف الحديث القدسيّ، وأن القرآن قُصِد بلفظه التحدّي، والإعجاز، بخلاف الحديث القدسيّ، وإن كان في أعلى درجات البلاغة، وأن القرآن يُتَعَبَّدُ بتلاوته في الصلاة وغيرها، بخلاف الحديث القدسيّ، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): بيان فضل الله - ﷾ - على عبده المؤمن، حيث يكتب له ما حدّث به نفسه من الحسنة، ويعفو عنه نظيرها من السيّئة. ٣ - (ومنها): بيان تضعيف الحسنة بعشر أمثالها. ٤ - (ومنها): إثبات حفظ الملائكة لبني آدم، ومراقبتهم لأعمالهم كلّها، قال في «الفتح»: فيه دليلٌ على أن الملك يَطَّلع على ما في قلب الآدميّ، إما بإطلاع الله تعالى إياه، أو بأن يخلُق له علمًا يُدْرِك به ذلك، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي الدنيا، عن أبي عِمران الْجَوْنيّ، قال: «يُنادَى الملك: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقول: يا رب، إنه لم يعمله، فيقول: إنه نواه»، وقيل: بل يجد الملك للهَمّ بالسيئة رائحةً خبيثةً، وبالحسنة رائحةً طيبةً، وأخرج ذلك الطبريّ، عن أبي معشر المدنيّ، وجاء مثله عن سفيان بن عيينة، قال الحافظ: ورأيت في شرح مغلطاي أنه وَرَدَ مرفوعًا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في صحة هذه الروايات نظر، فليتأمل، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قاله الإمام أبو جعفر الطبريّ : في هذه الأحاديث دليل على أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب، وعقدها، خلافًا لمن قال: إنها لا تكتب إلا الأعمال الظاهرة . وقال القرطبيّ عند قوله: «إنما تركها من جرّاي»: فيه إخبار منه تعالى للملائكة بما لم يعلموا من إخلاص العبد في الترك، ومن هنا قيل: إن الملائكة لا تطّلع على إخلاص العبد، وقد دلّ عليه قوله - ﷺ - في حديث حُذيفة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، وقد سأله عن الإخلاص ما هو؟ فقال: «قال الله - ﷿ -: هو سرّ من سرّي، استودعته قلب من أحببتُ من عبادي»، والحديث الآخر الذي يقول الله فيه للملائكة التي تكتب الأعمال حين تَعرِضها عليه: «أَلْقُوا هذا، واقبَلوا هذا»، فتقول الملائكة: وعزّتك ما رأينا إلا خيرًا، فيقول الله: «إن هذا كان لغيري، ولا أقبل من العمل إلا ما ابتُغي به وجهي». انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الحديث الأول، فضعيف جدًّا، قال الحافظ العراقيّ: رويناه من مسلسلات القزوينيّ، وفيه: أحمد بن عطاء، وعبد الواحد بن زيد، كلاهما متروك، ورواه أبو القاسم القشيريّ في«الرسالة»من حديث عليّ بن أبي طالب - ﵁ - بسند ضعيف. انتهى . وأما الحديث الثاني، فقد أخرجه الطبرانيّ في«الأوسط»بإسنادين، قال الحافظ أبو بكر الهيثميّ : ورجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه البزّار، والبيهقيّ في«الشعب»(٦٨٣٦)، وضعّفه الشيخ الألبانيّ من رواية السِّلَفيّ في«معجم السفر»(٢/ ٥٠)، وقال في إسناده: الحارث بن غسّان مجهول، وعمر بن يحيى اتّهمه ابن عديّ بسرقة الحديث عن يحيى بن بسطام، وهو ضعيف جدًّا. انتهى . لكن رواية الطبرانيّ في«الأوسط» إسنادها - كما قال الهيثميّ -: رجال الصحيح، فالظاهر أنها صحيحة، والله تعالى أعلم. والظاهر أن الحديث يدلّ على أن الإخلاص والرياء مما لا تطّلع عليه الحفظة، فيستثنى مما يطّلعون عليه من أعمال قلوب بني آدم، فتدبّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة إذا كان الهَمُّ سرًّا بين العبد وبين ربّه، فكيف تطّلع الملائكة عليه؟. فأجاب قائلًا: الحمد لله، قد رُوي عن سفيان بن عيينة في جواب هذه المسألة، قال: إنه إذا همّ بحسنة شمّ الملك رائحة طيّبةً، وإذا همّ بسيّئة شمّ رائحةً خبيثةً. والتحقيق: أن الله تعالى قادر على أن يُعلم الملائكة بما في نفس العبد، كيف شاء، كما هو قادر على أن يُطلِع بعض البشر على ما في الإنسان، فإذا كان بعض البشر قد يجعل الله له من الكشف ما يَعلم به أحيانًا ما في الإنسان، فالملك الموكّل بالعبد أولى بأن يعرّفه الله ذلك، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]: إن المراد به الملائكة، والله قد جعل الملائكة تُلقي في نفس العبد الخواطر، كما قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «إن للملك لِمّةً، وللشيطان لِمّة، فلِمّة الملك تصديق بالحقّ، ووعد بالخير، ولمّةُ الشيطان تكذيب بالحقّ، وإيعاد بالشرّ»، وقد ثبت عنه - ﷺ - في «الصحيح» أنه قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وُكّل به قرينه من الملائكة، وقرينه من الجنّ»، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وأنا، إلا أن الله قد أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بخير». فالسيّئة التي يَهُمّ بها العبد إذا كانت من إلقاء الشيطان علم بها الشيطان، والحسنة التي يَهُمّ بها العبد إذا كانت من إلقاء الملك علم بها الملك أيضًا بطريق الأولى، وإذا علم بها هذا الملك، أمكن علم الملائكة الحفظة لأعمال بني آدم. انتهى كلامه . ٦ - (ومنها): بيان أدب الملائكة مع ربّهم - ﷾ -، حيث إنهم مع أنه أمرهم بكتابة أعمال العباد لا يكتبون إلا بعد استئذانهم، وانتظارهم أمره لهم بالكتابة. ٧ - (ومنها): بيان حكمة أمر الله - ﷾ - بكتابة أعمال العباد ونيّاتهم مع أنه أبصر بذلك وأعلم من الملائكة، وذلك ليكون حجة عليهم بما كُتب حالَ عملهم، كما قال الله - ﷿ -: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤]. ٨ - (ومنها): بيان فضل مراقبة الله تعالى، والخوف منه؛ لأن كتابة ما همّ به من السيّئة حسنةً إنما هو لأجل أنه تركها خوفًا من الله تعالى؛ لقوله: «إنما تركها من جراي». ٩ - (ومنها): بيان فضل إحسان الإسلام، وذلك بأن يدخل فيه دخولًا كاملًا، كما أمر الله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا
مصادر المؤلف (١٥)

١. «تدريب الراوي على تقريب النواوي» ٢/ ١١٦ - ١١٨.

٢. «الفتح» ١/ ١٢٤ «كتاب الإيمان» رقم الحديث (٤٢).

٣. راجع:«المصباح المنير»١/ ٢٣٤.

٤. راجع:«الصحاح»٥/ ١٨٣٨، و«لسان العرب»١٤/ ١٤٢، و«تاج العروس»١٠/ ٧٢.

٥. رواه مسلم في«صحيحه»في«كتاب البرّ والصلة»برقم (٢٦١٩).

٦. «المفهم»١/ ٣٤٢ - ٣٤٣.

٧. «الفتح»١/ ١٢٤«كتاب الإيمان»رقم (٤٢).

٨. «الفتح» ١١/ ٣٣٢ «كتاب الرقاق» رقم (٦٤٩١).

٩. هكذا في «الفتح»، و«إكمال المعلم»، وغيرهما، ووقع في «شرح النووي:»أبو جعفر الطحاويّ«، فليُحرّر.

١٠. راجع:«شرح النوويّ»٢/ ١٥٢.

١١. «المفهم»١/ ٣٤٣.

١٢. راجع: «إتحاف السادة المتّقين» ١٠/ ٤٣.

١٣. قال الطبرانيّ في «الأوسط»: حدثنا أبو مسلم، ثنا عبد الله بن عبد الوهّاب الْحَجَبيّ، ثنا الحارث بن عُبيد أبو قُدامة، عن أبي عمران الْجَوْنيّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يؤتى يوم القيامة بصُحُف مختمة، فتُنصب …» الحديث، وأبو مسلم شيخه اسمه إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز البصريّ، صاحب «كتاب السنن» ثقة، توفي سنة (٢٩٢ هـ). راجع: «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٦٢٠، وبقية رجاله رجال الصحيح.

١٤. «السلسلة الضعيفة» ٦/ ١٩٤ رقم (٢٦٧٢).

١٥. «مجموع الفتاوى» ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤.