HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٤

حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ (وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ) قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ«لا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا، خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص83
ج ١ ص ١١٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص٦٣١
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما انتقد به أبو الفضل على المصنّف أنه رجّح إرسال هذا الحديث على إسناده؛ لمخالفة سُعير للأكثر، والأوثق منه، لكن يُجاب عن المصنّف بأنه إنما أورد الحديث شاهدًّا لحديث أبي هريرة - ﵁ - الذي أخرجه قبله، لا أصالةً، ومعلوم أن الشواهد يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٠] (١٣٤) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ»). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) أبو عليّ الْخَزّاز الضرير المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن الدَّرَاورديّ، وابن المبارك، وهشيم، ويحيى بن أبي زائدة، وابن عيينة، وابن وهب، وبِشْر بن السَّرِيّ، وحاتم بن إسماعيل، والوليد بن مسلم، ومروان بن شُجَاع، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وروى البخاري عن محمد بن عبد الرحيم البزاز، ومحمد بن عبد الله المخرّميّ عنه، وحَدّث عنه أحمد بن حنبل، وهو حيّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والذُّهْليّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وجماعة. قال ابن معين، والعجليّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وصالح بن محمد: ثقة، وقال ابن قانع: ثقةٌ ثبتٌ. وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي من حفظه ببغداد سنة خمس عشرة ومائتين بعدما عَمِي، وقال أبو داود: سمعت الثقة يقول: قال هارون بن معروف: رأيت في المنام قيل لي: من آثر الحديث على القرآن عُذِّب، قال: فظننت أن ذهاب بصري من ذلك، قال ابن أبي خيثمة: سمعته في شوال في سنة سبع وعشرين ومائتين يقول: أنا في سبعين سنة، ومات سنة إحدى وثلاثين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد أبو القاسم البغويّ: في رمضان. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٣٣) حديثًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ) بن الزبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّم قريبًا. ٤ - (هِشَام) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما دلّس [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو، والبخاريّ، وأبو داود، والثاني ما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه: هشام عن أبيه. ٤ - (منها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه أبو هريرة - ﵁ -، وقد سبق الكلام عنه قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ) أي يسأل بعضهم بعضًا عن العلوم والموجودات، والتساؤل جريان السؤال بين اثنين فصاعدًا، ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان، أو النفس، أو إنسان آخر: أي يجري بينهما السؤال في كلّ نوع، (حَتَّى) يبلغ السؤال إلى أن (يُقَالَ) بالبناء للمفعول، وقد بُيِّن الفاعل في الروايات الآتية بأنه الشيطان، أو أنهم القائلون، ففي الرواية الثانية، والثالثة، والرابعة:«يأتي الشيطان أحدكم، فيقول»، وفي الرواية الخامسة، والسادسة:«حتى يقولوا»: أي في أنفسهم، أو لغيرهم، (هَذَا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ) قال التوربشتيّ: لفظ«هذا»يحتمل وجهين: [أحدهما]: أن يكون مفعولًا، والمعنى: حتى يقال هذا القول. [والثاني]: أن يكون مبتدأ حُذف خبره: أي هذا القول، أو قولك هذا قد عُلم، أو عُرِف. قال: رواه مسلم في كتابه على هذا السياق عن أبي هريرة - ﵁ -، ورواه أيضًا عن أنس - ﵁ -، وفي روايته:«يقال: هذا الله خَلَقَ الخلقَ»، كذلك رواه البخاريّ في كتابه عن أبي هريرة - ﵁ -، والحديث على السياق محتمِلٌ لوجه آخر سوى الوجه الذي ذكرناه أوّلًا، وهو أن يكون«هذا الله»مبتدأ وخبرًا، أو«هذا»مبتدأ، و«الله»عطف بيان، و«خَلَقَ الله الخلقَ»خبره، وأكثر رواة هذا الحديث يروونه على هذا السياق، وكلا السياقين صحيح. قال الطيبيّ بعد ذكره كلام التوربشتيّ: قوله:«هذا»مبتدأ حُذف خبره، أولى الوجوه، لكن تقديره على ما ذكره، وذلك أن يقال: هذا مقرَّرٌ، أو مُسلَّمٌ، وهو أن الله تعالى«خَلَقَ الخلقَ»، فما تقول في«الله»؟، فإن الله تعالى شيء، لقوله ﷿: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٩]، وكلُّ شيء مخلوقٌ؛ لقوله ﷿: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] فمن خلقه؟ فعلى هذا، الفاء رتّبت ما بعدها على ما قبلها، وقوله:«خَلَقَ اللهُ الخلقَ»بيانٌ لقوله: هذا مسلّمٌ، وبهذا المعنى لا يستقيم أن يقال: إن هذا مقول، وما بعده بيان له؛ لأن الفاء تدفعه. ووجه آخر، وهو أن يقدّر: هذا القول مقرَّرٌ، فوُضِعَ«خَلَقَ اللهُ الخلقَ» موضع القول، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ١١]، أي إذا قيل لهم هذا القول؛ لأن ﴿لَا تُفْسِدُوا﴾ فعل لا يقع مفعولًا إلا على التأويل، وهذا القول كُفْرٌ، فمن تكلّم به، فليتداركه بكلمة الإيمان، وليقل: آمنت بالله خالق كلّ شيء، وليس بمخلوق، ولا يُتصوَّر كُنْهَه وَهْمٌ ولا خَيَال، ولا يحضره فهم ولا مثال. انتهى كلام الطيبيّ بتصرّف . (فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟) الفاء فصيحيّة؛ سميّت بذلك لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدّر كما يأتي، و«من» استفهاميّة مبتدأ، والجملة بعده خبره، والجملة جواب الشرط المقدّر، أي إذا ثبت أن الله تعالى خلق كلّ الخلق، فمن خلق … إلخ؟. (فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) إشارة إلى القول المذكور، و«من ذلك» حالٌ من «شيئًا»، أي من صادف شيئًا من ذلك القول والسؤال، أو وجد في خاطره شيئًا من جنس ذلك المقال، قاله القاريّ . (فَلْيَقُلْ) أي فورًا من حينه (آمَنْتُ بِاللهِ) زاد في الرواية التالية: «ورُسُله»، ولأبي داود، والنسائيّ من الزيادة: «فقولوا: الله أحد، الله الصمد، السورةَ، ثم لْيَتْفُل عن يساره، ثم ليستعذ»، ولأحمد من حديث عائشة: «فإذا وَجَدَ أحدكم ذلك، فليقل: آمنت بالله ورسوله، فإن ذلك يَذْهَبُ عنه» . قال القرطبيّ: قوله: «قل: آمنت بالله» أمرٌ بتذكّر الإيمان الشرعيّ، واشتغال القلب به؛ لتمحى تلك الشبهات، وتضمحلّ تلك التّرّهات، وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تَعْرِضُ التّرّهاتُ لها، ولا تمكُثُ فيها، فإذا استُعملت هذه الأدوية على نحو ما أمر به بقيت القلوب على صحّتها، وحُفِظت سلامتها. فأما القلوب التي تمكّنت أمراض الشُّبَه فيها، ولم تقدِر على دفع ما حلّ بها بتلك الأدوية المذكورة، فلا بدّ من مشافهتها بالدليل العقليّ، والبرهان القطعيّ، كما فَعَل النبيّ - ﷺ - مع الذي خالطته شبهة الإبل الْجُرْبِ حين قال النبيّ - ﷺ -: «لا عَدْوَى»، فقال أعرابيّ: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟، فقال النبيّ - ﷺ -: «فمن أعدى الأول؟»، متّفقٌ عليه، فاستأصل الشبهة من أصلها. وتحرير ذلك على طريق البرهان العقليّ أن يقال: إن كان الداخل أجربها، فمن أجربه، فإن كان أجربه بعيرٌ آخر كان الكلام فيه كالكلام في الأول، فإما أن يتسلسل، أو يدور، وكلاهما محال، فلا بدّ أن نقف عند بعير أجربه الله من غير عَدْوَى، وإذا كان كذلك، فالله تعالى هو الذي أجربها كلّها: أي خَلَقَ الْجَرَبَ فيها. انتهى . وفي الرواية التالية: «فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولْيَنْتَهِ»: أي ليَكُفّ عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعه، وليَعْلَمْ أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها. قال الخطابيّ: وجهُ هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك، فاستعاذ الشخص بالله منه، وكَفّ عن مطاولته في ذلك اندفع، قال: وهذا بخلاف ما لو تَعَرَّض أحد من البشر بذلك، فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان، قال: والفرق بينهما أن الآدمي يَقَع منه الكلام بالسؤال والجواب، والحالُ معه محصور، فإذا راعى الطريقة، وأصاب الحجة انقطع، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء، بل كلّما أُلزم حجة زاغ إلى غيرها، إلى أن يفضي بالمرء إلى الحيرة، نعوذ بالله من ذلك. قال: على أن قوله: «فمَن خَلَق الله» كلام متهافتٌ ينقض آخره أوله؛ لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقًا، ثم لو كان السؤال مُتّجهًا لاستلزم التسلسل، وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى مُحْدِثٍ، فلو كان هو مفتقرًا إلى مُحْدِث لكان من المحدثات. انتهى. قال الحافظ: والذي نحا إليه الخطابيّ من التفرقة بين وسوسة الشيطان ومخاطبة البشر فيه نظر؛ لأن في رواية المصنّف الآتية: «لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا خَلَقَ اللهُ الخلقَ، فمن خلق الله؟ فمن وَجَدَ من ذلك شيئًا، فليقل: آمنت بالله»، فسَوَّى في الكفّ عن الخوض في ذلك بين كل سائل عن ذلك، من بشر وغيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب الحافظ لكلام الخطابي في تفرقته المذكورة حسنٌ جدًّا. وحاصله أن النصّ لم يفرّق بين نوع ونوع، بل سوّى بينهم، فلا ينبغي التفريق، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم. وقال ابن بطّال: إن هذا السؤال: «من خَلَقَ الله؟» لا ينشأ إلا عن جهل مُفرِط، فإن الموسوس إن قال: ما المانع أن يخلُق الله تعالى نفسه؟، قيل له: هذا ينقض بعضه بعضًا؛ لأنك أثبتّ خالقًا، وأوجبت وجوده، ثم قلت: يخلُقُ نفسه، فأوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجودًا معدومًا فاسد؛ لتناقضه؛ لأن الفاعل يتقدّم وجوده على وجود فعله، فيستحيل كون نفسه فعلًا له. انتهى. وقال ابن التين: لو جاز لمخترع الشيء أن يكون له مخترع لتسلسل، فلا بدّ من الانتهاء إلى موجد قديم، والقديم من لا يتقدّمه شيء، ولا يصحّ عدمه، وهو فاعل لا مفعول، وهو الله ﵎. انتهى. وقال النوويّ قوله: «فليستعذ بالله، ولينته»: معناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه. قال المازريّ: ظاهر الحديث أنه - ﷺ - أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرّدّ لها من غير استدلال، ولا نظر في إبطالها، قال: والذي يقال في هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرّة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تُدفَع بالإعراض عنها، وعلى هذا يُحْمَل الحديث، وعلى مثلها يَنطلق اسم الوسوسة، فكأنه لَمّا كان أمرًا طارئًا بغير أصل، دُفِع بغير نظر في دليل؛ إذ لا أصل له يُنظَر فيه، وأما الخواطر المستقِرَّة التي أوجبتها الشبهة، فإنها لا تُدفع إلا بالاستدلال، والنظر في إبطالها. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا فرّق المازريّ بين الخواطر المستقرّة وغير المستقرّة، وحمل الحديث على غير المستقرّة، وأما المستقرّة، فلا ينفعها ما ذكره النبيّ - ﷺ - من الداء، وهكذا نقل النوويّ وصاحب «الفتح» عنه، وأقرّوه عليه، وهذا من الغريب، فإن الرسول الذي أرسله الله تعالى لهداية الخلق أجمعين، وإزالة الشُّبَه بأنواعها يصف دواء لهذا الداء، هو من أدوى الأدواء حيث إنه يوسوس في الخالق ﷾، فيقول: «فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولينته»، وما فصّل وما فرّق بين ما استَحْكَم من هذا الداء، وبين ما لم يستحكم، بل أطلق إرشاده، وبيّن أن دواءه هو هذا، وهو في مقام البيان، يحتاج إلى أن يبيّن للأمة الأميّة أتمّ البيان، فلو كان الأمر يحتاج إلى ذلك، لما سكت عنه، فلا يسع العاقل إلا أن يستعمل النصّ العامّ على عمومه، ولا يحمله على الخصوص بدون حجة. ثم إن هذا الذي ذكره المازريّ من أن الخواطر المستقرّة لا تُدفع إلا بالاستدلال والنظر هو الذي فتح باب الشُّبه والأفكار الخاطئة على المتكلّمين، وأذنابهم، فتاهوا في فيافي الحيرة، ووقعوا في جُحر الشكّ والارتياب لدى بحثهم عن حقيقة ربّ الأرباب، فصار النتيجة أن خرجوا من الدنيا مرتابين معرضين عن ربّهم، متحيّرين هائمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبالجملة، فهذا الباب مرجعه الصحيح، ودواؤه المريح هو الذي جاء في كتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه - ﷺ -، كما أرشد إليه ربنا ﷾، حيث يقول: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤]. وهذا هو منهج السلف الأسلم الأعلم الأحكم، وقد تقدّم ذكر ما نُقل عن الأئمة المعتبرين الذي سلكوا مسلك المتكلّمين، ثم هداهم الله إلى طريقة السلف، وتابوا عن طريق المتكلّمين، فحذّروا الناس من اتباع طريقة المتكلّمين، كالجوينيّ، والغزاليّ، والرازيّ، والشهرستانيّ مستوفًى في المسائل التي ذُكرت في شرح حديث جبريل؛ أولَ «كتاب الإيمان»، فراجعه تزدد علمًا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: ذكر في «الفتح»: أنه وقع نحوُ هذه المسألة في زمن الرشيد في قصة له مع صاحب الهند، وأنه كتب إليه: هل يقدر الخالق أن يخلق مثله؟ فسأل أهل العلم، فبَدَرَ شابّ، فقال: هذا السؤال مُحالٌ؛ لأن المخلوق مُحْدَث، والمحدَث لا يكون مثل القديم، فاستحال أن يقال: يقدر أن يخلق مثله، أو لا يقدر، كما يستحيل أن يقال في القادر العالم: يقدر أن يصير عاجزًا جاهلًا. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٦٣/ ٣٥٠ و٣٥١ و٣٥٢ و٣٥٣] (١٣٤) و[٦٣/ ٣٥٤ و٣٥٥ و٣٥٦ و٣٥٧] (١٣٥)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٢٧٦)، و(أبو داود) في «السنّة» (٤٧٢١)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (٦٦١ و٦٦٢ و٦٦٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٨٢ و٣١٧ و٣٣١ و٣٨٧ و٥٣٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١١٥٣)، و(الدارميّ) في «الردّ على الجهميّة» (ص ٩ و١٠)، و(الطبرانيّ) في «الدعاء» (١٢٥٦ و١٢٦٦ و١٢٦٧ و١٢٦٨)، و(ابن السّنّيّ) في «عمل اليوم والليلة» (٦٢٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٣٣ و٢٣٤ و٢٣٦ و٢٣٧ و٢٣٨)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٣٤٣ و٣٤٤ و٣٤٥ و٣٤٦ و٣٤٧ و٣٤٨ و٣٤٩ و٣٥٠)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٣٥٢ و٢٥٣ و٣٥٤ و٣٥٥ و٣٥٧ و٣٥٨ و٣٥٩ و٣٦٠ و٣٦١ و٣٦٢ و٣٦٣ و٣٦٤)، (وابن حبّان) في «صحيحه» (٦٧٢٢)، و(اللالكائيّ) في «السنّة» (٩٢٥ و٩٢٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٦١ و٦٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الوسوسة لا تضرّ بالإيمان؛ لأنها مجرّد تلبيس الشيطان، وهذا وجه المطابقة في إيراده هنا. ٢ - (ومنها): وجوب الإعراض عن هذه الوساوس، وعدم الإصغاء إليها، والالتجاء إلى الله تعالى في دفع شرّه عنه، وأن يعلم العبد أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فليُعْرِض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها. ٣ - (ومنها): وجوب تجديد الإيمان كلما وَجَد الإنسان في قلبه شيئًا من الوسواس، فيقول: آمنت بالله، ورسوله - ﷺ -. ٤ - (ومنها): وجوب الاستعاذة بالله تعالى، والالتجاء إليه في دفع وساوس الشيطان؛ لأنه القادر عليه، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥]. ٥ - (ومنها): أن يجعل العبد عداوة الشيطان نُصبَ عينيه دائمًا، ويتذكّرَ بالاستمرار قوله ﷿: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧]، وقوله ﷿: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]، وقوله ﷿: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]. فإذا علم العبد ذلك، وأنه عدوّ لدود، لا يمكن التغلّب عليه، فإن العدوّ إذا كان يُرَى أمكن مدافعته، وأما العدوّ الذي لا يُرى، فلا يمكن الحذر منه، فما بقي للعبد إلا أن يلجأ إلى الذي يراه، ويقدر على دفعه، وهو الله ﷾، فقد أمر باتخاذه عدوًّا، مع إعلامه بأنه يرانا من حيث لا نراه، ثم أخبرنا بأنه ليس له سبيل إلى التسلّط وإلحاق الضرر بعباده، فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، فبيّن أن الطريق الوحيد في دفعه الالتجاء إليه، والاستعاذة به، والتحصّن بالتوكّل عليه، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]، فيا سعادة من توكّل عليه، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ويا فوز من اتقاه، والتجأ في أموره إليه، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، اللهم اجعلنا ممن توكّل عليك، فكفيته، واتقاك، فأنلته بُغيته، آمين. ٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى ذَمّ كثرة السؤال عما لا يَعْنِي المرء، وعما هو مُسْتَغْنٍ عنه. ٧ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبيّ - ﷺ - بوقوع ذلك، كما أخبر بذلك أبو هريرة - ﵁ - في حديثه الآتي، حيث قال: «قد سألني اثنان، وهذا الثالث»، أو: «سألني واحد، وهذا الثاني»، وذكر أيضًا أن ناسًا من الأعراب سألوه، ولذا قال: «صدق الله ورسوله - ﷺ -»، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. ٨ - (ومنها): بيان وسوسة الشيطان، وعلاجها، وهو الاستعاذة، فإنه يندفع بذلك. ٩ - (ومنها): الأمر بالكفّ عن التفكير عند خوف الزلل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥١] (…) - (وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْر، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللهُ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِه، وَزَادَ:»وَرُسُلِهِ«). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م ت س ق) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨١. ٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنة (ع) تقدم في«المقدمة» ٦/ ٣٦. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ) محمد بن مسلم بن أبي الوضّاح، واسمه المثنّى الْقُضَاعيّ الْجَزَريّ، نزيل بغداد، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعبد الكريم بن مالك الْجَزَريّ، وسليمان التيميّ، والأعمش، وثابت بن أبي سعيد، ومِسْعَر، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه مهديّ، وأبو النضر، ويحيى بن حَسّان، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، ومنصور بن أبي مُزاحِم، وداود بن عمرو، ومحمد بن بَكَار بن الرّيّان. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ، والنسائيّ، وأبو حاتم: ثقة، وقال أبو داود: جَزَريّ ثقة، مُعَلِّم موسى الخليفة، وقال يعقوب بن سفيان: كان مُؤَدِّب موسى قبل أن يُسْتَخْلَف، وهو ثقة، وقال البخاريّ: فيه نظر، وقال يعقوب بن عُقْدة، عن عبد الله بن إبراهيم بن قُتيبة: سئل ابن نُمير عن أبي سعيد، فقال: صالحٌ لا بأس به، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مستقيم الحديث، وقال ابن سعد: مات في خلافة موسى الهادي، وكان ثقة، وقال أبو زرعة: بصريّ ثقةٌ، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال أحمد بن صالح: ثقة ثقة، قالها مرتين. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف هذا الحديث فقط، والأربعة. ٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد هشام المذكور قبله. وقوله: (يَأْتِي الشَّيْطَانُ) أي إبليس، أو أحد أعوانه (أَحَدَكُمْ) تقدّم أن مثل هذا ليس المقصود به الرجال فقط، فإن النساء في هذا مثلهم، وإنما وجّه الخطاب إليهم، وخصّهم به؛ لكونهم الذين حضروا مجلس تحديثه - ﷺ -، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَيَقُولُ: اللهُ) أي يقول المسلم الذي سأله الشيطان السؤال المذكور جوابًا عنه: الله هو الذي خلق السماء والأرض. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِه، وَزَادَ: «وَرُسُلِهِ») الضمير لأبي سعيد المؤدّب: أي ذكر أبو سعيد في روايته عن هشام بن عروة بمثل رواية سفيان بن عيينة عنه، وزاد في آخر الحديث قوله: «ورُسُله». [تنبيه]: رواية أبي سعيد المؤدّب التي أحالها المصنّف على رواية سفيان بن عيينة ساقها الحافظ ابن منده في «الإيمان» (١/ ٤٧٨)، فقال: (٣٥٣) أنبأ حَسّان بن محمد، أبو الوليد، ثنا جعفر بن أحمد بن نصر وغيره، قال: ثنا محمود بن غَيْلان، ثنا أبو النَّضْر، هاشم بن القاسم، ثنا أبو سعيد المؤدِّب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبيّ - ﷺ - قال: «يأتي الشيطان أحدَكم، فيقول: مَنْ خَلَقَ السماء؟، ومن خَلَق الأرض؟، فيقول: الله، فيقول: مَن خَلَق الله؟ فمَن وَجَدَ من ذلك شيئًا، فليقل: آمنت بالله ورُسُلِه». انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٢] (…) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّه، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعِذْ بِالله، وَلْيَنْتَهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة الزهريّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٦]. رَوَى عن أبيه، وعمّه، وصالح بن عبد الله بن أبي فَرْوَة، وعِدَّةٍ. ورَوَى عنه محمد بن إسحاق، وهو أكبر منه، وعبد الرحمن بن إسحاق المدنيّ، ومات قبله، وإبراهيم بن سعد، وأمية بن خالد الأزديّ، وأبو أويس المدني، وعبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْديّ، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، والقعنبيّ، وغيرهم. قال أبو طالب، عن أحمد: لا بأس به، وقال مرَّةً: صالح الحديث، وقال عثمان الدارميّ، عن يحيى: ضعيف، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بذاك القويّ، وقال مرّةً: صالح، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ابن أخي الزهريّ أحب إليّ من ابن إسحاق في الزهريّ، وقال العقيليّ، عن ابن معين: ضعيف، لا يُحْتَجّ بحديثه، قال: وأما محمد بن يحيى، فجعله من الطبقة الثانية، من أصحاب الزهريّ، مع أسامة بن زيد، وابن إسحاق، وأبي أويس، وفُلَيح، قال: وهؤلاء كلهم في حال الضعف والاضطراب، قال: وقال محمد بن يحيى: إذا اختَلَفَ أصحاب الطبقة الثانية، كان الْمَفْزَع إلى أصحاب الطبقة الأولى، قال: وقد رَوَى ابن أخي الزهري ثلاثة أحاديث، لم نجد لها أصلًا، فذكر حديثه عن عمه، عن سالم، عن أبي هريرة، رفعه: «كُلُّ أمتي مُعَافًى إلا المجاهرون»، وبه عن أبي هريرة، قوله إذا خطب: «كلُّ ما هو آتٍ قريب …» الحديث، والثالث حديثه عن امرأته، أم الحجاج بنت الزهريّ، قالت: كان أبي: يأكل بكفّه، فقلت: لو أكلتَ بثلاث أصابع، قال: إن النبيّ - ﷺ - كان يأكل بكفّه كلِّها، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يُكتَبُ حديثه، وقال الآجريّ: سئل أبو داود عن ابن أخي الزهريّ، فقال: لم أسمع أحدًا يقول فيه بشيء، إلا أن أحمد بن صالح، حَكَى عن ابن أبي أُويس، قال أبو داود: طوبى لابن أبي أويس، أن يقاربه، وقال مرة أخرى: سألت أبا داود عنه، فقال: ثقةٌ، سمعت أحمد يُثْنِي عليه، وأخبرني عباس، عن يحيى بالثناء عليه، وقال ابن عديّ: لم أر بحديثه بأسًا، ولا رأيت له حديثًا منكرًا، فأذكره، إذا روى عنه ثقةٌ. وقال الواقديّ: قتله غلمانه بأمر ابنه لأمواله بناحية شغب وبَدا، وكان ابنه سفيهًا شاطرًا، قتله للميراث، وذلك في آخر خلافة أبي جعفر سنة (١٥٢)، وليس له عقب، وكان كثير الحديث، صالحًا. وقال ابن حبان: مات سنة سبع وخمسين ومائة، وكان رديء الحفظ، وكثير الْوَهَم، وقال الساجيّ: صدوقٌ، تفرَّد عن عمه بأحاديث، لم يتابع عليها، وقال الحاكم: إنما أخرج له مسلم في الاستشهاد. انتهى. قال في «تهذيب التهذيب» : ولم أَرَ له في البخاريّ غير حديثين، وقال ابن معين: هو أمثل من أبي أويس، ويقال: إنه انفرد عن عمه بحديث: «كُلُّ أمتي مُعافًى إلا المجاهرون» ، و«كان - ﷺ - يأكل بكفه كلها»، وقولِ أبي هريرة في خطبته: «كلُّ ما هو آتٍ قريب»، ورَوَى الواقديّ عنه، عن عمه حديثًا آخر، والواقديّ غير حجة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: («مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟) أي من خلق السماء، ومن خلق الأرض، كما سبق في الرواية الماضية. وقوله: (فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ) أي قوله:«من خَلَقَ ربك؟ »(فَلْيَسْتَعِذْ بِالله، وَلْيَنْتَهِ«) قال الطيبي: أي وليترك التفكّر في هذا الخاطر، وليستعذ منه، وإن لم يزل التفكّر بالاستعاذة، فليقُم، وليشتغل بأمر آخر، وإنما أَمره بالاستعاذة، والانتهاء عنه، والإعراض عن مقابلته، لا بالتأمّل، والاحتجاج لوجهين: [الأول]: أن العلم باستغنائه ﷾ عن المؤثّر والموجد أمر ضروريّ، لا يقبل الاحتجاج والمناظرة له وعليه، فإن وقع من ذلك شيء كان من وسوسة الشيطان؛ لأنه مسلَّطٌ في باب الوسوسة، ووساوسه غير متناهية، فمهما عارضته فيما يوسوس بحجة يجد مسلكًا آخر إلى ما ينفيه من المغالطة والتشكيك، وأدنى ما يُفيده من الاسترسال في ذلك إضاعة الوقت، فلا تدبير في دفع ذلك أقوى، وأحسن من الاستعاذة بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٠]. [وثانيهما]: أن السبب في اعتوار أمثال ذلك احتباس المرء في عالم الحسّ، وما دام كذلك لا يزيده فكره إلا انهماكًا في الباطل، وزَيْغًا عن الحقّ، ومن كان هذا حاله فلا علاج له إلا الالتجاء إلى الله تعالى؛ للاعتصام بحوله وقوّته بالمجاهدة والرياضة، فإنهما مما يُزيل البلادة، ويُصفّي الذهن، ويزكّي النفس . انتهى كلام الطيبيّ، وهو كلام حسنٌ. وقال النوويّ: قوله - ﷺ -: «فليستعذ بالله، ولينته»: معناه: إذا عَرَض له هذا الوسواس، فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره عنه، ولْيُعْرِض عن الفكر في ذلك، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فلْيُعْرِض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٣] (…) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَأْتِي الْعَبْدَ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟»، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١.
مصادر المؤلف (١٠)

١. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥١٩ - ٥٢٠.

٢. «المرقاة» ١/ ٢٤٣.

٣. راجع: «الفتح» ١٣/ ٢٨٧ «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة» رقم (٧٢٩٦).

٤. «المفهم»١/ ٣٤٥ - ٣٤٦.

٥. «شرح النوويّ» ٢/ ١٥٥.

٦. «الفتح» ١٣/ ٢٨٨ «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» رقم (٧٢٩٦).

٧. قال في «التقريب»: صدوقٌ يَهِمُ، وعندي أنه ثقة، كما يظهر من توثيق الجمهور له، وأما قول البخاريّ: «فيه نظر» مجملًا، في مقابلة توثيق هؤلاء الأئمة المفصّل، فمحلّ نظر، ولعله في حديث خاصّ أخطأ فيه، فاقرأ أقوال الأئمة في ترجمته بتأمل، يظهر لك ما قلته، والله تعالى أعلم.

٨. «تهذيب التهذيب» ٣/ ٦١٦ - ٦١٧.

٩. متفقٌ عليه.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥١٨ - ٥١٩.