HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧١

حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ. فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبِطُ الشَّعْرِ. بَيْنَ رَجُلَيْنِ. يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً (أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً) قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ. جَسِيمٌ. جَعْدُ الرَّأْسِ. أَعْوَرُ الْعَيْنِ. كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ. أَقْرَبُ النَّاسِ به شبها ابن قطن».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص108
ج ١ ص ١٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤ ص٦٠٨
وتمام شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٥] (١٧١) - (حَدَّثَنى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بالْكَعْبَة، فَإِذَا رَجُل آدَمُ، سَبِطُ الشَّعْر، بَيْنَ رَجُلَيْن، يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً، أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ ، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ، جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْس، أَعْوَرُ الْعَيْن، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنبةٌ طَافِيَةٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ، أقرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث وقع في معظم النسخ بعد الحديث التالي، والصواب أن محلّه هنا، كما لا يخفى على من نظر فيه، وهو الذي وقع في شرح الأبيّ والسنوسيّ، فتنبّه. رجال هذا الإسناد: ستة، تقدّموا في الباب الماضي، وسالم وأبوه ذُكرا في الحديث الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً) بضمّ الطاء، وفتحها، أي: يقطُرُ وَيَسيل ، وقال المجد ﵀: نَطَفَ الماء، كنَصَرَ، وضَرَب: نَطْفًا، وتَنْطَافًا بفتحهما، ونِطَافَانًا، ونِطَافَةً بالكسر: سال. انتهى . وقوله: (أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً) «أو» فيه للشكّ من الراوي، و«يُهَرَاق» بضمّ الياء، وفتح الهاء؛ أي: ينصبّ . وقال المجد ﵀: هَرَاقَ الماءَ يُهَرِيقه بفتح الهاء، هِرَاقَةً بالكسر، وأَهْرَقَهُ يُهْرِيقهُ إِهْرَاقًا، وأَهْرَاقَهُ يُهْرِيقه إهْرِيَاقًا، فهو مَهَرِيق، وذاكَ مُهَرَاقٌ، ومُهْرَاقٌ: صَبَّهُ، وأصله: أراقه يُرِيقه إِراقَةً، وأصل أراقَ: أَرْيَقَ، وأصلُ: يُرِيقُ يُرْيِقُ، وأصلُ يُرْيِقُ: يُؤَريقُ، وقالوا: أُهَرِيقُهُ، ولم يقولوا: أُأَرِيقه؛ لاستثقال الهمزتين، وزِنَةُ يُهَرِيقُ بفتح الهاء يُهَفْعِلُ، ومُهَرَاقٌ بالتحريك مُهَفْعَل، وأما يُهْرِيق ومُهْرَاقٌ بتسكين هائهما، فلا يُمكن أن يُنطق بهما؛ لأن الهاء والفاء جميعًا ساكنان. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: راقَ الماءُ والدمُ وغيره ريقًا، من باب باع: انْصَبَّ، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعلُ مُريقٌ، والمفعولُ مُرَاقٌ، وتُبْدَل الهمزة هاءً، فيقال: هراقه، والأصلُ هَرْيَقَهُ وِزانُ دَحْرَجَهُ، ولهذا تُفتَح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَرِيقُهُ، كما تُفْتَح الدال من يُدَحْرِجه، وتُفتَح من الفاعل والمفعول أيضًا فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَرَاقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]: وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ … فَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ والأمر: هَرِقْ ماءَكَ، والأصلُ: هَرْيِقْ وِزانُ دَحْرِجْ، وقد يُجْمَع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ ساكنُ الهاءِ تشبيهًا له بأَسْطَاعَ يُسْطِيعُ، كأنّ الهمزة زِيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يَصِير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا، و«دَعَا بِذَنُوب فأُهْرِقَ» ساكنُ الهاء، وفي «التهذيب»: من قال: أَهْرَقْتُ فهو خطأ في القياس، ومنهم من يَجْعَل الهاء كأنها أصلٌ، ويقول: هرقته هَرْقًا، من باب نَفَعَ، وفي الحديث: «إن امرأة كانت لهَرَاق الدماءَ»، بالبناء للمفعول، و«الدماءَ» نُصِبَ على التمييز، ويجوز الرفع على إسناد الفعل إليها، والأصلُ تُهْرَاقُ دماؤُها، لكن جُعِلت الألف واللام بدلًا عن الإضافة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [الآية [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: نِكَاحِها. انتهى . وقوله: (ثم ذهبتُ ألْتَفِتُ) وفي بعض النسخ: «التَفَتُّ» بصيغة الماضي. وقوله: (جَسِيم) أي: سمين عظيم الجسم، وأما ما جاء في وصف موسى ﵇ بأنه جسيم سبط، فإنه يرجع إلى الطول، كما قال الشاعر [من الطويل]: وَجَاءَتْ بِهِ سَبْطَ البَنَانِ كَأَنَّمَا … عِمَامَتُهُ بَيْنَ الرِّجَالِ لِوَاءُ ولا يُفسّر هذا بسمين؛ لأنه يخالف وصفه في الحديث الآخر بأنه ضَرْب من الرجال. وتمام شرح الحديث والمسائل المتعلّقة به تقدّمت قبل ثلاثة أحاديث، فراجعها تزدد علمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجَّاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٣٦] (١٧٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبيِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَمَّا كَذَّبَتْني قُرَيْشٌ، قُمْتُ فِي الْحِجْر، فَجَلَا اللهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِس، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِه، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فأما قُتيبة بن سعيد، والليث بن سعد، والزهريّ، فتقدّموا في الباب الماضي، وأما عُقَيل بن خالد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وجابر بن عبد الله - ﵄ -، فتقدّموا قبل باب، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ -، وفي رواية البخاريّ: «سمعت جابر بن عبد الله»، فقال في «الفتح»: كذا في رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، وخالفه عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، فقال: عن أبي هريرة، أخرجه مسلم - يعني: الرواية التالية - وهو محمول على أن لأبي سلمة فيه شيخين؛ لأن في رواية عبد الله بن الفضل زيادةً ليست في رواية الزهريّ. انتهى . (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ) وفي نسخة، وهي رواية للبخاريّ:»لَمّا كذّبني قريش«، وكلاهما جائز؛ فالتأنيث باعتبار»قريش«اسم قبيلة، والتذكير باعتباره اسم حيّ. و«قُرَيشٌ»: هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: قُريشٌ هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، نقله السُّهيليّ وغيره، والثاني هو الأصح، والأول قول الجمهور، وإلى هذا أشار الحافظ أبو الفضل العراقيّ ﵀ في ألفيّة السيرة حيث قال: أَمَّا قُرَيْشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جِمَاعُهَا وَالأَكْثَرُون النَّضْرُ قال الفيّوميّ ﵀: وأصل القَرْش: الجمع، وتقرّشوا: إذا تجمّعوا، وبذلك سُمّيت قُريش، وقيل: قريشٌ دابّة تسكُن البحر، وبه سُمّي الرجل، قال الشاعر [من الخفيف]: وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ … ـرَ بِهَا سُمّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا ويُنسَبُ إلى قُريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشِيٌّ، وربّما نُسب إليه في الشعر من غير تغيير، فيقال: قُرَيْشِيٌ. انتهى . وقال المجد ﵀: سُمّوا قُريشًا؛ لتجمّعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرّشون البياعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا، فقالوا: تقرّش، أو لأنه جاء إلى قومه، فقالوا: كأنه جَمَلٌ قَرِيشٌ؛ أي: شديدٌ، أو لأن قُصَيًّا كان يقال له: القُرشيّ، أو لأنهم كانوا يُفتّشون الحَاجَ فيسدّون خلّتها، أو سُمّيت بمصغر القِرْش، وهي دابّة بحريّة، تخافها دوابّ البحر كلّها، أو سُمّيت بقُريش بن مخلد بن غالب بن فِهْر، وكان صاحب عِيرهم، فكانوا يقولون: قَدِمت عِير قُريش، وخرجت عِيرُ قريش، والنسبة إليها قُرَشيّ، وقُرَيشيّ انتهى . وقوله: «لَمّا كذّبتني قريش … إلخ» قد وقع بيان ذلك في طرق أخرى، فرَوَى البيهقيّ في «لدلائل» من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، قال: «افْتَتَنَ ناس كثير - يعني: عقب الإسراء - فجاء ناس إلى أبي بكر، فذكروا له، فقال: أشهد أنه صادق، فقالوا: وتُصَدِّقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة، ثم رَجَع إلى مكة؟ قال: نعم إني أُصدِّقه بأبعد من ذلك، أُصَدِّقه بخبر السماء، قال: فسُمِّي بذلك»الصدِّيقَ«، قال: سمعت جابرًا يقول …»، فذكر الحديث. وفي حديث ابن عباس - ﵄ - عند أحمد والبزَّار، بإسناد حسن، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَمّا كان ليلة أُسري بي، وأصبحتُ بمكة، مَرّ بي عدوُّ الله أبو جهل، فقال: هل كان من شيء؟ قال رسول الله - ﷺ -: إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحتَ بين أظهرنا؟ قال: نعم، قال: فإن دعوتُ قومك أتُحَدِّثهم بذلك؟ قال: نعم، قال: يا معشر بني كعب بن لؤيّ، قال: فانفَضّت إليه المجالس، حتى جاؤوا إليهما، فقال: حَدِّث قومك بما حدثتني، فحدَّثهم، قال: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا، قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ … »الحديث. وأخرجه النسائيّ من طريق زُرَارة بن أوفى، عن ابن عبّاس - ﵄ - مُطَوَّلًا، ولفظه:«لَمّا كان ليلة أُسري بي، ثم أصبحتُ بمكة قطعت بأمري، وعَرَفت أن الناس مُكَذِّبِيَّ، فقعدت معتزلًا حزينًا، فمرّ بي عدوّ الله أبو جهل، فجاء حتى جَلَس إليه، فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ قال: نعم، قال: ما هو؟ قال: إني أُسري بي الليلةَ، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم، قال: فلم يرَ أن يُكَذِّبه مخافة أن يَجْحَد ما قال إن دعا قومه، قال: إن دعوتُ قومك لك تحدثهم؟ قال: نعم، قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤيّ هَلُمّ، قال: فانفضت إليه المجالس، فجاؤوا حتى جَلَسُوا إليهما، قال: حَدِّثْ قومك بما حدثتني، فحدثهم، قال: فمِن مُصَفِّق ومن واضع يده على رأسه متعجبًا، وفي القوم مَن سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد، قال: فهل تستطيع أن تَنْعَت لنا المسجد؟ قال النبيّ - ﷺ -: فذهبت أَنْعَت لهم، قال: فما زِلت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت، فجيء بالمسجد حتى وُضع فنعتّه، وأنا أنظر إليه، قال: فقال القوم: أما النعت فقد أصاب». وأخرج قاسم بن ثابت في«الدلائل»، فقال:«جاء ناس من قريش إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه أَتى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة؟ قال أبو بكر: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لقد صدق». [تنبيه]: وقع في غير هذه الرواية بيان ما رآه النبيّ - ﷺ - ليلة الإسراء، فمن ذلك ما وقع عند النسائيّ، من رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: أُتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل …» الحديث، وفيه: «فرَكِبتُ ومعي جبريل، فَسِرتُ، فقال: انزل فصَلّ، ففعلتُ، فقال: أتدري أين صليت؟ صليتَ بطيبة وإليها المُهاجَرُ»، يعني بفتح الجيم. ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزَّار، والطبرانيّ أنه «أول ما أُسري به مَرَّ بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: انزِل فصَلّ، فنزل فصلى، فقال: صليت بيثرب»، ثم قال في روايته: «ثم قال: انزل، فصلِّ مثل الأول، قال: صليتَ بطور سيناء حيث كَلَّم الله موسى، ثم قال: انزل، فذكر مثله، قال: صليتَ ببيت لَحْم، حيث وُلد عيسى». وقال في رواية شداد بعد قوله: «يَثْرِب»: «ثم مَرَّ بأرض بيضاء، فقال: انزل فصلّ، فقال: صليتَ بمدين»، وفيه أنه دخل المدينة من بابها اليماني، فصلى في المسجد، وفيه أنه مَرَّ في رجوعه بعِير لقريش، فسلَّم عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد، وفيه: أنه أعلمهم بذلك، وأن عِيرهم تَقْدَم في يوم كذا، فَقَدِمَت الظهرَ، يَقْدُمُهم الجمل الذي وَصَفه. وزاد في رواية يزيد بن أبي مالك: «ثم دخلت بيت المقدس، فجُمِع لي الأنبياء، فقَدَّمني جبريل حتى أممتهم». وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة، عن أنس - ﵁ - عند البيهقيّ في «الدلائل»: أنه مَرَّ بشيء يدعوه، متنحيًا عن الطريق، فقال له جبريل: سِرْ، وأنه مَرّ على عجوز، فقال: ما هذه؟ فقال: لا، سِرْ، وأنه مَرّ بجماعة، فسلموا، فقال له جبريل: اردُد عليهم، وفي آخره: فقال له: الذي دعاك إبليس، والعجوز الدنيا، والذين سلّموا إبراهيم وموسى وعيسى. وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند الطبرانيّ والبزَّار: أنه «مَرّ بقوم يزرعون ويحصدون، كلما حصدوا عاد كما كان، قال جبريل: هؤلاء المجاهدون، ومرّ بقوم تُرْضَخ رؤوسهم بالصخر، كلما رُضِخت عادت، قال: هؤلاء الذين تثاقل رؤوسهم عن الصلاة، ومَرّ بقوم على عوراتهم رِقَاع يَسرَحون كالأنعام، قال: هؤلاء الذين لا يؤدون الزكاة، ومرّ بقوم يأكلون لحمًا نيئًا خبيثًا ويدعون لحمًا نضيجًا طيبًا، قال: هؤلاء الزُّناة، ومرّ برجل جَمَع حُزْمة حطب لا يستطيع حملها، ثم هو يضمّ إليها غيرها، قال: هذا الذي عنده الأمانة لا يؤديها، وهو يطلب أخرى، ومرّ بقوم تُقرض ألسنتهم وشفاههم، كلما قُرِضت عادت، قال: هؤلاء خطباء الفتنة، ومرّ بثور عظيم، يَخرُج من ثُقْب صغير، يريد أن يرجع فلا يستطيع، قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة، فيندم فيريد أن يردها فلا يستطيع». وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البزار والحاكم: أنه«صلى ببيت المقدس مع الملائكة، وأنه أُتي هناك بأرواح الأنبياء، فأَثنوا على الله، وفيه قول إبراهيم: لقد فَضَلكم محمد». وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم، عن أنس - ﵁ -:«ثم بُعث له آدم فمن دونه، فأمَّهم تلك الليلة»، أخرجه الطبرانيّ. وعند مسلم من رواية عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه:«ثم حانت الصلاة فأممتهم». وفي حديث أبي أمامة - ﵁ - عند الطبراني في«الأوسط»:«ثم أقيمت الصلاة، فتدافعوا حتى قدَّموا محمدًا»، وفيه:«ثم مرَّ بقوم بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خَرَّ، وإن جبريل قال له: هم آكلو الربا، وأنه مر بقوم مَشافرهم كالابل، يلتقمون حجرًا، فيخرج من أسافلهم، وإن جبريل قال له: هؤلاء أكلة أموال اليتامى». (قُمْتُ فِي الْحِجْرِ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم: قال الأزهريّ: هو حَطِيم مكة، كأنه حُجْرة مما يَلي المَثْعَب من البيت، وقال الجوهريّ: الحِجْرُ حِجْر الكعبة، وهو ما حواه الحطيم المُدَار بالبيت جانب الشمال . (فَجَلَا اللهُ لِي) وفي نسخة:«فَجَلَّى الله»، قال النوويّ ﵀: رُوي بتشديد اللام، وتخفيفها، وهما ظاهران، ومعناه: كَشَف وأظهر. انتهى . وقيل: معناه: كَشَفَ الحجب بيني وبينه حتى رأيته، والأصحّ أنه رُفع البيت حتى نظر إليه ونعته لهم، كما دلّت عليه رواية عبد الله بن الفضل، عن أم سلمة التالية: قال:«فسألوني عن أشياء لم أُثبتها، فكُرِبتُ كَرْبًا لم أُكْرَب مثله قط، فرَفَع الله لي بيت المقدس أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا نبأتهم به»، وفي حديث ابن عباس:«فجيء بالمسجد، وأنا أنظر إليه حتى وُضِع عند دار عَقِيل، فَنَعَتُّهُ وأنا أنظر إليه». وهذا أبلغ في المعجزة، ولا استحالة فيه، فقد أُحضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان ﵇، وهو يقتضي أنه أزيل من مكانه حتى أُحضر إليه، وما ذلك على الله بعزيز. ووقع في حديث أم هانئ عند ابن سعد:«فَخُيِّل لي بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن آياته»، قال الحافظ ﵀: فإن لم يكن مُغَيَّرًا من قوله:«فجلى»، وكان ثابتًا احتَمَلَ أن يكون المراد أنه مُثِّل قريبًا منه كما تقدم نظيره في حديث:«أُريت الجنة والنار»، وتأوّل قوله:«جيء بالمسجد»؛ أي: جيء بمثاله. والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: الأقرب ما دلّ عليه ظاهر ما في الصحيح من أنه رُفع له بيت المقدس، فرآه عَلَنًا، ووصفه لهم مشاهدًا له، والله تعالى أعلم. قال: ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزَّار والطبرانيّ ما يؤيد الاحتمال الأوّل، ففيه:«ثم مررت بعير لقريش … »فذكر القصة:«ثم أَتيت أصحابي بمكة قبل الصبح، فأتاني أبو بكر، فقال: أين كنت الليلة؟ فقال: إني أَتيت بيت المقدس، فقال: إنه مسيرة شهر، فصِفْه لي، قال: ففُتِح لي شراكٌ، كأني أنظر إليه، لا يسألني عن شيء إلا أنبأته عنه». وفي حديث أم هانئ أيضًا:«أنهم قالوا له: كم للمسجد بابًا؟ قال: ولم أكن عددتها، فجعلت أنظر إليه، وأعدّها بابًا بابًا»، وفيه عند أبي يعلى: إن الذي سأله عن صفة بيت المقدس هو المطعم بن عَدِيّ والد جُبير بن مطعم، وفيه من الزيادة: فقال رجل من القوم:«هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم والله قد وجدتهم قد أضلّوا بعيرًا لهم، فهم في طلبه، ومررت بابل بني فلان انكسرت لهم ناقة حمراء، قالوا: فأخبرنا عن عِدّتها وما فيها من الرُّعاة، قال: كنت عن عدتها مشغولًا، فقام، فأتى الإبل فعَدَّها وعَلِم ما فيها من الرِّعاء، ثم أتى قريشًا، فقال: هي كذا وكذا، وفيها من الرِّعاء فلان وفلان، فكان كما قال». (بَيْتَ الْمَقْدِسِ) تقدّم بيان لغاته، واشتقاقه قريبًا (فَطَفِقْتُ) بكسر الفاء، وفتحها، يقال: طَفَقَ يفعل كذا، كفرِحَ، وضَرَبَ طَفْقًا، وطُفُوقًا: إذا واصل الفعل، خاصّ بالإثبات، لا يقال: ما طَفَق، وطَفِقَ بمراده: ظَفِرَ، قاله المجد ، وهي من أفعال الشروع التي تنسخ المبتدأ والخبر، وخبرها يكون فعلًا مضارعًا، ولا يُقرن بـ«أن»، كما قال في«الخلاصة»: ..................... … وَتَرْكُ«أَنْ»مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ … كَذَا جَعَلْتُ وَأَخْذْتُ وَعَلِقْ (أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ) أي: علاماته، وقوله: (وَأنا أَنْظُرُ إِلَيْهِ) جملة اسميّة كبرى في ضمنها صغرى في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[٨١/ ٤٣٦] (١٧٠)، و(البخاريّ) في«المناقب»(٣٨٨٦)، و«التفسير»(٤٧١٠)، و(الترمذيّ) في«التفسير»(٣١٣٢)، و(عبد الرزاق) في«مصنّفه»(٥/ ٣٢٩)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٥٥)، و(ابن منده) في«الإيمان»(٧٣٨)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٣٧٦٢)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣٤٠) و(٣٥٢)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٤٣٢)، و(البيهقيّ) في«دلائل النبوّة» (٢/ ٣٥٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما أكرم الله تعالى نبيّه - ﷺ - بالإسراء. ٢ - (ومنها): بيان معجزة النبيّ - ﷺ - حيث أخبر قريشًا بما سألته من نعت بيت المقدس، وما وقع له في الطريق من رؤيته للعير، وما وقع فيها. ٣ - (ومنها): بيان فضل الله - ﷺ - على حبيبه ﵇ حيث يسارع إلى إزالة ما يقع له من الكروب، فإن قريشًا لما سألته عن وصف بيت المقدس لم يكن له علم تفصيل لذلك حيث كان ليلًا، وفي سُويعة قليلة، فجلّى الله تعالى له ذلك البيت، حتى شاهده، وأخبرهم بأوصافه المفضلة، فضلًا من الله ونعمة، كما قال ﷿: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. ٤ - (ومنها): ما قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ﵀: الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء إرادة إظهار الحقّ لمعاندة مَن يريد إخماده؛ لأنه لو عُرِج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلًا إلى البيان والإيضاح، فلما ذَكَر أنه أُسري به إلى بيت المقدس، سألوه
مصادر المؤلف (٢٠)

١. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢. وفي نسخة: «أخبرنا».

٣. وفي نسخة: «إذ رأيتني».

٤. وفي نسخة: «التَفَتُّ».

٥. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٢٧.

٦. «القاموس المحيط» ص ٧٧١.

٧. «شرح النوويّ» ٢/ ٢٢٧.

٨. «القاموس المحيط» ص ٨٣٦ - ٨٣٧.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٨.

١٠. راجع: «شرح الأبيّ» ١/ ٣٢٤.

١١. وفي نسخة: «حدّثني».

١٢. «الفتح» ٧/ ٢٣٩ «كتاب المناقب» رقم (٣٨٨٦).

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٧.

١٤. «الحاج» بتخفيف الجيم جمع حاجة؛ أي فمن كان محتاجًا أغنوه. اهـ. «التاج».

١٥. «القاموس المحيط» ص ٥٤١.

١٦. «الفتح»٨/ ٢٤٤«كتاب التفسير»تفسير سورة الإسراء رقم (٤٧٠٨ - ٤٧١٠).

١٧. «الفتح»٧/ ٢٣٩ - ٢٤٠.

١٨. «لسان العرب»٤/ ١٧٠.

١٩. » شرح النوويّ«٢/ ٢٢٧.

٢٠. «القاموس»ص ٨١٤.