HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ. قَالَ ابْنُ أَيُّوب: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ (سَمِعَهُ فِيمَا أَعْلَمُ) عَنْ أبيه، عن أبي ذر؛ إن النبي ﷺ قَالَ يَوْمًا «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال «إن هذه الشمس تجري حتى تنتهي تَحْتَ الْعَرْشِ. فَتَخِرُّ سَاجِدَةً. فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي. ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جئت. فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا. ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تنتهي إلى مستقرها ذاك، تَحْتَ الْعَرْشِ. فَتَخِرُّ سَاجِدَةً. وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي. ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَرْجِعُ. فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا. ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسَ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ، تَحْتَ الْعَرْشِ. فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي. أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ. فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا«. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»أَتَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ ﴿حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خيرا﴾ « [٦/الأنعام/ آية ١٥٨].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص95
ج ١ ص ١٣٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٣٣٦
والحاصل أن تعيين الدابّة، وصفتها، ومكان خروجها مما لا دليل عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال أبو العبّاس القرطبي ﵀: قال بعض المتأخّرين من المفسّرين: الأقرب أن تكون هذه الدابّة إنسانًا متكلِّمًا، يناظر أهل البِدَع والكفر، ويُجادلهم لينقطعوا، فيَهلِك من هَلَك عن بيّنة، وَيحيَى من حَيَّ عن بيّنة. قال القرطبيّ: وإنما كان هذا عند هذا القائل الأقرب؛ لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]، وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابّة آيةٌ خاصّة خارقة للعادة، ولا تكون من جملة العشر الآيات المذكورة في الحديث؛ لأن وجود المناظرين والمحتجّين على أهل البدع كثيرٌ، فلا آية خاصّة، فلا ينبغي أن تُذكَر مع العشر، وترتفع خصوصيّة وجودها. ثم فيه العدولُ عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي يَحتجّ على أهل الأرض باسم الإنسان، أو بالعالم، أو بالإمام إلى أن يُسمَّى بدابّة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير - أي: من كونها دابّة من ذوات الأربع - قال: وأما كيفيّة صفتها وخلقتها، وبماذا يملّمهم، فالله أعلم بذلك. انتهى . وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٦] (١٥٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ ابْنُ أيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ، سَمِعَهُ - فِيمَا أَعْلَمُ - عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمًا: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِن هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْش، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ ، حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْش، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ، حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي، لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْش، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي ، أَصْبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِك، فَتُصْبحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«أتدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] »). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ المذكور قبل حديثين. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الحنظليّ المروزيّ، أبو محمد، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) تقدم في«المقدمة»٥/ ٢٨. ٣ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٣. ٤ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار العَبْديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ ورعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٧٣. [تنبيه]: كون يونس ابنَ عُبيد هو الذي صرّح به أبو نعيم في«المستخرج»١/ ٢٢١ (٣٩٧)، من طريق مؤمّل بن هشام، عن ابن عليّة، وابن حبّان في«صحيحه»١٤/ ٢١ (٦١٥٣)، من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن عليّة، لكن ابن حبّان قال: هكذا قال إسحاق:«عن يونس بن عُبيد، عن إبراهيم التيميّ»، والمشهور هذا الخبر عن يونس بن خبّاب ، عن إبراهيم التيميّ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام ابن حبّان ﵀ يوهم أن إسحاق تفرّد بقوله:«ابن عُبيد»، وفيه نظر؛ لما ذكرنا من أن مؤمّل بن هشام تابعه عليه عند أبي نعيم، فلم ينفرد به، فتأمل، والله تعالى أعلم. ٥ - (إِبْرَاهيمُ بْنُ يَزِيدَ التَّيْمِيُّ) تيم الرباب، أبو أسماء الكوفيّ العابد، ثقةٌ، يرسلُ، ويُدلّس [٥]. رَوَى عن أنس، وأبيه، والحارث بن سُويد، وعمرو بن ميمون، وأرسل عن عائشة. ورَوَى عنه بيان بن بشر، والحكم بن عتيبة، وزُبيد بن الحارث، ومسلم البَطِين، ويونس بن عبيد، وجماعة. قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: ثقةٌ، مرجئ، قتله الحجَّاج بن يوسف، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الأعمش: كان إبراهيم إذا سجد تَجيء العصافير، فتَنْقُر ظهره. وقال الكرابيسي: حدّث عن زيد بن وهب قليلًا، أكثرها مُدَلَّسَةٌ، وقال الدارقطني: لم يسمع من حفصة، ولا من عائشة، ولا أدرك زمانهما، وقال أحمد: لم يَلْقَ أبا ذر، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان عابدًا صابرًا على الجوع الدائم، وقال أبو داود في «كتاب الطهارة» من «سننه»: لم يسمع من عائشة، وكذا قال الترمذي، وقال ابن المديني: لم يسمع من علي، ولا من ابن عباس، وقال القطان في رواية إبراهيم التيمي، عن أنس في القبلة للصائم: لا شيء، لم يسمعه، نقله الضياء الحافظ، قال أبو داود: مات ولم يبلغ أربعين سنة، وقال غيره: مات سنة (٩٢)، وقال الواقدي: مات سنة (٩٤). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. ٦ - (أبوه) يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن عمر، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وأبي مسعود، وحذيفة، وأبي معمر. ورَوَى عنه ابنه إبراهيم، وإبرإهيم النخعي، وجَوّاب التيمي، والحكم بن عتيبة، وهمام بن عبد الله التيمي الكوفيون. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وكان عَرِيفَ قومه، وله أحاديث، وقال أبو موسى المديني في «الذيل»: يقال: إنه أدرك الجاهلية. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا. ٧ - (أَبُو ذَرّ) الغفاريّ الصحابيّ الشهير، اسمه جُندب بن جُنادة على الأصحّ، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، ومناقبه جمّة، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما مرّ آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: يونس، عن إبراهيم، عن أبيه، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأن كليهما من الطبقة الخامسة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ، سَمِعَهُ - فِيمَا أَعْلَمُ - عَنْ أَبِيهِ) هكذا في هذه الرواية عند المصنّف ﵀ من رواية ابن عليّة، عن يونس قال: «سمعه - فيما أعلم - عن أبيه»، وليس ذلك في رواية خالد الطحان التالية، ولا في رواية الأعمش، عن إبراهيم الآتية أيضًا، والظاهر أن القائل: «سمعه … إلخ» هو ابن عليّة، ويحتمل كونه من يونس، ولعله حينما حدّث به ابن عليّة لم يجزم، وجزم حين حدّث به خالدًا الطحّان، والله تعالى أعلم. (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمًا: «أتدْرُونَ) أي: هل تعلمون (أَيْنَ تَذْهَبُ هَذ الشَّمْسُ؟» قَالُوا) أي: الصحابة الحاضرون (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - (إِنَّ هَذِهِ) أي: الشمس (تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا) بصيغة اسم المفعول، أي: محلّ استقرارها، وقوله: (تَحْتَ الْعَرْشِ) ظرف متعلّق بـ «مستقرّ»، يعني: أنها تمرّ مرًّا سريعًا إلى مكانها تحت العرش، شُبّه مستقَرُّها من فلكها بمستقرّ المسافر إذا قَطَع مسيره من حيث إن في كلٍّ انتهاء إلى محلّ معيّن (فتَخِرُّ) بكسر الخاء المعجمة، وضمها، من بابي ضرب، وقعد، قال المجد ﵀: الخَرّ - أي بالفتح -: السقوط، كالخُرور، أو من عُلْوٍ إلى سُفْل، يَخِرُّ - أي بكسر الخاء -، وَيخُرّ - أي بضمّها - انتهى . (سَاجِدَةً) منصوب على الحال، وقال القاضي عياض ﵀: قد اختلفت أقاويل المفسّرين في هذا، فقال القُتَبيّ: مُستقرّها: أقصى منازلها في الغروب، لا تُجاوزه، ثم ترجع، ورُوي عن ابن عبّاس - ﵄ - أنه قرأ هذا الحرف: «لا مُسْتَقَرّ لها»، أي: إنها جاريةٌ أبدًا، لا تثبتُ في موضع واحد، قال بعض أصحاب المعاني: وعلى جمع القراءتين جريُها بحُسبان، لا مستقرّ لها حتى ترتفع إلى أبعد غاياتها، وجريها تحت العرش، وهو مستقرّها على القراءة الأخرى. انتهى . وقال النووي ﵀: هذا مما اختلف المفسّرون فيه، فقال جماعة بظاهر الحديث، قال الواحديّ: وعلى هذا القول إذا غربت كلَّ يوم استقرّت تحت العرش إلى أن تطلُع من مغربها، وقال قتادة، ومقاتل: معناه: تجري إلى وقتٍ لها، وأجلٍ، لا تتعدّاه، قال الواحديّ: وعلى هذا مستقرّها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا، وهذا اختيار الزجّاج، وقال الكلبيّ: تسير في منازلها إلى آخر مستقرّها الذي لا تتجاوزه، ثم ترجع إلى أول منازلها، واختار ابن قُتيبة هذا القول. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال الحافظ ابن كثير ﵀: في معنى قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] قولان: أحدهما أن المراد مُستَقَرّها المكانيّ، وهو تحت العرش، مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش، هي وجميع المخلوقات؛ لأنه سَقْفُها، وليس بِكُرَة، كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قُبَّةٌ، ذات قوائم، تحمله الملائكة، وهو فوق العالم، مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قُبّة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون إلى العرش، فإذا استدارت في فَلَكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون إلى العرش، فحينئذ تسجد، وتستأذن في الطلوع، كما جاءت في ذلك الأحاديث. وقيل: المراد بِمُستقرِّها هو انتهاء سيرها، وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف، وهو أَوْجُها، ثم غاية انخفاضها في الشتاء، وهو الحضيض. والقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يَبطُل سيرها، وتسكن حركتها، وتُكَوَّر، وَيَنتهِي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزمانيّ. قال قتادة: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] أي: لوقتها لأَجَلٍ لا تعدوه، وقيل: المراد أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مُدَّة لا تزيد عليها، ثم تنتقل في مطالع الشتاء إلى مدة لا تزيد عليها، يُرْوَى هذا عن عبد الله بن عمرو - ﵄ -. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس - ﵃ -: «والشمس تجري لا مُسْتَقَرَّ لها»؛ أي: لا قَرَارَ لها، ولا سكون، بل هي سائرة ليلًا ونهارًا، لا تَفْتُر، ولا تَقِفُ، كما قال ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] أي: لا يفتران، ولا يقفان إلى يوم القيامة. انتهى كلام ابن كثير ﵀ باختصار . وقال في «الفتح»: وأما قوله: «تحت العرش» فقيل: هو حين محاذاتها، ولا يخالف هذا قوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، فإن المراد بها نهاية مُدْرَك البصر إليها حال الغروب، وسجودُها تحت العرش إنما هو بعد الغروب. قال: وفي الحديث رَدٌّ على من زَعَمَ أن المراد بمستقرّها غاية ما تنتهي إليه في الارتفاع، وذلك أطول يوم في السنة، وقيل: إلى منتهى أمرها عند انتهاء الدنيا. وقال الخطابيّ: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها تستقر تحته استقرارًا لا نحيط به نحن، ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ عِلْمَ ما سألت عنه من مُستقرِّها تحت العرش في كتاب كُتِب فيه ابتداءُ أمور العالم ونهايتها، فيُقطع دورانُ الشصس، وتستقرّ عند ذلك، ويبطل فعلها، وليس في سجودها كلَّ ليلة تحت العرش ما يُعِيق عن دورانها في سيرها. قال الحافظ: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها، ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبَّرُ عنه بالجَرْي، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى القول بما دلّ عليه ظاهر الحديث من أن معنى مستقرّها، أي: موضع استقرارها تحت العرش هو الحقّ؛ إذ لا يُنكَر أن يكون لها استقرارٌ تحت العرش من حيث لا نُدركه، ولا نشاهده، وإنما أخبرنا عن غيب، فلا نكذّبه، ولا نُكيّفه؛ لأن علمنا لا يُحيط به. والحاصل أن كون مُستقرّها تحت العرش، وسجودها فيه على ظاهره؛ إذ لا مانع من ذلك، فلا تلتفت إلى الأقوال المخالفة لظواهر النصوص حتى تكون من ذوي الخصوص، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: استدلّ الطحاويّ ﵀ بهذا الحديث على أن الشمس تغرُب في السماء، وذكر قراءة من قرأ «حامية» يعني: حارّة، ﴿حَمِئَةٍ﴾ من الحمأة والطين، وقال: لا يبعد أن يوجد الطين في السماء، واستشهد بقوله تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ الآيتين [الذاريات: ٣٣]. وتعقّبه القاضي عياض، فقال: ولا حجة في هذا، فقد جاءت الآثار أن العين الحَمِئة في الأرض، وهو ظاهر في القرآن في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ الآية [الكهف: ٨٦]، وأما إرسال الحجارة، فيُرسلها الله تعالى من حيث شاء، ويخلقها حيث يشاء. انتهى . (فَلَا تَزَالُ (الشمس (كَذَلِكَ) أي: على هذه الحالة، من سجودها تحت العرش، وفي نسخة: «فلا يزال كذلك» بالياء التحتانيّة، أي: لا يزال الأمر على ما ذُكر (حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي) أي: عن السجود (ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ) أي: من المكان الذي جئت منه، وهو مطلعها كلّ يوم (فَتَرْجِعُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: رجع من سفره، وعن الأمر رَجْعًا، ورُجُوعًا، ورُجْعَى، ومَرْجِعًا، قال ابن السّكِّيت: هو نقيض الذهاب، ويتعدّى بنفسه في اللغة الفُصْحَى، فيقال: رَجَعته عن الشيء، وإليه، ورَجَعتُ الكلامَ وغيره؛ أي: رددتُهُ، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣] الآية، وهُذَيلٌ تُعدّيه بالألف، قاله الفيّوميّ . (فَتُصْبحُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإصباح، وقوله: (طَالِعَةً) منصوب على أنه خبر «تُصبح»؛ لأنها من أخوات كان، ترفع الاسم، وتنصب الخبر، واسمها ضمير الشمس، وقد ذكرها ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» بقوله: تَرْفَعُ «كَانَ» المُبْتَدَا اسْمًا وَالخَبَرْ … تَنْصِبُهُ كـ«كَانَ سَيّدًا عُمَرْ» كـ«كَانَ» «ظَلَّ» «بَاتَ» «أَضْحَى» «أَصْبَحَا» … «أَمْسَى» وَ«صَارَ» «لَيْسَ» «زَالَ» «بَرِحَا» «فَتِئَ» وَ«انْفَكَّ» وَهَذِي الأَرْبَعَهْ … لِشِبْهِ نَفْيٍ أَوْ لِنَفْيٍ مُتْبَعَهْ وَمِثْلُ «كَانَ» «دَامَ» مَسْبُوقًا بِـ«مَا» … كـ«أَعْطِ مَا دُمْتَ مُصِيبًا دِرْهَمَا» (مِنْ مَطْلِعِهَا) بكسر اللام، وفتحها، اسم مكان الطلوع، من طَلَعَ يطلُعُ، من باب قعد، أي: محلّ طلوعها، وهو المشرق (ثُمَّ تَجْرِي) أي: تذهب سريعةً (حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْش، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ، حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فَتَرْجِعُ، فَتُصْبحُ طَالِعَةً مِنْ مَطْلِعِهَا، ثُمَّ تَجْرِي، لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا) أي: لا يجهلون من حال الشمس شيئًا، يقال: نَكِرَ فلانٌ الأمرَ، كفَرِحَ نَكَرًا، محرَّكةً، ونُكْرًا، ونُكُورًا بضمّهما، ونكيرًا، وأنكره، واستنكره، وتناكره: إذا جهله، قاله المجد . (حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ تَحْتَ الْعَرْش، فَيُقَالُ لَهَا: ارْتَفِعِي) وفي نسخة: «ارجعي» (أَصبِحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِكِ) بفتح أوّله، وكسر ثالثه: أي: محلّ غروبك (فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا«، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:»أَتَدْرُونَ) بهمزة الاستفهام، وفي نسخة: «تدرون» بحذفها، أي: تعلمون؟ (مَتَى ذَاكُمْ؟) أيْ: في أيّ وقت يقع هذا الأمر (ذَاكَ حِينَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] «) قد تقدّم شرح هذه الآية مستوفًى في حديث أبي هرير - ﵁ - الماضي أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»(٧٨/ ٤٠٦ و٤٠٧ و٤٠٨ و٤٠٩) (١٥٩)، و(البخاريّ) في«التفسير»(٤٨٠٢ و٤٨٠٣)، و«التوحيد»(٧٤٣٣)، و(أحمد) في«مسنده»(٥/ ١٥٨)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣٢٠ و٣٢١ و٣٢٢ و٣٢٣)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣٩٧ و٣٩٨ و٣٩٩ و٤٠٠)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦١٥٢ و٦١٥٣)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٤٢٩٣)، و(البيهقيّ) في«الأسماء والصفات»(ص ٣٩٣)، و(الطحاويّ) في«مشكل الآثار»(٢٨١)، و(الطبريّ) في«تفسيره» (١٤٢٠٤ و١٤٢٠٥ و١٤٢٢١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان الوقت الذي لا يُقبل فيه الإيمان، وهذا هو وجه المطابقة في إيراده في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): بيان أن النبيّ - ﷺ - أطلعه الله ﷾ على بعض المغيّبات، فحدّث به أمته حتى تؤمن به، وتستضيء بمعرفته؛ لأن بقدر سعة العرفان يتقوّى إيقان الإنسان. ٣ - (ومنها): بيان بديع صنع الله تعالى، وعظيم حكمته، حيث سخّر الشمس لإضاءة العالم كلّه على الدوام، حيث يستمرّ سيرها ودورها فيه. ٤ - (ومنها): إثبات العرش، وأنه فوق العالم كلّه؛ إذ هو سقفه. ٥ - (ومنها): إثبات سجود الشمس لله تعالى؛ كسائر المخلوقات، كما قال الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ [الرعد: ١٥]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ [النحل: ٤٩]. ٦ - (ومنها): شدة حرص النبيّ - ﷺ - على تعليم أمته ما ينفعهم، وإن لم يوجّهوا السؤال إليه، حيث قال لهم: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ …». ٧ - (ومنها): بيان تغيّر الأحوال في آخر الزمان، حيث ينعكس الأمر، فتطلع الشمس من مغربها؛ إيذانًا بزوال هذه الدنيا. ٨ - (ومنها): بيان أن الإيمان والأعمال الصالحة لها وقت محدّد تنفع فيه، فإذا انقضى ذلك الوقت لا تنفع، وهو طلوع الشمس من مغربها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللهِ - عَنْ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ يَوْمًا: «أتدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذه الشَّمْسُ؟ …»، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ) هو: عبد الحميد بن بيان بن زكريّا بن خالد بن أسلم، وقيل: بيان بن أبان، أبو الحسن بن أبي عيسى العطار الواسطيّ السُّكَّريّ، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن أبيه، وهُشيم، وخالد الطحان الواسطيّ، وإسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون، ومحمد بن يزيد، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأسلم بن سهل، والحسن بن علي العمريّ، وأبو زرعة، وعلي بن عبد الله بن بِشْر، والحسن بن سفيان، ومحمد بن جرير، ومحمد بن محمد بن سليمان الباغَنْديّ، وغيرهم. ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال مسلمة: ثنا عنه ابنُ مُبَشَر، وهو ثقةٌ، وقال بَحْشَل: تُوُفّي سنة أربع وأربعين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا (١٥٩)، وحديث (٣٨٩): «إذا أذّن المؤذّن أدبر الشيطان …»، و(٥٩٧): «من سبّح الله في دبر كلّ صلاة …»، و(١٩١٥): «ما تعُدّون الشهيد فيكم؟ …»، و(٢٤٧٥): «ما حجبني رسول الله - ﷺ - منذ أسلمت …»، و) ٢٤٧٦): «هل أنت مريحي من ذي الخلصة؟ …»، و(٢٧١٣): «اللهم رب السموات، وربّ الأرض …». ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطّحّان أبو الهَيْثَم، ويقال: أبو محمد المُزَنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وحميد الطويل، وسليمان التيميّ، وأبي طُوَالة، وابن عون، وخالد الحذّاء، وعمرو بن يحيى بن عُمَارة، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وسهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وأبي حيان التيميّ، ويونس بن عبيد، وجماعة. ورَوَى عنه زيد بن الحُبَاب، وعبد الرحمن بن مهديّ، ووكيع، ويحيى القطان، وعَفّان، وعمرو بن عون، ومُسَدَّد، وسعيد بن منصور، وابنه محمد بن خالد، ومحمد الدُّولابيّ، وإسحاق بن شاهين الواسطيّ، وقتيبة، وآخرون. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان خالد الطحان ثقةً صالحًا في دينه، وهو أحب إلينا من هُشيم، وقال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ، صحيح الحديث، وقال الترمذيّ: ثقةٌ حافظ، وقال أبو داود: قال إسحاق الأزرق: ما رأيت أفضل من خالد الطحان، قيل: قد رأيتَ سفيان؟ قال: كان سفيان رجلَ نفسِه، وكان خالد رجلَ عامة، وسئل محمد بن عَمّار عن جرير وخالد: أيهما أثبت؟ فقال: خالد، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أبو زرعة: لم يَسْمَع من الأعمش، حكاه ابن أبي حاتم عنه في «المراسيل». قال عبد الحميد بن بيان، ويعقوب بن سفيان، وعلي بن عبد الله بن مُبَشِّر: مات سنة (١٧٩)، زاد عليّ: وُلِد سنة (١١٠)، وقال خليفة، ومحمد بن سعد: مات سنة (١٨٢). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٢) حديثًا. [تنبيه]: وقع في «التمهيد» لابن عبد البر في ترجمة يحيى بن سعيد في الكلام على حديث البياضيّ في النهي عن الجهر بالقرآن بالليل: رواه خالد الطحّان عن مُطَرِّف، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ نحوه، وقال: تفرد به خالد، وهو ضعيف، وإسناده كله ليس مما يُحْتَجّ به. انتهى. وتعقّبه الحافظ ﵀، حيث قال بعد ذكر كلامه المذكور: قلت: وهي مجازفة ضعيفة، فإن الكل ثقاث، إلا الحارث، فليس فيهم ممن لا يحتج به غيره. انتهى، وهو تعقّب حسن، والله تعالى أعلم. والباقون تقدّموا في الحديث الماضي، و«يونس»، هو ابن عُبيد، وقد سبق الكلام فيه. وقوله: (بمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ) وفي نسخة: «بمثل حديث ابن عليّة»، يعني: أَن رواية خالد الطحّان عن يونس بمعنى حديث إسماعيل ابن عليّة، عنه، لا بلفظه، كما يتبيّن في التنبيه التالي. [تنبيه]: رواية خالد الطحّان التي أحالها المصنّف هنا على رواية ابن عليّة، قد أخرجها الحافظ أبو عوانة في «مسنده»، حيث قال (١/ ١٠٧): حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا خالد، عن يونس، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن أبي ذرّ، أن النبيّ - ﷺ - قال: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «إنها تَجْرِي لمستقر لها تحت العرش، فتخر ساجدةً، فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، فارجعي من حيث جئت، فتصبح طالعةً في مطلعها، فتجري لا يُنْكِر الناس منها شيئًا، فيقال لها: اطلُعي من مغربك - قال: - فتصبح طالعةً من مغربها»، فقال رسول الله - ﷺ -: «أتدرون أيُّ يوم ذلك؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذاك يوم ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَأَبِي كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسن، فَلَمَّا غَابَتِ الشَمْسُ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟» ، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإنَّهَا تَذْهَبُ، فتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُود، فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت، فتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا»، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: «وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩]، (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (الْأَعْمَشُ) هو: سليمان بن مِهْران الأسديّ، أبو محمد الكوفيّ الحافظ الحجة الثبت [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ «أل» للعهد الذهنيّ. وقوله: (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والرابط الواو، أو الضمير الذي في مُتَعَلَّقِ «جالس»؛ إذ تقديره: «جالسٌ فيه»، وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» حيث قال: وَجُمْلَةُ الحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا وقوله: (أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ «) وفي نسخة:»هذه الشمس؟ «. قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:«فَإِنَّهَا تَذْهَبُ، فَتَسْتَأَذِنُ فِي السُّجُود، فَيُوذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا … »إلخ؛«كأنّ»هنا للتحقيق كما هو مذهب الكوفيين والزجاج، كما في قول الشاعر [من الوافر]: فَأَصبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرَّا … كَأَنَّ الأَرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَامُ أي: لأن الأرض؛ إذ لا يكون تشبيهًا؛ لأنه ليس في الأرض حقيقة، قاله ابن هشام ﵀ في«مغنيه» . وقوله: (قَالَ: ثمَّ قَرَأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -، يعني: أنه - ﷺ - قرأ هذه الآية بما كان يقرأ عبد الله بن مسعود - ﷺ - بعده - ﷺ -، وقد تقدّم مباحث الحديث مستوفى قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٠٩] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْأَشَجُّ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، قَالَ: «مُسْتَقَرَّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن حُصين الكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١١٧، وهو ممن اتّفق الأئمة الستة، أصحاب الأصول بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد سبق ذكرهم غير مرّة. والباقون تقدّموا قريبًا، و«إسحاق» هو: ابن راهويه، و«وكيع» هو: ابن الجرّاح. وقوله: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى … إلخ) قال في «الفتح» كذا رواه وكيع عن الأعمش مُخْتَصَرًا، وهو بالمعنى، فإن في الرواية الأولى أن النبيّ - ﷺ - هو الذي استفهمه: «أتدري أين تغرب الشمس؟»، فقال: الله ورسوله أعلم … إلخ انتهى . وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]) قال أبو سليمان الخطّابيّ ﵀: إن أهل التفسير، وأصحاب المعاني قالوا فيه قولين، قال بعضهم: معناه أي لأجلٍ قُدّر لها؛ يعني: انقطاع مدّة بقاء العالم، وقال بعضهم: مُستقرّها غاية ما تنتهي إليه في صعودها وارتفاعها لأطول يوم في الصيف، ثم تأخذ حتى تنتهي إلى أقصى مشارق الشتاء لأقصر يوم في السنة. وأما قوله - ﷺ -: «مستقرّها تحت العرش» فلا ننكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا نُدركه، ولا نشاهده، وإنما أخبر عن غيب، فلا نكذّب به، ولا نكيّفه؛ لأن علمنا لا يُحيط به، ويحتمل أن يكون المعنى: أن علمَ ما سألت عنه من مستقرّها تحت العرش في كتاب كُتب فيه مبادئ أمور العالم، ونهاياتها، والوقت الذي تنتهي به مدّتها، فينقطع دوران الشمس، وتستقرّ عند ذلك، فيبطل فعلها، وهو اللوح المحفوظ. قال الجامع عفا الله عنه: بُعد هذا الاحتمال عن سياق الحديث مما لا يخفى على الفطن؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال الخطابيّ أيضًا: وفي هذا إخبار عن سجود الشمس تحت العرش، فلا يُنكر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها، وليس في سجودها تحت العرش ما يَعُوقها عن الدأب في سيرها، والتصرّف لما سُخّرت له. وأما قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ الآية [الكهف: ٨٦]، فهو نهاية مُدرَك البصر إياها حالة الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنما هو بعد الغروب، وليس معنى قوله: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أنها تسقط في تلك العين فتغمُرها، وإنما هو خبر عن الغاية التي بلغها ذو القرنين في مسيره حتى لم يجد وراءها مسلكًا، فوجد الشمس تتدلّى عند غروبها فوق هذه العين، وكذلك يتراءى غروب الشمس لمن كان في البحر، وهو لا يرى الساحل، كأنها تغيب في البحر، والله أعلم. وقوله ﷾: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرحمن: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦]؛ أي: يجريان بحساب معلوم، وعلى منازل ومقادير لا يُجاوزانها، قال الله ﷾: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ [يس: ٣٩]، وقيل: حسبان جمع حساب، وقوله ﷾:
مصادر المؤلف (٢٠)

١. المصدر السابق.

٢. وفي نسخة:«فلا يزال كذلك».

٣. وفي نسخة:«ارجعي أصبحي».

٤. وفي نسخة:«تدرون».

٥. هو يونس بن خبّاب - بمعجمتين، وموحّدتين - الأسديّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ، ورُمي بالرفض، من الطبقة السادسة، قاله في«التقريب»ص ٣٩٠.

٦. «القاموس المحيط» ص ٣٤٦.

٧. «إكمال المعلم» ١/ ٦١٧ - ٦١٨.

٨. «شرح النوويّ» ٢/ ١٩٥ - ١٩٧.

٩. «تفسير ابن كثير» ١١/ ٣٦١ - ٣٦٢.

١٠. هذا الكلام قاله الخطابيّ في شرح قول أبي ذرّ - ﵁ -: سألت النبيّ - ﷺ - عن قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا …﴾، كما سيأتي آخر الباب.

١١. «الفتح» ٨/ ٤٠٣ «كتاب التفسير» رقم (٤٨٠٢ - ٤٨٠٣).

١٢. راجع: «الإكمال» ١/ ٦١٨ - ٦١٩.

١٣. وفي نسخة: «فلا يزال كذلك».

١٤. «المصباح المنير»١/ ٢٢٠.

١٥. «القاموس المحيط»ص ٤٣٩.

١٦. وفي نسخة: «بمثل حديث …» إلخ.

١٧. هكذا قال الحافظ المزّي، وقال الحافظ: قلت: قال أسلم في «تاريخ واسط»: إنه عُطارديّ؛ فيُحرَّر قول المزيّ فيه: العطّار. انتهى. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٧٣.

١٨. وفي نسخة:«أين تذهب هذه الشمس … »إلخ.

١٩. راجع: «مغني اللبيب» ١/ ١٩٢ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

٢٠. «الفتح» ٨/ ٤٠٣ «كتاب التفسير» رقم (٤٨٠٢ - ٤٨٠٣).