HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٢

حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد اللَّيْثِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟» قَالُوا: لَا. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ. يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ. فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ. وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ. وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ. وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا. فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ، ﵎، فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا. فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا. فَيَتَّبِعُونَهُ. وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ. فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ. وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ. وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ! سَلِّمْ، سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ. هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟ «قَالُوا: نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ:»فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ. تخطف الناس بأعمالهم. فمنم الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ. وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى. حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ. يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ. تَأْكُلُ النَّارُ مِنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ. حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ. فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ وَقَدِ امْتَحَشُوا. فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ. فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ. ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ. وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ. وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ. فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. فَيَدْعُو اللَّهَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَهُ. ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ ﵎: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ! فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ اللَّهُ. فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ. فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ. ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ! قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لَا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ. وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ! مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! وَيَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَقُولَ ل: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ! فَيَقُولُ: لَا. وَعِزَّتِكَ! فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ. فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ. فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ. فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ. ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ. وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ! مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ ﵎ مِنْهُ. فَإِذَا ضَحِكَ اللَّهُ مِنْهُ، قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّهْ. فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى. حَتَّى إِنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا. حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أهل الجنة دخولا الجنة.
ج ١ ص ١٦٣

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص١١٦
من السلف والخلف، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي - ﷺ -، ثم أورد حديث صهيب - ﵁ - هذا من رواية الإمام أحمد، ثم قال: وهكذا رواه مسلم، وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا شَبِيب، عن أبان، عن أبي تَمِيمة الْهُجَيميّ: أنه سمع أبا موسى الأشعري - ﵁ - يُحَدِّث عن رسول الله - ﷺ -: «إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي: يا أهل الجنة - بصوت يَسمع أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن ﷿»، ورواه أيضًا ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر الهذَليّ، عن أبي تميمة الهجيمي به. وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن حميد، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عُجرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: «النظر إلى وجه الرحمن ﷿». وقال أيضًا: حدثنا ابن عبد الرحيم، حدثنا عمر بن أبي سلمة، سمعت زُهيرًا، عمن سمع أبا العالية، حدثنا أُبي بن كعب أنه سأل رسول الله - ﷺ -، عن قول الله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: «الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله ﷿»، ورواه ابن أبي حاتم أيضًا من حديث زهير به. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨٧) - (بَابُ بَيَانِ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٥٨] (١٨٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟» قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟» قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَة، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ ﵎ فِي صُورَة غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ، مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَان، هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟ »قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ:«فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَان، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِه، وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَاد، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّار، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّار، يَعْرِفُونَهُمْ بأَثَرِ السُّجُود، تَأْكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلَّا أَثَرَ السُّجُود، حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أثَرَ السُّجُود، فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّار، وَقَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاة، فَيَنْبُتُونَ مِنْهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْل، ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَاد، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّار، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّار، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ ﵎: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ اللهُ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّار، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّة، وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّة، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ، لَا تَسْأَلُنِي غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبّ، وَيَدْعُو اللهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّة، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّة، انْفَهَقَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُور، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ ﵎ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللْهُ مِنْهُ، قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا، قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَيَسْأَلُ رَبَّهُ، وَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ اللهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلَّا قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِه، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) النسائيّ، ثم البغداديّ المذكور قبل بابين. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (أَبُوهُ) هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت المشهور، رأس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: غير ذلك، وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٨٦. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ - مات (٥٧ أو ٥٨ أو ٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبغداديين، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، ورواية الابن عن أبيه: يعقوب، عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - أكثر من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَخْبَرَهُ: أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) في التقييد بيوم القيامة إشارة إلى أن السؤال لم يقع عن الرؤية في الدنيا؛ لأنه لا يمكن، فقد أخرج المصنّف ﵀ من حديث أبي أمامة - ﵁ - مرفوعًا: «واعلموا أنكم لن تَرَوا ربكم حتى تموتوا»، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى قريبًا، فلا تكن من الغافلين. وقد وقع في رواية العلاء بن عبد الرحمن عند الترمذيّ أن هذا السؤال وقع على سبب، وذلك أنه ذَكَر الحشرَ، والقولَ: «لِتَتَّبعْ كلُّ أمة ما كانت تَعْبُد»، وقولَ المسلمين: «هذا مكانُنا حتى نَرَى ربنا»، قالوا: وهل نراه؟ فذكره، وفي رواية جرير قال: «كنا عند رسول الله - ﷺ -، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: إنكم ستُعْرَضون على ربكم، فترونه كما ترون هذا القمر …» الحديث مختصر، قال الحافظ ﵀: ويحتمل أن يكون الكلام وقع عند سؤالهم المذكور. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟») بضم أوله، وبالضاد المعجمة، وتشديد الراء، بصيغة المفاعلة، من الضَّرَر، وأصله: تُضَارِرُون، بكسر الراء وبفتحها: أي لا تَضُرُّون أحدًا، ولا يَضُرُّكم بمنازعة، ولا مجادلة، ولا مضايقة. وجاء «تُضَارُونَ» بتخفيف الراء، من الضَّيْر، وهو لغة في الضُّرّ: أي لا يخالف بعضٌ بعضًا، فيُكَذِّبه، وينازعه، فيضيره بذلك، يقال: ضاره يَضِيره. وقيل: المعنى: لا تَضَايَقُون، أي لا تَزَاحمون، كما جاء في الرواية الأخرى: «لا تَضَامُّون» بتشديد الميم، مع فتح أوله. وقيل: المعنى: لا يَحْجُب بعضكم بعضًا عن الرؤية، فيَضُرَّ به، وحَكَى الجوهريّ: ضَرَّنِي فلان: إذا دنا مني دنوًّا شديدًا، قال ابن الأثير: فالمراد المضارَّة بالازدحام. وقال النوويّ: أوله مضموم مثقَّلًا ومخففًا، قال: ورُوِيَ «تَضَامُّون» بالتشديد مع فتح أوله، وهو بحذف إحدى التاءين، وهو من الضّمّ، وبالتخفيف مع ضم أوله من الضيم، والمراد: الْمَشَقَّة والتعَبُ، قال: وقال عياض: قال بعضهم في الذي بالراء، وبالميم بفتح أوله والتشديد، وأشار بذلك إلى أن الرواية بضم أوله مخففًا ومثقلًا، وكله صحيحٌ، ظاهر المعنى. ووقع في رواية البخاريّ: «لا تضامون، أو تضاهون» بالشك، ومعنى الذي بالهاء: لا يَشْتَبِه عليكم، ولا تَرْتابون فيه، فيعارض بعضُكم بعضًا، ومعنى الضيم: الغلبة على الحقّ، والاستبداد به: أي لا يَظْلِم بعضُكم بعضًا، ووقع في رواية: «هل تُمَارون» بضم أوله، وتخفيف الراء: أي تجادلون في ذلك، أو يَدخُلكم فيه شكّ من الْمِرْية، وهو الشكّ، وجاء بفتح أوله، وفتح الراء، على حذف إحدى التاءين، وفي رواية للبيهقيّ: «تتمارون بإثباتهما» . (قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللهِ) أي لا نتضارّ في ذلك (قَالَ) - ﷺ - («هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟») جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونها غير محجوبة بسحاب (قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ الله، قَالَ) - ﷺ - («فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ) المراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح، وزوال الشك، ورفعِ المشقة والاختلاف. وقال القرطبيّ ﵀: هذا تشبيه للرؤية، ولحالة الرائي، لا المرئيّ، ومعناه: أنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارّة، ولا مزاحمة كما تستوون في رؤية الشمس والبدر عيانًا . وقال البيهقيّ: سمعت الشيخ أبا الطيب الصُّعْلُوكيّ يقول:«تُضَامُّون» - بضم أوله، وتشديد الميم - يريد: لا تجتمعون لرؤيته في جِهَة، ولا ينضم بعضكم إلى بعض، فإنه لا يُرَى في جهة، ومعناه بفتح أوله: لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو بغير تشديد من الضيم، معناه: لا تُظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، فإنكم ترونه في جهاتكم كلِّها، وهو متعالٍ عن الجهة، قال: والتشبيه برؤية القمر لتعيين الرؤية دون تشبيه المرئي ﷾. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نفي الجهة في رؤية الله تعالى - كما قال بعض المحقّقين - هو قول الأشاعرة والماتريديّة، ونُفاة العلوّ عن الله تعالى، والحقّ أن الله ﷾ يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون من فوقهم، وهو في علوّه الذي أثبته لنفسه، وأثبته له رسول الله - ﷺ - في نصوص كثيرة، والله تعالى أعلم. وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: إنما خَصّ الشمس والقمر بالذكر، مع أن رؤية السماء بغير سحاب أكبر آية، وأعظم خَلْقًا من مجرد الشمس والقمر؛ لِمَا خُصَّا به من عظيم النور والضياء، بحيث صار التشبيه بهما فيمن يوصف بالجمال والكمال سائغًا شائعًا في الاستعمال. وقال ابن الأثير: قد يَتَخَيَّل بعض الناس أن الكاف كاف التشبيه للمرئيّ، وهو غَلَطٌ، وإنما هي كاف التشبيه للرؤية، وهو فعل الرائي، ومعناه: أنه رؤية مُزاجٌ عنها الشكّ، مثل رؤيتكم القمر. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ﵀: في عطف الشمس على القمر مع أن تحصيل الرؤية بذكره كاف؛ لأن القمر لا يُدْرِك وصفه الأعمى حسًّا، بل تقليدًا، والشمس يدركها الأعمى حسًّا بوجود حرها إذا قابلها وقت الظهيرة مثلًا، فحسن التأكيد بها، قال: والتمثيل واقعٌ في تحقيق الرؤية لا في الكيفية؛ لأن الشمس والقمر مُتَحَيِّزان، والحق ﷾ منزه عن ذلك. وقال الحافظ: وليس في عطف الشمس على القمر إبطال لقول من قال في شرح حديث جرير: الحكمة في التمثيل بالقمر أنه تتيسر رؤيته للرائي بغير تكلّف، ولا تحديق يَضُرّ بالبصر، بخلاف الشمس، فإنها حكمة الاقتصار عليه، ولا يَمنع ذلك ورود ذكر الشمس بعده في وقت آخر، فإن ثبت أن المجلس واحد خَدَشَ في ذلك. ووقع في رواية العلاء بن عبد الرحمن: «لا تمارون في رؤيته تلك الساعة، ثم يَتَوَارَى». وقد اعترض ابن العربيّ على رواية العلاء، وأنكر هذه الزيادة، وزعم أن المراجعة الواقعة في حديث الباب تكون بين الناس وبين الواسطة؛ لأنه لا يُكَلِّم الكفار، ولا يرونه ألبتة، وأما المؤمنون فلا يرونه إلا بعد دخول الجنة بالإجماع. انتهى. (يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال في «الفتح»: في رواية شعيب: «يَحْشُر»، وهو بمعنى: الجمع، وقوله في رواية شعيب: «في مكان» زاد في رواية العلاء: «في صعيد واحد»، ومثله في رواية أبي زرعة، عن أبي هريرة بلفظ: «يَجمَع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيُسمعهم الداعي، ويَنْفذهم البصر». قال النوويّ: الصعيد الأرض الواسعة المستوية، و«يَنفُذهم» بفتح أوله، وسكون الفاء، بعدها ذال معجمة: أي يَخْرِقهم بمعجمة وقاف حتى يجوزهم، وقيل: بالدال المهملة: أي يستوعبهم، قال أبو عبيدة: معناه: ينفذهم بصر الرحمن حتى يأتي عليهم كلهم، وقال غيره: المراد بصر الناظرين، وهو أولى. وقال القرطبي: المعنى: أنهم يجمعون في مكان واحد، بحيث لا يخفى منهم أحدٌ لو دعاهم داع لسمعوه، ولو نظر إليهم ناظر لأدركهم، قال: ويحتمل أن يكون المراد بالداعي هنا من يدعوهم إلى العرض والحساب؛ لقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦]. وزاد العلاء بن عبد الرحمن في روايته: «فَيَطَّلِع عليهم رب العالمين»، قال ابن العربيّ: لم يزل الله مطلعًا على خلقه، وإنما المراد إعلامه باطلاعه عليهم حينئذ. ووقع في حديث ابن مسعود عند البيهقيّ في «البعث»، وأصله في النسائيّ: «إذا حُشِر الناس قاموا أربعين عامًا شاخصةً أبصارهم إلى السماء لا يكلمهم، والشمس على رؤوسهم، حتى يُلْجِم العرق كلَّ بَرّ منهم وفاجر». ووقع في حديث أبي سعيد عند أحمد: أنه «يُخَفَّف الوقوف عن المؤمن حتى يكون كصلاة مكتوبة»، وسنده حسن، ولأبي يعلى عن أبي هريرة: «كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرُب»، وللطبراني من حديث عبد الله بن عمر: «ويكون ذلك اليوم أقصر على المؤمن من ساعة من نهار». (فَيَقُولُ) أي الله ﷾ (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ) أي فليذهب معه حتى يستوفي أجره منه (فَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ) قال ابن أبي جمرة ﵀: في التنصيص على ذكر الشمس والقمر، مع دخولهما فيمن عُبِد من دون الله التنويهُ بذكرهما لعظم خلقهما. ووقع في حديث ابن مسعود - ﵁ -: «ثم يُنادِي منادٍ من السماء: أيها الناس أليس عدلٌ من ربكم الذي خلقكم، وصوّركم، ورزقكم، ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد منكم ما كان تولى؟ قال: فيقولون: بلى، ثم يقول: لتنطلق كل أمة إلى من كانت تعبد»، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: «ألا ليتبع كلُّ إنسان ما كان يعبد»، ووقع في رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - في «مسند الحميديّ»، و«صحيح ابن خزيمة»، وأصله في مسلم بعد قوله: «إلا كما تُضارُّون في رؤيته»: «فيَلْقَى العبدَ، فيقول: ألم أكرمك، وأزوّجك، وأسخّر لك؟، فيقول: بلى، فيقول: أظننت أنك مُلاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني …» الحديث، وفيه: «ويلقى الثالثَ، فيقول: آمنتُ بك، وبكتابك، وبرسولك، وصلّيت، وصمت، فيقول: ألا نبعث عليك شاهدًا؟، فيُخْتَم على فيه، وتنطق جوارحه، وذلك المنافق، ثم ينادي منادٍ: ألا لتتبع كل أمة ما كانت تعبد». (وَيَتَّبعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ) «الطواغيت»: جمع طاغوت، وهو الشيطان، والصنم، ويكون جمعًا ومفردًا ومذكَّرًا ومؤنثًا، قاله في «الفتح». وقال القرطبيّ: «الطواغيت»: جمع طاغوت، وهو الكاهن، والشيطان، وكلُّ رأس في الضلال، والمراد به في الحديث: الأصنام، ويكون واحدًا، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وقد يكون جمعًا كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٧]، وطاغوت وإن جاء على وزن لاهوت، فهو مقلوب؛ لأنه من طَغَى، ولاهوت غير مقلوب؛ لأنه من لاه، بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت، قاله في «الصحاح» . وقال الطبريّ ﵀: الصواب عندي أن الطاغوت كلُّ طاغ طَغَى على الله، يُعبَد من دونه، إما بقهر منه لمن عَبَد، وإما بطاعة ممن عَبَد إنسانًا كان أو شيطانًا أو حيوانًا أو جمادًا، قال: فاتباعهم لهم حينئذ باستمرارهم على الاعتقاد فيهم. ويحتمل أن يتبعوهم بأن يساقوا إلى النار قهرًا، ووقع في حديث أبي سعيد عند البخاريّ في «التوحيد»: «فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب كلِّ الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم». وفيه إشارة إلى أن كلَّ من كان يعبد الشيطان ونحوه، ممن يَرْضَى بذلك، أو الجماد والحيوان، داخلون في ذلك، وأما من كان يَعْبُد من لا يَرْضَى بذلك، كالملائكة والمسيح فلا. لكن وقع في حديث ابن مسعود - ﵁ -: «فيتمثل لهم ما كانوا يعبدون، فينطلقون»، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: «فيتمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره»، فأفادت هذه الزيادة تعميم من كان يعبد غير الله إلا من سيُذْكَر من اليهود والنصارى، فإنه يخص من عموم ذلك بدليله الآتي ذكره بالتمثيل، فقال ابن العربيّ: يحتمل أن يكون التمثيل تلبيسًا عليهم، ويحتمل أن يكون التمثيل لمن لا يستحق التعذيب، وأما مَن سواهم فيحضرون حقيقةً؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. (وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ) قال ابن أبي جمرة ﵀: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالأمة أمة محمد - ﷺ -، ويحتمل أن يُحْمَل على أعم من ذلك، فيدخل فيه جميع أهل التوحيد حتى من الجن، ويدلّ عليه ما في بقية الحديث: «إنه يبقى من كان يعبد الله من بَرّ وفاجر». قال الحافظ: ويؤخذ أيضًا من قوله في بقية الحديث: «فأكون أولّ من يُجيز»، فإن فيه إشارةً إلى أن الأنبياء بعده يُجِيزون أممهم. (فِيهَا مُنَافِقُوهَا) قال في «الفتح»: كذا للأكثر، وفي رواية إبراهيم بن سعد: «فيها شافعوها»، أو «منافقوها»، شك إبراهيم، والأول المعتمد، وزاد في حديث أبي سعيد الآتي: «حتى يبقى مَن كان يعبد الله من بَرّ وفاجر وغُبَّرات أهل الكتاب» بضم الغين المعجمة، وتشديد الموحدة، وفي رواية مسلم: «وغُبَّر» وكلاهما جمع غابر، أو «الغُبَّرات» جمع «غُبَّر»، وهو جمع غابر، ويجمع أيضًا على أغبار، وغُبَّرُ الشيء: بَقِيَّته، وجاء بسكون الموحدة، والمراد هنا: من كان يوحّد الله منهم، وصَحّفه بعضهم في مسلم بالتحتانية بلفظ التي بالاستثناء، وجَزَم عياض وغيره بأنه وَهَمٌ. قال ابن أبي جمرة ﵀: لم يذكر في الخبر مآل المذكورين، لكن لما كان من المعلوم أن استقرار الطواغيت في النار عُلِم بذلك أنهم معهم في النار، كما قال تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]. ووقع في رواية سهيل: «فتتبع الشياطينَ والصليبَ أولياؤهم إلى جهنم»، ووقع في حديث أبي سعيد من الزيادة: «ثم يُؤتَى بجهنم كأنها سَرَابٌ» بمهملة، ثم موحدة، فيقال لليهود: «ما كنتم تعبدون …» الحديث، وفيه ذكر النصارى، وفيه: «فيتساقطون في جهنم، حتى يبقى مَن كان يعبد الله من بَرّ أو فاجر». وفي رواية هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عند ابن خزيمة، وابن منده، وأصله في مسلم: «فلا يبقى أحدٌ كان يعبد صنمًا، ولا وثنًا، ولا صورةً إلا ذهبوا حتى يتساقطوا في النار»، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: «فيُطْرَح منهم فيها فوج، ويقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ …» الحديث. وكان اليهود، وكذا النصارى، ممن كان لا يعبد الصلبان لَمّا كانوا يَدَّعون أنهم يعبدون الله تعالى تأخروا مع المسلمين، فلما حَقَّقوا على عبادة مَن ذُكِر من الأنبياء أُلحقوا بأصحاب الأوثان، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة: ٦] الآية. فأما من كان متمسكًا بدينه الأصليّ، فخرج بمفهوم قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وعلى ما ذُكر من حديث أبي سعيد: يبقى أيضًا مَن كان يُظهر الإيمان من مُخْلِص ومنافق. انتهى . (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ ﵎ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) وفي رواية البخاريّ: «فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون»، وفي حديث أبي سعيد الآتي بعده: «أتاهم رب العالمين ﷾ في أدنى صورة من التي رأوه فيها»، عند البخاريّ: «في صورته التي رأوه فيها أول مرة»، وفي رواية هشام بن سعد: «ثم يتبدى لنا الله في صورته التي رأيناه فيها أول مرة». قال في «الفتح»: وأما نسبة الإتيان إلى الله تعالى، فقيل: هو عبارة عن رؤيتهم إياه؛ لأن العادة أن كل مَن غاب عن غيره، لا يمكن رؤيته إلا بالمجيء إليه، فعَبَّر عن الرؤية بالإتيان مجازًا، وقيل: الإتيان فعل من أفعال الله تعالى يجب الإيمان به، مع تنزيهه ﷾ عن سمات الحدوث. قال الجامع عفا الله عنه: القول الثاني هو الحقّ، وأما الأول فهو المذهب الذي يسلكه أهل التأويل من الأشاعرة وغيرهم الذي يؤوّلون الصفات، ويُحيلونها عن ظواهرها وحقائقها، ويحملونها على المجاز، وهو مذهب باطلٌ. فالحقّ أن صفة الإتيان والمجيء دلّ عليها الكتاب والسنة، كهذا الحديث، وكقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، وهي من الصفات الفعليّة المتعلّقة بالمشيئة، وقد تضمّنت معنى الصفة والفعل، فالحقّ الذي كان عليه سلف الأمة الصالحون بلا مرية ولا شكّ، أنها ثابتة لله ﷿ بهذا النصّ، كثبوت الاستواء والنزول، وغير ذلك مما جاءت به النصوص الصحيحة الصريحة. وقد ردّ ابن القيّم ﵀ على من ادّعى أن الإتيان والمجيء مجاز من اثني عشر وجهًا، أبطل فيها تأويل هذه الصفة، ونقض دعوى كون ما ورد من ذلك من مجاز الحذف، والتقدير: وجاء أمر ربّك، ومما قاله: إن في السياق ما يُبطل هذا التقدير، وهو قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ فعطف مجيء الملك على مجيئه ﷾ يدلّ على تغاير المجيئين، وأن مجيئه ﷾ حقيقةٌ كما أن مجيء الملك حقيقة، بل مجيء الرب أولى أن يكون حقيقة من مجيء الملك، وكذلك قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان الربّ، وإتيان بعض آيات الرب، فقسّم ونوّع، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحدًا، فتأمله، ولهذا منع عقلاء الفلاسفة حمل مثل هذا اللفظ على مجازه، وقالوا: هذا يأباه التقسيم والترديد. انتهى . وقيل: فيه حذفٌ تقديره: يأتيهم بعض ملائكة الله، ورجحه عياض، قال: ولعل هذا الملك جاءهم في صورة أنكروها لِمَا رأوا فيها من سمة الحدوث الظاهرة على الملك؛ لأنه مخلوق. قال الجامع: هذا أيضًا تأويل باطلٌ، قد عرفت بطلانه مما سبق، ويردّه سياق النصّ، ومما يُبطله أيضًا ما وقع في رواية العلاء بن عبد الرحمن بلفظ: «فيَطَّلِع عليهم رب العالمين»، فهل هذا يقبل التأويل بالملك، إن هذا إلا اختلاق، اللهمّ أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه آمين. قال: ويحتمل وجهًا رابعًا، وهو أن المعنى: يأتيهم الله بصورة أي بصفة تظهر لهم من الصور المخلوقة التي لا تشبه صفة الإله ليختبرهم بذلك، فإذا قال لهم هذا الملك: أنا ربكم، ورأوا عليه من علامة المخلوقين ما يعلمون به أنه ليس ربهم استعاذوا منه لذلك. انتهى. قال الجامع: هذا أيضًا تأويل باطلٌ؛ إذ فيه نفي الصورة، وتأويلها بالصفة، والحقّ أن الصورة ثابتة لله تعالى كثبوت الصفة بلا فرق، فالصورة غير الصفة، وكلاهما ثابتتان لله تعالى، فله صفات تليق بجلاله، وصورة تليق بجلاله، كثبوت ذاته العليّة من دون فرق. وبهذا صرّح الأئمة: أحمد، وإسحاق بن راهويه، وابن خزيمة، وابن قتيبة، وأبو إسماعيل الهرويّ، وغيرهم، وقد قال ابن قتيبة آخر كلامه على حديث الصورة: والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع، والعين، وإنما وقع الإِلْف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه؛ لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه: بكيفيّة ولا حدّ. انتهى كلام ابن قتيبة ﵀ ، وهو كلام نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، فتمسّك به، وعَضّ عليه بناجذيك، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: وأما قوله بعد ذلك: «فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها»، فالمراد بذلك الصفة، والمعنى: فيتجلى الله لهم بالصفة التي يعلمونه بها، وإنما عرفوه بالصفة، وإن لم تكن تقدمت لهم رؤيته؛ لأنهم يرون حينئذ شيئًا لا يشبه المخلوقين، وقد علموا أنه لا يشبه شيئًا من مخلوقاته، فيعلمون أنه ربهم، فيقولون: أنت ربنا، وعبّر عن الصفة بالصورة؛ لمجانسة الكلام لتقدم ذكر الصورة. قال الجامع: قد عرفت أن تأويل الصورة بالصفة غير صحيح، بل الحقّ أن الصورة ثابتة له ﷾ على ما يليق بجلاله، فتبصّر. قال: وأما قوله: «نعوذ بالله منك»، فقال الخطابيّ: يحتمل أن يكون هذا الكلام صدر من المنافقين، قال القاضي عياض: وهذا لا يصح، ولا يستقيم الكلام به، وقال النوويّ: الذي قاله القاضي صحيح، ولفظ الحديث مصرِّح به، أو ظاهرٌ فيه. انتهى. ورجحه القرطبي في «التذكرة»، وقال: إنه من الامتحان الثاني يتحقق ذلك، فقد جاء في حديث أبي سعيد: «حتى إن بعضهم ليكاد ينقلب». وقال ابن العربيّ: إنما استعاذوا منه أوّلًا؛ لأنهم اعتقدوا أن ذلك الكلام استدراج؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء، ومن الفحشاء اتباع الباطل وأهله، ولهذا وقع في «الصحيح»: «فيأتيهم الله في صورة - أي: بصورة - لا يعرفونها»، وهي الأمر باتباع أهل الباطل، فلذلك يقولون: إذا جاء ربنا عرفناه، أي: إذا جاءنا بما عهدناه منه من قول الحق. قال الجامع: تأويل ابن العربيّ أيضًا من نظير ما قبله، فإنه فسّر الصورة بالأمر باتّباع أهل الباطل، وهذا مما لا يقبله من له أدنى فهم، فتبصّر. وقال ابن الجوزيّ: معنى الخبر: يأتيهم الله بأهوال يوم القيامة، ومن صور الملائكة بما لم يَعْهَدوا مثله في الدنيا، فيستعيذون من تلك الحال، ويقولون: إذا جاء ربنا عرفناه، أي إذا أتانا بما نعرفه من لطفه، وهي الصورة التي عَبَّر عنها بقوله: «يكشف عن ساق»: أي عن شدّة. قال الجامع: تأويل ابن الجوزيّ أيضًا من نوع ما سبق، فقد أخرج النصّ عن معناه الواضح إلى معنى ركيك، فلا ينبغي الالتفات إليه. وقال القرطبيّ: هو مقام هائل يَمتحن الله به عباده؛ ليميز الخبيث من الطيّب، وذلك أنه لما بقي المنافقون مختلطين بالمؤمنين، زاعمين أنهم منهم، ظانين أن ذلك يجوز في ذلك الوقت، كما جاز في الدنيا، امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة، قالت للجميع: أنا ربكم، فأجابه المؤمنون بإنكار ذلك؛ لِمَا سبق لهم من معرفته ﷾، وأنه منزه عن صفات هذه الصورة، فلهذا قالوا: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا، حتى إن بعضهم ليكاد ينقلب: أي يَزِلّ فيوافق المنافقين، قال: وهؤلاء طائفة لم يكن لهم رسوخ بين العلماء، ولعلهم الذين اعتقدوا الحقّ، وجزموا عليه من غير بصيرة، قال: ثم يقال بعد ذلك للمؤمنين: هل بينكم وبينه علامة؟. وهذه الزيادة أيضًا من حديث أبي سعيد، ولفظه: «آية تعرفونها؟ فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد، فيصير ظهره طبقًا واحدًا»: أي يستوي فَقَار ظهره، فلا ينثني للسجود، وفي لفظ لمسلم: «فلا يبقى من كان يسجد من تلقاء نفسه، إلا أُذن له في السجود»: أي سَهُل له، وهُوِّن عليه، ولا يبقى من كان يسجد اتّقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقًا واحدًا، كلما أراد أن يسجد خَرّ لقفاه. وفي حديث ابن مسعود نحوه، لكن قال: «فيقولون: إن اعترف لنا عرفناه، قال: فيَكْشِف عن ساق، فيقعون سُجُودًا، وتبقى أصلاب المنافقين كأنها صياصي البقر». وفي رواية أبي الزَّعْراء عنه عند الحاكم: «وتبقى ظهور المنافقين طبقًا واحدًا، كأنما فيها السفافيد»، وهي بمهملة وفاءين جمع سَفُّود بتشديد الفاء، وهو الذي يدخل في الشاة إذا أريد أن تُشْوَى. ووقع في رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عند ابن منده: «فيوضع الصراط، ويتمثل لهم ربهم …»، فذكر نحو ما تقدم، وفيه: «إذا تعرّف لنا عرفناه»، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: «ثم يَطّلع ﷿ عليهم، فيُعَرِّفهم نفسه، ثم يقول: أنا ربكم، فاتبعوني، فيتبعه المسلمون». وقوله في هذه الرواية: «فيعرّفهم نفسه»: أي يُلْقِي في قلوبهم علمًا قطعيًّا يعرفون به أنه ربهم ﷾، وقال الكلاباذي في «معاني الأخبار»: عرفوه بأن أحدث فيهم لطائف عرَّفهم بها نفسه. ومعنى كشف الساق: زوالُ الخوف والهول الذي غَيّرهم حتى غابوا عن رؤية عوراتهم. قال الجامع عفا الله عنه: تأويل الساق بهذا المعنى تأويل قبيح؛ إذ فيه نفي صفة الساق عن الله ﷾، فالحقّ ثبوت الساق لله ﷾ على ما يليق بجلاله، كثبوت اليد، والعين، والوجه، والقدم، وغير ذلك، فكلّها صفة لله تعالى حقيقة، على ما يليق بجلاله، لا تماثل صفات المخلوقين، ولا يجوز تأويلها، أو تعطيلها عن الله تعالى، كسائر الصفات الثابتة له في نصوص الكتاب، والسنن الصحيحة، والله تعالى أعلم. ووقع في رواية هشام بن سعد: «ثم نرفع رؤوسنا، وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرّة، فيقول: أنا ربكم، فنقول: نعم أنت ربنا». قال الحافظ: وهذا فيه إشعار بأنهم رأوه في أول ما حُشِروا، والعلم عند الله تعالى، وقال الخطابيّ: هذه الرؤية غير الرؤية التي تقع في الجنة إكرامًا لهم، فان هذه للامتحان، وتلك لزيادة الإكرام، كما فُسِّرت به الحسنى وزيادة، قال: ولا إشكال في حصول الامتحان في الموقف؛ لأن آثار التكاليف لا تنقطع إلا بعد الاستقرار في الجنة أو النار، قال: ويُشبه أن يقال: إنما حَجب عنهم تحقّقَ رؤيته أوّلًا لِمَا كان معهم من المنافقين الذين لا يستحقون رؤيته، فلما تميزوا رَفَع الحجاب، فقال المؤمنون حيمئذ: أنت ربنا. قال الحافظ: وإذا لوحظ ما تقدم من قوله: «إذا تعرّف لنا عرفناه»، وما ذكرتُ من تأويله ارتفع الإشكال. وقال الطيبيّ: لا يلزم بأن الدنيا دار بلاء، والآخرة دار جزاء أن لا يقع في واحد منهما ما يُخَصّ بالأخرى، فإن القبر أولُ منازل الآخرة، وفيه الابتلاء والفتنة بالسؤال وغيره، والتحقيق أن التكليف خاصّ بالدنيا، وما يقع في القبر، وفي الموقف هي آثار ذلك. ووقع في حديث ابن مسعود - ﵁ - من الزيادة: «ثم يقال للمسلمين: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم بقدر أعمالكم»، وفي لفظ: «فيُعْطَون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يُعطَى نوره مثل الجبل، ودون ذلك، ومثل النخلة، ودون ذلك، حتى يكون آخرهم من يعطى نوره على إبهام قدمه»، ووقع في رواية مسلم عن جابر - ﵁ -: «ويعطى كل إنسان منهم نورًا - إلى أن قال -: ثم يطفئ نور المنافقين»، وفي حديث ابن عباس - ﵄ - عند ابن مردويه: «فيُعْطَى كل إنسان منهم نورًا، ثم يوجّهون إلى الصراط، فما كان من منافق طفئ نوره»، وفي لفظ: «فإذا استووا على الصراط سَلَب الله نور المنافقين، فقالوا للمؤمنين: انظرونا نقتبس من نوركم …» الآية، وفي حديث أبي أمامة - ﵁ - عند ابن أبي حاتم: «وإنكم يوم القيامة في مواطن حتى يَغْشَى الناسَ أمرٌ من أمر الله، فتبيضّ وجوه، وتسودّ وجوه، ثم ينتقلون إلى منزل آخر، فتغشى الناس الظلمةُ، فيقسم النور، فيختص بذلك المؤمن، ولا يُعْطَى الكافر ولا المنافق منه شيئًا، فيقول المنافقون للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم … الآية، فيرجعون إلى المكان الذي قُسِم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، فيُضْرَب بينهم بسور» . (فَيَقُولُ) الله ﷾ امتحانًا (أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ) أي لأنك لست بربّنا الذي كنا نعبده، ونوحّده، وننزه عن سمات المخلوقين (هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ) بالعلامات التي عرّفنا بها نفسه (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) تقدّم قريبًا أن الإتيان صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله، لا تشبه إتيان المخلوقين، وكذلك الصورة صفة ثابتة له تعالى على الوجه اللائق به، ولا تسلك سبجل المعتدين، فتؤوّل مع المؤوّلين، وتحرّف الصفات عما هي عليه، هداني الله وإياك الصراط المستقيم. (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا) سبحانك لا نحصي ثناء عليه، أنت كما أثنيت على نفسك. (فَيَتَّبِعُونَهُ) أي يتبعون ربهم إلى حيث يأمرهم (وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ) ببناء الفعل للمفعول. [تنبيه]: حُذِف من هذا السياق ما سيأتي من حديث أنس - ﵁ - في ذكر الشفاعة لفصل القضاء، كما حُذِف من حديث أنس ما ثبت هنا من الأمور التي تقع في الموقف، فينتظم من الحديثين أنهم إذا حُشِروا وقع ما في حديث الباب من تساقط الكفار في النار، ويبقى مَن عداهم في كرب الموقف، فيستشفعون، فيقع الإذن بنصب الصراط، فيقع الامتحان بالسجود؛ ليتميّز المنافق من المؤمن، ثم يَجُوزون على الصراط، ووقع في حديث أبي سعيد - ﵁ - هنا: «ثم يُضْرَب الجسرُ على جهنم، وتَحِلُّ الشفاعة، ويقولون: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ»، أفاده في «الفتح» . (بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ) بفتح الظاء، وسكون الهاء: أي يمدّ الصراط عليها، و«الصراط» في اللغة: هو الطريق، وفيه لغاتٌ: الصاد، والسين، والزاي، وهو هنا: الطريق من أرض المحشر إلى الجنّة، وهو منصوبٌ على متن جهنّم، أدقّ من الشعر، وأحدّ من السيف، وهو المسمّى بالجسر في الحديث الآخر. و«جهنّم»: اسم من أسماء النار التي يُعذّب بها في الآخرة، قال الجوهريّ: هو ملحقٌ بالخماسيّ بتشديد الحرف الثالث منه، ولا ينصرف؛ للتعريف والتأنيث، وهو فارسيّ معرَّبٌ، ورَكِيّةٌ جِهِنَّامٌ: أي بعيدة القعر . (فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ) بضم أوله، وكسر ثانيه، آخره زاي، من الإجازة، وفي رواية: «يجوز بأمته»، وفي لفظ: «يُجيزها»، والضمير لجهنم، قال الأصمعيّ: جاز الوادي: مَشَى فيه، وأجازه: قطعه، وقال غيره: جاز وأجاز بمعنى واحد. وقال النوويّ: المعنى: أكون أنا وأمتي أول من يَمْضِي على الصراط ويقطعه، يقال: جاز الوادي وأجازه: إذا قطعه وخَلَّفه. وقال القرطبيّ: يحتمل أن تكون الهمزة هنا للتعدية، من قولهم: «أجيزي صُوفةُ»: أي أجِزْنا، وذلك أن صُوفَةَ كان رجلًا مُعظّمًا في قريش يُقتدى به في مناسك الحجّ، فلا يجوز أحدٌ في شيء من مواقفه حتى يجوز، فكان الناس يستعجلونه، فيقولون: أَجِزْ صُوفةُ: أي ابتدئ بالجواز حتى نَجُوز بعدك، فكان يمنعهم بوقوفه، ويُجيزهم بجوازه، ثم بقي ذلك في ولده، فقيل للقبيلة: «أجِيزِي صوفةُ»، فكذلك الرسول - ﷺ - وأمته على الصراط، فلا يجوز أحدٌ حتى يجوز هو وأمته، فكأنه يُجيز الناس. انتهى . ووقع في حديث عبد الله بن سلام - ﵁ - عند الحاكم: «ثم ينادي منادٍ: أين محمد وأمته؟ فيقوم، فتتبعه أمته بَرّها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيَطْمِس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون من يمين وشمال، وينجو النبيّ والصالحون». وفي حديث ابن عباس - ﵄ - يرفعه: «نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب»، وفيه: «فتُفْرِجُ لنا الأمم عن طريقنا، فنَمُرّ غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الطهور، فتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن يكونوا أنبياء». (وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ) إشارة إلى حين الجواز على الصراط، وإلا ففي وقت آخر تُجادل كلّ نفس عن نفسها. (إِلَّا الرُّسُلُ) معناه لشدّة الأهوال، والمراد: لا يتكلّم في حال الإجازة، وإلا ففي يوم القيامة مواطن يتكلّم الناس فيها، وتُجادل كلّ نفس عن نفسها، ويسأل بعضهم بعضًا، ويتلاومون، ويُخاصم التابعون المتبوعين، والله أعلم . (وَدَعْوَى الرُّسُلِ) ولفظ البخاريّ: «ودعاء الرسل» (يَوْمَئِذ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) هذا من كمال شفقتهم ورحمتهم للخلق، وفيه أن الدعوات تكون بحسب المواطن، فيُدعى في كل موطن بما يليق به . وفي رواية للبخاريّ: «ولا يتكلم يومئذ أحدٌ إلا الرسل»، وفي رواية: «ولا يكلمه إلا الأنبياء»، ووقع في رواية العلاء: «وقولهم: اللهم سلم سلم»، وللترمذي من حديث المغيرة: «شعار المؤمنين على الصراط: رَبِّ سَلِّم سَلِّم»، والضمير في الأول للرسل، ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به، بل تنطق به الرسل، يدعون للمؤمنين بالسلامة، فسُمِّي ذلك شعارا لهم، فبهذا تجتمع الأخبار، ويؤيده قوله في رواية سهيل: «فعند ذلك حَلَّت الشفاعة، اللهم سلم سلم». وفي حديث أبي سعيد من الزيادة: «فيَمُرُّ المؤمن كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب»، وفي حديث حُذيفة وأبي هريرة معا: «فيمز أولهم كمَرّ البرق، ثم كمرّ الريح، ثم كمرّ الطير، وشدّ الرحال، تجري بهم أعمالهم»، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: «ويوضع الصراط، فيمرّ عليه مثل جياد الخيل والركاب»، وفي حديث ابن مسعود: «ثم يقال لهم: انجوا على قدر نوركم، فمنهم من يمرّ كطرف العين، ثم كالبرق، ثم كالسحاب، ثم كانقضاض الكوكب، ثم كالريح، ثم كشدّ الفرس، ثم كشد الرحل، حتى يمر الرجل الذي أُعطي نوره على إبهام قدمه يَحْبُو على وجهه ويديه ورجليه، يجر بيد، ويعلَّق يدٌ، ويجر برجل، وُيعَلَّق رجلٌ، وتضرب جوانبه النار، حتى يخلُص»، وعند ابن أبي حاتم في «التفسير» من طريق أبي الزَّعْراء، عن ابن مسعود: «كمرّ البرق، ثم الريح، ثم الطير، ثم أجود الخيل، ثم أجود الإبل، ثم كعدو الرجل، حتى إن آخرهم رجلٌ نوره على موضع إبهامي قدميه، ثم يتكفأ به الصراط»، وعند هناد بن السريّ، عن ابن مسعود بعد الريح: «ثم كأسرع البهائم، حتى يمر الرجل سعيًا، ثم مشيًا، ثم آخرهم يَتَلَبّط على بطنه، فيقول: يا رب لم أبطأت بي؟ فيقول: أبطأ بك عملك»، ولابن المبارك من مرسل عبد الله بن شقيق: «فيجوز الرجل كالطرف، وكالسهم، وكالطائر السريع، وكالفرس الجواد المضمر، ويجوز الرجل يَعْدُو عَدْوًا، ويمشي مَشْيًا، حتى يكون آخر من ينجو يحبو» . (وَفي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ) وفي رواية حذيفة وأبي هريرة معًا: «وفي حافتي الصراط كلاليب مُعَلَّقةٌ، مأمورة بأخذ من أُمرت به»، وفي رواية سُهيل: «وعليه كلاليب النار». و«كَلاليب»: جمع كَلُّوب بفتح الكاف، وضمّ اللام المشدّدة، وهي حديدة معطوفة الرأس، يُعلَّق فيها اللحم، وتُرسل في التنّور، قال صاحب «المطالع»: هي خشبةٌ في رأسها عقافة حديد، وقد تكون حديدًا كلّها، ويقال لها أيضًا: كُلّاب . قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: هذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في الحديث الماضي: «حُفّت النار بالشهوات»، قال: فالشهوات موضوعة على جوانبها، فمن اقتحم الشهوة سقط في النار؛ لأنها خطاطيفها. وفي حديث حُذيفة: «وتُرسل الأمانة والرحِمُ، فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا»: أي يقفان في ناحيتي الصراط، وهي بفتح الجيم والنون، بعدها موحدة، ويجوز سكون النون، والمعنى: أن الأمانة والرحم؛ لعظم شأنهما، وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما، يوقفان هناك للأمين والخائن، والمواصل والقاطع، فيُحاجّان عن المحِقّ، ويشهدان على المبطل. قالِ الطيبيّ: ويمكن أن يكون المراد بالأمانة ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وصلة الرحم ما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ الآية [النساء: ١]، فيدخل فيه معنى التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، فكأنهما اكتنفتا جنبتي الإسلام الذي هو الصراط المستقيم، وفطرتي الإيمان والدين القويم. انتهى . (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح السين، وسكون العين المهملتين، بلفظ التثنية، و«السَّعْدان»: جمع سَعْدانة، وهو نبات ذو شوك يُضرَب به المثل في طيب مَرْعَاه، قالوا: مَرْعًى ولا كالسَّعْدان، قال في «الفتح» ، وقال القرطبيّ: «السَّعْدان»: نبتٌ كثير الشوك، شوكه كالخطاطيف والْمَحَاجن. انتهى . وقوله: (هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟ «) استفهام تقرير؛ لاستحضار الصورة المذكورة (قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ) - ﷺ -»فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَان، غَيْرَ أنَّهُ) الضمير للشأن (لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا) أي الشوكة (إِلَّا اللهُ) قال القرطبيّ - ﵀ -: قيّدناه عن بعض شيوخنا برفع الراء، على أن تكون «ما» استفهامًا خبرًا مقدَّمًا، و«قدرُ» مبتدأ، أو بنصبها على أن تكون «ما» زائدة، و«قدرَ» مفعول «يَعْلَمُ». انتهى . (تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ) بفتح الطاء، ويجوز كسرها، يقال: خَطِفَ، وخَطَفَ بكسر الطاء، وفتحها، والكسر أفصح، ويجوز أن يكون معناه: تخطفهم بسبب أعمالهم، ويجوز أن يكون معناه: تخطفهم على قدر أعمالهم، قاله النوويّ . وقال في «الفتح»: قال ثعلب في «الفصيح»: خَطِفَ بالكسر في الماضي، وبالفتح في المضارع، وحَكَى القزاز عكسه، والكسر في المضارع أفصح. قال الزين ابن الْمُنَيِّر: تشبيه الكلاليب بشوك السَّعْدان خاصّ بسرعة اختطافها، وكثرة الانتشاب فيها مع التَّحَرُّز والتَّصَوُّن؛ تمثيلًا لهم بما عَرَفوه في الدنيا، وأَلِفُوه بالمباشرة، ثم استثنى إشارة إلى أن التشبيه لم يقع في مقدارهما، وفي رواية السّدّيّ: «وبحافتيه ملائكة، معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس». ووقع في حديث أبي سعيد الآتي: «قلنا: وما الجسر؟ قال: مَدْحَضَةٌ مَزَلَّةٌ»: أي زَلَقٌ تَزْلِقُ فيه الأقدام. ووقع عند مسلم: «قال أبو سعيد: بلغني أن الصراط أحدُّ من السيف، وأدَقُّ من الشعرة»، ووقع في رواية ابن منده من هذا الوجه: «قال سعيد بن أبي هلال: بلغني»، ووصله البيهقيّ عن أنس، عن النبيّ - ﷺ - مجزُومًا به، وفي سنده لِين، ولابن المبارك، عن مرسل عُبَيد بن عُمير: «إن الصراط مثل السيف، وبِجَنبتيه كلاليب، إنه ليؤخذ بالكَلُّوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر»، وأخرجه ابن أبي الدنيا من هذا الوجه، وفيه: «والملائكة على جنبتيه، يقولون: رب سَلِّم سَلِّم». وجاء عن الفضيل بن عياض قال: «بلغنا أن الصراط مسيرة خمسة عشر ألف سنة، خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مُسْتوٍ أدَقُّ من الشعرة، وأَحَدُّ من السيف، على متن جهنم، لا يجوز عليه إلا ضامرٌ مَهْزُولٌ من خشية الله»، أخرجه ابن عساكر في ترجمته، وهذا مُعْضَلٌ لا يثبت. وعن سعيد بن أبي هلال قال: «بلغنا أن الصراط أدَقّ من الشعر على بعض الناس، ولبعض الناس مثل الوادي الواسع»، أخرجه ابن المبارك، وابن أبي الدنيا، وهو مرسلٌ، أو معضلٌ. وأخرج الطبريّ من طريق غُنيم بن قيس أحدِ التابعين قال: «تُمَثَّل العار للناس، ثم يناديها منادٍ: أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي، فتخسف بكُلّ وليّ لها، فهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون نَدِيّةً ثيابهم»، ورجاله ثقات، مع كونه مقطوعًا. انتهى . (فَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ) ذكر القاضي عياض - ﵀ - أنه رُوِيَ على ثلاثة أوجه: [أحدها]: «المؤمن يَقِي بعمله» بالميم والنون، و«يَقِيَ» بالياء والقاف. [والثاني]: «الْمُوثَقُ» بالمثلثة والقاف. [والثالث]: «الْمُوبَقُ، يَعْنِي بعمله»، «فالموبَق» بالباء الموحدة والقاف، و«يَعْنِي» بفتح الياء المثنّاة، وبعدها العين، ثم النون، قال القاضي: هذا أصحها، وكذا قال صاحب «المطالع»: هذا الثالث هو الصواب، قال: وفي «يقي» على الوجه الأول ضبطان: أحدهما: بالباء الموحدة، والثاني: بالياء المثنّاة من تحتُ من الوقاية. قال النوويّ: والموجود في معظم الأصول ببلادنا هو الوجه الأول. انتهى . وقال القرطبيّ: قوله: «فمنهم الْمُوبَق بعمله» بالباء بواحدة من أسفلُ، كذا للعذريّ، ومعناه: الْمُهْلَكُ بعمله السيّئ، وللطبريّ: «الْمُوثَقُ بعمله» بالثاء المثلّثة من الوثاق، وللسمرقنديّ: «المؤمن بقي بعمله»، وكلّها صحيح، والأول أوضحها. انتهى . (وَمِنْهُمُ الْمُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى) قال النوويّ - ﵀ -: ضبطناه بالجيم والزاي، من المجازاة، وهكذا هو في أصول بلادنا في هذا الموضع، وذكر القاضي عياض - ﵀ - في ضبطه خلافًا، فقال: رواه العذريّ وغيره: «الْمُجَازَى» كما ذكرناه، ورواه بعضهم: «الْمُخَرْدَل» بالخاء المعجمة، والدال، واللام، ورواه بعضهم في البخاريّ «الْمُجَرْدَل» بالجيم، فأما الذي بالخاء فمعناه: الْمُقَطَّع: أي بالكلاليب، يقال: خردلتُ اللحم: أي قظَعته، وقيل: خَرْدَلتُ: بمعنى: صَرَعتُ، ويقال: بالذال المعجمة أيضًا، والْجَرْدَلة بالجيم: الإشراف على الهلاك والسقوط. انتهى. [تنبيه]: وقع عند البخاريّ من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ بلفظ: «ومنهم الْمُخَرْدَلُ، ثم ينجو». قال في «الفتح»: قوله: «ومنهم الْمُخَرْدَل» بالخاء المعجمة، وفي رواية شعيب: «ومنهم مَن يُخَرْدَل»، ووقع في رواية الأصيلي هنا بالجيم، وكذا لأبي أحمد الجرجانيّ، في رواية شعيب، ووهّاه عياض، والدال مهملة للجميع، وحَكَى أبو عُبيد فيه إعجام الذال، ورَجَّحَ ابن قرقول الخاء المعجمة، والدال المهملة، وقال الْهَرَويّ: المعنى: أنّ كلاليب النار تُقَطِّعه، فيَهْوِي في النار، قال كعب بن زهير في «بانت سعاد»، قصيدته المشهورة [من البسيط]: يَغْدُو فَيَلْحَمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُمَا … لَحْمٌ مِنَ الْقَوْمِ مَعْفُورٌ خَرَادِيلُ فقوله: «معفور» بالعين المهملة والفاء: أي واقعٌ في التراب، و«خَرَاديل»: أي هو مُقَطّعٌ قِطَعًا، ويحتمل أن يكون من الْخَرْدَل: أي جُعِلت أعضاؤه كالْخَرْدل، وقيل: معناه: أنها تُقَطِّعهم عن لحوقهم بِمَن نَجَا، وقيل: الْمُخَرْدل: المصروع، ورجحه ابنُ التين، فقال: هو أنسب لسياق الخبر. ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عند أبي ذَرّ: «فمنهم الْمُخَرْدَل، أو الْمُجازَى، أو نحوه»، ولمسلم عنه: «الْمُجَازَى» بغير شك، وهو بضم الميم، وتخفيف الجيم من الجزاء. وقوله: «ثم يَنْجُو» في رواية إبراهيم بن سعد: «ثم يَنجلي» بالجيم: أي يَتَبَيَّن، ويحتمل أن يكون بالخاء المعجمة: أي يُخَلَّى عنه، فيرجع إلى معنى: «ينجو»، وفي حديث أبي سعيد: «فناجِ مُسَلَّمٌ، ومَخْدُوشٌ، ومَكْدُوسٌ في جهنم، حتى يَمُرّ أحدهم، فيُسْحَب سَحْبًا». قال ابن أبي جمرة - ﵀ -: يؤخذ منه أن المارّين على الصراط ثلاثة أصناف: ناجٍ بلا خُدُوش، وهالكٌ من أول وَهْلة، ومتوسطٌ بينهما يُصابُ، ثم ينجو، وكلُّ قسم منها ينقسم أقسامًا، تُعْرَف بقوله: «بقدر أعمالهم». واختُلِف في ضبط «مَكْدوس»، فوقع في رواية مسلم بالمهملة، ورواه بعضهم بالمعجمة، ومعناه: السَّوقُ الشديد، ومعنى الذي بالمهملة: الراكب بعضُهُ على بعض، وقيل: «مُكَرْدَسٌ»، والمكردس فَقَار الظهر، وكَرْدَسَ الرجل خَيْلَه جعلها كَراديس: أي فَرَّقها، والمراد أنه ينكفئ في قعرها. وعند ابن ماجه من وجه آخر، عن أبي سعيد، رفعه: «يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، على حَسَك كحَسَك السَّعْدان، ثم يستجيز الناس، فناجٍ مُسَلَّم، ومَخْدُوشٌ به، ثم ناجٍ، ومُحتَبَسٌ به، ومنكوسٌ فيها». انتهى . (حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ) قال الزين ابن الْمُنَيِّر: إذا أضيف إلى الله معناه: القضاء، وحلوله بالمقضيّ عليه، والمراد إخراج الموَحِّدين وإدخالهم الجنة، واستقرار أهل النار في النار، وحاصله أن المعنى: يفرغ الله: أي من القضاء بعذاب من يَفْرُغ عذابه، ومن لا يَفْرُغ، فيكون إطلاق الفراغ بطريق المقابلة، وإن لم يُذْكَر لفظها. وقال ابن أبي جمرة: معناه: وَصْلُ الوقت الذي سبق في علم الله أنه يرحمهم، وقد ثبت في حديث عمران بن حصين - ﵄ -: أن الإخراج يقع بشفاعة محمد - ﷺ -، وعند أبي عوانة، والبيهقيّ، وابن حبان في حديث حُذيفة: «يقول إبراهيم: يا رباه حَرّقت بَنِيّ، فيقول: اخرجوا»، وفي حديث عبد الله بن سلام عند الحاكم أن قائل ذلك آدم - ﵇ -، وفي حديث أبي سعيد - ﵁ -: «فما أنتم بأشدّ مناشدةً في الحقّ، قد يتبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار، إذا رأوا أنهم قد نَجَوْا في إخوانهم المؤمنين، يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلّون معنا …» الحديث، هكذا في رواية الليث عند البخاريّ في «التوحيد». ويُحْمَل على أن الجميع شَفَعُوا، وتَقَدّم النبيّ - ﷺ - قبلهم في ذلك. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو عند الطبرانيّ بسند حسن، رفعه: «يدخل من أهل القبلة النار مَن لا يُحْصِي عدَدَهم إلا الله بما عَصَوُا الله، واجترؤوا على معصيته، وخالفوا طاعته، فيؤذن لي في الشفاعة، فأُثني على الله ساجدًا كما أثني عليه قائمًا، فيقال لي: ارفع رأسك …» الحديث. ويؤيده أن في حديث أبي سعيد: «تَشفع الأنبياء، والملائكة، والمؤمنون»،، ووقع في رواية عمرو بن أبي عمرو، عن أنس - ﵁ - عند النسائيّ ذِكْرُ سبب آخر لإخراج الموحدين من النار، ولفظه: «وفَرَغَ من محاسبة الناس، وأَدْخَل مَن بقي من أمتي النار مع أهل النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله، لا تشركون به شيئًا، فيقول الجبار: فبعزتي لأعتقنّهم من النار، فَيُرْسِل إليهم، فيُخْرَجون». وفي حديث أبي موسى - ﵁ - عند ابن أبي عاصم، والبزار، رفعه: «وإذا اجتَمَع أهلُ النار في النار، ومعهم مَن شاء الله من أهل القبلة، يقول لهم الكفار: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم، وقد صِرتم معنا في النار؟ فقالوا: كانت لنا ذنوبٌ، فأُخذنا بها، فيأمر الله مَن كان من أهل القبلة، فأُخرجوا، فقال الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين». وفي الباب عن جابر - ﵁ - أخرجه البخاريّ، وعن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - عند ابن مردويه. ووقع في حديث أبي بكر الصديق - ﵁ -: «ثم يقال: ادعوا الأنبياء فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الصديقين فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون». وفي حديث أبي بكرة - ﵁ - عند ابن أبي عاصم، والبيهقيّ، مرفوعًا: «يُحْمَلُ الناسُ على الصراط، فَيُنَجِّي الله من شاء برحمته، ثم يُؤذن في الشفاعة للملائكة، والنبيين، والشهداء، والصديقين، فيشفعون، ويُخْرِجون». (وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ) أي من النار (بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب، عن الزهريّ: «وأراد أن يُخرج من النار من أراد أن يُخرج، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله». (أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا) وفي حديث أبي سعيد - ﵁ -: «اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار، فأخرجوه»، وفي حديث أنس - ﵁ - الآتي في الشفاعة: «فيَحُدّ لي حدًّا، فأخرجهم». قال الحافظ - ﵀ -: ويُجْمَع بأن الملائكة يؤمرون على ألسنة الرسل بذلك، فالذين يباشرون الإخراج هم الملائكة. ووقع في حديث أبي سعيد أيضًا بعد قوله: «مثقال ذَرَّة»: «فيُخرِجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نَذَر فيها خيرًا»، وفيه: «فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يَبْقَ إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضةً من النار، فيُخرِج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قطّ». وفي حديث معبد، عن الحسن البصريّ، عن أنس - ﵁ -: «فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي وجبريائي، لأُخرجنّ من قال: لا إله إلا الله». وفي حديث جابر - ﵁ -: «ثم يقول الله: أنا أُخرج بعلمي، وبرحمتي»، وفي حديث أبي بكر - ﵁ -: «أنا أرحم الراحمين، أَدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئًا». قال الطيبيّ - ﵀ -: هذا يؤذن بأن كلّ ما قُدِّر قبل ذلك بمقدار شعيرة، ثم حبة، ثم خردلة، ثم ذَرّة، غيرُ الإيمان الذي يُعَبَّر به عن التصديق والإقرار، بل هو ما يوجد في قلوب المؤمنين من ثمرة الإيمان، وهو على وجهين: [أحدهما]: ازدياد اليقين، وطمأنينة النفس؛ لأن تضافر الأدلة أقوى للمدلول عليه، وأثبت لعدمه. [والثاني]: أن يراد العملُ، وأن الإيمان يزيد وينقص بالعمل، وينصر هذا الوجه قوله في حديث أبي سعيد: «لم يعملوا خيرًا قطّ». وقال البيضاويّ: وقوله: «ليس ذلك لك»: أي أنا أفعل ذلك تعظيمًا لاسمي، وإجلالًا لتوحيدي، وهو مخصِّصٌ لعموم حديث أبي هريرة - ﵀ -: «أسعد الناس بشفاعتي مَن قال: لا إله إلا الله مخلصًا»، قال: ويحتمل أن يُجْرَى على عمومه، ويُحْمَل على حال، ومقام آخر. وقال الطيبيّ: إذا فسرنا ما يختص بالله تعالى بالتصديق المجرّد عن الثمرة، وما يختص برسوله - ﷺ - هو الإيمان مع الثمرة من ازدياد اليقين، أو العمل الصالح حصل الجمع. وقال الحافظ: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن المراد بقوله: «ليس ذلك لك» مباشرةُ الإخراج، لا أصل الشفاعة، وتكون هذه الشفاعة الأخيرة وقعت في إخراج المذكورين، فأجيب إلى أصل الإخراج، ومُنِع من مباشرته، فنُسبت إلى شفاعته في حديث: «أسعد الناس»؛ لكونه ابتدأ بطلب ذلك، والعلم عند الله تعالى. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الاحتمالات عندي، وأقربها ما قاله البيضاويّ - ﵀ -، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) قال القرطبيّ - ﵀ -: لم يذكر الرسالة إما لأنهما لَمّا تلازما في النطق غالبًا وشَرْطًا اكتَفَى بذكر الأولى، أو لأن الكلام في حقّ جميع المؤمنين: هذه الأمة وغيرها، ولو ذُكِرت الرسالة لكَثُر تعداد الرسل. قال الحافظ: الأول أولى، ويَعْكُر على الثاني أنه يُكتَفَى بلفظ جامع، كأن يقول مثلًا: ونؤمن برسله، وقد تمسك بظاهره بعض المبتدعة، ممن زَعَمَ أن من وَحّد الله من أهل الكتاب يخرج من النار، ولو لم يؤمن بغير مَن أُرسل إليه، وهو قول باطلٌ، فإن مَن جَحَد الرسالة كَذَّب الله، ومن كَذَّب الله لم يوحده . (فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ) أي عرف الملائكة الذين أمروا بإخراجهم، وقوله: (يَعْرِفُونَهُمْ بِأَثَرِ السُّجُودِ) جملة مستأنفة، استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدّر، تقديره: بأي علامة يعرفونهم، ويُميّزونهم عن غيرهم؟، فأجاب بأنهم يَعرفونهم بأثر السجود. وفي رواية البخاريّ: «فيعرفونهم بعلامة آثار السجود»، قال الزين ابن الْمُنَيِّر - ﵀ -: تُعْرَف صفة هذا الأثر مما وَرَد في قوله - سُبحانهُ تعالى - ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ الآية [الفتح: ٢٩]؛ لأن وجوههم لا تؤثر فيها النار، فتبقى صفتها باقية، وقال غيره: بل يَعرفونهم بالْغُرّة، وفيه نظرٌ؛ لأنها مختصة بهذه الأمة، والذين يُخْرَجون أعم من ذلك. (تَأُكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إِلَّا أثَرَ السُّجُودِ) وقوله: (حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأكُلَ أثَرَ السُّجُودِ) علّة لعدم أكل النار أثر السجود: أي لأن الله تعالى حرّم على النار أكل أثر سجود بني آدم. وقال في «الفتح»: هو جواب عن سؤال مقدر، تقديره: كيف يعرفون أثر السجود مع قوله في حديث أبي سعيد - ﵁ - عند مسلم: «فأماتهم الله إماتةً، حتى إذا كانوا فَحْمًا أَذِن الله بالشفاعة»، فإذا صاروا فَحْمًا كيف يتميز محل السجود من غيره، حتى يُعْرَف أثره؟. وحاصل الجواب تخصيص أعضاء السجود من عموم الأعضاء التي دَلّ عليها خبر أبي سعيد - ﵁ -، بأن الله منع النار أن تُحْرِق أثر السجود من المؤمن. وهل المراد بأثر السجود نفس العضو الذي يَسْجُد، أو المراد مَن سَجَد؟ فيه نظرٌ، والثاني أظهر. قال القاضي عياض - ﵀ -: فيه دليلٌ على أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالفٌ لعذاب الكفّار، وأنها لا تأتي على جميع أعضائهم، إما إكرامًا لموضع السجود، وعِظَم مكانهم من الخضوع لله تعالى، أو لكرامة تلك الصورة التي خُلِق آدم، والبشَر عليها، وفُضِّلُوا بها على سائر الخلق. قال الحافظ - ﵀ -: الأول منصوص، والثاني مُحْتَمِلٌ، لكن يُشكِل عليه أن الصورة لا تختص بالمؤمنين، فلو كان الإكرام لأجلها لشاركهم الكفار، وليس كذلك. قال النووي - ﵀ -: وظاهر الحديث أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة، وهي: الجبهة، واليدان، والركبتان، والقدمان، وبهذا جَزَم بعض العلماء، وقال عياض: ذِكْرُ الصورة، ودارات الوجوه يدُلّ على أن المراد بأثر السجود الوجه خاصّةً، خلافًا لمن قال: يشمل الأعضاء السبعة، ويؤيد اختصاص الوجه أن في بقية الحديث: «أن منهم من غاب في النار إلى نصف ساقيه»، وفي حديث سمرة - ﵁ -: «وإلى ركبتيه»، وفي رواية هشام بن سعد، في حديث أبي سعيد: «وإلى حِقْوه». قال النوويّ: وما أنكره هو المختار، ولا يمنع من ذلك قوله في الحديث الآخر في مسلم: «إن قومًا يخرجون من النار، يحترقون فيها إلا دارات وجوههم»، فإنه يُحْمَل على أن هؤلاء قوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار، فيكون الحديث خاصًّا بهم، وغيره عامًّا، فيُحْمَل على عمومه إلا ما خُصَّ منه. قال الحافظ: إن أراد أن هؤلاء يُخَصُّون بأن النار لا تأكل وجوههم كلّها، وأن غيرهم لا تأكل منهم محل السجود خاصّةً، وهو الجبهة سَلِمَ من الاعتراض، وإلا يلزمه تسليم ما قال القاضي في حقّ الجميع إلا هؤلاء، وإن كانت علامتهم الغُرّة كما تقدم النقل عمن قاله، وما تَعَقّبه بأنها خاصّة بهذه الأمة، فيضاف إليها التحجيل، وهو في اليدين والقدمين، مما يَصِل إليه الوضوء، فيكون أشمل مما قاله النووي من جهة دخول جميع اليدين والرجلين، لا تخصيص الكفين والقدمين، ولكن ينقص منه الركبتان. وما استَدَلَّ به القاضي من بقية الحديث، لا يمنع سلامة هذه الأعضاء مع الانغمار؛ لأن تلك الأحوال الأُخروية خارجة عن قياس أحوال أهل الدنيا. ودَلّ التنصيص على دارات الوجوه أن الوجه كله لا تؤثر فيه النار؛ إكرامًا لمحل السجود، ويُحمل الاقتصار عليها على التنويه بها؛ لشرفها. وقد استنبط ابن أبي جمرة من هذا الحديث أن من كان مسلمًا، ولكنه كان لا يصلي لا يخرج؛ إذ لا علامة له، لكن يُحْمَل على أنه يَخرج في القبضة؛ لعموم قوله: «لم يعملوا خيرًا قطّ»، وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي، وهل المراد بمن يَسْلَم من الإحراق مَن كان يَسجُد، أو أعمّ من أن يكون بالفعل أو القوّة؟ الثاني أظهر؛ لِيَدْخُل فيه مَن أسلم مثلًا، وأخلص، فَبَغَته الموت قبل أن يسجد. قال الحافظ: ووجدت بخط أبي رحمه الله تعالى، ولم أسمعه منه، من نظمه ما يوافق مختار النوويّ، وهو قوله [من الكامل]: يَا رَبٌّ أَعْضَاءَ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا … مِنْ عَبْدِكَ الْجَانِي وَأَنْتَ الْوَاقِي وَالْعِتْقُ يَسْرِي بِالْغِنَى يَا ذَا الْغِنَى … فَامْنُنْ عَلَى الْفَانِي بِعِتْقِ الْبَاقِي (فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ) ببناء الفعل للمفعول، وقوله: (وَقَدِ امْتَحَشُوا) جملة في محلّ نصب على الحال: أي حال كونهم ممتحشين، قال القرطبيّ - ﵀ -: صوابه: بفتح التاء والحاء، ومعناه: احترقوا، يقال: امتحش الْخُبز: أي احترق، ويقال: مَحَشَته النار، وأمحشته، والمعروف: أمحشَهُ، قال صاحب «العين»: وقد رواه بعضهم: «امتُحِشُوا» مبنيًّا لما لم يُسَمّ فاعله: أي أُحرِقوا، والصواب الأول. انتهى . وقال في «الفتح»: «امتَحَشُوا» بفتح المثنّاة، وضمّ المعجمة: أي احترقوا، والْمَحْشُ: احتراق الجلد، وظهور العظم، قال عياض: ضبطناه عن متقني شيوخنا، وهو وجه الكلام، وعند بعضهم بضم المثنّاة، وكسر الحاء، ولا يعرف في اللغة: «امتحشه» متعدّيًا، وإنما سُمِعَ لازمًا، مطاوع مَحَشتُهُ، يقال: مَحَشته، وأمحشته، وأنكر يعقوب بن السِّكِّيت الثلاثيّ، وقال غيره: مَحَشَه، فامتَحَشَ وأمحشه الحرّ: أحرقه، والنار أحرقته، وامتحش هو غَضَبًا، وقال أبو نصر الفارابيّ: والامتحاش: الاحتراق. ووقع عند أبي نعيم من رواية أحمد بن إبراهيم بن مِلْحَان، عن يحيى بن بكير: «فيُخْرِجون مَن عَرَفُوا»، ليس فيه: «قد امْتَحَشُوا»، وإنما ذَكَرها بعد قوله: «فيَقبِض قبضةً»، وكذا أخرجه البيهقيّ، وابن منده، من رواية رَوْح بن الْفَرَج، ويحيى بن أبي أيوب الْعَلَّاف، كلاهما عن يحيى بن بكير به. قال عياض: ولا يبعد أن الامتحاش يَخْتَصّ بأهل القبضة، والتحريم على النار أن تأكل صورة الخارجين أوّلًا قبلهم، ممن عَمِلَ الخير على التفصيل السابق، والعلم عند الله تعالى . (فَيُصَبُّ) بالبناء للمفعول (عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ) أي الماء الذي من يشربه، أو يتطهّر به لم يمت أبدًا . وفي رواية البخاريّ: «فيُصَبّ عليهم ماء، يقال له: ماء الحياة»، وفي حديث أبي سعيد الآتي: «فيُلْقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة»، والأفواه جمع فوهة على غير قياس، والمراد بها الأوائل، وفي تسمية ذلك النهر به إشارةٌ إلى أنهم لا يحصل لهم الفناء بعد ذلك. (فَيَنْبُتُونَ) بضمّ الموحّدة، يقال: نَبَتَ نَبْتًا، من باب نصر، والاسم: النبات ، (مِنْهُ) أي بسبب ذلك الماء، فـ «من» سببيّة، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في الأصول: «فينمون منه» بالميم والنون، وهو صحيحٌ، ومعناه: ينبتون بسببه. انتهى . (كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحدة: بُزُور البقول والْعُشْب، تنبُت في الصحراء والبراري، وجوانبِ السيول، وجمعها: حِبَبٌ بكسر المهملة، وفتح الموحدة، بعدها مثلها، وأما الْحَبَّة بفتح أوله، فهي ما يزرعه الناس، وجمعها حبوب بضمتين، ووقع في حديث أبي سعيد عند البخاريّ: «فينبتون في حافتيه»، وفي رواية لمسلم: كما تَنْبُت الْغُثَاءة، بضم الغين المعجمة، بعدها مثلثة مفتوحة، وبعد الألف همزة، ثم هاء تأنيث، هو في الأصل كلُّ ما حَمَله السيل من عِيدَان، ووَرَق، وبُزُور، وغيرها، والمراد به هنا ما حَمَله من البُزُور خاصّة، قاله في «الفتح» . (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بالحاء المهملة المفتوحة، والميم المكسورة: أي ما يَحْمِله السيل، وهو ما جاء به السيل من طين، أو غُثَاء، ومعناه: محمول السيل، والمراد به التشبيه في سُرْعة النبات، وحُسنه، وطراوته . وقال في «الفتح»: وفي رواية يحيى بن عُمَارة: «إلى جانب السيل»، والمراد أنّ الْغُثَاء الذي يجيء به السيل، يكون فيه الْحِبّة، فيقع في جانب الوادي، فتُصبح من يومها نابتةً، ووقع في رواية: «في حَمِئَة السيلِ» بعد الميم همزة، ثم هاء، وقد تُشْبَع الميم، فيصير بوزن عَظِيمة، وهو ما تَغَيَّر لونه من الطين، وخُصَّ بالذكر؛ لأنه يقع فيه النبت غالبًا. قال ابن أبي جمرة - ﵀ -.: فيه إشارة إلى سُرْعة نباتهم؛ لأن الْحِبّة أسرع في النبات من غيرها، وفي السيل أسرع، لِمَا يجتمع فيه من الطين الرِّخْو الحادث مع الماء، مع ما خالطه من حرارة الزِّبْل المجذوب معه. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: «حَمِيلُ السيل»: ما يَحمِله من طين وغُثَاء، فإذا اتّفق أن يكون فيه حِبّةٌ، فإنها تنبُت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتة نباتًا، فشبّه - ﷺ - سُرعة نبات أجسادهم بسرعة نبات تلك الحبّة، وهذا معنى قول المازريّ، وبقي عليه من التشبيه المقصود بالحديث نوعٌ آخر دلّ عليه ما في حديث أبي سعيد - ﵁ - حيث قال: «ألا ترونها تكون إلى الحجر، ما يكون منها إلى الشمس أُصيفر وأُخيضر، وما يكون منها إلى الظلّ يكون أبيض»، وهو تنبيه على أنّ ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة منهم يسبق إليه البياض المستحسَن، وما يكون منهم إلى جهة النار، يتأخر النُّصُوع عنه، فيبقى أُصيفر وأخيضر إلى أن يتلاحق البياض، ويستوي الحسن والنور، ونَضَارة النعمة عليهم. قال: ويَحْتَمِل أن يشير بذلك إلى أن الذي يُباشر الماء - يعني: الذي يُرَشّ عليهم - تشتدّ سُرعة نُصُوعه، وأن غيره يتأخر عنه البياض، لكنه يسري إليه سريعًا. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . (ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ) أي ثانيًا، يعني يُكمل إخراج الموحّدين من النار (وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّار، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ) وقع في حديث حُذيفة - ﵁ - وصفُ هذا الرجل أنه كان نَبّاشًا، وذلك فيما أخرجه البخاريّ في أخبار بني إسرائيل: «أن رجلًا كان يسيء الظن بعمله، فقال لأهله: أحرقوني …» الحديث، وفي آخره: «كان نبّاشًا»، ووقع في حديث حذيفة عن أبي بكر الصديق - ﵄ - عند أحمد، وأبي عوانة، وغيرهما: وفيه: «ثم يقول الله: انظروا هل بقي في النار أحدٌ، عَمِلَ خيرًا قطّ؟، فيجدون رجلًا، فيقال له: هل عملت خيرًا قطّ؟، فيقول: إني كنت أُسامح الناس في البيع …» الحديث، وفيه: «ثم يُخرجون من النار رجلًا آخر، فيقال له: هل عملت خيرًا قطّ؟ فيقول: إني أَمرت ولدي: إذا مِتّ فأحرقوني …» الحديث، وجاء من وجه آخر أنه كان يسأل الله أن يُجيره من النار، ولا يقول: «أدخلني الجنة»، أخرجه الحسين المروزي في زيادات «الزهد» لابن المبارك، من حديث عوف الأشجعيّ، رفعه: «قد عَلِمتُ آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، رجلٌ كان يسأل الله أن يجيره من النار، ولا يقول: أدخلني الجنة، فماذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، بقي بين ذلك، فيقول: يا رب قَرِّبني من باب الجنة، أنظر إليها، وأَجِدُ من رِيحها، فيُقَرِّبه، فيرى شجرة …» الحديث، وهو عند ابن أبي شيبة أيضًا، قال الحافظ - ﵀ -: وهذا يقوّي التعدد، لكن الإسناد ضعيف. وذَكَر القاضي عياض - ﵀ - أنه جاء في حديث آخر: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا من النار، وآخر أهل الجنّة دخولًا فيها»، قال: فيحتمل أنهما اثنان، إما شخصان، وإما نوعان، أو جنسان، وعبّر فيه بالواحد عن الجماعة؛ لاشتراكهم في الحكم الذي كان سبب ذلك. ويحتمل أن يكون الخروج بمعنى: الورود، وهو الجواز على الصراط، فيتّحد المعنى، إما في شخص واحد، أو أكثر. قال الحافظ - ﵀ -: وقع عند مسلم من رواية أنس، عن ابن مسعود ما يقوّي الاحتمال الثاني، ولفظه: «آخر من يدخل الجنّة رجلٌ، فهو يمشي مرّة، ويكبو مرّة، وتسفعه النار مرّةً، فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجّاني منك»، وعند الحاكم من طريق مسروق، عن ابن مسعود ما يقتضي الجمع. ووقع في «نوادر الأصول» للترمذي الحكيم، من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «إن أطول أهل النار فيها مُكْثًا من يمكث سبعة آلاف سنة»، وسند هذا الحديث وَاهٍ والله أعلم. وأشار ابن أبي جمرة إلى المغايرة بين آخر من يخرج من النار، وأنه يخرج منها بعد أن يدخلها حقيقة، وبين آخر من يخرج ممن يَبْقَى مارًّا على الصراط، فيكون التعبير بأنه خرج من النار بطريق المجاز؛ لأنه أصابه من حَرّها وكربها ما يُشارك به بعض مَن دخلها. وقد وقع في «غرائب مالك» للدارقطنيّ، من طريق عبد الملك بن الحكم، وهو وَاهٍ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، رفعه: «إن آخر مَن يدخل الجنة رجل من جهينة، يقال له: جهينة، فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين»، وحَكَى السهيليّ: أنه جاء أن اسمه هَنّاد، وجوَّز غيره أن يكون أحد الاسمين لأحد المذكورين، والآخر للآخر. انتهى . (فَيَقُولُ) ذلك الرجل (أَيْ) حرف نداء (رَبِّ) أصله «ربّي» بياء المتكلّم، فخفّف بحذفها، وتقدّم أن فيه ستّ لغات، قد أشار ابن مالك - ﵀ - إلى الخمسة منها في «الخلاصة» بقوله: وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا … كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا ونبدل الشطر الثاني هنا، فنقول: وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا … كَرَبِّ رَبِّي رَبَّ رَبَّا رَبِّيَا والسادسُ رَبُّ بالضمّ؛ إجراء له مجرى المفرد؛ اكتفاءً بنيّة الإضافة ، والله تعالى أعلم. (اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّار، فَإِنَّهُ) الضمير للشأن (قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا) - بفتح القاف، والشين المعجمة المخففة، وحُكِي التشديد، ثم باء موحدة -: أي آذاني، وغيّر جلدي، وصُورتي، وسوّدني، وأحرقني، قاله الحربيّ، والجوهريّ، وقال الخطابيّ: قَشَبَه الدخان: إذا مَلأ خَيَاشيمه، وأخذ بِكَظَمِهِ ، وأصل الْقَشْب: خَلْطُ السم بالطعام، يقال: قَشَبه: إذا سَمَّهُ، ثم استُعْمِل فيما إذا بلغ الدخان، والرائحة الطيبة منه غايته. وقال النوويّ: معنى قَشَبَني: سَمَّني، وآذاني، وأهلكني، هكذا قاله جماهير أهل اللغة، وقال الداوديّ: غَيَّر جلدي، وصورتي. قال الحافظ: ولا يخفى حسن قول الخطابيّ، وأما الداوديّ فكثيرًا ما يفسر الألفاظ الغريبة بلوازمها، ولا يحافظ على أصول معانيها. وقال ابن أبي جمرة: إذا فسرنا الْقَشْب بالنَّتَن والْمُسْتَقْذَر كانت فيه إشارة إلى طيب ريح الجنة، وهو من أعظم نعيمها، وعكسها النار في جميع ذلك. وقال ابن القَطّاع: قَشَبَ الشيءَ: خَلَطه بما يُفْسِده من سُمّ أو غيره، وقَشَبَ الإنسانَ: لطخه بسوء كأن اغتابه وعابه، وأصله السّمّ، فاستُعمِل بمعنى: أصابه المكروه، إذا أهلكه، أو أفسده، أو غَيَّره، أو أزال عقله، أو تقذَّره هو، والله تعالى أعلم. انتهى . (وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) قال القاضي عياض - ﵀ -: روايتنا في مسلم بالمدّ، والمشهور الْقَصْرُ، وحَكَى أبو حنيفة الدِّينَوَريّ - ﵀ - فيه المدّ، وخطّأه عليّ بن حمزة، قال المازري: أي تلهّبها، وقال ابن قتيبة: اشتعالها، قال ابن ولاد: الذَّكَا: تلهّب النار مقصور. انتهى كلام القاضي . وقال في «الفتح»: قوله: «وأحرقني ذكاؤها»: كذا للأصيليّ، وكريمة هنا بالمد، وكذا في رواية إبراهيم بن سعد، وفي رواية أبي ذَرّ وغيره: «ذَكَاها» بالقصر، وهو الأشهر في اللغة، وقال ابن القطاع: يقال: ذَكَت النارُ تذكو ذَكًا بالقصر، وذُكُوًّا بالضم وتشديد الواو: أي كَثُرَ لَهَبُها، واشتدّ اشتعالها ووَهَجُها، وأما ذَكَا الغلامُ ذَكَاءً بالمدّ، فمعناه: أسرعت فِطْنته. وقال النوويّ: المدّ والقصر لغتان، ذكره جماعة فيها. وتعقّبه مغلطاي بأنه لم يوجد عن أحد من المصنفين في اللغة، ولا في الشارحين لدواوين العرب حكاية المدّ إلا عن أبي حنيفة الدِّينَوريّ في «كتاب النبات» في مواضع منها ضربُ العرب المثلَ بِجَمْرِ الْغَضَا لذكائه، قال: وتعقّبه علي بن حمزة الأصبهانيّ، فقال: ذَكَا النارِ مقصور، ويكتب بالألف؛ لأنه واويّ، يقال: ذَكَت النارُ تَذْكُو ذُكُوًّا وذَكَا النار، وذُكُوّ النار بمعنىً، وهو التهابها، والمصدر ذَكًا، وذُكُوّ، وذَكْوٌ بالتخفيف والتثقيل، فأما الذّكَاء بالمد: فلم يأت عنهم في النار، وإنما جاء في الفَهْم. وقال قرقول في «المطالع» وعليه يَعْتَمِد الشيخ: وقع في مسلم: «فقد أحرقني ذَكَاؤها» بالمد، والمعروف في شدّة حر النار القصر، إلا أن الدينوريّ ذكر فيه المدّ، وخَطّاه علي بن حمزة، فقال: ذَكَتِ النارُ ذَكًا وذُكُوًّا، ومنه طيب ذَكِيّ: منتشر الريح، وأما الذكاء بالمد: فمعناه تمام الشيء، ومنه ذكاء القلب. وقال صاحب «الأفعال»: ذكا الغلام والعقل: أسرع في الفِطْنة، وذَكَا الرجلُ ذَكَاءً من حِدّة فكره، وذكت النارُ ذَكًا بالقصر: توقّدت. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أبو حنيفة الدينوريّ إمام مشهور في اللغة ثقةٌ في نقله، فما قاله من جواز المدّ والقصر في ذَكا النار هو الصواب؛ لأن من حفِظَ حجة على من لم يحفظ. والحاصل أنه بعد صحّة الوجهين على ما نقله المحقّقون من المحدّثين، وأثبتها هذا الإمام لغةً، فلا التفات إلى إنكار عليّ بن حمزة، وتبعه مغلطاي، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَيَدْعُو اللهَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْعُوَهُ) وفي رواية البخاريّ: «فاصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو الله»، قال في «الفتح»: قد استُشكِل كون وجهه إلى جهة النار، والحال أنه ممن يَمُرّ على الصراط طالبًا إلى الجنة، فوجهه إلى الجنة، لكن وقع في حديث أبي أمامة: «أنه يَتَقَّلب على الصراط ظهرًا لبطن»، فكأنه في تلك الحالة انتهى إلى آخره، فصادف أن وجهه كان مِن قِبَل النار، ولم يَقْدِر على صرفه عنها باختياره، فسأل ربه في ذلك. انتهى. (ثُمَّ يَقُولُ اللهُ ﵎: هَلْ عَسَيْتَ) بفتح السيِن المهملة، وكسرها، والفتح أولى، قرأ نافع قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الآية [محمد: ٢٢] بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها، وإلى هذا أشار ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة» بقوله: وَالْفَتْحَ وَالْكَسْرَ أَجِزْ فِي السِّينِ مِنْ … نَحْوِ «عَسَيتُ» وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ قال ابن السّكّيت: ولا يُنطق في «عسيت» بمستقبل. انتهى . (إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ) أي صرفتُ وجهك عن النار، وقوله: (أَنْ تَسْأَل غَيْرَهُ؟) خبر «عسى»، والمعنى: هل يُتَوَقَّع منك سؤال ذلك، وهو استفهام تقرير؛ لأن ذلك عادة بني آدم، والترجي راجع إلى المخاطب، لا إلى الرب، وهو من باب إرخاء الْعِنَان إلى الْخَصْم؛ ليبعثه ذلك على التفكر في أمره، والإنصاف من نفسه، قاله في «الفتح» . (فَيَقُولُ: لَا أَسْألُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ) جمع ميثاق، بمعنى العهود، فهو تأكيد لما قبله (مَا شَاءَ اللهُ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ) وفي رواية للبخاريّ: «فيُصْرَف وجهُهُ عن النار» بضم أوله، على البناء للمجهول، ووقع في رواية أنس، عن ابن مسعود الآتي عند المصنّف، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد، والبزار نحوه أنه: «فتُرفع له شجرة، فيقول: رب أدنني من هذه الشجرة، فَلأَستَظِلَّ بظلها، وأشربَ من مائها، فيقول الله: لعلي إن أعطيتك تسألني غيرها؟ فيقول: لا يا ربّ، ويعاهده أن لا يسأل غيرها، وربه يَعْذِره؛ لأنه يَرَى ما لا صبر له عليه»، وفيه: أنه «يدنو منها، وأنه تُرفع له شجرة أخرى أحسن من الأولى عند باب الجنة، ويقول في الثالثة: ائذن لي في دخول الجنة»، وكذا وقع في حديث أنس عند البخاريّ في «التوحيد» من طريق حميد عنه رفعه: «آخرُ من يَخرُج من النار تُرفع له شجرة»، ونحوه للمصنّف من طريق النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد، بلفظ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قِبَلَ الجنة، ومُثِّلت له شجرة». ويُجْمَع بأنه سقط من حديث أبي هريرة - ﵁ - هنا ذكر الشجرات، كما سقط من حديث ابن مسعود ما ثَبَت هنا من طلب القرب من باب الجنة، قاله في «الفتح» . (فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّة، وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ قَدِّمْني) وفي لفظ البخاريّ: قَرِّبني (إِلَى بَابِ الْجَنَّة، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: ألَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ) وفي لفظ للبخاريّ: «فيقول: أليس قد زعمتَ» (لَا تَسْألني غَيْرَ الَّذِي أَعْطَيْتُكَ؟ ويلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ) تكرير لدعائه، أي رلت قدّمني إلى بابها، (ويدْعُو اللهَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَل غَيْرَهُ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ عُهُودٍ ومَوَاثِيقَ) قال ابن أبي جمرة - ﵀ -: إنما بادر للحلف من غير استخلاف؛ لما وقع له من قُوّة الفرح بقضاء حاجته، فوَطَّن نفسه على أن لا يطلب مزيدًا، وأَكَّدَه بالحلف. انتهى. (فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّة، فَإذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْجَنَّة، انْفَهَقَتْ) بفتح الفاء والهاء والقاف، ومعناه: انفتحت، واتّسعت، والمتفيهق: المتوسّع في كلامه، والمتكلّف فيه . (لَهُ الْجَنّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالسُّرُورِ) - بالخاء المعجمة، والياء المثنّاة تحتُ - هذا هو الصحيح المعروف في الروايات والأصول، وحَكَى القاضي عياض - ﵀ - أن بعض الرواة في مسلم رواه: «الْحَبْر» - بفتح الحاء المهملة، وإسكان الباء الموحدة - ومعناه: السرور، وإفراط التنعّم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ [الروم: ١٥] أي يُنعّمون، ويُسرّون، قال صاحب «المطالع» كلاهما صحيح، قال: والثاني أظهر، ورواه البخاريّ: «الْحَبْرَة والسرور»، والْحَبْرة: الْمَسَرَّة. انتهى . (فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ) وفي رواية البخاريّ: «فإذا رأى ما فيها سَكَتَ»، وفي رواية له: «فإذا بلغ بابَها، ورَأَى زَهْرَتها، وما فيها من النَّضْرَة»، والمراد: أنه يَرَى ما فيها من خارجها، إما لأن جِدارها شَفّاف، فَيُرَى باطنها من ظاهرها، كما جاء في وصف الْغُرَف، وإما أن المراد بالرؤية العلم الذي يَحصُل له من سُطُوع رائحتها الطيبة، وأنوارها المضيئة، كما كان يحصل له أَذَى لَفْحِ النار، وهو خارجها، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصواب؛ إذ قوله: «ورَأَى زَهْرَتها، وما فيها من النَّضْرَة» ظاهر في كونه رأى وشاهد ما في داخلها، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: ألَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَل غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ وَيْلَكَ) وفي رواية للبخاريّ: «ويحك» (يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ لَا كُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ) وكذا وقع عند البخاريّ في «كتاب الصلاة» بلفظ: «لا أكون أشقى خلقك»، وللقابسيّ: «لأكونَنّ»، قال ابن التين: المعنى: لئن أبقيتني على هذه الحالة، ولم تدخلني الجنة لأكوننّ، والألف في الرواية الأولى زائدة، وقال الكرمانيّ: معناه: لا أكون كافرًا. قال الحافظ: هذا أقرب مما قال ابن التين، ولو استَحْضَر رواية: «لا تجعلني أشقى خلقك» ما احتاج إلى التكلف الذي أبداه، فإن قوله: «لا أكون» لفظه لفظ الخبر، ومعناه: الطلب، يدل عليه قوله: «لا تجعلني». ووجه كونه أشقى أن الذي يُشاهد ما يُشاهده، ولا يَصِل إليه يصير أشدّ حسرةً ممن لا يشاهد، ولفظ البخاريّ هنا: «يا رب لا تجعلني أشقى خلقك»، والمراد بالخلق هنا مَن دَخَلَ الجنة، فهو لفظ عامّ أُريد به خاص، ومراده أنه يصير إذا استمرّ خارجًا عن الجنة أشقاهم، وكونه أشقاهم ظاهر، لو استمر خارج الجنة، وهم من داخلها. قال الطيبيّ - ﵀ -: معناه: يا رب قد أعطيتُ العهد والميثاق، ولكن تفكرتُ في كرمك ورحمتك، فسألت. انتهى . (فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ ﵎ مِنْهُ) قال النوويّ: قال العلماء: ضَحِك الله تعالى منه هو رضاه بفعل عبده، ومحبته إياه، وإظهار نعمته عليه، وإيجابها عليه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: مراد النوويّ بقوله: العلماء علماء الأشاعرة المتأخّرون، لا علماء السلف، كما يعترف به هو في مواضع كثيرة من شرحه بأن هذا مذهب الخلف، وأما مذهب السلف فبعيد عن التأويل، فظهر بهذا أن تأويله هذا، وقد سبقه المازريّ والقاضي عياض، والقرطبيّ غير صحيح، والحقّ الذي عليه السلف أن صفة الضحك ثابتة لله تعالى حقيقةً على ما يليق بجلاله وعظمته، بلا تكييف، ولا تشبيه مع تنزيهه - ﷾ - عن مشابهة المخلوقين، وقد نقل نحو هذا البيهقيّ عن متقدّمي الأشاعرة أيضًا . وقال الإمام ابن خزيمة - ﵀ -: «ذِكرُ إثبات ضحك ربنا - ﷿ - بلا صفة تصف ضحكه جلّ ثناؤه، ولا يُشبّه ضحكه بضحك المخلوقين، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبيّ - ﷺ -، ونسكت عن صفة ضحكه جلّ وعلا؛ إذ الله - ﷿ - استأثر بصفة ضحكه، لم يُطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال به النبيّ - ﷺ -، مصدّقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يُبيَّن لنا مما استأثر الله تعالى بعلمه. انتهى كلامه - ﵀ - ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، فتمسّك به تكن من المفلحين، والله تعالى أعلم. (فَإذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ، قَالَ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا، قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّهْ) الهاء للسكت جيء بها للوقف؛ لكون الفعل معتلّ الآخر، كما قال في «الخلاصة»: وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كـ«أَعْطِ مَنْ سَأَلْ» وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كـ«ع» أَوْ … كـ«يَع» مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوْا (فَيَسْأَلُ رَبَّهُ، ويتَمنَّى، حَتَّىَ إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِن كَذَا وَكَذَا) أي يقول له: تَمَنَّ من الشيء الفلانيّ، ومن الشيء الآخر، يُسَمِّي له أجناس ما يَتَمَنَّى، وهذا من عظيم رحمته - ﷾ -، وفي حديث أبي سعيد - ﵁ -: «ويُلَقِّنه الله ما لا علم له به» (حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأمَانِيُّ) وفي رواية أبي سعيد - ﵁ - عند أحمد: «فيسأل، ويتمنى مقدار ثلاثة أيام، من أيام الدنيا»، (قَالَ اللهُ تَعَالَى: ذَلِكَ لَكَ) مبتدأ وخبره: أي ذلك الذي تمنّيته، كائن لك، وقوله: (وَمِثْلُهُ مَعَهُ«) جملة في محلّ نصب على الحال. (قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) وقائل«قال عطاء»هو ابن شهاب الزهريّ (وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) مبتدأ خبره قوله: (مَعَ أَبِي هُرَيرَةَ) أي جالس معه، والجملة في محلّ نصب مقول«قال عطاء»(لَا يرُدُّ عَلَيْهِ) وفي رواية للبخاريّ:«لا يُغيّر عليه شيئًا»، وهو بمعناه (مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا) يعني أن أبا سعيد الخدريّ لا يردّ على أبي هريرة - ﵄ - شيئًا مما حدّث به؛ لكونه حقًّا موافقًا لما سمعه من النبيّ - ﷺ - (حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ اللهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) ردًّا على أبي هريرة حيث خالف ما سمعه من النبيّ - ﷺ -، وإن كان أبو هريرة أيضًا سمع ذلك (وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ، يَا أبا هُرَيْرَةَ) الجملة مقول «قال أبو سعيد» (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إلَّا قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَوْلَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) الأقرب في وجه الجمع بينهما أن يقال: إن النبيّ - ﷺ - أَعلمه الله أوّلًا بما في حديث أبي هريرة - ﵁ -، ثم تَكَرَّم الله تعالى، فزاد ما في رواية أبي سعيد - ﵁ -، فأخبر به النبيّ - ﷺ -، ولم يسمعه أبو هريرة - ﵁ -. ووقع في حديث أنس عن ابن مسعود - ﵁ -: «يُرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها»، ووقع في حديث حُذيفة عن أبي بكر: «انظر إلى مُلك أعظم مَلِك، فإن لك مثله وعشرة أمثاله، فيقول: أتسخر بي، وأنت الملك؟». ووقع عند أحمد من وجه آخر، عن أبي هريرة، وأبي سعيد جميعًا في هذا الحديث: فقال أبو سعيد: ومثله معه، فقال أبو هريرة: وعشرة أمثاله، فقال أحدهما لصاحبه: حَدِّث بما سمعتَ، وأُحدّث بما سمعتُ، وهذا مقلوب، فإن الذي في «الصحيح» هو المعتمد. وقد وقع عند البزار من الوجه الذي أخرجه منه أحمد على وفق ما في «الصحيح»، نعم وقع في حديث أبي سعيد الطويل عند البخاريّ في «التوحيد» من طريق أخرى عنه، بعد ذكر مَن يخرج من عُصاة الموحدين، فقال في آخره: «فيقال لهم: لكم ما رأيتم، ومثله معه»، فهذا موافق لحديث أبي هريرة في الاقتصار على المثل. قال الحافظ: ويمكن أن يُجْمَع أن يكون عشرة الأمثال، إنما سمعه أبو سعيد في حقّ آخر أهل الجنة دخولًا، والمذكور هنا في حقّ جميع مَن يَخْرُج بالقبضة، وجمع عياض بين حديثي أبي سعيد وأبي هريرة باحتمال أن يكون أبو هريرة سَمِعَ أولًا قوله: «ومثله معه»، فحدّث به، ثم حدَّث النبيّ - ﷺ - بالزيادة، فسمعه أبو سعيد، وعلى هذا فيقال: سمعه أبو سعيد وأبو هريرة معًا، أوّلًا، ثم سمع أبو سعيد الزيادة بعدُ. قال الجامع عفا الله عنه: الجمع الذي ذكره عياضٌ - ﵀ - هو الأقرب عندي، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم. ثم ظاهر قوله: «لك ذلك وعشرة أمثاله» أن العشرة زائدة على الأصل، ووقع في رواية أنس عن ابن مسعود: «لك الذي تمنيت، وعشرة أضعاف الدنيا»، وحُمِل على أنه تمنى أن يكون له مثل الدنيا، فيطابق حديث أبي سعيد، ووقع في رواية عن ابن مسعود: «لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها»، والله أعلم. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) هو موصول بالسند المذكور، وليس معلّقًا (وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةِ)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٨٧/ ٤٥٨ و٤٥٩ و٤٦٠] (١٨٢)، و«الزهد والرقاق» (٢٩٦٨)، و(البخاريّ) في «الرقاق» (٦٥٧٣)، و«التوحيد» (٧٤٣٧)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (٢٠٨٥٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٣٨٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦ و٢٩٣ - ٢٩٤ و٥٣٣ - ٥٣٤)، و(عبد الله بن أحمد) في «السنّة» (٢٤١ و٢٤٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤١٩، ٤٢٠، ٤٢١ و٤٢٢ و٤٢٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤٥٥ و٤٥٦ و٤٥٧)، و(ابن أبي عاصم) في «السنة» (٤٥٥ و٤٧٦)، و(الآجرّيّ) في «التصديق» (٢٨)، و(اللالكائيّ) في «شرح أصول الاعتقاد» (٨١٤)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٨٠٥ و٨٠٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٤٢٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٣٤٦)، و(البيهقيّ) في «الأسماء والصفات» (ص ٤٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معرفة طريق الرؤية. ٢ - (ومنها): ما قال النووي - ﵀ -: مذهب أهل السنة: أن رؤية المؤمنين ربهم ممكنة، ونفتها المبتدعة من المعتزلة، والخوارج، وهو جهلٌ منهم، فقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وسلف الأمة على إثباتها في الآخرة للمؤمنين، وأجاب الأئمة عن اعتراضات المبتدعة بأجوبة مشهورة، ولا يشترط في الرؤية تقابل الأشعة، ولا مقابلة المرئيّ، وإن جَرَت العادة بذلك فيما بين المخلوقين. انتهى . قال الطيبيّ - ﵀ -: وقول من أثبت الرؤية، وَوَكَل علم حقيقتها إلى الله فهو الحقّ، وكذا قول من فسّر الإتيان بالتجلي هو الحق؛ لأن ذلك قد تقدمه قوله: «هل تضارّون في رؤية الشمس والقمر؟» وزيد في تقرير ذلك وتأكيده، وكلّ ذلك يدفع المجاز عنه، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الطيبيّ - ﵀ - من عدم المجاز هنا هو الحقّ، لكن تفسيره الإتيان بالتجلّي، غير صحيح، بل الصواب أن الإتيان والمجيء من الصفات الفعليّة لله - ﷾ - على الحقيقة على وجه يليق بجلاله، كما هو مذهب السلف، وقد أسلفت تحقيقه قريبًا، فلا تكن من الغافلين. ٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: وقد تأوّلت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم، فقالوا: إن معنى رؤية الله تعالى أنه يُعلم في الآخرة ضرورةً، وهذا خطا لفظًا ومعنًى. أما اللفظ: فهو أن الرؤية بمعنى: العلم تتعدّى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وهي هنا تعدّت إلى مفعول واحد، فهي للإبصار، ولا يصحّ أن يقال: إن الرؤية بمعنى: المعرفة؛ لأن العرب لم تستعمل رأيتُ بمعنى: عرفتُ، لكن بمعنى: علمت، أو أبصرت، واستعملت «علمت» بمعنى: عرفت، لا «رأيت» بمعنى: عرفت. وأما المعنى: فمن وجهين: [أحدهما]: أنه - ﷺ - شَبَّهَ رؤية الله تعالى بالشمس، وذلك التشبيه لا يصحّ إلا بالمعاينة. [وثانيهما]: أن الكفّار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة، فترتفع خصوصيّة المؤمنين بالكرامة، وبلذّة النظر، وذلك التأويل منهم تحريفٌ، حَمَلهم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . ٤ - (ومنها): ما قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة - ﵀ -: في الابتداء بذكر القمر قبل الشمس متابعة للخليل - ﵇ - فكما أُمر - ﷺ - باتباعه في الملة اتبعه في الدليل، فاستَدَلّ به الخليل؛ على إئبات الوحدانية، واستدَلّ به الحبيب - ﷺ - على إثبات الرؤية، فاستدَلّ كلّ منهما بمقتضى حاله؛ لأن الخلة تصح بمجرد الوجود، والمحبة لا تقع غالبًا إلا بالرؤية. ٥ - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة - ﵀ -: إنه يستفاد منه أنه - ﷺ - كان عارفًا بجميع أمور الدنيا بتعليم الله تعالى له، وإن لم يباشِرْ ذلك. ٦ - (ومنها): ما قاله الكلاباذيّ - ﵀ -: إن إمساك الرجل أوّلًا عن السؤال حياءٌ من ربه - ﷿ -، والله يُحِبّ أن يسأل؛ لأنه يحبّ عبده المؤمن، فيباسطه بقوله أوّلًا: «لعلك إن أُعطيت هذا تسأل غيره؟»، وهذه حالة المقَصِّر، فكيف حال المطيع، وليس نقضُ هذا العبد عهدَهُ، وتركُه ما أقسم عليه جهلًا منه، ولا قِلَّة مبالاة، بل علمًا منه بأن نقض هذا العهد أولى من الوفاء به؛ لأن سؤاله ربه أولى من ترك السؤال مراعاةً للقسم، وقد قال - ﷺ -: «مَن حَلَفَ على يمين، فرأى خيرًا منها، فليُكَفِّر عن يمينه، وليأت الذي هو خيرٌ»، فعَمَلُ هذا العبد على وفق هذا الخبر، والتكفيرُ قد ارتفع عنه في الآخرة. ٧ - (ومنها): بيان جواز مخاطبة الشخص بما لا تُدْرَك حقيقته، وجواز التعبير عن ذلك بما يفهمه، حيث إنه - ﷺ - أخبرهم برؤية ربهم، ثم ضرب لهم مثلًا بما يعرفون من رؤية الشمس والقمر. ٨ - (ومنها): بيان أن الأمور التي في الآخرة، لا تُشَبَّه بما في الدنيا إلا في الأسماء والأصل، مع المبالغة في تفاوت الصفة. ٩ - (ومنها): جواز الاستدلال على العلم الضروريّ بالنظريّ. ١٠ - (ومنها): أن الكلام إذا كان محتملًا لأمرين يأتي المتكلم بشيء يتخصص به مراده عند السامع. ١١ - (ومنها): أن التكليف لا ينقطع إلا بالاستقرار في الجنة أو النار، وأن امتثال الأمر في الموقف يقع بالاضطرار. ١٢ - (ومنها): أن فيه فضيلةَ الإيمان؛ لأنه لَمّا تلبس به المنافق ظاهرًا بقيت عليه حرمته إلى أن وقع التمييز بإطفاء النور، وغير ذلك. ١٣ - (ومنها): بيان أن الصراط مع دِقّته وحِدّته يَسَعُ جميع المخلوقين منذ آدم؛ إلى قيام الساعة. ١٤ - (ومنها): فيه أن النار مع عِظَمِها وشِدّتها لا تتجاوز الحد الذي أُمِرت بإحراقه، والآدميّ مع حَقَارة جِرْمه يُقْدِم على المخالفة، ففيه معنى شديد من التوبيخ، وهو كقوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ففيه إشارةٌ إلى توبيخ الطُّغَاة والْعُصَاة. ١٥ - (ومنها): بيان فضل الدعاء، وقوَّة الرجاء في إجابة الدعوة، ولو لم يكن الداعي أهلًا لذلك في ظاهر الحكم، لكن فضل الكريم واسع. ١٦ - (ومنها): أن في قوله في المرّة الثانية: «ما أغدرك!» إشارة إلى أن الشخص لا يوصف بالفعل الذميم، إلا بعد أن يتكرر ذلك منه. ١٧ - (ومنها): أن فيه إطلاقَ اليوم على جزء منه؛ لأن يوم القيامة في الأصل يوم واحد، وقد أطلق اسم اليوم على كثير من أجزائه. ١٨ - (ومنها): أن فيه جوازَ سؤال الشفاعة، حيث إنه ثبت في بعض رواياته سؤال أهل الموقف من الأنبياء أن يشفعوا لهم، خلافًا لمن منع محتجًّا بأنها لا تكون إلا لمذنب، قال القاضي عياض - ﵀ -: وفات هذا القائل أنها قد تقع في دخول الجنة بغير حساب، وغير ذلك، مع أن كل عاقل معترف بالتقصير، فيحتاج إلى طلب العفو عن تقصيره، وكذا كلُّ عامل يخشى أن لا يُقْبَل عمله، فيحتاج إلى الشفاعة في قبوله، قال: ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة ولا بالرحمة، وهو خلاف ما دَرَجَ عليه السلف في أدعيتهم. ١٩ - (ومنها): ما قيل: إن فيه جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأن المنافقين يؤمرون بالسجود، وقد مُنِعُوا منه، كذا قيل، قال الحافظ - ﵀ -: وفيه نظر؛ لأن الأمر حينئذ للتعجيز والتبكيت. قال الجامع عفا الله عنه: مسألة التكليف بما لا يُطاق كثر فيها النزاع، وقد ذكرت تفاصيله، وبيان الراجح منه بدليله في كتابي «التحفة المرضيّة»، وشرحها «المنحة الرضيّة»، فراجعه تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٢٠ - (ومنها): واستَدَلّ به بعض السالمية ونحوهم على أن المنافقين، وبعض أهل الكتاب يرون الله تعالى مع المؤمنين، وهو غلط؛ لأن في سياق حديث أبي سعيد - ﵁ -: أن المؤمنين يرونه - ﷾ - بعد رفع رؤوسهم من السجود، وحينئذ يقولون: أنت ربنا، ولا يقع ذلك للمنافقين، ومن ذُكِر معهم، وأما الرؤية التي اشتَرَكَ فيها الجميع قبلُ، فقد تقدم أنه صورة الملك وغيره. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم تفنيد القول: بأن الصورة صورة الملك، فتنبّه. قال الحافظ - ﵀ -: ولا مدخل أيضًا لبعض أهل الكتاب في ذلك؛ لأن في بقية الحديث أنهم يَخرُجون من المؤمنين ومن معهم، ممن يظهر الإيمان، ويقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ وأنهم يتساقطون في النار، وكلُّ ذلك قبل الأمر بالسجود. انتهى. ٢١ - (ومنها): بيان أن جماعةً من مذنبي هذه الأمة يُعَذّبون بالنار، ثم يُخْرَجون بالشفاعة والرحمة، خلافًا لمن نَفَى ذلك عن هذه الأمة، وتأوّل ما ورد بضروب مُتَكَلَّفة، والنصوص الصريحة متضافرة متظاهرة بثبوت ذلك. ٢٢ - (ومنها): أن تعذيب الموحدين بخلاف تعذيب الكفار؛ لاختلاف مراتبهم، مِن أخذ النار بعضهم إلى ساقه. ٢٣ - (ومنها): بيان أن النار لا تأكل أثر السجود، وأنهم يموتون كما ثبت في حديث أبي سعيد - ﵁ -، فيكون عذابهم إحراقهم، وحبسهم عن دخول الجنة سريعًا كالمسجونين، بخلاف الكفار الذين لا يموتون أصلًا؛ ليذوقوا العذاب، ولا يَحْيَوْن حياةً يستريحون بها، على أن بعض أهل العلم أَوّل ما وقع في حديث أبي سعيد من قوله: «يموتون فيها إماتةً» بأنه ليس المراد أن يحصل لهم الموت حقيقةً، وإنما هو كناية عن غيبة إحساسهم، وذلك للرفق بهم، أو كَنَى عن النوم بالموت، وقد سَمَّى الله النوم وفاةً، ووقع في حديث أبي هريرة - ﵁ -: أنهم إذا دخلوا النار ماتوا، فإذا أراد الله إخراجهم، أَمَسَّهُم أَلَمَ العذاب تلك الساعة. ٢٤ - (ومنها): بيان ما طُبعَ عليه الآدميّ من قوّة الطَّمَع، وجَوْدة الحيلة في تحصيل المطلوب، فطَلَبَ أَوّلًا أن يُبْعَد من النار؛ ليحصل له نسبة لطيفة بأهل الجنة، ثم طَلَب الدنوّ منهم، وقد وقع في بعض طرقه طلب الدنوّ من شجرة بعد شجرة إلى أن طَلَب الدخول. ٢٥ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن صفات الآدميّ التي شُرِّف بها على الحيوان تعود له كلُّها بعد بعثته، كالفكر، والعقل، وغيرهما. انتهى مُلَخَّصًا من كلام أبي محمد بن أبي جمرة - ﵀ -، نقله الحافظ - ﵀ - في «الفتح» مع زيادات في غضون كلامه، ونقله بتصرّف ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٥٩] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: يَا رَسُولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنْدِيّ الحافظ، صاحب «السنن»، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله (٧٤) سنة (م دت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الْحَكَم بن نافع الْبَهْرَانيّ الحمصيّ مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٣ - (شُعَيْبٌ) بن أبي حَمْزة، واسمه دينار الأمويّ مولاهم، أبو بِشْر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت بعد ٩٠) وقد ناهز الثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) فاعل «ساق» ضمير شعيب، يعني أن شعيب بن أبي حمزة روى هذا الحديث متابعًا لإبراهيم بن سعد عن الزهريّ بمثل معنى ما رواه. [تنبيه]: رواية شعيب هذه التي أحالها المصنّف - ﵀ - على رواية إبراهيم بن سعد، ساقها الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٦٥٧٤) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني سعيد وعطاء بن يزيد، أن أبا هريرة أخبرهما، عن النبيّ - ﷺ - (ح) وحدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي هريرة، قال: قال أناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضارّون في الشمس ليس دونها سحاب؟»، قالوا: لا يا رسول الله، قال: «هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يَجْمَع الله الناس، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه، ويُضْرَب جِسْرُ جهنم»، قال رسول الله - ﷺ -:«فأكون أوّلَ مَن يُجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم، وبه كلاليب مثل شَوْك السَّعْدان، أما رأيتم شوك السعدان؟ »قالوا: بلى يا رسول الله، قال:«فإنها مثل شوك السعدان، غير أنها لا يَعْلَم قدر عظمها إلا الله، فتَخْطِف الناسَ بأعمالهم، منهم الموبَقُ بعمله، ومنهم الْمُخَرْدَل ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يُخْرِج من النار من أراد أن يُخرج، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يُخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحَرَّم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم، قد امْتَحَشوا، فَيُصَبُّ عليهم ماءٌ، يقال له: ماءُ الحياة، فينبتون نباتَ الْحِبَّة في حَمِيل السيل، ويبقى رجل منهم مُقْبِلٌ بوجهه على النار، فيقول: يا رب قد قَشَبَني ريحها، وأحرقني ذَكَاؤها، فاصوف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو الله، فيقول: لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيَصْرِف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب قَرِّبني إلى باب الجنة، فيقول: أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك ابن آدم ما أغدرك! فلا يزال يدعو، فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك، لا أسألك غيره، فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيُقَرِّبه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها، سَكَتَ ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: رب أدخلني الجنة، ثم يقول: أوَ ليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يَضْحَك، فإذا ضَحِكَ منه، أَذِنَ له بالدخول فيها، فإذا دَخَل فيها، قيل له: تَمَنَّ من كذا، فيتمنى، ثم يقال له: تَمَنَ من كذا، فيتمنى حتى تنقطع به الأمانيّ، فيقول له: هذا لك، ومثله معه»، قال أبو هريرة:«وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا»، قال عطاء: وأبو سعيد الخدريّ جالس مع أبي هريرة، لا يُغَيِّر عليه شيئًا من حديثه، حتى انتهى إلى قوله: هذا لك ومثله معه، قال أبو سعيد: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:«هذا لك، وعشرة أمثاله»، قال أبو هريرة: حفظت:«مثله معه». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٦٠] (…) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّة، أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، وَيَتَمَنَّى، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ زاهد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عتبة، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الأصحّ (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ - المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ باليمنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأبو هريرة - ﵁ - يمنيّ دَوْسِيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: «هذا ما حدّثنا أبو هريرة … إلخ»، وقد تقدّم البحث عنها مستوفًى في «المقدّمة»، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ) بفتح الهاء، وتشديد الميم (بْنِ مُنبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل، أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى الحديث الآتي، فـ «هذا» مبتدأ خبره قوله: (مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ) أي همّام (أَحَادِيثَ) هي الأحاديث المشهورة بـ «صحيفة همّام بن منبّه»، وهي (١٣٨) حديثًا، بسند واحد: عبد الرزّاق، عن معمر، عن همّام بن منبّه، عن أبي هريرة - ﵁ -، وقد أخرج الشيخان منها أحاديث كثيرة بالاشتراك والانفراد، وهذا الحديث هو (٥٥) منها. (مِنْهَا) أي من تلك الأحاديث، والجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) إذ هو مبتدأ محكيّ لقصد لفظه («إِنَّ أَدْنَى) اسم»إنّ«(مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ) أي منزلته، فالمراد بالمقعد المنزلة، وقوله: (مِنَ الْجَنَّةِ) أي في الجنّة، فـ»من«بمعنى»في«متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه كائنًا في الجنة، وقوله: (أَنْ يَقُولَ لَهُ) في تأويل المصدر خبر»إنّ«. والمعنى - كما قال الطيبيّ - ﵀ - -: إن أدنى منزلة أحدكم في الجنّة أن ينال أمانيّه كلّها، بحيث لا تبقى له أُمنيّةٌ، ونحوه قول الشاعر [من البسيط]: لَمْ يُبْقِ جُودُكَ لِي شَيْئًا أُؤَمِّلُهُ … تَرَكْتَنِي أَصْحَبُ الدُّنيَا بِلَا أَمَلِ أي قول الله تعالى في حقّه (تَمَنَّ) حُذف مفعوله؛ ليفيد التعميم، أي كلّ ما تشتهيه (فَيَتَمَنَّى) أي ما يحضره (وَيَتَمَنَّى) أي ما يُذكّره ربّه - عزَّوجل -، فقد سبق في حديث أبي هريرة الماضي قوله:«حتى إن الله ليذكّره من كذا وكذا»(فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟) أي انتهت أمانيّك (فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ«) قد سبق أن أبا سعيد الخدريّ - ﵁ - قد حفظ زيادة على أبي هريرة - ﵁ -: »ذلك له، وعشرة أمثاله«، وهي زيادة مقبولة. وسيأتي أيضًا حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵀ - قريبًا بلفظ: «إن أدنى أهل الجنة منزلةً رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة …» الحديث، وزاد فيه: «ويُذَكِّره الله: سل كذا وكذا، فإذا انقطعت به الأماني قال الله: هو لك وعشرة أمثاله»، قال: «ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه، من الحور العين، فتقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك، قال: فيقول: ما أُعطي أحدٌ مثل ما أعطيت». وأخرج الإمام أحمد في «مسنده» بسند حسن (١٠٥١١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أدنى أهل الجنة منزلة إن له لسبعَ درجات، وهو على السادسة، وفوقه السابعة، وإن له لثلاثَمائة خادم، ويُغْدَى عليه، ويراح كلَّ يوم ثلاثمائة صَحْفة، ولا أعلمه إلا قال: من ذهب، في كل صحفة لون ليس في الأخرى، وإنه ليلذّ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول: يا رب لو أَذِنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم، لم ينقص مما عندي شيء، وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة، سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهنّ ليأخذ مقعدها قدرَ ميل من الأرض». وفيه شهر بن حَوْشَب، وهو حسن الحديث. وسيأتي للمصنّف - ﵀ - قريبًا حديثُ المغيرة بن شعبة - ﵀ - وفيه بيان أدنى أهل الجنّة منزلةً، وأعلاهم، ولفظه: قال: سأل موسى ربّه: ما أدنى أهل الجنة منزلةً؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أُدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب كيف، وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا
مصادر المؤلف (٥٩)

١. «تفسير ابن كثير» ص ٦٣٨.

٢. «الفتح» ١١/ ٤٥٤ «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٧٤).

٣. «الفتح» ١١/ ٤٥٥ «كتاب الرقاق» (٦٥٧٤).

٤. «المفهم» ١/ ٤١٥.

٥. «المفهم» ١/ ٤١٦.

٦. «الفتح» ١١/ ٤٥٧ «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٧٤).

٧. راجع: «مختصر الصواعق المرسلة» ٢/ ١٠٦ - ١٠٧.

٨. راجع: «تأويل المختلف» لابن قتيبة ص ٢٢١، و«السنة» لعبد الله بن أحمد ١/ ٢٦٨ و٢/ ٤٨٠، و«التوحيد» لابن خزيمة ١/ ٨١ - ٩٦ مع التعليق عليه.

٩. «الفتح» ١١/ ٤٥٨ - ٤٦٠ «كتاب الرقاق» (٦٥٧٤).

١٠. ١١/ ٤٦٠.

١١. «المفهم» ١/ ٤١٩.

١٢. «المفهم» ١/ ٤٢٠.

١٣. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٠ - ٢١.

١٤. «شرح النوويّ» ٣/ ٢١.

١٥. «الفتح» ١١/ ٤٦١.

١٦. «شرح النوويّ» ٣/ ٢١.

١٧. راجع: «الفتح» ١١/ ٤٦١.

١٨. ١١/ ٤٦١.

١٩. «المفهم» ١/ ٤٢٠.

٢٠. «المفهم» ١/ ٤٢٠.

٢١. «شرح النوويّ» ٣/ ٢١.

٢٢. من باب تَعِبَ: أي تسقط.

٢٣. «الفتح» ١١/ ٤٦٢ «كتاب الرقاق» (٦٥٧٤).

٢٤. «شرح النوويّ» ٣/ ٢١.

٢٥. «المفهم» ١/ ٤٢٠.

٢٦. «الفتح» ١١/ ٤٦٢ - ٤٦٣.

٢٧. «الفتح» ١١/ ٤٦٤.

٢٨. «الفتح» ١١/ ٤٦٤.

٢٩. هكذا النسخة «عتَقتها» ثلاثيًّا، وهو الموافق للوزن، لكن لم أر من قال من أهل اللغة: إن الثلاثيّ يتعدّى، بل صرّح في «المصباح» (٢/ ٣٩٢) بأنه لا يتعدّى، وإنما المتعدّي «أعتق» رباعيًّا، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

٣٠. «الفتح» ١١/ ٤٦٥.

٣١. «المفهم» ١/ ٤٢١ - ٤٢٢.

٣٢. راجع: «الفتح» ١١/ ٤٦٥ - ٤٦٦.

٣٣. «المفهم» ١/ ٤٢٢.

٣٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٠.

٣٥. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٣.

٣٦. ١١/ ٤٦٦.

٣٧. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٣.

٣٨. «الفتح» ١١/ ٤٦٦.

٣٩. «المفهم» ١/ ٤٢٢.

٤٠. «الفتح» ١١/ ٤٦٧.

٤١. راجع: «شرح ابن عقيل على الخلاصة، مع حاشية الخضريّ» ٢/ ١٢٢ - ١٢٣.

٤٢. «الْكَظَمُ» محرّكةً: الْحَلْقُ، أو الفم، أو مخرج النفَسِ. انتهى. «القاموس» ص ١٠٤١.

٤٣. «الفتح» ١١/ ٤٦٧.

٤٤. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٠٣ - ٨٠٤.

٤٥. هو: أحمد بن داود الدِّينوريّ، كان نحويًّا لغويّا مع الهندسة والحساب، راويةً ثقة، ورعًا زاهدًا، إمامًا في مذهب الكوفيين والبصريين، من مصئفاته «تفسير القرآن»، «الفصاحة»، «لحن العامّة»، «الشعر والشعراء»، «النبات». توفي (٢٨٢ هـ) وقيل غير ذلك. انظر «بغية الوعاة» ١/ ٣٠٦.

٤٦. «شرح النوويّ»٣/ ٢٤.

٤٧. ١١/ ٤٦٨.

٤٨. ١١/ ٤٦٨ «كتاب الرقاق» (٦٥٧٤).

٤٩. «المفهم» ١/ ٤٢٣.

٥٠. وضبطه عياض بفتح الباء، راجع «إكمال المعلم» ٢/ ٨٠٦، وفي «القاموس» ما يفيد جواز الوجهين، راجعه: ص ٣٣٤.

٥١. «المفهم» ١/ ٤٢٣، و«شرح النوويّ» ٣/ ٢٤.

٥٢. راجع: «الفتح» ١١/ ٤٦٩ «كتاب الرقاق» (٦٥٧٤).

٥٣. «الأسماء والصفات» ص ٥٩١ - ٥٩٨.

٥٤. «كتاب التوحيد» ٢/ ٥٦٣ - ٥٨١.

٥٥. «شرح النوويّ» ٣/ ١٥.

٥٦. «المفهم» ١/ ٤١٥ - ٤١٦.

٥٧. راجع: «الفتح» ١١/ ٤٧٠ - ٤٧١ «كتاب الرقاق» رقم الحديث (٦٥٧٤ - ٦٥٧٦).

٥٨. راجع:«الكاشف عن حقائق السنن»١١/ ٣٥٦٠ - ٣٥٦١.

٥٩. سيأتي بعد ستة أحاديث برقم (١٨٩).