HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٨٧

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ إن رسول الله ﷺ قَالَ: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ. فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً وَيَكْبُو مَرَّةً. وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً. فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا. فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ. لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا. فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: يَا ابْنَ آدَمَ! لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: لَا. يَا رَبِّ! وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا. وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ. لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ له عليه. فيدنيه منها. فيستظل بظلها ويشرب مِنْ مَائِهَا. ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا. لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا. وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ. لِأَنَّهُ يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه مِنْهَا. فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا. ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَيَيْنِ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا. لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى. يَا رَبِّ! هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا. فَيُدْنِيهِ مِنْهَا. فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْخِلْنِيهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ! أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ». فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ».
ج ١ ص ١٧٤

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٢٤٠
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) هو: محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا. ٤ - (الْأَعْمَشُ) هو سليمان بن مِهْرَان الإمام المشهور، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدّموا في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وأن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أبا بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، وشرح الحديث يُعلم مما قبله، فلا حاجة إلى إعادته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٧٠] (١٨٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَثنَا ثَابِت، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا، الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْك، لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأوَّلينَ وَالْآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَة، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللهُ - ﷿ -: يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟، فَيَقُولُ: لَا يَا رَبّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِل بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبّ، أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلمْ تُعَاهِدْنِي، أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا، تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلُهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَاب الْجَنَّة، هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْن، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبّ، هَذِه، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّة، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؛ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ «فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلا تَسْأَلُونِّي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:«مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنَي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم) الصفّار البصريّ الحافظ المذكور قبل بابين. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَة) أبو سلمة البصريّ المذكور قبل بابين أيضًا. ٣ - (ثَابِت) بن أسلم البنانيّ البصريّ المذكور قبل بابين أيضًا. ٤ - (أَتس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير مات - ﵁ - سنة (٣٢) أو (٣٩) وقد جاوز مائة (ع) تقدم في«المقدمة» ٢/ ٣. والباقيان تقدّما في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وابن مسعود، فكوفيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم الناس لأنس - ﵁ -، لزمه أربعين سنة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ - ﵄ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ»- ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:«آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً) قال الطيبيّ - ﵀ -: الفاء يجوز أن تكون تفصيليّةَّ، أَبْهَمَ أَوّلًا دَخوله الجنّة، ثم فصّل كيفيّة دخوله فيها ثانيًا، وأن تكون لتعقيب الإخبار، وإن تَقَدَّمَ ما بعدها على ما قبلها في الوجود، فوقعت موقع «ثُمّ» في هذا المعنى، كأنه قيل: أُخبركم عقب هذا القول حاله، فهو يمشي قبل دخوله في الجنّة مرّةً. انتهى . (وَيَكبُو) أي يسقط على وجهه، يقال: كَبَا يَكْبُو كَبْوًا بفتح، فسكون، وكُبُوًّا بضمّتين، وتشديد الواو: انكبّ على وجهه، قاله المجد . ووقع عند أبي عوانة بلفظ: «فينكبّ» (مَرَّةً) أخرى (وَتَسْفَعُهُ النَّارُ) بفتح التاء، وسكون السين المهملة، وفتح الفاء: أي تضرب وجهه، وتُسَوّده، وتؤثّر فيه أَثَرًا، وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «تسفعه النار»: أي تُعلم في وجهه علامةَّ، يقال: سفعتُ الشيءَ: إذا جعلت عليه علامةً، يريد: أثرًا من النار. انتهى. وقال ابن الملك: «تسفعه»: أي تلفحه لفحًا يسيرًا، فيتغيّر لون بشرته، وقيل: أي: تُعلّمه علامة، أي: أثَرَّا مَنها، وفي «القاموس»: «سَفَعَ الشيءَ» كمنعه: أعلمه، ووَسمَهُ، وسَفَعَ السَّمُومُ وجهَهُ: لَفَحَهُ لَفْحًا يسيرًا، قال: ولفحت النار بحرّها: أحرقت. انتهى . (مَرَّةً) أخرى (فَإِذَا مَا) زائدة (جَاوَزَهَما) أي تَعَدّى النار التي آذته بحرّها وسمومها (الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تبَارَكَ) أي تقدّس، وتنزّه، وهي صفة خاصّة بالله تعالى، قاله المجد . وقال القاري: «تبارك»: تعظّم، وتعالى، أو تكاثر خيره. انتهى . (الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ) هذا فَرَحٌ بما أُعطيه من النجاة من سَفْعِ النار (لَقَدْ أَعْطَانِي اللهُ) جواب قسم محذوف: أي والله لقد أعطاني الله (شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) أَقْسَم بالله تعالى من شدّة الفرح أنّ نجاته نعمة ما ظفر بها أحد من العالمين: أي ممن كان على مثل حاله الذين خلّفهم وراءه؛ إذ لم ير أهل الجنّة حتى يعرف أنهم أعطوا أفضل مما أُعطيه بكثير، وقال القاري: ولعلّ وجهه أنه ما رأى أحدًا مشاركًا له في خروجه من النار، ولم يدر أن الأبرار في دار القرار. (فَتُرْفَعُ) بالبناء للمفعول (لَهُ شَجَرَةٌ) أي عندها عين ماء كما يأتي في قوله: «وأشرب من مائها» (فَيَقُولُ: أَيْ) حرف نداء (رَبِّ) تقدّم أن فيه في حالة النداء ستّ لغات (أَدْنِنِي) بقطع الهمزة، أمرٌ من الإدناء رباعيًّا: أي قرّبني (مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة، فَلِأَسْتَظِلَّ) بكسر اللام الأولى، ونصب الفعل كذا في «المرقاة»، وتعقّبه بعض المحقّقين، فقال: ولا يخفى ما فيه، والصواب أن تُسَكّن اللام؛ لكونها للأمر مقرونةً بالفاء، ويُجزَم بها الفعل، وما عُطِف عليه، فإن أمر المتكلّم نفسه بفعل مقرون باللام فصيحٌ، ورد في الكتاب العزيز، والحديث الشريف، قال تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وقال - ﷺ -: «قوموا فلأصلِّ لكم»، متّفقٌ عليه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التعقّب غير صحيح؛ إذ الظاهر أن الرواية بنصب الفعل، وتوجيهه ما ذكره الطيبيّ - ﵀ -، قال: الفاء فيه سببتة، واللام مزيدة للتأكيد، أو عكسه. انتهى . وحاصل ما أشار إليه أن الفعل منصوب بـ «أن» مضمرةً بعد الفاء السببيّة الواقعة بعد الطلب، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضيْنِ «أَنْ» وَسَتْر حَتْمٌ نَصَبْ وعلى هذا فاللام زائدة للتأكيد، أو الفعل منصوب بـ «أن» مضمرةً أيضًا بعد «لام كي»، وعلى هذا فالفاء زائدة للتأكيد، والله تعالى أعلم. (بِظِلِّهَا) أي ظلّ تلك الشجرة (وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللهُ - ﷿ -: يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا) أي مسألتك، أو أُمنيّتك، وقوله: (سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟) جواب الشرط، وهو دالّ على خبر «لعلّ» ، وفي بعض النسخ: «إن أعطيتكها أن تسألني غيرها» (فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ) أي يجعله معذورًا، أي غير ملوم، وهو بفتح أوله، وكسر ثالثه، من العَذْر ثلاثيًّا، أو بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإعذار رباعيًّا، قال الفيّوميّ - ﵀ -: «عَذَرْتُهُ فِيما صَنَعَ عَذْرًا، من باب ضَرَبَ: رَفَعتُ عنه اللَّوْمَ، فهو معذورٌ: أي غير ملوم، والاسم الْعُذْرُ، وتُضَمّ الذال للاتباع، وتُسَكَّن، والجمع أعذار، قال: وأعذرته بالألف لغة، واعتذر: أي طَلَب قبول معذرته، واعتذر عن فعله: أظهر عُذْره. انتهى . (لِأَنَّهُ) أي العبد (يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ) قال النوويّ - ﵀ - ﵀ -: كذا هو في الأصول في المرتين الأُوليين، وأما الثالثة فوقع في أكثر الأصول: «ما لا صبر له عليها»، وفي بعضها: «عليه»، وكلاهما صحيحٌ، ومعنى «عليها» أي نعمةً لا صبر له عليها: أي عنها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: معنى كلام النوويّ - ﵀ - أن «ما» عبارة عن نعمة، و«على» بمعنى «عن»، والله تعالى أعلم. (فَيُدْنِيهِ) أي يقرّبه (مِنْهَا) أي من تلك الشجرة (فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، ويَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ) أي أخرى (هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى) لأن ربّه - ﷾ - أراد له الترقّي من الأدنى إلى الأعلى (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ) وفي نسخة: «يا ربّ» (أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا) قال القاري - ﵀ -: الواو لمطلق الجمع؛ لأن الظاهر أن الاستراحة بظلِّها قبل الشرب من مائها. انتهى . (لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) قال الطيبيّ - ﵀ -: هو حالٌ تنازع فيه «أستظلّ»، و«أشرب» (فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْألَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ) أي الربّ - ﷾ - الَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا، تَسْأَلُنِي) بالرفع: أي تطلب منّي (غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ) أي ثالثة (عِنْدَ بَابِ الْجَنَّة، هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْن، فَيَقُولُ: أَيْ رَب أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ؛ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ) قال الطيبيّ - ﵀ -: منصوب المحلّ بفعل يفسّره ما بعده: أي أسألك هذه، وقوله: (لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، أو مستأنفة (وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ) ولفظ أبي عوانة: «والربّ يعلم أنه سيسأله غيرها» (لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا) وفي بعض النسخ: «عليه»، وقد سبق توجيه الوجهين قريبًا (فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا، فَيَسْمَعُ) وفي نسخة: «فسَمِعَ» (أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أي في مؤانستهم مع أزواجهم، أو في محاورتهم مع أصحابهم، فأراد الاستئناس بهم، أو في غنائهم، فأراد التقرّب ليلتذّ بأنغامهم (فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِيهَا، فيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بفتح الياء، وإسكان الصاد المهملة، ومعناه: يَقْطَع مسألتك مني، قال أهل اللغة: «الصَّرْيُ» بفتح الصاد، وإسكان الراء: هو القطع، ورُوي في غير «صحيح مسلم»: «ما يَصْرِيك مني؟»، قال إبراهيم الحربيّ: هو الصواب، وأنكر الرواية التي في «صحيح مسلم» وغيره: «ما يَصْرِيني منك»، قال النوويّ: وليس هو كما قال، بل كلاهما صحيح، فإن السائل متى انقَطَع من المسؤول انقَطَع المسؤول منه، والمعنى: أَيُّ شيء يُرْضِيك، وَيقْطَع السؤال بيني وبينك؟. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -. وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «ما يصريني منك؟»: أي ما يقطع مسألتك، ويمنعك من سؤالي؟ يقال: صَرَيتُ الشيءَ: إذا قَطعته، وصَرَيتُ الماء، وصَرّيته: إذا جمعته، وحَبَسته، وقال التوربشتيّ - ﵀ -: صَرَى الله عنه شَرّه: إذا رَفَعَه، وصَرَيته: منعته، وصَرَيتُ ما بينهم صَرْيًا: أي فَصَلتُ، يقال: اختصمنا إلى الحاكم، فصَرَى ما بيننا: أي قَطَعَ ما بيننا وفَصَلَ، وحسن أن يقال: ما يفصل بيني وبينك؟. والمعنى هنا: ما الذي يُرضيك حتى تترك مناشدتك؟ فقد أجبتك إلى ما سألت كرّةً بعد كرّة، وأخذتُ ميثاقك أن لا تعود، ولا تسأل غيره، وأنت لا تفي بذلك، فما الذي يَفصِل بيني وبينك في هذه القضيّة؟ ففيه بيان فضل الله العظيم على عباده، وسعة رحمته وكرمه وبرّه ولطفه بهم، حيث يُخاطبهم مخاطبة المستعطف الباعث سائله على الاستزادة، فما أكرم جوده الجسيم، وما أعظم برّه العميم!. (أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ ») ولفظ أبي عوانة:«وأنت ربّ العزّة»، إنما قال هذا لغلبة الفرح والسرور عليه، قال القاضي عياض - ﵀ -: هذا الكلام صادرٌ عنه، وهو غير ضابط لما قال من شدّة السرور ببلوغ ما لم يَخطُر بباله، فلم يضبط لسانه دهشةً وفَرَحًا، وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق، ونحوُهُ ما جاء في حديث التوبة من قول الرجل لَمّا وجد راحلته، وما حملته:«اللهم أنت عبدي، وأنا ربّك»، متّفقٌ عليه. (فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ) - ﵁ - (فَقَالَ: أَلَا) بالتخفيف: أداة تحضيض (تَسْأَلُونِّي) قال القاري - ﵀ -: بتشديد النون، وتخفف. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القاري من الضبط بالوجهين يعتمد على صحة الرواية بهما، فإن صحّت بأحدهما فهو المعتمد، ولم أجد من حقّق الرواية، غير أن النُّسخ مضبوطة بالقلم بالتشديد، والله تعالى أعلم. (مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). قال التوربشتيّ: الضحك من الله تعالى، ومن رسوله - ﷺ -، وإن كانا متّفقين في اللفظ، فإنهما متباينان في المعنى، وذلك أن الضحك من الله - ﷾ - يُحمل على كمال الرضا عن العبد، هارادة الخير ممن يشاء أن يرحمه من عباده. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله التوربشتيّ من معنى ضحك الله - ﷾ - تفسير باللازم، يريد بذلك أن الضحك مجاز، وليس حقيقةً، وهذا غير صحيح، فالحقّ، والصواب أن الضحك ثابت لله - ﷾ - حقيقةً على ما يليق بجلاله، وقد تقدّم البحث مستوفًى، فلا تك من الغافلين، والله تعالى أعلم. وقال البيضاويّ: إنما ضحك رسول الله - ﷺ - استعجابًا، وسرورًا بما رأى من كمال رحمة الله تعالى، ولطفه على عبده المذنب، وكمال الرضا عنه، وأما ضَحِك ابن مسعود - ﵁ - فكان اقتداءً بسنّة رسول الله - ﷺ -؛ لقوله: «هكذا ضحك رسول الله - ﷺ -». انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الصواب في بيان سبب ضحك النبيّ - ﷺ - هو الذي ثبت عنه، لا ما قاله البيضاويّ، فقد صحّ عنه - ﷺ - بيان سببه هنا لَمّا قالوا له: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: «من ضَحِك رب العالمين»، فهل بعد بيانه - ﷺ - بيان؟، هيهات هيهات، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، والله تعالى أعلم. (حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ») ولفظ أبي عوانة:«ولكني على ما أشاء قدير». قال الطيبيّ - ﵀ -: فإن قلت: لم استدركه؟، قلت: عن مقدّر، فإنه تعالى لَمّا قال له:«أيرضيك أن أُعطيك الدنيا، ومثلها معها؟ »، فاستبعده العبد؛ لِمَا رأى أنه ليس أهلًا لذلك، وقال:«أتستهزئ بي؟ «قال - ﷾ - له: نعم كنتَ لست أهلًا له، لكني أجعلك أهلًا له، وأُعطيك ما استبعدته؛ لأني على ما أشاء قادر. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[٨٩/ ٤٧٠] (١٨٧)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ٣٩١ - ٣٩٢ و٤١٠ - ٤١١)، (وأبو يعلى) في«مسنده»(٤٩٨٠
مصادر المؤلف (١٢)

١. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٣٥.

٢. «القاموس المحيط» ص ١١٩٤.

٣. «القاموس المحيط» ص ٢١٨ وص ٦٥٥.

٤. المصدر السابق ص ٨٣٩.

٥. «المرقاة» ٩/ ٥٤٦.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٣٦.

٧. «المرقاة» ٩/ ٥٤٦.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٨.

٩. «شرح النوويّ» ٣/ ٤٢.

١٠. «المرقاة» ٩/ ٥٤٧.

١١. «المرقاة» ٩/ ٥٤٩.

١٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٣٧.