HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٤

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ بن مالك. (لعله قال) عن مالك ابن صعصعة (رجل عن قَوْمِهِ) قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ. إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ. فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِي. فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ. فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا. (قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: إِلَى أسفل بطنه) فاستخرج قلبي. فغسل ماء زَمْزَمَ. ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ. ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً. ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ الْبُرَاقُ. فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ. يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ. فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ. ثُمَّ انْطَلَقْنَا حتى أتينا السماء الدنيا. فاستفتح جبريل ﷺ. فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَفَتَحَ لَنَا. وَقَالَ: مَرْحَبًا بِهِ. وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جاء. قال: فأتينا على آدم ﷺ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ فِي السماء الثانية عيسى ويحيى ﵉. وَفِي الثَّالِثَةِ يُوسُفَ. وَفِي الرَّابِعَةِ إِدْرِيسَ. وفي الخامسة هارون صلى الله عليهم وسلم قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇ فَسَلَّمْتُ عليه. فقال: مرحبا بالأخ صالح وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى. فَنُودِيَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ! هَذَا غُلَامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي. يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي. قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهْرَانِ بَاطِنَان«فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَا هَذِهِ الأَنْهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ. وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ. ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ. يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ. إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا خَمْرٌ وَالآخَرُ لَبَنٌ. فَعُرِضَا عَلَيَّ. فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقِيلَ: أَصَبْتَ. أَصَابَ اللَّهُ بِكَ. أُمَّتُكَ عَلَى الْفِطْرَةِ. ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلَاةً» ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
ج ١ ص ١٤٩

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٥١٤
وشتّان ما بين المقامين، وبين من كُلّم على الطور، وبين من دُعي إلى أعلى من البيت المعمور، وبين من سُخّرت له الريح مسيرة شهر، وبين من ارتقى من الفرش إلى العرش في ساعة زمانيّة. ٣ - (ومنها): ما قيل: ما الحكمة في عروج النبي - ﷺ - راكبًا على البراق، مع أن الله تعالى قادر على رفعه في طرفة عين بلا براق؟. [أجيب]: بأن ذلك للتأنيس بالمعتاد، ولكرامة الراكب عادة على غيره. قال الجامع عفا الله عنه: لَخّصت هذه الأسئلة وأجوبتها مما كتبه البدر العينيّ - ﵀ - في «عمدته» ، وقد ذكر فيه أسئلة أخرى أكثرها تَكَلُّفَات، وليس عليها دليل، فتركتها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٣] (١٦٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِه، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَان، إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاَثةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْن، فَأُتِيتُ، فَانْطُلِقَ بِي، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا»، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِه، «فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ، يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْل، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِه، فَحُمِلْتُ عَلَيْه، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أتيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﵇ -، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّد - ﷺ -، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفَتَحَ لَنَا، وَقَالَ: مَرْحَبًا بِه، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ: فَأَتَيْنَا عَلَى آدَمَ - ﷺ - »، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِه، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَقِيَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ عِيسَى وَيَحْيَى ﵉، وَفِي الثَّالِثَةِ يُوسُفَ، وَفِي الرَّابِعَةِ إِدْرِيسَ، وَفِي الْخَامِسَةِ هَارُونَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، قَالَ:«ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَة، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى - ﵇ -، فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأخِ الصَّالِح، وَالنَّبِيِّ الصَّالِح، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِيَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ هَذَا غُلَامٌ، بَعَثْتَهُ بَعْدِي، يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ كثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أنهَار، يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهْرَانِ بَاطِنَان، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الأَنَهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَان، فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّة، وَأَمَّا الظَّاهِرَان، فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيه، آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أُتِيتُ، بِإِنَاءَيْنِ: أَحَدُهُمَا خَمْرٌ، وَالْآخَرُ لَبَن، فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقِيلَ: أَصَبْتَ أَصَابَ اللهُ بِكَ أمّتُكَ عَلَى الْفِطْرَة، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلَاةً»، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) العَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٢. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في«الإيمان»٦/ ١٢٨. ٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النّضْر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وهو من أثبت الناس في قتادة [٦] (١٥٦) (ع) تقدم في«الإيمان»٦/ ١٢٧. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس، رأس الطبقة [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٧٠. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ المذكور قبله. ٦ - (مَالِكُ بن صَعْصَعَةَ) مالك بن صعصعة بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النّجّار الأنصاريّ، نسبه ابن سعد، وقيل: إنه من بني مازن بن النّجّار وجزم بذلك البغويّ، فقال: إنه من بني مازن بن النجار، حدَّث أنس بن مالك عنه، عن النبيّ - ﷺ - بقصة الإسراء، وهو في«الصحيحين»من طريق قتادة، عن أنس، قال البغويّ: سَكَن المدينة، ورَوَى عن النبيّ - ﷺ - حديث الإسراء بطوله، رواه عنه أنس، وذَكَر الخطيب في«المبهمات»أنه الذي قال له النبيّ - ﷺ -:«أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟ »، أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، هذا الحديث فقط، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجاله الجماعة، غير مالك بن صعصعة - ﵁ -، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ - ﵄ -. ٥ - (ومنها): أن مالك بن صعصعة - ﵁ - من المقلّين، ليس له في هذه الكتب إلا هذا الحديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (لَعَلَّهُ قَالَ: عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ) قال أبو عليّ الجيّانيّ الغسّانيّ - ﵀ -: هكذا هذا الحديث في رواية أبي العلاء بن ماهان وأبي العبّاس الرازيّ، عن أبي أحمد - يعني: الجُلُوديّ -، وعند غيره: عن أبي أحمد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، ولم يقل: «لعلّه»، والحديث محفوظ عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة دون شكّ. قال أبو الحسن - يعني: الدارقطنيّ - ﵀ -: لم يروِه عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة غير قتادة. انتهى كلام الغسّانيّ - ﵀ - . وقوله: (رَجُلِ مِنْ قَوْمِهِ) بالجرّ بدل من «مالك»، يعني: أن مالك بن صعصعة من قوم أَنس بن مالك؛ لأنه من بني النجّار (قَالَ) أي: مالك بن صعصة - ﵁ - (قَالَ نَبِي اللهِ - ﷺ -: «بَيْنَا) هي»بين«وقد مرّ البحث عنها قريبًا، وقوله: (أَنَا) مبتدأ خبره قوله: (عِنْدَ الْبَيْتِ) أي: الكعبة؛ لأنه صار علمًا عليها بالغلبة، كـ»العقبة«لعقبة أَيْلَة، أو لعقبة مِنى، كما قال في»الخلاصة«: وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالغَلَبَهْ … مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ«أَل»كَـ«العَقَبَهْ»وعند البخاريّ في«المعراج»من طريق همّام عن قتادة:«بينما أنا في الحطيم، وربما قال: في الحِجْر مضطجعًا». قال في«الفتح»: قوله:«وربما قال: في الحجر»هو شك من قتادة، كما بيّنه أحمد، عن عفان، عن همام، ولفظه:«بينا أنا نائم في الحطيم»، وربما قال قتادة:«في الحجر»، والمراد بالحطيم هنا الحِجر، وأبعد من قال: المراد به ما بين الركن والمقام، أو بين زمزم والحِجْر، وهو وإن كان مُخْتلَفًا في الحطيم، هل هو الحجر أم لا؟ لكن المراد هنا بيان البقعة التي وقع ذلك فيها، ومعلوم أنها لم تتعدد؛ لأن القصة متحدة لاتحاد مخرجها، ووقع في رواية الزهريّ، عن أنس، عن أبي ذرّ الماضية بلفظ:«فُرِج سقف بيتي، وأنا بمكة»، وفي رواية الواقديّ بأسانيده:«إنه أُسري به من شِعْب أبي طالب»، وفي حديث أم هانئ عند الطبرانيّ:«إنه بات في بيتها، قالت: ففقدَتْهُ من الليل، فقال: إن جبريل أتاني». والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شِعْب أبي طالب، ففُرِج سقف بيته، وأضاف البيت إليه؛ لكونه كان يسكنه، فنَزَل منه الملك، فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مُضطجِعًا، وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد، فأركبه البراق. وقد وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق:«أن جبريل أتاه، فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق»، وهو يؤيد هذا الجمع. وقيل: الحكمة في نزوله عليه من السقف الإشارة إلى المبالغة في مفاجأته بذلك، والتنبيه على أن المراد منه أن يُعْرَج به إلى جهة العلو، قاله في«الفتح». (بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ) الظرف إما خبر بعد خبر، أو حال من«أنا»، و«اليقظان»بفتح، فسكون: صفة مشبّهة من يَقِظَ يَقَظًا، من باب تَعِبَ، ويَقَظَةً بفتح القاف، ويقاظَةً: خلافُ نام، وكذلك إذا انتبه للأمور، ورجلٌ يقظان، وامرأة يَقْظَى . قال في«الفتح»: هو محمول على ابتداء الحال، ثم لَمّا خَرَج به إلى باب المسجد، فأركبه البراق استمَرّ في يقظته، وأما ما وقع في رواية شريك عند البخاريّ في«كتاب التوحيد»في آخر الحديث:«فاستيقظ، وهو في المسجد الحرام»، فإن قلنا بالتعدد، فلا إشكال، وإلا حُمِل على أن المراد بـ«استيقظ»: أفاق، أي: أنه أفاق مما كان فيه من شُغْل البال بمشاهدة الملكوت، ورجع إلى العالم الدنيويّ. قال الجامع عفا الله عنه: القول بتعدّد المعراج بعيد جدًّا، وإن مال بعضهم إليه، وقد اعترض ابن أبي العزّ - ﵀ -، في«شرح العقيدة الطحاويّة»على هذا القول، وعبارته: وقيل: كان الإسراء مرّتين: مرّةً في اليقظة، ومرّةً منامًا، وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله:«ثم استيقظتُ» وبين سائر الروايات، وكذلك منهم من قال: بل كان مرّتين، مرّةً قبل الوحي ومرّةً بعده، ومنهم من قال: بل ثلاث مرّات، مرّةً قبل الوحي ومرّتين بعده، وكلّما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرّة للتوفيق، وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرّةً واحدة بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة، وقيل: بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البرّ. قال شمس الدين ابن القيّم: يا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارًا، كيف ساغ لهم أن يظنّوا أنه كان في كلّ مرّة تُفرَض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردّد بين ربّه وبين موسى - ﵇ - حتى تصير خمسًا، فيقول: أأمضيتُ فريضتي، وخفّفتُ عن عبادي»، ثم يُعيدها في المرّة الثانية إلى خمسين، ثم يَحُطّها إلى خمس؟. انتهى . فتحصّل من هذا أن الصواب عدم تعدّد الإسراء والمعراج، وأنه إذا اختلفت علينا الروايات، سلكنا مسلك الترجيح، وعملنا بما دلّت عليه الروايات الكثيرة القويّة لرجحانها، وألغينا الروايات المرجوحة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك مسلك ذوي الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا) هو جبريل ﵇ (يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاَثةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) المراد بالرجلين: حمزة، وجعفر، وكان النبيّ - ﷺ - نائمًا بينهما، قاله في «الفتح». (فَأُتِيتُ) بالبناء للمفعول، والآتي، والذي شقّ النحر، وغَسَل القلبَ، وملأه حكمةً وإيمانًا، هو جبريل ﵇، ففي رواية أبي - ﵁ - السابقة: «فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب، ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء» (فَانْطُلِقَ بِي) بالبناء للمفعول أيضًا، الظاهر أن المراد انطلاقه من بيته إلى المسجد (فَأُتِيتُ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِطَسْتٍ) تقدّم أنها بفتح أولها وكسره، وبمثناة، وقد تحذف، وهو الأكثر، وإثباتها لغة طيء، وأخطأ من أنكرها، وخُصَّ الطست لكونه أشهر آلات الغسل عرفًا (مِنْ ذَهَبٍ) خُصّ الذهب لكونه أعلى أنواع الأواني الحسية وأصفاها، ولأن فيه خواصَ ليست لغيره، ويظهر لها هنا مناسبات، منها أنه من أوانى الجنة، ومنها أنه لا تأكله النار ولا التراب، ولا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر، فناسب ثقل الوحي، وقال السُّهيليّ وغيره: إن نُظِر إلى لفظ الذهب نالسب من جهة إذهاب الرجس عنه، ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه، وإن نُظر إلى معناه فلوضاءته، ونقائه، وصفائه، ولثقله، ورسوبته، والوحي ثقيل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)﴾ [المؤمنون: ١٠٢]، ولأنه أعزّ الأشياء في الدنيا، والقول هو الكتاب العزيز. قال: ولعل ذلك كان قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة، ولا يكفي أن يقال: إن المستعمِل له كان ممن لم يَحْرُم عليه ذلك من الملائكة؛ لأنه لو كان قد حُرِّم عليه استعماله لَنُزِّه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم. ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيُلْحَق بأحكام الآخرة. قال الجامع: تقدّم أن الأرجح أن يُحمل هذا على أنه كان قبل تحريم استعمال الذهب، والله تعالى أعلم. (فِيهَا) أي: في تلك الطست؛ لأنها مؤنثة غالبًا، كما سبق بيانه (مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ) يعني: تلك الطست فيها ماء زمزم لغسل قلبه، والظاهر أن هذه الطست غير الطست المملوءة حكمةً وإيمانًا، فتأمل، والله تعالى أعلم. (فَشُرِحَ) بالبناء للمفعول، أي: شُقّ (صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا»، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنى؟) وفي رواية البخاريّ من طريق همام، عن قتادة:«فشقّ ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود، وهو إلى جنبي: ما يَعنِي به؟ »، فتبيّن أن الذي كان مع قتادة هو الجارود، قال في«الفتح»: لم أرَ من نسبه من الرواة، ولعلّه ابن أبي سَبْرَة البصريّ صاحب أنس، فقد أخرج له أبو داود من روايته عن أنس حديثًا غير ذا. انتهى . (قَالَ) أي: ذلك الذي معه مجيبًا عن سؤاله (إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ) أي: شقّه من فوق بطنه إلى أسفله، وفي رواية البخاريّ في«بدء الخلق»:«من النحر إلى مراقّ بطنه»، و«النحر»: موضع القلاة من الصدر، و«المراقّ»بفتح الميم، وتشديد القاف: هو ما سَفَلَ من البطن، فما تحته من المواضع التي تَرِقّ جلودها، وفي رواية للبخاريّ أيضًا في«المناقب»:«من ثُغْر نَحْره إلى شِعْرَته»، و«الثُّغْرة»بضمّ المثلّثة، وسكون الغين المعجمة: هي الموضع المنخفض الذي بين التَّرْقُوَتين، و«الشِّعْرة»بكسر الشين المعجمة، وسكون العين: شَعْر العانة. [تنبيه]: قال في«الفتح»: قد استنكر بعضهم وقوع شَقّ صدره - ﷺ - ليلة الإسراء، وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواردت الروايات به، وثَبَتَ شقّ الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في«الدلائل»، ولكل منها حِكْمة، فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس - ﵁ -:«فأَخرج عَلَقةً، فقال: هذا حَظّ الشيطان منك»، وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ - ﷺ - على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وَقَع شقّ الصدر عند البعثة زيادةً في إكرامه لِيَتَلقَّى ما يُوحَى إليه بقلب قويّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وَقَع شقّ الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة. ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسلِ؛ لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرَّر في شرعه - ﷺ -. ويحتمل أن تكون الحكمة في انفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شقّ صدره، وأنه سيلتئم بغير معالجة يتضرر بها. وجميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته؛ لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك. قال القرطبيّ ﵀ في «المفهم»: لا يُلتَفَتُ لإنكار الشقّ ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير، ثم ذكر نحو ما تقدم. انتهى . («فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي) ببناء الفعل للمفعول، وكذا الأفعال بعده (فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ) أي: الذي كان في الطست (ثُمَّ أُعِيدَ) أي: القلب (مَكَانَهُ) أي: في محلّه الأول (ثُمَّ حُشِيَ) أي: مُلئ (إِيمَانًا وَحِكْمَةً) قد تقدّم تفسير الحكمة بما فيه الكفاية، وتقدّم أيضًا أن الصواب في هذا حمله على حقيقته، فيكون المعنى أن الإيمان والحكمة حُشي بهما قلبه - ﷺ - على ظاهره، وتجسيدُ المعاني جائزٌ وواقع، فقد أخرج المصنّف ﵀ عن أبي أمامة الباهليّ - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: »اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرْقَان من طير صوافّ، تُحاجّان عن أصحابهما …« الحديث. وحديث: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيذبح»، متّفق عليه، وكذلك وزن الأعمال، وغير ذلك من أحوال الغيب، فلا حاجة إلى ما تكلّف به بعضهم من التأويلات المتعسّفة، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ، يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ) وصفه بـ «أبيض»، وذكّر الضمير في «له» نظرًا لكونه مركوبًا، للفظ البراق (فَوْقَ الْحِمَار، وَدُونَ الْبَغْلِ) الظرف صفة لـ «دابّة»، والحكمة في كون الدابّة بهذه الصفة الإشارة إلى الإسراع الشديد بدابّة لا توصف بذلك في العادة، أو باعتبار أن الركوب كان في سِلْم وأَمْنٍ، لا في حَرْبٍ وخوف. (يَقَعُ خَطْوُهُ) بفتح الخاء المعجمة أوّلَهُ: المرة الواحدة، وبضمّها: الفِعْلة (عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ) - بفتح الطاء، وسكون الراء، وبالفاء - أي: نظره، أي: يَضَعُ رجله عند منتهى ما يَرَى بصره، أي: عند آخر ما وقع عليه نظره بعينه (فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول (ثُمَّ انْطَلَقْنَا) أي: ذهبت أنا وجبريل، بعد ركوبي على تلك الدابّة، وفي رواية لأبي سعيد في «شرف المصطفى»: «فكان الذي أمسك بركابه جبريل، وبزمام البراق ميكائيل»، وفي رواية معمر، عن قتادة، عن أنس - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به أُتي بالبراق مُسْرَجًا مُلْجَمًا، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما حَمَلَك على هذا؟ فوالله ما ركبك خلق أكرم على الله منه، قال: فارفضّ عرقًا»، أخرجه الترمذيّ، وقال: حسن غريبٌ، وصححه ابن حبان، وذكر ابن إسحاق، عن قتادة أنه لَمّا شَمَسَ وَضَعَ جبريل يده على مَعْرَفَته فقال: أما تستحي … فذكر نحوه مرسلًا، لم يذكر أنسًا، وفي رواية وَثِيمة عن ابن إسحاق: «فارتَعَشَت، حتى لَصِقَت بالأرض، فاستويتُ عليها»، وللنساليّ وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك، عن أنس، نحوه موصولًا، وزاد: «وكانت تُسَخَّر للأنبياء قبله»، ونحوه في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق. وفيه دلالة على أن البراق كان مُعَدًّا لركوب الأنبياء ﵈ خلافًا لمن نَفَى ذلك، كابن دحية، وأوَّل قول جبريل: «فما رَكِبَك أكرم على الله منه»؛ أي: ما ركبك أحدٌ قطُّ، فكيف يركبك أكرم منه؟ وقد جَزَم السهيليٌّ أن البراق استصْعَبَ عليه لبُعد عهده بركوب الأنبياء قبله. وقال النوويّ: قال الزبيديّ في «مختصر العين»، وتبعه صاحب «التحرير»: كان الأنبياء يركبون البراق، قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. قال الحافظ: قد ذكرتُ النقل بذلك، ويؤيده ظاهر قوله: «فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء». ووقع في «المبتدأ» لابن إسحاق من رواية وَثِيمة في ذكر الإسراء: «فاستَصْعَبت البراق، وكانت الأنبياء تركبها قبلي، وكانت بعيدة العهد بركوبهم، لم تكن رُكِبت في الفترة»، وفي «مغازي ابن عائذ» من طريق الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، قال: «البراق: هي الدابة التي كان يزور إبراهيم عليها إسماعيل»، وفي الطبرانيّ، من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه: «أن جبريل أتى النبيّ - ﷺ - بالبراق، فحمله بين يديه»، وعند أبي يعلى والحاكم، من حديث ابن مسعود رفعه: «أُتيت بالبراق، فركبت خلف جبريل»، وفي حديث حُذيفة عند الترمذيّ، والنسائيّ: «فما زايلا ظهر البراق»، وفي «كتاب مكة» للفاكهيّ والأزرقيّ: «إن إبراهيم كان يحجُّ على البراق»، وفي أوائل «الروض» للسهيليّ: «إن إبراهيم حَمَلَ هاجر علي البراق، لَمّا سار إلى مكة بها وبولدها». قال الحافظ ﵀: فهذه الآثارُ يشدّ بعضها بعضًا، وجاءت آثار أخرى تشهد لذلك، لم أرَ الإطالة بإيرادها. ومن الأخبار الواهية في صفة البراق: ما ذكره الماورديّ، عن مقاتل، وأورده القرطبيّ في «التذكرة»، ومِن قبله الثعلبيّ، من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال،: «الموت والحياة جسمان، فالموت كبش لا يجد ريحه شيء إلا مات، والحياة فَرَسٌ بلقاء أنثى، وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها، لا تَمُرّ بشيء، ولا يجد ريحها شيء إلا حَيِيَ. ومنها: أن البراق لَمّا عاتبه جبريل، قال له معتذرًا: إنه مس الصفراء اليوم، وأن الصفراء صنم من ذهب، كان عند الكعبة، وأن النبيّ - ﷺ - مَرّ به، فقال: تَبًّا لمن يعبدك من دون الله، وأنه - ﷺ - نَهَى زيد بن حارثة أن يمسه بعد ذلك، وكسره يوم فتح مكة. قال ابن المُنَيِّر: إنما استصعَبَ البراق تَيْهًا وزَهْوًا بركوب النبيّ - ﷺ - عليه، وأراد جبريل استنطاقه، فلذلك خَجِلَ، وارْفَضَّ عَرَقًا من ذلك، وقريب من ذلك رَجْفَةُ الجبل به، حتى قال له: «اثبُت فإنما عليك نبيّ، وصِدِّيق، وشهيد»، فإنها هِزَّة الطَّرَب لا هزّة الغضب. ووقع في حديث حذيفة عند أحمد قال: «أُتي رسول الله - ﷺ - بالبراق، فلم يُزايل ظهره هو وجبريل، حتى انتهيا إلى بيت المقدس». فهذا لم يُسنده حذيفة، عن النبيّ - ﷺ -، فيحتَمِلُ أنه قال عن اجتهاد، ويحتمل أن يكون قوله: «هو وجبريل» يتعلق بمرافقته في السير لا في الركوب. قال ابن دحية وغيره: معناه: وجبريلُ قائدٌ، أو سائقٌ، أو دليلٌ، قال: وإنما جَزَمنا بذلك؛ لأن قصة المعراج كانت كرامة للنبيّ - ﷺ -، فلا مدخل لغيره فيها. قال الحافظ: وَيرُدّ التأويل المذكور أن في «صحيح ابن حبان» من حديث ابن مسعود - ﵁ - أن جبريل حمله على البراق رَدِيفًا له، وفي رواية الحارث في «مسنده»: «أُتي بالبراق، فركب خلف جبريل، فسار بهما»، فهذا صريح في ركوبه معه، فالله أعلم. وأيضًا فإن ظاهره أن المعراج وقع للنبيّ - ﷺ - على ظهر البراق إلى أن صَعِدَ السماوات كلها، ووصل إلى ما وصل، ورَجَع وهو على حاله، وفيه نظر لِمَا سأذكره، ولعل حذيفة إنما أشار إلى ما وقع في ليلة الإسراء المجردة التي لم يقع فيها معراج، على ما تقدّم من تقرير الإسراء مرّتين. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن حمل الأحاديث على تعدد الإسراء غير مقبول، بل الحقّ أنه لا تعدّد، وإنما الصواب سلوك مسلك الترجيح بين الروايات، فما لم يقبل منها الجمع يُنظر فيه، فيُعمل بالأرجح، ويترك المرجوح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (حَتَّى أتيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) ظاهره أنه استمرّ على البراق حتى عرج إلى السماء، وتمسك به من زعم أن المعراج كان في ليلة غير الإسراء إلى بيت المقدس، فأما العروج ففي غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق، بل رَقِيَ المعراج وهو السّلّم، كما وقع مُصَرَّحًا به في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق، والبيهقيّ في «الدلائل»، ولفظه: «فإذا أنا بدابة كالبغل، مضطرب الأذنين، يقال له: البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، فركبته …»، فذكر الحديث، قال: «ثم دخلتُ أنا وجبريل بيت المقدس، فصليتُ ثم أُتيت بالمعراج»، وفي رواية ابن إسحاق: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لَمّا فرغت مما كان في بيت المقدس، أُتِيَ بالمعراج، فلم أرَ قط شيئًا كان أحسن منه، وهو الذي يَمُدّ إليه الميت عينيه إذا حُضِر، فأصعدني صاحبي فيه، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء …» الحديث، وفي رواية كعب: «فوُضِعت له مِرْقاة من فضة ومرقاة من ذهب، حتى عَرَج هو وجبريل»، وفي رواية لأبي سعيد في «شرف المصطفى»: «أنه أُتي بالمعراج من جنة الفردوس، وأنه مُنَضَّد باللؤلؤ، وعن يمينه ملائكة، وعن يساره ملائكة». وأما المحتج بالتعدد فلا حجة له؛ لاحتمال أن يكون التقصير في ذلك الإسراء من الراوي، وقد حَفِظه ثابت، عن أنس، عن النبيّ - ﷺ - قال: «أُتيت بالبراق»، فوصفه، قال: «فركبته، حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي تَرْبِط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناءين …»، فذكر القصة، قال: «ثم عَرَج بي إلى السماء»، وحديث أبي سعيد دالّ على الاتحاد. قال: وقوله في رواية ثابت: «فربطته بالحلقة» أنكره حذيفة، فرَوَى أحمد، والترمذيّ من حديث حذيفة، قال: «تحدثون أنه ربطه، أَخَافَ أن يفِرَّ منه، وقد سَخَّره له عالم الغيب والشهادة؟» قال البيهقيّ: المثبت مُقَدَّم على النافي، يعني: مَن أثبت ربط البراق، والصلاة في بيت المقدس، معه زيادة علم على مَن نَفَى ذلك، فهو أولى بالقبول. ووقع في رواية بريدة عند البزار: «لَمّا كان ليلة أُسري به، فأَتَى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس، فوضع أصبعه فيها، فخرقها، فشدّ بها البراق»، ونحوه للترمذيّ. وأنكر حذيفة أيضًا في هذا الحديث أنه - ﷺ - صَلَّى في بيت المقدس، واحتجَّ بأنه لو صلى فيه، لكُتِب عليكم الصلاة فيه، كما كتب عليكم الصلاة في البيت العتيق. والجواب عنه منعُ التلازم في الصلاة، إن كان أراد بقوله: كُتِب عليكم الفرضَ، وإن أراد التشريع فنلتزمه، وقد شَرَعَ النبيّ - ﷺ - الصلاة في بيت المقدس، فقرنه بالمسجد الحرام ومسجده في شَدّ الرحال، وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديثٍ. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقيّ: «حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربط بها»، وفيه: «فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كلُّ واحد منا ركعتين»، وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه نحوه، وزاد: «ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين من بين قائم، وراكع، وساجد، ثم أقيمت الصلاة، فأممتهم»، وفي رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند ابن أبي حاتم: «فلم أَلْبَث إلا يسيرًا، حتى اجتمع ناس كثير، ثم أَذَّن مؤذن، فأقيصت الصلاة، فقمنا صفوفًا ننتظر مَن يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل، فقدَّمني، فصلَّيتُ بهم»، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - عند مسلم: «وحانت الصلاة، فأممتهم»، وفي حديث ابن عباس عند أحمد: «فلما أتى النبيّ - ﷺ - المسجد الأقصى، قام يصلي، فإذا النبيّون أجمعون يصلون معه»، وفي حديث عمر عند أحمد أيضًا أنه لَمّا دخل بيت المقدس، قال: أصلي حيث صلى رسول الله - ﷺ -، فتقدَّم إلى القبلة، فصلَّى. قال عياض ﵀: يحتمل أن يكون صَلَّى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس، ثم صعِدَ منهم إلى السماوات مَن ذَكَر أنه - ﷺ - رآه، ويحتمل أن تكون صلاته بهم بعد أن هَبَطَ من السماء، فهبطوا أيضًا، وقال غيره: رؤيته إياهم في السماء محمولة على رؤية أرواحهم إلا عيسى لِمَا ثبت أنه رُفِع بجسده، وقد قيل في إدريس أيضًا ذلك، وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس، فيحتمل الأرواح خاصةً، ويحتمل الأجساد بأرواحها، والأظهر أن صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العروج . قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي إلى هذه الاحتمالات التي تؤدّي إلى إخراج النصوص الصريحة الواضحة عن ظواهرها، بل الحقّ أنه - ﷺ - صلَّى بالأنبياء بأجسادهم وأرواحهم، ثم لَمّا صَعِدَ إلى الملإ الأعلى وجد من ذَكَر أنه وجدهم من الأنبياء كذلك روحًا وجسدًا، فإن هذه الأمور الغيبيّة لا تقاس على الشهادة، بل يجب التسليم لها، فإن الله ﷾ يُكرم من يشاء من عباده بما يشاء من الكرامة، ولا سيّما الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، وهو على ما يشاء قدير، فالواجب أن نصدّق بما صحّ لدينا عن رسول الله - ﷺ -، ولا نتكلّف لتأويله بما لا نُحيط به علمًا، بل نقول: إنه - ﷺ - مرّ على موسى في قبره، فرآه يصلي في قبره، ثم لَمّا وصل إلى بيت المقدس صلّى وبمن معه من الأنبياء تلك الصلاة، ثم لَمّا عرج إلى السماء وجده في السماء السادسة، فرحّب به ودعا له، فما أخبر به النبيّ - ﷺ - وصحّ لدينا، حقّ وصدق نؤمن به، وإن جحده من أهل الضلالة الذين لا يقبلون إلا ما جوّزه عقلهم المشحون بالهوى، اللهم أرِنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرِنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين. وقوله: (السَّمَاءِ الدُّنْيَا) فُعْلَى من الدنوّ، وهو القرب، أي: القريبة إلى الأرض، وفي حديث أبي سعيد في ذكر الأنبياء عند البيهقيّ: «إلى باب من أبواب السماء، يقال له: باب الحفظة، وعليه ملك، يقال له: إسماعيل، وتحت يده اثنا عشر ألف ملك». (فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ - ﷺ -) أي: طلب فتح باب السماء الدنيا من خازنها (فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟) أي: قال خازنها لجبريل: من هذا الذي يستفتح الباب؟ (قَالَ: جِبْرِيلُ) أي: أنا جبريل (قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟) هذا يُشعِر بأنهم أحسوا معه برفيق، وإلا لكان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟ وذلك الإحساس إما بمشاهدة؛ لكون السماء شفافةً، وإما بأمر معنويّ، كزيادة أنوار، أو نحوها مما يُشعر بتجدد أمر يَحْسُن معه السؤال بهذه الصيغة. (قَالَ: مُحَمَّد - ﷺ -) أي: معي محمد - ﷺ -، وفيه دليلٌ على أن الاسم أولى في التعريف من الكنية (قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟) أي: أُرسل إليه للعروج، وليس المراد أصل البعث؛ لأن ذلك كان قد اشتَهَر في الملكوت الأعلى، وقيل: سألوا تعجبًا من نعمة الله عليه بذلك أو استبشارًا به، وقد علموا أن بشرًا لا يترقّى هذا الترقي إلا بإذن الله تعالى، وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه. وقيل: الحكمة في سؤال الملائكة: «وقد بعث إليه»، أن الله أراد اطلاع نبيه - ﷺ - على أنه معروف عند الملأ الأعلى؛ لأنهم قالوا: «أبُعِث إليه»، فدَلّ على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد؟ مثلًا. (قَالَ) جبريل (نَعَمْ) بُعِث إليه (قَالَ) - ﷺ - (فَفَتَحَ لَنَا) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الخازن، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير الباب (وَقَالَ) أي: الخازن (مَرْحَبًا بِهِ) أي: أصاب رُحْبًا وسَعَةً، وكَنَى بذلك عن الانشراح، وقال ابن منظور ﵀: وقولهمٍ في تحيّة الوارد: «أهلًا ومَرْحبًا»؛ أي: صادفت أهلًا ومرحبًا، أو أتيت سَعَة وأتيتَ أهلًا، فاستأنِس ولا تستوحِشْ، وقال أيضًا: قولهم: «مَرْحَبًا» أي: أتيت، أو لقيتَ رُحْبًا وسَعَةً لا ضِيقًا، وكذلك «سَهْلًا»؛ أي: نزلت بلدًا سهلًا، لا حَزْنًا غَلِيظًا. انتهى بتصرف . [تنبيه]: استنبط ابن المُنَيِّر من قوله: «فقال: مرحبًا» جواز ردّ السلام بغير لفظ السلام. وتُعُقِّب بأن قول الملك: «مرحبًا به» ليس ردًّا للسلام، فإنه كان قبل أن يفتح الباب، والسياق يرشد إليه، وقد نَبّهَ على ذلك ابن أبي جمرة ﵀، ووقع هنا أن جبريل قال له عند كلّ واحد منهم: «سَلِّمْ عليه، قال: فسلَّمت عليه، فردّ عليّ السلام»، وفيه إشارة إلى أنه رآهم قبل ذلك. (وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ) قيل: المخصوص بالمدح محذوف، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: جاء، فنعم المجيء مجيئه، وقال ابن مالك ﵀: في هذا الكلام شاهدٌ على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو الصفة عن الموصوف، في باب «نِعْمَ»؛ لأنها تحتاج إلى فاعل هو «المجيء»، وإلى مخصوص بمعناها، وهو مبتدأٌ مُخْبَرٌ عنه بـ «نِعْمَ» وفاعِلِهَا، فهو في هذا الكلام وشبهه موصول، أو موصوف بـ «جاء»، والتقدير: نعم المجيء الذي جاء، أو: نِعم المجيء مجيء جاءه، وكونه موصولًا أجود؛ لأنه مُخْبَر عنه، والمخبر عنه إذا كان معرفةً أولى من كونه نكرةً. انتهى . والحاصل أن فاعل «نعم» هنا هو «المجيء»؛ لأن فاعلها لا بدّ أن يكون محلًّى بـ «أل»، أو مضافًا إلى المحلّى، ويكون أيضًا ضميرًا مفسَّرًا بالتمييز، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» بقوله: فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ … «نِعْمَ» وَ«بِئْسَ» رَافِعَانِ اسْمَيْنِ مُقَارِنَي «أَلْ» أَوْ مُضَافَيْنِ لِمَا … قَارَنَهَا كـ «نِعْمَ عُقْبَى الكُرَمَا» وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ … مُمَيِّزةٌ كـ «نِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهْ» (قَالَ) - ﷺ - (فَأَتَيْنَا عَلَى آدَمَ - ﷺ - «) أي: مررنا عليه. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) الظاهر أن الضمير لسعيد بن أبي عروبة، يعني: أن سعيدًا ساق هذا الحديث مع بيان قصّة عروج النبيّ - ﷺ - في السماوات وملاقاته للأنبياء فيها، لكن المصنّف، أو أحد الرواة ممن فوقه اختصره بما أشار إليه بقوله: (وَذَكَرَ أنهُ) - ﷺ - (لَقِيَ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ عِيسَى وَيَحْيَى ﵉، وَفِي الثَّالِثَةِ يُوسُفَ، وَفِي الرَّابِعَةِ إِدْرِيسَ، وَفِي الْخَامِسَةِ هَارُونَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) وسيأتي الحديث بتمامه من«مسند أبي عوانة» - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ) - ﷺ - («ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَة، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى ﵇، فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِح، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) قيل: اقتصر الأنبياء على وصفه بهذه الصفة، وتواردوا عليها؛ لأن الصلاح صفة تَشْمَل خلال الخير، ولذلك كرّرها كلٌّ منهم عند كلّ صفة، والصالحُ: هو الذي يقوم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق العباد، فمن ثم كانت كلمة جامعة لمعاني الخير، وفي قول آدم ﵇: «بالابن الصالح» إشارة إلى افتخاره بأبوّة النبيّ - ﷺ -. (فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى، فَنُودِيَ مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ) أي: يا رب (هَذَا غُلَامٌ، بَعَثْتَهُ بَعْدِي، يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي) وفي رواية شريك، عن أنس: «لم أظنّ أحدًا يُرفَع عليّ»، وفي حديث أبي سعيد: «قال موسى: يَزعُم بنو إسرائيل أني أكرم على الله، وهذا أكرم على الله مني»، زاد الأمويّ في روايته: «ولو كان هذا وحده وإن عليّ، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله»، وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: «أنه مرّ بموسى ﵇، وهو يَرْفَع صوته، فيقول: أكرمته وفضّلته، فقال جبريل: هذا موسى، قلتُ: ومَن يعاتب؟ قال: يعاتب ربَّه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربّه؛ قال: إن الله قد عَرَف له حِدَّته»، وفي حديث ابن مسعود عند الحارث، وأبي يعلى، والبزار: «وسمعت صوتًا وتَذَمُّرًا، فسألت جبريل، فقال: هذا موسى، قلتُ: على من تذمُّرُهُ؟ قال: على ربِّه، قلت: على ربِّه؟ قال: إنه يَعْرِف ذلك منه». قال العلماء: لم يكن بكاء موسى حَسَدًا، معاذَ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان أَسَفًا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة، بسبب ما وَقَعَ من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم لتنقيص أجره؛ لأن لكل نبيّ مثلُ أجر كلِّ من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه من أمته في العدد دون من اتبع نبيّنا - ﷺ - مع طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمة. وأما قوله: «غلام» فليس على سبيل النقص، بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه؛ إذ أعطى لمن كان في ذلك السنّ ما لم يعطِه أحدًا قبله ممن هو أسنّ منه، وقد وقع من موسى ﵇ من العناية بهذه الأمة من أمر الصلاة ما لم يقع لغيره، ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة - ﵁ -، عند الطبريّ، والبزَّار، قال - ﷺ -: «كان موسى أشدهم عليّ حين مَرَرْتُ به، وخيرهم لي حين رَجَعتُ إليه»، وفي حديث أبي سعيدٍ: «فأقبلتُ راجعًا، فمررت بموسى، ونعم الصاحبُ كان لكم، فسألني كم فَرَضَ عليك ربُّك …» الحديث. قال ابن أبي جمرة ﵀: إن الله جَعَل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما جَعَل في قلوب غيرهم؛ لذلك بَكَى رحمةً لأمته، وأما قوله: «هذا الغلام»، فأشار إلى صِغَر سنه بالنسبة إليه. وقال الخطابي ﵀: العرب تسمي الرجل المستجمع السنّ غلامًا ما دامت فيه بقية من القوة. انتهى. قال الحافظ ﵀: ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبيّنا عليهما الصلاة والسلام، من استمرار القوّة في الكهولية، وإلى أن دخل في سنّ الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هَرَمٌ، ولا اعترى قوّته نقصٌ، حتى إن الناس في قدومه المدينة كما ثبت من حديث أنس - ﵁ - لَمّا رأوه مُردفًا أبا بكر أطلقوا عليه اسم الشابّ، وعلى أبي بكر اسم الشيخ، مع كونه في العمر أسنّ من أبي بكر - ﵁ -، والله تعالى أعلم. (قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَة، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وفي حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -: «فإذا أنا بإبراهيم، خليل الرحمن، مُسْنِدًا ظهره إلى البيت المعمور، كأحسن الرجال»، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند الطبريّ: «فإذا هو برجل أشمط، جالس عند باب الجنة على كرسيّ». [تنبيه]: اختُلِف في حال الأنبياء عند لُقِيّ النبيّ - ﷺ - إياهم ليلة الإسراء، هل أُسري بأجسادهم لملاقاة النبيّ - ﷺ - تلك الليلة، أو أن أرواحهم مُستقرَّةٌ في الأماكن التي لقيهم النبيّ - ﷺ - وأرواحهم مشكّلةٌ بشكل أجسادهم، كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل؟ قال الحافظ: واختار الأول بعض شيوخنا، واحتج بما ثبت في مسلم، عن أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: «رأيت موسى ليلة أُسري بي قائمًا يصلي في قبره»، فدَلّ على أنه أُسري به لَمّا مر به. قال الحافظ: قلت: وليس ذلك بلازم، بل يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسده في الأرض، فلذلك يتمكن من الصلاة وروحه مستقرّة في السماء. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاختلاف يعدّ من فضول الكلام، فكان الأولى للعلماء أن لا يشتغلوا به، بل يمسكوا عنه؛ لعدم فائدة تنبني عليه، ومع ذلك فالأخذ بما دلّت عليه ظواهر النصوص، من أنه - ﷺ - رأى موسى في قبره يصليّ، ووجده أيضًا مع سائر الأنبياء في بيت المقدس، وفي الملإ الأعلى كلّ ذلك بأجسادهم وأرواحهم هو الحقّ الذي لا ينبغي العدول عنه؛ إذ لا مانع من ذلك ولا نصّ يصرف عن هذا الظاهر، والله ﷾ قادرٌ على كلّ ذلك، وقد ثبت أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم، فكن مع ظواهر النصوص، ولا تعدل عنها إلا إذا وجدت دليلًا يصرفك عنه، اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدِنا لما اختُلف فيه من الحقّ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم آمين. (وَقَالَ) الظاهر أن الضمير لمالك بن صعصعة، ويحتمل أن يكون لمن دونه (فِي الْحَدِيثِ: وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ) وسيأتي في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «أربعة أنهار من الجنة: النيل والفرات، وسيحان وجيحان»، فيحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من تحتها، فيصح أنها من الجنة، قاله في «الفتح». (يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا) الضمير لسدرة المنتهى التي اختصر ذكرها، ففي رواية أبي عوانة الآتية: «ثم رُفِعت لنا السدرة المنتهى، فحدَّث نبي الله - ﷺ - أن ورقها مثل آذان الفِيَلَة، وأن نَبِقَها مثل قِلال هَجَر، وحَدَّث نبي الله - ﷺ - أنه رأى أربعة أنهار، يخرجن من أصلها: نهران باطنان، ونهران ظاهران …». وقوله: «ثم رفعت لنا السدرة المنتهى»؛ أي: قُرِّبت وظهرت لنا، والرفع إلى الشيء يُطلَق على التقريب منه، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ [الواقعة: ٣٤]؛ أي: تقرب لهم، ووقع بيان سبب تسميتها السدرة المنتهى في حديث ابن مسعود - ﵁ - الآتي إن شاء الله تعالى. (نَهْرَانِ ظَاهِرَان، وَنَهْرَانِ بَاطِنَان، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذ الْأَنْهَارُ؟ قَالَ: أمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَان، فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ) قال ابن أبي جمرة ﵀: فيه أن الباطن أجلّ من الظاهر؛ لأن الباطن جُعِل في دار البقاء، والظاهر جُعل في دار الفناء، ومن ثَمَّ كان الاعتماد على ما في الباطن، كما قال - ﷺ -: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (وَأَمَّا الظَّاهِرَان، فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ) وفي رواية شريك: «أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يَطّردان، فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما»، والجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بالعنصر عنصر امتيازهما بسماء الدنيا، كذا قال ابن دحية. ووقع في حديث شريك أيضًا: «ومضى به يَرْقَى السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزَبَرْجَد، فضَرَب بيده، فإذا هو مسك أذفر، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خَبَأَ لك ربُّك». ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند ابن أبي حاتم أنه بعد أن رأى إبراهيم، قال: «ثم انطَلَق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طير خُضْر أنعم طير رأيت، قال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة، يجري على رضراض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشدُّ بياضًا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته، فاغترفت من ذلك الماء، فشَرِبتُ، فإذا هو أحلى من العسل، وأشدّ رائحةً من المسك». وفي حديث أبي سعيد - ﵁ -: «فإذا فيها عين تجري، يقال لها: السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له: نهر الرحمة». قال الحافظ ﵀: فيمكن أن يُفَسَّر بهما النهران الباطنان المذكوران في حديث الباب، وكذا رُوي عن مقاتل قال: الباطنان: السلسبيل والكوثر. وأما الحديث الذي أخرجه مسلم بلفظ: «سيحان، وجيحان، والنيل، والفرات، من أنهار الجنة»، فلا يغاير هذا؛ لأن المراد به أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنة، وحينئذ لم يثبت لسيحون وجيحون أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك، وأما الباطنان المذكوران في حديث الباب، فهما غير سيحون وجيحون، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: «الفُرَاتُ» بالمثناة في الخط، في حالتي الوصل والوقف في القراءات المشهورة، وجاء في قراءة شاذة أنها هاء تأنيث، وشبَّهها أبو المظفر بن الليث بالتابوت والتابوه . (ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيه، آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ) قال صاحبَ «مطالع الأنوار»: ورويناه «آخرَ ما عليهم» برفع الراء، ونصبها، فالنصب على الظرف، والرفع على تقدير: ذلك آخرُ ما عليهم من دخوله، قال: والرفع أوجَهُ، وفي هذا أعظم دليل على كثرة الملائكة - صلوات الله وسلامه عليهم - والله تعالى أعلم . (ثُمَّ أُتِيتُ، بِإِنَاءَيْنِ: أَحَدُهُمَا خَمْرٌ، وَالْآخَرُ لَبَنٌ، فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقِيلَ: أَصَبْتَ أَصَابَ اللهُ بِكَ، أُمَّتُكَ عَلَى الْفِطْرَةِ) قد تقدّم في أول الباب الكلام في هذا الجُمَل، والذي يزاد هنا معنى: «أصبت»، أي: أصبت الفطرة، كما جاء في الرواية المتقدّمة، وتقدَّم بيان معنى الفطرة. ومعنى «أصاب الله بك»؛ أي: أراد بك الفطرةَ، والخيرَ، والفضلَ، وقد جاء «أصاب» بمعنى «أراد» في قول الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ [ص: ٣٦]، أي: حيث أراد، اتَّفَق عليه المفسرون وأهل اللغة، كذا نَقَل الواحديّ اتفاق أهل اللغة عليه. وأما قوله: «أمتُك على الفطرة»، فمعناه: أنهم أَتْبَاعٌ لك، وقد أصبت الفطرة، فهم يكونون عليها، والله تعالى أعلم . ووقع في رواية البخاريّ: «ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها». قال في «الفتح» مفسّرًا للفطرة: أي دين الإسلام، قال القرطبيّ: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرةً؛ لأنه أول شيء يدخل بطن المولود ويشُقُّ أمعاءه، والسرّ في ميل النبيّ - ﷺ - إليه دون غيره؛ لكونه كان مألوفًا له، ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة، وقد وقع في هذه الرواية أن إتيانه الآنية كان بعد وصوله إلى سدرة المنتهى، ووقع عند البخاريّ في «الأشربة»: من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رُفِعت لي سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار …» فذكره، قال: «وأتيت بثلاثة أقداح …» الحديث، وهذا موافق لحديث الباب إلا أن شعبة لم يذكر في الإسناد مالك بن صعصعة، وفي حديث أبي هريرة عند ابن عائذ في حديث المعراج بعد ذكر إبراهيم قال: «ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة آنية مُغَطّاة، فقال جبريل: يا محمد أَلَا تشرب مما سقاك ربك؟ فتناولت إحداها، فإذا هو عَسَلٌ، فشربت منه قليلًا، ثم تناولت الآخر، فإذا هو لبنٌ، فشربت منه حتى رويت، فقال: ألا تشرب من الثالث؟ قلت: قد رويتُ، قال: وفّقك الله»، وفي رواية البزَّار من هذا الوجه: أن الثالث كان خمرًا، لكن وقع عنده أن ذلك كان ببيت المقدس، وأن الأول كان ماءً، ولم يذكر العسل، وفي حديث ابن عباس عند أحمد: «فلما أتى المسجد الأقصى قام يصلي، فلما انصرف جيء بقدحين، في أحدهما لبن وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن …» الحديث. وقد وقع عند مسلم من طريق ثابت، عن أنس أيضًا: أن إتيانه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج، ولفظه: «ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاء جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: أخذت الفطرة، ثم عَرَج الى السماء». وفي حديث شداد بن أوس: «فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشدّ ما أخذني، فأُتيت بإناءين، أحدهما لبن، والآخر عسل، فعَدَلت بينهما، ثم هداني الله، فأخذت اللبن، فقال شيخ بين يديّ - يعني: لجبريل -: أخذ صاحبك الفطرة». وفي حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق في قصة الإسراء: «فصلى بهم - يعني: الأنبياء - ثم أتي بثلاثة آنية: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، فأخذت اللبن …» الحديث، وفي مرسل الحسن عنده نحوه، لكن لم يذكر إناء الماء. ووقع بيان مكان عَرْض الآنية في رواية سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة عند البخاريّ، ولفظه: «أتي رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به بإيلياء، بإناء فيه خمر، وإناء فيه لبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غَوَتْ أمتك» وهو عند مسلم، وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم بن عُتبة، عن أنس، عند البيهقيّ: «فعُرض عليه الماء، والخمر، واللبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغَرِقت، وغَرِقت أمتك، ولو شربت الخمر، لغَوَيت وغوت أمتك». قال الحافظ ﵀: ويُجْمَع بين هذا الاختلاف إما بحمل «ثُمّ» على غير بابها من الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو هنا، وإما بوقوع عَرْض الآنية مرتين: مرةً عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس، وسببه ما وقع له من العطش، ومرةً عند وصوله إلى سدرة المنتهى ورؤيةِ الأنهار الأربعة. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو الأوجه، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال: أما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها، فيُحمَل على أن بعض الرواة ذَكَر ما لم يذكره الآخر، ومجموعها أربعة آنية، فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي رآها تَخْرُج من أصل سدرة المنتهى. ووقع في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند الطبريّ لَمّا ذَكَر سدرة المنتهى: «يَخرُج أصلها من أنهار من ماء غير آسنٍ، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذةً للشاربين، ومن عسل مصفَّى»، فلعله عُرِض عليه من كل نهر إناءٌ. وجاء عن كعب أن نهر العسل نهر النيل، ونهر اللبن نهر جيحان، ونهر الخمر نهر الفرات، ونهر الماء سيحان، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَي كُلَّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلَاةً») قد تقدّم ما يتعلق بهذا في شرح حديث أبي ذرّ - ﵁ -. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّتَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ) الظاهر أن الضمير لسعيد بن أبي عروبة ﵀، أي: ذكر تمام قصّة الصلاة، كما سنسوقه من رواية أبي عوانة ﵀. [تنبيه]: قد أخرج الإمام الحافظ أبو عوانة الإسفرائينيّ ﵀ رواية سعيد بن أبي عروبة هذه التي اختصر المصنّف ﵀ بعض مواضعها، فقال في«مسنده»(١/ ١٠٧): (٣٣٧) حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، (ح) وحدثنا أبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مِهْران، قال: ثنا رَوْح بن عُبادة، قال: أنبا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن نبيّ الله - ﷺ - قال:«بينا أنا عند البيت، بين النائم واليَقْظَان، إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، قال: فأُتيت، فانطُلِق بي، ثم أُتيت بطست من ذهب، فيها من ماء زمزم، فشُرِح صدري إلى كذا وكذا»قال قتادة: قلت للذي معي: ما يَعْنِي؟ قال: قال: إلى أسفل بطني،«فاستُخرج قلبي، فغُسل بماء زمزم، ثم أُعيد مكانه، فحُشي إيمانًا وحكمةً، ثم أُتيت بدابة أبيض، يقال له: البراق، فوق الحمار دون البغل، فحُملت عليه، ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء الدنيا، ثم استفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؛ قال: محمد، قالوا: أَوَ قد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففتُحِ لي، فأتيت على آدم، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم، فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبيّ الصالح، ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؛ قال: محمد، قيل: أَوَ قد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على يحيى وعيسى، فقلت: يا جبريل من هذان؛ قال: هذان يحيى وعيسى، قال: وأحسبه قال: ابنا الخالة، فسلمت عليهما، فقالا: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على يوسف، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على إدريس، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أخوك إدريس، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح»قال: فكان قتادة يقرأ عندها ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧].«ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على هارون، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أخوك هارون، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، ثم انطلقنا، حتى أتينا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أَوَ قد بُعِث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففُتِح لنا، فأَتيت على موسى، فقلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح، فلما جاوزته بكى، قيل: وما يبكيك؟ قال: رَبِّ هذا غلام، بعثته بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي، ثم انطلقنا، حتى أتينا السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بُعِث؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، ولنعم المجيءُ جاء، ففتح لنا، فأَتيت على إبراهيم، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أبوك إبراهيم، فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبيّ الصالح، ثم رُفِع لنا البيت المعمور، يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه، آخرَ ما عليهم، ثم رُفعت لنا السدرة المنتهى، فحَدّث نبيُّ الله - ﷺ - أنّ ورقها مثلُ آذان الفِيَلة، وأن نَبقَها مثلُ قلال هَجَر، وحَدَّث نبيّ الله - ﷺ - أنه رأى أربعة أنهار، يخرجن من أَصلها، نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان، فنهران في الجنة، وأما النهران الظاهران، فالنيل والفرات، قال: ثم أُتيت بإنائين: أحدهما لبن، والآخر خمر، فاخترت اللبن، فقيل لي: أصبت أصاب الله بك، وأمتُك على الفطرة، وفُرِضت عليَّ خمسون صلاة في كل يوم، فأَتيت على موسى، فقال: بما أُمرت؟ قلت: فُرضت عليّ خمسون صلاةً كلَّ يوم، قال: إني قد بَلَوْتُ الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك، فسَلْه التخفيف لأمتك، قال: فرجعت إلى ربي، فحَطّ عني خمسًا، ثم أَتيت على موسى، فقال: بما أمرت؟ قلت: حط عني خمسًا، قال: إني قد بَلَوتُ الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت إلى ربي، فحَطَّ عني خمسًا، قال: فما زلت بين موسى وبين ربي، حتى صُيِّرت إلى خمس صلوات في كل يوم، فأَتيت على موسى، فقال: بما أُمرت؟ قلت: صُيِّرت إلى خمس صلوات كل يوم، قال: إني بلوت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك، فقلت: لقد رجعت إلى ربي، حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلّم، قال: فنوديت أني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت الحسنة بعشرة أمثالها». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): أن حديث مالك بن صَعْصَعَة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[٨٠/ ٤٢٣ و٤٢٤] (١٦٤)، و(البخاريّ) في«بدء الخلق»(٣٢٠٧)، و«أحاديث الأنبياء»(٣٣٩٣) و(٣٤٣٠)، و«المناقب»(٣٨٨٧)، و(الترمذيّ) في«التفسير»(٣٣٤٦)، و(النسائيّ) في«الصلاة»(٤٤٨)، و«الكبرى»(٣١٣)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١٤/ ٣٠٢ - ٣٠٥)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩ - ٢١٠)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣٣٦ و٣٣٧ و٣٣٨ و٣٣٩)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٤٢٠)، و(ابن منده) في«الإيمان»(٧١٧)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٤٩)، و(البيهقيّ) في«دلائل النبوّة»(٢/ ٣٨٧)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٣٧٥٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما ذكره الإمام ابن حبّان ﵀ في«صحيحه»، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، يكون فَذْلَكَةً لِمَا سبق من التحقيقات، أسوقه بطوله لنفاسته، قال ﵀ (١/ ٢٤٣ - ٢٤٧): قال أبو حاتم: الله جل وعلا قادر على ما يشاء، ربما يَعِدُ الشيءَ لوقت معلوم، ثم يقضي كون بعض ذلك الشيء قبل مجيء ذلك الوقت، كوعده إحياء الموتى يوم القيامة، وجعله محدودًا، ثم قَضَى كون مثله في بعض الأحوال، مثل مَن ذكره الله، وجعله الله جل وعلا في كتابه، حيث يقول: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٩]، وكإحياء الله جل وعلا لعيسى ابن مريم صلوات الله عليه بعض الأموات، فلما صَحَّ وجود كون هذه الحالة في البشر إذا أراده الله جل وعلا قبل يوم القيامة، لم يُنكَر أن الله جل وعلا أحيا موسى في قبره، حتى مَرّ - ﷺ - ليلة أسري به، وذاك أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين بيت المقدس، فرآه - ﷺ - يدعو في قبره؛ إذ الصلاة دعاء فلما دخل - ﷺ - بيت المقدس، وأُسري به أُسري بموسى حتى رآه في السماء السادسة، وجرى بينه وبينه من الكلام ما تقدم ذكرنا له، وكذلك رؤيته سائر الأنبياء الذين في خبر مالك بن صعصعة. فأما قوله - ﷺ - في خبر مالك بن صعصعة: «بينما أنا في الحطيم، إذ أتاني آتٍ، فشقّ ما بين هذه إلى هذه»، فكان ذلك له فضيلة فُضّل بها على غيره، وأنه من معجزات النبوة؛ إذ البشر إذا شُقّ عن موضع القلب منهم ثم استُخْرِج قلوبهم ماتوا. وقوله: «ثم حُشِي» يريد أن الله جل وعلا حَشَا قلبه اليقين والمعرفة الذي كان استقراره في طست الذهب، فنُقِل إلى قلبه، ثم أُتي بدابة، يقال لها: البراق، فحُمِل عليه من الحطيم أو الحجر، وهما جميعًا في المسجد الحرام، فانطَلَق به جبريل، حتى أتى به على قبر موسى، على حسب ما وصفناه، ثم دخل مسجد بيت المقدس، فخَرَق جبريل الصخرة بإصبعه، وشدَّ بها البراق، ثم صَعِد به إلى السماء، ذُكِر شدّ البراق بالصخرة في خبر بريدة، ورؤيته - ﷺ - موسى يصلي في قبره ليسا جميعًا في خبر مالك بن صعصعة، فلما صَعِد به إلى السماء الدنيا، استَفتَحَ جبريل قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد - ﷺ -، قيل: وقد أُرسِل إليه؛ يريد به: وقد أرسل إليه لِيُسْرَى به إلى السماء، لا أنهم لم يعلموا برسالته إلى ذلك الوقت؛ لأن الإسراء كان بعد نزول الوحي بسبع سنين، فلما فُتِح له، فرأى آدم على حسب ما وصفنا قبلُ، وكذلك رؤيته في السماء الثانية يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، وفي السماء الثالثة يوسف بن يعقوب، وفي السماء الرابعة إدريس، ثم في السماء الخامسة هارون، ثم في السماء السادسة موسى، ثم في السماء السابعة إبراهيم؛ إذ جائز أن الله جل وعلا أحياهم؛ لأن يراهم المصطفى - ﷺ - في تلك الليلة، فيكون ذلك آيةً معجزة يُسْتَدَلّ بها على نبوته على حسب ما أصّلنا قبلُ، ثم رُفع له سدرة المنتهى، فرآها على الحالة التي وَصَفَ، ثم فُرِض عليه خمسون صلاةً، وهذا أمر ابتلاءٌ، أراد الله جل وعلا ابتلاء صفيه محمد - ﷺ - حيث فَرَض عليه خمسين صلاةً؛ إذ كان في علم الله السابق أنه لا يَفْرِض على أمته إلا خمس صلوات فقط، فأَمَره بخمسين صلاة أمر ابتلاء، وهذا كما نقول: إن الله جل وعلا قد يأمر بالأمر يريد أن يأتي المأمور به إلى أمره من غير أن يريد وجود كونه، كما أَمَر الله جل وعلا خليله إبراهيم بذبح ابنه، أَمَره بهذا الأمر، أراد به الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه، فلما أسلما وتلّه للجبين فداه بالذبح العظيم؛ إذ لو أراد الله جل وعلا كون ما أَمَر لوَجَد ابنه مذبوحًا، فكذلك فَرَض الصلاة خمسين، أراد به الانتهاء إلى أمره دون وجود كونه، فلما رجع إلى موسى، وأخبره أنه أمر بخمسين صلاة كل يوم، ألهم الله موسى أن يسأل محمدًا - ﷺ - بسؤال ربِّه التخفيف لأمته، فجعل جل وعلا قول موسى ﵇ له سببًا لبيان الوجود لصحة ما قلنا: إن الفرض من الله على عباده أراد إتيانه خمسًا لا خمسين، فرَجَع إلى الله جل وعلا، فسأله فوضع عنه عشرًا، وهذا أيضًا أمر ابتلاء، أريد به الانتهاء إليه دون وجود كونه، ثم جَعَل سؤال موسى ﵇ إياه سببًا لنفاذ قضاء الله جل وعلا في سابق علمه، أن الصلاة تُفْرَض على هذه الأمة خمسًا لا خمسين، حتى رجع في التخفيف إلى خمس صلوات، ثم ألهم الله جل وعلا صفيه - ﷺ - حينئذ حتى قال لموسى: قد سألت ربي حتى استحييتُ لكني أَرْضَى وأُسَلِّم، فلما جاوز ناداه منادٍ: أمضيت فريضتي، أراد به الخمس صلوات، وخففت عن عبادي، يريد: عن عبادي من أمر الابتلاء الذي أمرتهم به من خمسين صلاة التي ذكرناها. وجملة هذه الأشياء في الإسراء رآها رسول الله - ﷺ - بجسمه عيانًا، دون أن يكون ذلك رؤيا أو تصويرًا صُوِّرَ له؛ إذ لو كان ليلة الإسراء، وما رأى فيها نومًا دون اليقظة، لاستحال ذلك؛ لأن البشر قد يَرون في المنام السماوات، والملائكة، والأنبياء، والجنة، والنار، وما أشبه هذه الأشياء، فلو كان رؤية المصطفى - ﷺ - ما وُصِفَ في ليلة الإسراء في النوم دون اليقظة، لكانت هذه حالة يستوي فيها معه البشر؛ إذ هم يرون في مناماتهم مثلها، واستحال فضله، ولم تكن تلك حالةً معجزةً يُفَضَّل بها على غيره، ضدّ قول من أبطل هذه الأخبار، وأنكر قدرة الله جل وعلا، وإمضاء حكمه لما يحب كما يحب، جلّ ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه. انتهى كلام ابن حبّان ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): ما قال الشيخ أبو حمد بن أبي جمرة ﵀ في قوله - ﷺ -: «بينا أنا بين النائم واليَقْظَان»: لو قال - ﷺ -: إنه كان يقظان لأخبر بالحقّ؛ لأن قلبه في النوم واليقظة سواءٌ، وعينه أيضًا لم يكن النوم تمكّن منها، لكنه تحرَّى - ﷺ - الصدق في الإخبار بالواقع، فيؤخذ منه أنه لا يُعْدَل عن حقيقة اللفظ للمجاز إلا لضرورة. انتهى. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من التواضع وحسن الخلق، حيث كان نائمًا بين الرجلين. ٤ - (ومنها): بيان جواز نوم جماعة في موضع واحد، لكنه يشترط أن لا يجتمعوا في لِحَافٍ واحد؛ لِمَا ثبت من النهي عن ذلك. ٥ - (ومنها): فضيلة ماء زمزم على جميع المياه، قال ابن أبي جمرة ﵀: وإنما لم يُغسَل بماء الجنة لِمَا اجتمع في ماء زمزم من كون أصل مائها من الجنّة، ثم استقرّ في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة النبيّ - ﷺ - في الأرض. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كون ماء زمزم من الجنّة يحتاج إلى دليل، والله تعالى أعلم. وقال السهيليّ ﵀: لَمّا كانت زمزم هَزْمة جبريل روحِ القدس لأمّ إسماعيل جدّ النبيّ - ﷺ -، ناسب أن يُغسل بمائها عند دخولى حضرة القدس ومناجاته. ومن المناسبات المستبعدة قول بعضهم: إن الطست يناسب ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ [النمل: ١]. انتهى . ٦ - (ومنها): ما قال النووي في هذا الحديث: إن أصل النيل والفرات من الجنة، وإنهما يَخرُجان من أصل سدرة المنتهى، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض، ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها، وهذا لا يمنعه العقل، وقد شَهِد به ظاهر الخبر، فَلْيُعْتَمَد، وأما قول عياض: إن الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض؛ لكونه قال: إن النيل والفرات يَخرُجان من أصلها، وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه أن يكون أصل السدرة في الأرض. ففد تُعُقّب بأن المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض. والحاصل أن أصلهما في الجنة، وهما يخرجان أوّلًا من أصلها، ثم يسيران إلى أن يَستقِرّا في الأرض، ثم ينبعان. ٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على فضيلة ماء النيل والفرات؛ لكون منبعهما من الجنة، وكذا سيحان وجيحان. قال القرطبيّ ﵀: لعل ترك ذكرهما في حديث الإسراء؛ لكونهما ليسا أصلًا برأسهما، وإنما يَحتَمِل أن يتفرّعا عن النيل والفرات، قال: وقيل: إنما أُطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيهًا لها بأنهار الجنة؛ لِمَا فيها من شدّة العُذُوبة والحسن والبركة، والأولى أولى، والله تعالى أعلم . ٨ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة ﵀: فيه أن الحكمة ليس بعد الإيمان أجلُّ منها، ولذلك قُرِنت معه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. ٩ - (ومنها): أن هذه القصة، قد اشتَمَلت من خوارق العادة على ما يُدْهِش سامعه فضلًا عمن شاهده، فقد جَرَت العادة بأن مَن شُقّ بطنه، وأُخرج قلبه يموت لا محالةَ، ومع ذلك فلم يؤثِّر في النبيّ - ﷺ - ذلك ضررًا ولا وجعًا، فضلًا عن غير ذلك. ١٠ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة ﵀: الحكمة في شقّ قلبه مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانًا وحكمةً بغير شقّ الزيادة في قوّة اليقين؛ لأنه أُعطي برؤية شقّ بطنه، وعدم تأثّره بذلك ما أَمِنَ معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان أشجع الناس، وأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وُصِف بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧]. [تنبيه]: اختُلِف، هل كان شق صدره - ﷺ - وغسله مختصًّا به - ﷺ - أو وقع لغيره من الأنبياء ﵇؟ وقد وقع عند الطبراني في قصة تابوت بني إسرائيل أنه كان فيه الطست التي يُغسَل فيها قلوب الأنبياء، وهذا مشعر بالمشاركة، ونظير هذا البحث في ركوبه البراق، قاله في «الفتح» ، ويحتاج إلى صحّة ما عزاه إلى الطبرانيّ، فإن صحّ فقد ارتفع النزاع، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: الحكمة في تخصيص موسى ﵇ بمراجعة النبيّ - ﷺ - في أمر الصلاة، لعلها لكون أمة موسى كُلِّفت من الصلوات بما لم يُكلّف به غيرها من الأمم، فثَقُلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد - ﷺ - من مثل ذلك، ويشير إلى ذلك قوله: «إني قد جَرّبت الناس قبلك». انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: يدلّ لقوله: «لكون أمة موسى … إلخ» ما جاء في رواية النسائيّ من طريق يزيد بن أبي مالك، عن أنس - ﵁ -، وفيه: «فإنه فَرَض على بني إسرائيل صلاتين، فما قاموا بهما …» الحديث. وقيل في وجه الحكمة غير ذلك ، مما لا ينشرح له الصدر، فيكفي هذا، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أنه - ﷺ - لَمّا عُرِج به رأى في تلك الليلة تعبُّد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله له ولأمته تلك العبادات كلها في كل ركعة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص، وفي اختصاص فرضيتها بليلة الإسراء إشارة إلى عظيم شأنها، ولذلك اختص فرضها بكونه بغير واسطة، بل بمراجعات تعددت على ما سبق بيانه، والله تعالى أعلم . ١٣ - (ومنها): أنه قد اختُلِف في الحكمة في اختصاص كل من الأنبياء ﵈ بالسماء التي التقاه بها النبيّ - ﷺ -، فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أُمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه في أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زَيّفه السهيليّ، فأصاب، وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ما سيقع له - ﷺ - مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم، فأما آدم فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض، بما سيقع للنبيّ - ﷺ - من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما أَلِفَه من الوطن، ثم كان مآل كلّ منهما أن يرجع إلى موطنه الذي أخرج منه، وبعيسى ويحيى على ما وقع له في أول الهجرة من عداوة اليهود، وتماديهم على البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه، وبيوسف على ما وقع له من إخوته، من قريش في نصبهم الحرب له، وإرادتهم هلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار إلى ذلك بقوله لقريش يوم الفتح: «أقول كما قال يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف: ٩٢]»، وبإدريس على رَفِيع منزلته عند الله، وبهارون على أن قومه رَجِعوا إلى محبته بعد أن آذوه، وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فَصَبَر»، وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما خُتِم له - ﷺ - في آخر عمره، من إقامة منسك الحج، وتعظيم البيت، وهذه مناسبات لطيفة أبداها السهيليّ، وأوردها الحافظ في «الفتح» مُنَقَّحةً مُلَخَّصَةً. قال: وذكر ابن المُنَيِّر ﵀ في مناسبة لقاء إبراهيم في السماء السابعة معنىً لطيفًا زائدًا، وهو ما اتَّفَقَ له - ﷺ - من دخول مكة في السنة السابعة، وطوافه بالبيت، ولم يَتَّفِق له الوصول إليها بعد الهجرة قبل هذه، بل قَصَدَها في السنة السادسة فصَدُّوه عن ذلك. وقال ابن أبي جمرة ﵀: الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا؛ لأنه أول الأنبياء، وأول الآباء، وهو أصل، فكان أوّلًا في الأولى، ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة، وعيسى في الثانية؛ لأنه أقرب الأنبياء عهدًا من محمد - ﷺ -، ويليه يوسف، لأن أمة محمد - ﷺ - تدخل الجنة على صورته، وإدريس في الرابعة؛ لقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧]، والرابعة من السبع وسط معتدل، وهارون لقربه من أخيه موسى، وموسى أرفع منه؛ لفضل كلام الله، وإبراهيم؛ لأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدد للنبيّ - ﷺ - بِلُقِيِّه أنس، لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وأيضًا فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته، فلذلك ارتفع النبيّ - ﷺ - عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى، والله تعالى أعلم. ١٤ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنه لا يُعْرَف من جميع العوالم مَن يتجدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفًا ما ثَبَت عن الملائكة في هذا الخبر. ١٥ - (ومنها): أن قوله: «فنُودِيتُ: أني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت الحسنة بعشرة أمثالها» من أقوى ما استُدِلّ به على أن الله ﷾ كَلَّم نبيه محمدًا - ﷺ - ليلة الإسراء بغير واسطة. ١٦ - (ومنها): أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يستفاد ذلك من قول موسى ﵇ للنبيّ - ﷺ -: إنه عالج الناس قبله وجَرّبهم. ١٧ - (ومنها): أنه يستفاد منه تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأن مَن سَلَفَ من الأمم كانوا أقوى أبدانًا من هذه الأمة، وقد قال موسى ﵇ في كلامه: إنه عالجهم على أقلَّ من ذلك، فما وافقوه، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة ﵀، قال: ويستفاد منه أن مقام الخلّة مقام الرضا والتسليم، ومقام التكليم مقام الإدلال والانبساط، ومن ثَمّ استَبَدّ موسى ﵇ بأمر النبيّ - ﷺ - بطلب التخفيف دون إبراهيم؛ مع أن للنبيّ - ﷺ - من الاختصاص بإبراهيم أزيد مما له من موسى ﵇ لمقام الأُبُوّة، ورفعة المنزلة، والاتباع في الملة، وقال غيره: الحكمة في ذلك ما أشار إليه موسى ﵇ في نفس الحديث مِن سَبقِهِ إلى معالجة قومه في هذه العبادة بعينها، وأنهم خالفوه وعصوه، ذكره في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: الحكمة التي ذكرها غير ابن أبي جمرة مما أشار إليه موسى ﵇ في نفس الخبر هو الأظهر، لا ما قاله ابن أبي جمرة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٢٤] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أنسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: «فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْن، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ وربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسمه سَنْبَر بوزن جَعْفر الدَّستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. والباقون تقدّموا في الذي قبله. وقوله: (قَالَ) لمعاذ بن هشام. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل «ذَكَر» ضمير هشام الدستوائيّ. وقوله: (وَزَادَ فِيهِ) أي: زاد هشام على رواية سعيد بن أبي عروبة الماضية قوله: «فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ … إلخ». وقوله: (فَشُقَّ) بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير «صدره»، أي: شقّ صدره - ﷺ -. وقوله: (إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ) بفتح الميم، وتشديد القاف، وهو ما سَفَل من البطن، ورَقَّ من جلده، قال الجوهريّ: لا واحد لها، وقال صاحب «المطالع»: واحدها مَرَقّ. انتهى . [تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ التي أحالها المصنّف على رواية سعيد بن أبي عروبة هنا، أخرجها النسائيّ ﵀ في «كتاب الصلاة» من «المجتبى»، فقال: (٤٤٤) أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا هشام الدستوائيّ، قال: حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن النبيّ - ﷺ - قال: «بينا أنا عند البيت، بين النائم واليقظان، إذ أقبل أحد الثلاثة، بين الرجلين، فأُتيت بطست من ذهب، ملآن حكمةً وإيمانًا، فشُق من النحر إلى مَرَاقّ البطن، فغُسِل القلب بماء زمزم، ثم مُلئ حكمة وإيمانًا، ثم أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار، ثم انطلقت مع جبريل ﵇، فأتينا السماء الدنيا، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؛ مرحبًا به، ونعم المجيءُ جاء، فأَتيت على آدم ﵇، فسلمت عليه، قال: مرحبًا بك، من ابنٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء الثانية، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فمثل ذلك، فاتيت على يحيى وعيسى، فسلمت عليهما، فقالا: مرحبًا بك من أخٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء الثالثة، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فمثل ذلك، فأتيت على يوسف ﵇، فسلمت عليه، قال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيّ، ثم أتينا السماء الرابعة، فمثل ذلك، فأتيت على إدريس ﵇، فسلمت عليه،
مصادر المؤلف (٢٦)

١. راجع:«عمدة القاري»٣/ ٧٢ - ٧٧.

٢. «تقييد المهمل، وتمييز المشكل» ٣/ ٧٨٣، و«شرح النوويّ» ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤.

٣. «الفتح» ٧/ ٢٤٣ - ٢٣٤ «كتاب المناقب» رقم الحديث (٣٨٨٨).

٤. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٦٨٠ - ٦٨١.

٥. راجع: «شرح العقيدة الطحاويّة» ص ٢٢٤.

٦. «الفتح»٨/ ٢٤٤.

٧. «الفتح» ٨/ ٢٤٤ - ٢٤٥.

٨. شمس من بابي قتل وضرب، شُموسًا وشماسًا: استعصى على راكبه. اهـ. «المصباح».

٩. «المَعْرَفَة» بفتح، فسكون، ففتح: موضع العَرْف من الطير والخيل.

١٠. قوله: «تَيْهًا»؛ أي: فخرًا وتكبّرًا، وقوله: «زَهْوًا» عطف تفسير.

١١. «الفتح» ٧/ ٢٤٨ - ٢٤٩.

١٢. «لسان العرب» ١/ ٤١٤ - ٤١٥.

١٣. «شواهد التوضيح» ص ١١٠.

١٤. «الفتح» ٧/ ٢٥٥.

١٥. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٢٥.

١٦. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦.

١٧. لعله من الإسرائيليّات، والله تعالى أعلم.

١٨. «مسند أبي عوانة» ١/ ١٠٧ - ١٠٩.

١٩. هكذا أوّل ابن حبّان ﵀ الصلاة بالدعاء هنا، والظاهر أنه أراد الصلاة المعروفة؛ إذ لا داعي للتأويل المذكور، والله تعالى أعلم.

٢٠. «الفتح» ٧/ ٢٤٥.

٢١. راجع: «الفتح» ٧/ ٢٥٥.

٢٢. ٧/ ٢٥٥.

٢٣. راجع: «الفتح» ٧/ ٢٥٢ «كتاب مناقب الأنصار».

٢٤. «الفتح» ٧/ ٢٥٦.

٢٥. «الفتح» ٧/ ٢٥٨ «كتاب مناقب الأنصار» رقم (٣٨٨٨).

٢٦. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٢٦.