HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩١

حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وإِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ؛ كلاهما عَنْ رَوْحٍ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنِ الْوُرُودِ. فَقَالَ: نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ. قَالَ فَتُدْعَى الأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ. الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ. ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ. فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ. قَالَ فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ. وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ، نُورًا. ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ. وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ. تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ. ثم ينجو المؤمنون. فتنجو أول زمرة وجوهم كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ. سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يُحَاسَبُونَ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَإِ؟؟ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ. ثُمَّ كَذَلِكَ. ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ. وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يخرج من النار من قال: لا إله إِلَّا اللَّهُ. وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً. فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ. وَيَجْعَلُ أهل الجنة يرشون عليم الْمَاءَ حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْءِ فِي السَّيْلِ. وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ. ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدنيا وعشرة أمثالها معها.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص122
ج ١ ص ١٧٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٢٧١
خروجًا من النار، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة، يؤتى برجل، فيقال: سلوه عن صغار ذنوبه، وتُخْفَى كبارها، فيقال له: عَمِلت كذا وكذا، وعملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، فيقال له: إن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: يا رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا»، قال: فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - ضحِكَ حتى بَدَت نواجذه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٧٦] (١٩١) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، كِلَاهُمَا عَنْ رَوْحٍ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يُسْأَلُ عَنِ الْوُرُود، فَقَالَ: «نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ، أَيْ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاس، قَالَ: فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا، وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟، فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ، وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ نُورًا، ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ، وَعَلَى جَسْرِ جَهَنَّمَ كلَالِيبُ، وَحَسَكٌ، تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ، فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْر، سَبْعُونَ أَلْفًا، لَا يُحَاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَأ نَجْمٍ فِي السَّمَاء، ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَشْفَعُونَ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّة، وَيَجْعَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ، حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْءِ فِي السَّيْل، وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ، ثُمَّ يَسْأَلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى الْيَشْكُريّ، أبو قُدَامة السّرَخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في«المقدمة»٦/ ٣٩. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في«الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ) هو: رَوْحُ بن عُبَادة بن العلاء بن حَسّان الْقَيْسِيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيفُ [٩]. رَوَى عن أيمن بن نابل، ومالك، والأوزاعيّ، وابن جريج، وابن عون، وابن أبي ذئب، وحبيب بن الشهيد، وابن أبي عَروبة، وشعبة، وحجاج بن أبي عثمان، وعوف، والسفيانين، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو خيثمة، وأحمد بن حنبل، وأبو قُدَامة السَّرَخْسيّ، وبندار، وابن نُمَير، وأبو موسى، وهارون الحمال، وعبد الله الْمُسْنَديّ، وعلي بن المدينيّ، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن منيع، والْجُوزَجانيّ، والحارث بن أبي أسامة، ومحمد بن يونس الْكُدَيميّ، وبشر بن موسى، وخلق كثير. قال ابن المدينيّ: نظرت لرَوْح بن عُبادة في أكثر من مائة ألف حديث، كتبت منها عشرة آلاف، وقال يعقوب بن شيبة: كان أَحَدَ مَن يَتَحَمّل الْحَمَالات، وكان سَرِيًّا مَرِيًّا كثير الحديث جدًّا، صدوقًا، سمعت علي بن عبد الله يقول: من المحدثين قومٌ لم يزالوا في الحديث، لم يُشْغَلُوا عنه، نَشَأوا، فطلبوا، ثم صَنَّفوا، ثم حدّثوا، منهم: رَوْحُ بن عُبادة، قال: وحدثني محمد بن عُمر، قال: سألت ابن معين عن رَوْح، فقال: ليس به بأس، صدوق، حديثه يدل على صدقه، قال: قلت ليحيى: زَعَمُوا أن يحيى القطان كان يتكلم فيه، فقال: باطلٌ، ما تكلم يحيى القطان فيه بشيء، هو صدوقٌ، قال يعقوب: وسمعت علي ابن المديني، يذكر هذه القصة، فلم أَضبِطها عنه، فحدثني عبد الرحمن بن محمد عنه، قال: كانوا يقولون: إن يحيى بن سعيد كان يتكلم في روح بن عبادة، قال عليّ: فإني لَعِند يحيى بن سعيد يومًا، إِذْ جاءه رَوْح بن عُبادة، فسأله عن شيء من حديث أشعث، فلما قام، قلت ليحيى: تعرفه؟ قال: لا، قلت: هذا رَوْح بن عُبادة، قال: ما زلت أَعْرِفه بطلب الحديث، وبكَتْبِه، قال علي: لقد كان عبد الرحمن يَطْعَن عليه في أحاديث ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، مسائل كانت عنده، قال عليّ: فقَدِمْتُ على مَعْن بن عيسى، فسألته عنها، فقال: هي عند بصريّ لكم، قال عليّ: فأتيتُ ابن مهديّ، فأخبرته، فأحسبه قال: اسْتَحِلَّهُ لي، قال يعقوب بن شيبة: وقال محمد بن عُمر: قال ابن معين: الْقَوَاريريُّ يحدث عن عشرين شيخًا من الكذّابين، ثم يقول: لا أُحَدِّث عن رَوح بن عُبادة، قال يعقوب: وكان عَفّان لا يرضى أمر رَوْح بن عُبادة، قال: فحدثني محمد بن عمر، قال: سمعت عفّان يقول: هو عندي أحسن حديثًا من خالد بن الحارث، وأحسن حديثًا من يزيد بن زُريع، فَلِمَ تركناه؟، يعني: كأنه يَطْعَنُ عليه، فقال له أبو خيثمة: ليس هذا بحجة، كلُّ من تركته أنت ينبغي أن يُتْرَك، أما رَوْحٌ فقد جاز حديثه الشأن فيمن بقي، قال يعقوب: وأحسَب أن عفان لو كان عنده حجة، مما يَسْقُط بها رَوْح بن عُبادة لاحتج بها في ذلك الوقت، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان القواريريّ لا يُحَدِّث عن رَوح، وأكثرُ ما أنكره عليه تسعمائة حديث حَدَّث بها عن مالك سماعًا، وقال: وسمعت الْحُلْوانيّ يقول: أوّلُ من أظهر كتابه رَوح بن عُبادة، وأبو أسامة، يريد أنهما رَوَيا ما خولفا فيه، فأَظْهَرا كتبهما حجةً لهما؛ إذ روايتهما موافقةٌ لما في كُتبهما، وقال أبو مسعود الرازيّ: طُعِن على رَوْح بن عبادة ثلاثة عشر، أو اثنا عشر، فلم يَنْفُذ قولهم فيه، وقال الخطيب: كان كثير الحديث، وصَنَّفَ الكتب في السنن والأحكام، وجمع التفسير، وكان ثقةً، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: روحٌ، والْخَفّاف، وأبو زيد النحويّ، أيهم أحب إليك في ابن أبي عروبة؟ فقال: روح، وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: صدوقٌ ثقةٌ، وذكره أبو عاصم، فأثنى عليه، وقال: كان ابن جريج يَخُصّه كلَّ يوم بشيء من الحديث، وقال رَوْح: سمعت عن سعيد قبل الاختلاط، ثم غِبْتُ، وقَدِمُت، فقيل: إنه اختلط، وقال الدارميّ، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو بكر البزار في «مسنده»: ثقةٌ مأمونٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً إن شاء الله، وقال ابن عَمّار: جئت إلى ابن مهديّ، فقيل له: كَتبتَ عن روح، عن شعبة، عن أبي الفيض، عن معاوية، حديث: «مَن كذب عليّ»، فقال: أخطأ، وتكلم في روح، ثم قال: حدّثنا شعبة، عن رجل، عن أبي الفيض، وقال أبو خيثمة: لم أسمع في روح شيئًا أشدّ عندي من شيء دَفَعَ إليّ محمد بن إسماعيل صاحبنا كتابًا بخطه، فكان فيه: حدثنا عفّان، ثنا غلام من أصحاب الحديث، يقال له: عُمارة الصيرفيّ، أنه كان يكتب عن رَوْح بن عبادة، وعلي بن المدينيّ، فحدّثهم بشيء عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، فقال له: هذا عن الحكم، فقال روح لعليّ: ما تقول؟ فقال: صدق، هو عن الحكم، فقال: فأخذ القلم، فَمَحَى منصورًا، وكَتَبَ الحكم، قال عفان: فسألت عليًّا عن حكاية عمارة، فصدّقه، وقال أبو زيد الهرويّ: كنا عند شعبة، فسأله رجل عن حديث، وكانت في الرجل عَجَلَة، فقال شعبة: لا والله، حتى تلزمني كما لزمني هذا لروح، وهو بين يديه، وقال محمد بن يحيى: قرأ روح على مالك، فَبَيَّن السماع من القراءة، وقال الغلابيّ: سمعت خالد بن الحارث ذَكَرَه بجميل، وقال أبو داود، عن أحمد: لم يكن به بأس، ولم يكن مُتَّهَمًا بشيء، وكان قد جَرَى ذكر روح وأبي عاصم، فقال: كان روح يُخْرِج الكتاب، وقال الخليليّ: ثقةٌ أكثرَ عن مالك، وروى عنه الأئمة. قال خليفة وغيره: مات سنة (٢٠٥)، وقال محمد بن يونس الْكُدَيميّ: مات سنة (٢٠٧)، والأول أصحّ. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الحافظ المزيّ - ﵀ - ، فتعقّبه الحافظ، فقال: الْكُدَيميّ هو ابن امرأة روح، فقوله راجح، وقد وافقه عليه يعقوب بن سفيان في «تاريخه»، ولكن جَزَم بسنة خمس البخاريّ، وابن المثنى، وابن حبان أيضًا . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثًا. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وَأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه يدلّس، ويرسلُ [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوق، يدلّس [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٩. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عَمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بالمدينة بعد السبعين، وقد جاوز (٩٤) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفناه آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، من ابن جريج، وقد سكن جابر - ﵁ - مكة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن جابرًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن أبي الزبير المكيّ - ﵀ - (أَنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول، أي يسأله بعض الناس (عَنِ الْوُرُودِ) أي ورود الأمم النار، كما بيّنه الله - ﷿ - في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١] (فَقَالَ: نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَنْ كَذَا وَكَذَا انْظُرْ، أَيْ ذَلِكَ فوْقَ الناسِ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا وقع هذا اللفظ في جميع الأصول من «صحيح مسلم»، واتَّفق المتقدمون والمتأخرون على أنه تصحيفٌ، وتغييرٌ، واختلاط في اللفظ، قال الحافظ عبد الحقّ في كتابه «الجمع بين الصحيحين»: هذا الذي وقع في كتاب مسلم تخليط من أحد الناسخين، أو كيف كان، وقال القاضي عياض: هذه صورة الحديث في جميع النسخ، وفيه تغييرٌ كثيرٌ وتصحيفٌ، قال: وصوابه: «نَجيء يوم القيامة على كُوم»، هكذا رواه بعض أهل الحديث، وفي كتاب ابن أبي خيثمة، من طريق كعب بن مالك: «يُحْشَرُ الناس يوم القيامة على تَلٍّ، وأمتي على تَلّ»، وذكر الطبريّ في «التفسير» من حديث ابن عمر: «فَيَرْقَى هو - يعني: محمدًا - ﷺ - وأمته على كُوم فوق الناس»، وذكر من حديث كعب بن مالك: «يُحشَر الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تَلّ». قال القاضي: فهذا كله يُبَيِّن ما تَغَيَّر من الحديث، وأنه كان أظلم هذا الحرف على الراوي، أو امَّحَى، فعَبَّر عنه بكذا وكذا، وفسره بقوله: أي فوق الناس، وكَتَبَ عليه «انظر» تنبيهًا، فجمع النَّقَلَةُ الكلَّ، ونَسَّقُوه على أنه من متن الحديث، كما تراه. هذا كلام القاضي، وقد تابعه عليه جماعة من المتأخرين، والله تعالى أعلم. قال القاضي: ثم إن هذا الحديث جاء كلُّه من كلام جابر موقوفًا عليه، هذا من شرط مسلم؛ إذ ليس فيه ذكر النبيّ - ﷺ -، وإنما ذَكَره مسلم، وأدخله في المسند؛ لأنه رُوِيَ مسندًا من غير هذا الطريق، فذكر ابن أبي خيثمة، عن ابن جريج، يرفعه بعد قوله: «يَضحك»، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «فَيَنطلق بهم»، وقد نَبَّهَ على هذا مسلم بعد هذا في حديث ابن أبي شيبة وغيره، في الشفاعة، وإخراج من يخرج من النار، وذكر إسناده، وسماعه من النبيّ - ﷺ - بمعنى بعض ما في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث جابر - ﵁ - هذا اختلف الرواة فيه على ابن جريج، في الرفع والوقف، والأكثرون على وقفه، فقد رواه عنه موقوفًا روح عند المصنّف، وأبو عاصم عند ابن منده، وحجاج بن محمد عنده أيضًا، ورواه عنه مرفوعًا روح بن عبادة، رواه عنه الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده» (٣/ ٣٨٣)، ورواه أيضًا ابن لهيعة عنده (٣٤٥) فقد رواه أحمد عن موسى بن داود، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، أنه سأل جابرًا - ﵁ - عن الورود، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «نحن يوم القيامة على كُوم فوق الناس، فيُدعى بالأمم بأوثانها …» الحديث. فتبيّن بهذا أن الأرجح فيه الوقف؛ لأن الذي رفعه من الثقات روح فقط، على خلاف فيه، وأما ابن لَهِيعة فضعيفٌ، لكن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يُقال بالرأي، ولم يشتهر جابر في الرواية عن أهل الكتاب، فلهذا أورده المصنّف - ﵀ - هنا، على أن جابرًا - ﵁ - صرّح بسماع بعضه من النبيّ - ﷺ - في رواية عمرو بن دينار التالية، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَالَ: فتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا) أي مع أوثانها التي كانت تعبدها، وهو بفتح الهمزة: جمع وَثَن بفتحتين، وهو الصنم، سواء كان من خشب، أو حجر، أو غيره، ويُجمع أيضًا على وُثُن بضمّتين، مثلُ أَسَد وأُسُد، ويُنسب إليه من يتديَّن بعبادته على لفظه، فيقال: رجلٌ وَثَنيّ، وقوم وَثَنيّون، وامرأةٌ وَثنيّة، ونساء وثنيّات ، وقوله: (وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ) من عطف العامّ على الخاصّ، وقوله: (الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ) بالرفع بدل من «الأمم»، و«أل» بدل من المضاف إليه، أي يُدعى أوّلها، ثم الذي يليه، وهكذا (ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ) تقدّم بيان معنى إتيان الله تعالى، ومجيئه، وأن ذلك من صفات فعله، كالنزول، والاستواء، فهو ثابت له - ﷾ -، على ما يليق بجلاله، فلا وجه لتأويله كما يفعل الشرّاح، فتنبّه لذلك، فإنه من مزالّ الأقدام (فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟) «من» استفهاميّة، و«تنظرون» بمعنى تنتظرون (فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ) قال النوويّ: تَقَدَّم قريبًا معنى الضحك، وأما التجلّي فهو الظهور، وإزالة المانع من الرؤية، ومعنى «يتجلى يضحك»: أي يظهر، وهو راض عنهم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت آنفًا أن هذا تأويل غير صحيح، بل الصواب أن الضحك ثابت لله تعالى على الحقيقة كما يليق بجلاله - ﷾ -، وأما الرضا فإنه من لوازم الضحك، وليس هو معنى الضحك، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ، وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ) بالجرّ على البدل لـ «إنسان»، (نُورًا) مفعول ثان لـ «يُعْطَى». أما المؤمن فإنه يُعطى على مقتضى الوعد السابق، كما وعدهم الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ الآية [الحديد: ١٩]، وبقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾ [الحديد: ٢٨]، وغير ذلك من الآيات. وأما المنافق، فإظهارًا لمخادعته المؤمنين بإظهار إيمانه، فيُعطى نورًا، ثم يُطفأ ذلك النور، في وقت تشتدّ إليه حاجتهم، فيطلبون من المؤمنين أن يقتبسوا منهم النور، فيردّون عليهم أشدّ الردّ، كما بيّن الله - ﷿ - ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ [الحديد: ١٣ - ١٤]. (ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ) أي يتّبعون توجيهه - ﷾ - (وَعَلَى جَسْرِ جَهَنَّمَ) «الْجِسْرُ»: بفتح الجيم، وكسرها: ما يُعْبَرُ عليه، مَبْنيًّا كان أو غير مبنيّ، جمعه جُسُور . (كَلَالِيبُ) بالفتح: كَلُّوب، أو كُلّاب بالضمّ، ويُسمّى الْمِهْمَاز، وهي حديدة معطوفةٌ، كالْخُطّاف، وفي «التهذيب»: الْكُلّاب، والْكَلّوب: خشبة في رأسها عُقّافة منها، أو من حديد كالْكُلّاب (وَحَسَك) بفتحتين: جمع حَسَكَة: وهي شوكة صُلْبةٌ معروفة، قاله ابن الأثير . (تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ) قال النوويّ - ﵀ -: رُوي بفتح الياء وضمها، وهما صحيحان، معناهما ظاهر. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: وجه الفتح أنه مضارع طَفِئ، يقال: طَفِئت النار تَطْفَأُ بالهمزة، من باب تَعِبَ طُفُوءًا على فُعُول: خَمَدَتْ ، وأما وجه الضمّ، فعلى أنه مضارع أُطفِئ رباعيًّا، مغيّر الصيغة، فرفع «نورُ» على الأول على الفاعليّة، وعلى الثاني على أنه نائب فاعل، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ يَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في كثير من الأصول، وفي أكثرها «المؤمنين» بالياء. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن نسخة «المؤمنين» تكون مع لفظة «يُنْجِي»، فيكون الفاعل ضميرًا يعود إلى الله تعالى، و«المؤمنين» منصوب على المفعوليّة، والله تعالى أعلم. (فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ) بضمّ، فسكون: أي جماعة، قال المجد - ﵀ -: «الزُّمْرَة» بالضمّ: الفَوْجُ، والجماعة في تفرقة، جمعه: زُمَر. انتهى ، وقوله: (وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) جملة في محلّ نصب على الحال من «أوّل»، وإن كان نكرةً؛ لتخصّصه بالإضافة، كما قال في «الخلاصة»: وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ مِنْ بَعْدِ نَفْي أَوْ مُضَاهِيهِ كَـ «لَا … يَبْغِي امْرُؤ عَلَى امْرِئٍ مُسْتَسْهِلَا» وأما «القفر»، فقال الأزهريّ - ﵀ -: يُسمّى القمرُ لليلتين من أول الشهر هلالًا، وفي ليلة ستّ وعشرين، وسبع وعشرين أيضًا هلالًا، وما بين ذلك يُسمّى قَمَرًا، وقال الفارابيّ، وتبعه في «الصِّحاح»: الهلال لثلاث ليالٍ من أول الشهر، ثم هو قمرٌ بعد ذلك، وقيل: الهلال: هو الشهر بعينه، وسُمّي القمر به؛ لبياضه، يقال: ليلةٌ مُقْمِرَةٌ: أي بيضاء، وحِمَارٌ أقمرُ: أي أبيض، ذكره الفيّوميّ . وأما «البدر»: فهو القمر ليلة كماله، وهو في الأصل مصدرٌ، يقال: بَدَر القمر بَدْرًا، من باب قتل، قاله الفيّوميّ، وقال ابن منظور: «البدرُ»: القمر إذا امتلأ، وإنما سُمي بدرًا؛ لأنه يبادر بالغروب طلوع الشمس، وفي «الْمُحْكم»: لأنه يبادر بطلوعه غروب الشمس؛ لأنهما يتراقبان في الأفق صُبْحًا، وقال الجوهريّ: سُمّي بَدْرًا؛ لمبادرته الشمس بالطلوع، كأنه يُعَجِّلها المغيب، وسُمِّي بدرًا؛ لتمامه، وسُمّيت ليلة البدر؛ لتمام قمرها. انتهى . (سَبْعُونَ أَلْفًا، لَا يُحَاسَبُونَ) بالبناء للمفعول: أي ليس عليهم محاسبة على أعمالهم؛ لرفعة قدرهم عند الله - ﷾ -، فأعمالهم كلّها صالحة، مقبولة، لا تحتاج إلى المحاسبة عليها (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضوَأ نَجْمٍ فِي السَّمَاء، ثُمَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ) بكسر الحاء، من باب ضرب: وهو ضدّ تحرُم، أي تباح، ويَأذن الله تعالى بها، ويحتمل أن يكون من حلّ الدين يَحِلُّ بالكسر أيضًا: إذا ثبت، ووجب: أي تثبت، وتحقّق (وَيَشْفَعُونَ) الضمير للشفعاء، وهم: الأنبياء، والملائكة، والمؤمنون، كما بُيّن في الروايات الأخرى (حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ) بالبناء للمفعول، و«حتى» يحتمل أن تكون بمعنى «كي» التعليليّة، فينتصب الفعل بعدها بـ «أن» مضمرة بعدها، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ويحتمل أن تكون ابتدائيّة، فيرتفع الفعل بعدها، كما في قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤] في قراءة نافع بالرفع، وكقول الشاعر [من الكامل]: يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ … لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ وكقوله [من الطويل]: سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلُّ مَطِيَّهُمْ … وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً) واحدة الشعير، قال الفيّومي - ﵀ -: «الشَّعِير»: حَبٌّ معروفٌ، قال الزجّاج: وأهل نجد يؤنّثونه، وغيرهم يذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. انتهى . (فَيُجْعَلُونَ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ) بكسر الفاء، وتخفيف النون، مثلُ كتاب: الْوَصِيد، وهو سَعَةٌ أَمَام البيت، وقيل: ما امتدّ من جوانبه ، (وَيَجْعَلُ) بفتح أوله مبنيًّا للفاعل (أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه: أي يصبّون (عَلَيْهِمُ الْمَاءَ، حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيْءِ فِي السَّيْلِ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع الأصول ببلادنا «نَبَاتَ الشيء»، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين، وعن بعض رواة مسلم: «نَبَاتَ الدِّمْنِ» يعني: بكسر الدال، وإسكان الميم، وهذه الرواية هي الموجودة في «الجمع بين الصحيحين» لعبد الحقّ، وكلاهما صحيح، لكن الأول هو المشهور الظاهر، وهو بمعنى الروايات السابقة: «نَبَاتَ الْحِبَّة في حَمِيل السيل»، وأما «نَبَاتُ الدّمْن»: فمعناها أيضًا كذلك، فإن الدِّمْن: الْبَعْرُ، والتقدير: نباتَ ذي الدِّمْن في السيل، أي كما يَنْبُت الشيء الحاصل في الْبَعْر والْغُثَاء الموجود في أطراف النهر، والمراد التشبيه به في السرعة والنَّضَارة، وقد أشار صاحب «المطالع» إلى تصحيح هذه الرواية، ولكن لم يُنَقّح الكلام في تحقيقها، بل قال: عندي أنها رواية صحيحة، ومعناه: سُرْعة نبات الدِّمْن، مع ضعف ما يَنْبُت فيه، وحُسْن مَنْظَره، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . (وَيَذْهَبُ حُرَاقُهُ) بضم الحاء المهملة، وتخفيف الراء، وضميره يعود على الْمُخْرَج من النار، ومعنى حُرَاقه: أَثَرَ النار. (ثُمَّ يَسْأَلُ) الضمير للمخرَج أيضًا: أي يسأل الله - ﷾ - أن يُعطيه من نعيم الجنّة ما تهواه نفسه، وتتمنّاه (حَتَّى تُجْعَلَ) بالبناء للمفعول (لَهُ الدُّنْيَا، وَعَشَرَة أَمْثَالِهَا مَعَهَا») وقد تقدّم في الأحاديث الماضية أنه يقال ذلك بعد أن يتمنّى، ويتمنّى، حتى تنقطع به الأمانيّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[٩٠/ ٤٧٦] (١٩١)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٣٤٥ و٣٨٣)، و(عبد الله بن أحمد) في«السنّة»(٢٦٩ و٢٧٠)، و(ابن منده) في«الإيمان»(٨٥٠)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣٦٣ و٣٦٤)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٤٧٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٧٧] (…) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِأُذُنِهِ ، يَقُولُ:«إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ نَاسًا مِنَ النَّار، فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عمرو) بن دينار الأثرم مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في«الإيمان»٢١/ ١٨٤. والباقون تقدّموا قريبًا. ومن لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو أعلى ما - وقع له من الأسانيد، كما تقدّم غير مرّة، وهو (١٨) من رباعيات الكتاب، وأن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أهل مكّة، كما قال السيوطيّ - ﵀ - في«ألفيّة الحديث»: لِمَكَّةٍ سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو وَذَا … عَنْ جَابِرٍ وَللْمَدِينَةِ خُذَا ابْنَ أَبِي حَكِيمِ عَنْ عَبِيدَةِ … الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ وقوله: (إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ نَاسًا مِنَ النَّارِ) أي بالشفاعة، كما تفسّره الرواية التالية، وتمام شرح الحديث يأتي في الحديث رقم [٤٨٠]- إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: هذا الحديث عدّه بعضهم في أفراد المصنّف - ﵀ -، وليس كذلك، فقد أخرجه البخاريّ أيضًا، كما أوضحته في التخريج، غاية ما هنالك أن الراوي عن عمرو بن دينار اختلف، فقد أخرجه البخاريّ من رواية حماد بن زيد، عن عمرو، وهي الرواية الآتية للمصنّف بعد هذا، وأخرجه المصنّف هنا من رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو، وهذا لا يُؤدّي إلى دعوى انفراد المصنّف فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٩٠/ ٤٧٧ و٤٧٨ و٤٧٩]، و(البخاريّ) في «الرقاق» (٦٥٥٨)، وفي «الأدب المفرد» (٨١٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١٧٠٣ و١٨٠٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٢٤٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٤٥ و٣٨١ و٣٨٣)، و(عبد الله بن أحمد) في «السنّة» (٢٦٩ و٢٧٠)، و(ابن أبي عاصم) في «السنّة» (٨٣٩ و٨٤٠ و٨٤١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٨٣١ و١٩٧٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٤٨٣)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٨٥٠)، و(الآجريّ) في «الشريعة» (٣٤٤)، و(الفسويّ) في «التاريخ» (٢/ ٢١٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٧٨] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ»؟ قَالَ : نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة أيضًا: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ) هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ الزَّهْرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. والباقيان تكلّمنا عنهما في السند الماضي، وهذا السند هو (١٩) من رباعيات الكتاب. وقوله: (قال: نعم) أي سمعته يقول ذلك، وأخرجه البخاريّ أطول مما هنا في «كتاب الرقاق» من «صحيحه»، فقال: (٦٥٥٨) حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد، عن عمرو، عن جابر - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: «يخرج من النار بالشفاعة، كأنهم الثَّعَارِير»، قلت: ما الثَّعَارير؟ قال: الضَّغَابيسُ، وكان قد سَقَطَ فمه، فقلت لعمرو بن دينار: أبا محمد، سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «يَخْرُج بالشفاعة من النار»؟ قال: نعم. انتهى. قوله: «يَخْرُج من النار بالشفاعة» كذا للأكثر، من رواة البخاريّ بحذف الفاعل، وثبت في رواية أبي ذرّ، عن السرخسيّ، عن الْفَرَبْريّ: «يَخْرُج قومٌ»، وكذا للبيهقي في «البعث» من طريق يعقوب بن سفيان، عن أبي النعمان، شيخ البخاريّ فيه، وكذا لمسلم، عن أبي الربيع الزهرانيّ، عن حماد بن زيد - يعني: هذه الرواية - ولفظه: «إن الله يُخرج قومًا من النار بالشفاعة»، وله من رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو، سمع جابرًا - يعني الرواية الماضية - مثله، لكن قال: «ناسٌ من النار، فيدخلهم الجنة»، وعند سعيد بن منصور، وابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو، فيه سند آخرُ أخرجاه، من رواية عمرو، عن عُبيد بن عُمير، فذكره مرسلًا، وزاد: «فقال له رجل - يعني لعُبيد بن عُمير - وكان الرجلُ يُتَّهَم برأي الخوارج، ويقال له: هارونُ أبو موسى: يا أبا عاصم، ما هذا الذي تُحَدِّث به؟ فقال: إليك عَنّي، لو لم أسمعه من ثلاثين، من أصحاب محمد - ﷺ -، لم أُحَدِّث به» . وقوله: «كأنهم الثعارير» - بمثلثة مفتوحة، ثم مهملة - واحدها ثُعْرُور، كعُصْفُور. وقوله: «قال: الضغابيس» - بمعجمتين، ثم موحدة، بعدها مهملة - أما الثعارير: فقال ابن الأعرابيّ: هي قِثّاءٌ صِغَارٌ، وقال أبو عبيدة مثله، وزاد: ويقال: بالشين المعجمة، بدل المثلثة، وكأن هذا هو السبب في قول الراوي: «وكان عمرو ذهب فمه»: أي سقطت أسنانه، فنطق بها ثاء مثلثة، وهي شين معجمة، وقيل: هو نبت في أصول الثُّمَام، كالقطن، ينبت في الرَّمْل، ينبسط عليه، ولا يطول، ووقع تشبيههم بالطَّرَاثيث، في حديث حذيفة - ﵁ -، وهي بالمهملة، ثم المثلثة، هي: الثُّمَام بضم المثلثة، وتخفيف الميم، وقيل: الثُّعْرُور: الأَقِطُ الرَّطْب، وأغرب القابسيّ، فقال: هو الصَّدف الذي يَخْرُج من البحر، فيه الجوهر، وكأنه أخذه من قوله في الرواية الأخرى: «كأنهم اللؤلؤ»، ولا حجة فيه؛ لأن ألفاظ التشبيه تختلف، والمقصود الوصف بالبياض والدّقّة. وأما الضغابيس: فقال الأصمعيّ: شيء يَنْبُت في أصول الثُّمام، يُشْبِه الْهِلْيَوْن ، يُسْلَقُ، ثم يؤكل بالزيت والخلّ، وقيل: ينبت في أصول الشجر، وفي الإذخِر، يَخرُج قدر شبر في دِقّة الأصابع، لا وَرَقَ له، وفيه حُمُوضة. وفي «غريب الحديث» للحربي: الضّغْبُوس: شجرةٌ على طول الأصبع، وشُبِّه به الرجل الضعيف، وأغرب الداوديّ، فقال: هي طيور صغار، فوق الذباب، ولا مُستند له فيما قال. [تنبيه]: هذا التشبيه لصفتهم بعد أن يَنْبُتوا، وأما في أول خروجهم من النار، فإنهم يكونون كالفحم، كما تقدّم في حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، بلفظ: «فيخرجون منها حُمَمًا، قد امتَحَشُوا». وقوله: «فقلت لعمرو» القائل: حماد، وعمرو هو ابن دينار، وأراد به الاستثبات في سماعه له من جابر - ﵁ -، وسماع جابر له، ولعل سبب ذلك رواية عمرو له عن عُبيد بن عُمَير مرسلًا، وقد حَدَّث سفيان بن عيينة بالطريقين، كما سبق التنبيه عليه، أفاده في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٧٩] (…) - (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثنَا قَيْسُ بْنُ سُلَيْمٍ الْعَنبرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَني يَزِيدُ الْفَقِيرُ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنَ النَّار، يَحْتَرِقُونَ فِيهَا، إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٢ - (أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) هو: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمَر بن درهم الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أنه قد يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٤. ٣ - (قَيْسُ بْنُ سُلَيْمٍ الْعَنْبَرِيُّ) التميميّ الكوفيّ، ثقة [٧]. رَوَى عن علقمة بنَ وائل بن حُجْر، ويزيد بن صُهَيب الفَقِير، وعُمير بن سعيد، وأبي بكر بن حفص الزهريّ، والضحاك بن مُزاحِم، وجَوّاب التيميّ. ورَوَى عنه ابن المبارك، وأبو أحمد الزُّبيريّ، وعبيد الله بن موسى، والعلاء بن بَدْر، وأبو نعيم، وقبيصة، قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: ما رَفَع رأسه للسماء تعظيمًا لله. أخرج له البخاريّ في «جزء رفع اليدين»، والمصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط، والنسائي حديثًا واحدًا في الصلاة. ٤ - (يَزِيدُ الْفَقِيرُ) هو: يزيد بن صُهَيب الفقير - بفتح الفاء وكسر القاف - قيل له ذلك؛ لأنه كان يشكو فَقَار ظهره ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن جابر، وأبي سعيد، وابن عمر. وروى عنه سَيّار أبو الحكم، والحَكَم بن عُتيبة، وقيس بن سُليم، وبَسّام الصيرفيّ، ومِسْعَر، والمسعوديّ، وأبو حنيفة، ومحمد بن أبي أيوب الثقفيّ، والأعمش، وجعفر بن بُرْقان، وآخرون. قال ابن سعد: تَحَوَّل من الكوفة، فنزل مكة، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم، وابن خِرَاش: صدوقٌ، زاد ابن خِرَاش: جليلٌ عزيز الحديث، وقال أبو زرعة أيضًا: يُكتَب حديثه، وقال غيره: كان يشكو فَقَار ظهره، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٩١) وأعاده بعده، وحديث (٥٢١): «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنّ أحد قبلي …». وقوله: (إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ) جمع دَارَةٍ، وهي ما يُحيط بالوجه من جوانبه، ومعناه: أن النار لا تأكل دارة الوجه؛ لكونها محل السجود، ووقع هنا إلا دارات الوجوه، وسبق في الأحاديث السابقة: «إلا مواضع السجود»، وقد سبق هناك الجمع بينهما، فلتراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ») هكذا هو في الأصول«حتى يدخلون»بالنون، وهو صحيح، وهي لغة، وذلك على اعتبار استحضار الصورة المستقبلة؛ لأن شرط رفع المضارع بعد«حتى»أن يكون حالًا حقيقةً، أو تقديرًا، كما أشار ابن مالك ﵀ إليه في«الخلاصة»، حيث قال: وَتلْوَ«حَتَّى» حَالًا أوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا وتمام شرح الحديث، ومسائله تأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٨٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَقِيرُ، قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارج، فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ، ذَوِي عَدَدٍ، نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاس، قَالَ: فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَة، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله، يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَالِسٌ إِلَى سَارِيةٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ الله، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟ وَاللهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وَ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أتقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ ﵇؟، يَعْنِي: الَّذِي يَبْعَثُهُ اللهُ فِيه، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - المَحْمُودُ، الَّذِي يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ، قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ الصِّرَاط، وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْه، قَالَ: وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ، قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ، أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّار، بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا، قَالَ: يَعْنِي: فَيَخْرُجُونَ، كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِم، قَالَ: فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّة، فَيَغْتَسِلُونَ فِيه، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ، فَرَجَعْنَا، قُلْنَا : وَيْحَكُمْ، أَتُرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ فَرَجَعْنَا، فَلَا وَاللهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) هو: أبو نعيم، ودُكين لقب أبيه، واسمه: عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول الْمُلائيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩١. ٢ - (أَبُو عَاصِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) الثقفيّ الكوفيّ، وكان بعضهم يقول فيه: محمد بن أيوب، فيُخطئ، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن يزيد الفقير، وعامر الشعبيّ، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن الْمُزَنيّ، ومحمد بن عبد الله بن قارب الثقفيّ، وقيس بن مسلم الْجَدَليّ، وأبي عَوْن الثقفيّ، وهلال الوزان، وأبي صادق، والقاسم بق عبد الرحمن الشاميّ. ورَوَى عنه وكيع، وعبد الله بن إدريس، وطلحة بن يحيى الزُّرَقيّ، وخلاد بن يحيى، وأبو نعيم. قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، ويعقوب بن سفيان: ثقة، وقال أبو حاتم: صالحٌ، كان خلاد بن يحيى يَغْلَط في اسم أبيه، يقول: ثنا محمد بن أيوب، وإنما هو ابن أبي أيوب. تفرّد به المصنّف، وليس له عنده إلا هذا الحديث فقط. والباقون تقدّموا في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه فبغداديّ، وجابر - ﵁ -، فمكيّ. ٣ - (ومنها): أن جابرًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، كما سبق قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عن يَزِيدَ الْفَقِيرِ) بوزن عظيم، تقدّم أنه لُقّب بهذا لأنه كان يشكو فَقَار ظهره، لا أنه ضدّ الغنيّ، أنه (قَالَ: كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي) هكذا هو في الأصول والروايات: «شَغَفَنِي» بالغين المعجمة، ومعناه: لَصِقَ بشَغَاف قلبي، وهو غِلافه، وقيل: سُويداؤه، قال الله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠]، ورُوِي أيضًا بالعين المهملة، وهو بمعناه، وقد قُرئ أيضًا: «شَعَفَها»، وحقيقة معناه: بَرَحَ بها، وقيل: معناه أخذ قلبها حبّه من أعلاه، وشَعَفُ كلّ شيء أعلاه، وقيل: بلغ دخل قلبها، قاله القاضي عياض ﵀ . (رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ) سُمّوا بذلك؛ لخروجهم على الناس، أو لخروجهم عن طاعة الإمام، أَو لخروجهم عن مذهب أهل السنّة والجماعة، ورأيهم: هو أن أصحاب الكبائر يُخَلَّدون في النار، ولا يخرج منها أحدٌ ممن دخلها، وهو مذهبٌ باطلٌ؛ منابذ لنصوص الكتاب والسنّة، ومخالف لمذهب أهل السنّة والجماعة (فَخَرَجْنَا) أي من الكوفة (فِي عِصَابَةٍ) بكسر العين المهملة، هو في الأصل من الرجال والخيل والطير ما بين العشرة إلى الأربعين، كالْعُصْب بضمّ، فسكون ، يعني أنهوا من بلادهم وهم جماعة كثيرة، كما وصفهم بقوله: (ذَوِي عَدَدٍ) أي أصحاب عدد كثير (نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ) بضم الحاء، من باب نصر (ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ) أي نقوم فيهم، مُظهِرين مذهب الخوارج، داعين إليه، وحاثّين عليه (قَالَ) يزيد (فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ) النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة، وأتمّ التسليم (فَإِذَا) هي الفُجائيّة (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ -، وهو مبتدأ خبره جملة (يُحَدِّثُ الْقَوْمَ) وقوله: (جَالِسٌ) خبر خبر (إِلَى سَارَيةٍ) أي أُسْطُوانة، وجمعها سَوَارٍ، مثلُ جارية وجَوَارٍ (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) متعلّق بـ «يُحدِّث» (قَالَ) يزيد (فَإِذَا هُوَ) أي جابر - ﵁ - (قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ) أي أصحاب جهنّم الذين دخلوا فيها بسبب ذنوبهم (قَالَ) يزيد (فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ) - ﷺ - (مَا) استفهاميّة، أي أيُّ شيء (هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟) بضمّ أوله، وكسر الدال المشدّدة، من التحديث، وفيه حُذف العائد، أي به (وَاللهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾) أي أذللته، وأهنته (وَ) يقول أيضًا (﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾) يعني الآيتين تدلّان على أن من أُدخل النار لا يخرج منها أبدًا، وأراد يزيد بذلك الاحتجاج على جابر - ﵁ - في إثباته الشفاعة. وقد اتّفق لجابر - ﵁ - مثل هذا مع طلق بن حبيب، فقد أخرج الإمام أحمد ﵀ في «مسنده» بسنده عن طلق بن حبيب، قال: كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كلَّ آية ذكرها الله ﷿، فيها خلود أهل النار، فقال: يا طلق أَتُرَاك أقرأ لكتاب الله مني؟، وأعلم بسنة رسول الله - ﷺ -؟، فاتَّضَعْتُ له، فقلت: لا والله بل أنت أقرأ لكتاب الله مني، وأعلم بسنته مني، قال: فإن الذي قرأتَ أهلُها هم المشركون، ولكن قوم أصابوا ذنوبًا، فعُذِّبوا بها، ثم أُخْرِجوا، صُمَّتَا - وأهوى بيديه إلى أذنيه - إن لم أكن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يَخْرُجون من النار»، ونحن نقرأ ما تقرأ. انتهى . وأخرج ابن حبان في «صحيحه» بسند صحيح، عن عمرو بن دينار، يقول: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: بأذنيّ هاتين، وأشار بيده إلى أذنيه، يُخْرِج الله قومًا من النار، فيدخلهم الجنة، فقال له رجل في حديث عمرو: إنّ الله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ الآية [المائدة: ٣٧]، فقال جابر بن عبد الله: إنكم تجعلون الخاصّ عامًا، هذه للكفار، اقرؤوا ما قبلها، ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٦، ٣٧] هذه للكفّار . (فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟) أي فأيُّ شيء حديثكم هذا في الشفاعة؟ المنافية - في زعمهم - لما دلّت عليه الآيتان (قَالَ) يزيد (فَقَالَ) جابر - ﵁ - (أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ ﵇؟، يَعْنِي) به المقام (الَّذِي يَبْعَثُهُ اللهُ فِيهِ) حيث وعده ووعده الحقّ بقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) جابر - ﵁ - (فَإِنَّهُ) أي ذلك المقام (مَقَامُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - والْمَحْمُودُ) أي يَحمده فيه الأولون والآخرون (الَّذِي يُخْرِجُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإخراج رباعيًّا (اللهُ بِهِ) أي بسبب شفاعته - ﷺ - (مَنْ يُخْرِجُ) «من» موصولة مفعول «يُخرِج» (قَالَ) يزيد (ثمَّ نَعَتَ) جابر - ﵁ - (وَضْعَ الصِّرَاطِ) أي على متن جهنّم (وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ) بفتح الميم، وتشديد الراء مصدر مرّ، من باب نصر، أي مرورهم على ذلك الصراط (قَالَ) يزيد (وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ) أي ما قاله جابر - ﵁ - في وصف الصراط، ومرور الناس عليه؛ لكونه كلامًا طويلًا، لكنّه يحفظ بعض ما تضمّنه، كما أشار إليه بقوله: (قَالَ) يزيد (غَيْرَ أَنَّهُ) أي جابرًا - ﵁ - (قَدْ زَعَمَ) أي قال؛ لأن زعم، وإن كان الغالب فيها أن تستعمل للباطل، لكنها قد تُستعمل للحقّ، كما سبق بيان ذلك مستوفًى غير مرّة. (أَنَّ) بالفتح؛ لسدّها مسدّ المصدر، حيث وقعت مفعولًا لـ«زعم»، كما قال في «الخلاصة»: وَهَمْزَ «إِنَّ» افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ … مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ (قَوْمًا يَخْرُجُونَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من الخروج ثلاثيًّا (مِنَ النَّار، بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا) أي بعد دخولهم في النار (قَالَ: يَعْنِي فَيَخْرُجُونَ) هذه العناية من المصنّف، أو من شيخه؛ لأن أبا نعيم أخرجه في «مستخرجه»، من طريق عليّ بن عبد العزيز، وسهل بن بحر، كليهما عن الفضل بن دُكين، فلم يذكراها، ولفظه: «قال: فيخرجون … إلخ»، فلم يذكراها (كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ) قال النوويّ ﵀: هو بالسينين المهملتين: الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة، وهو جَمْعُ سِمْسِم، وهو هذا السِّمْسِم المعروف الذي يُسْتَخْرَج منه الشَّيْرَج، قال الإمام أبو السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزريّ المعروف بابن الأثير ﵀: معناه - والله أعلم - أن السماسم جمع سِمْسِم، وعِيدانه تراها إذا قُلِعَت، وتُرِكت في الشمس؛ لِيُؤخَذ حَبُّها دِقَاقًا سُودًا، كأنها مُحْترِقةٌ، فشُبِّه بها هؤلاء، قال: وطالما طَلَبت هذه اللفظة، وسألت عنها، فلم أجد فيها شافيًا، قال: وما أشبه أن تكون اللفظة مُحَرَّفةً، وربما كانت عِيدان السّاسَمُ، وهو خَشَبٌ أسود، كالأبنوس، هذا كلام أبي السعادات. و«السّاسَمُ» الذي ذكره هو بحذف الميم، وفتح السين الثانية، كذا قاله الجوهريّ وغيره. وأما القاضي عياض: فقال: لا يُعْرَف معنى السَّمَاسم هنا، قال: ولعله صوابه عِيدان السّاسَم، وهو أشبه، وهو عُود أسود، وقيل: هو الأبنوس. وأما صاحب «المطالع»، فقال: قال بعضهم: السماسم: كلُّ نبت ضعيف، كالسمسم، والْكُزْبُرة . وقال آخرون: لعله السّأَسِم مهموز، وهو الأبنوس، شَبَّهَهم به في سَوَاده، فهذا مختصر ما قالوه فيه، والمختار أنه السِّمْسِم كما قدمناه على ما بيّنه أبو السعادات، والله أعلم. (واعلم): أنه وقع في كثير من الأصول والكتب: «كأنها عِيدان السماسم»، بألف بعد الهاء، والصحيح الموجود في معظم الأصول والكتب: «كأنهم» بميم بعد الهاء، وللأول أيضًا وَجْهٌ، وهو أن يكون الضمير في «كأنها» عائدًا على الصُّوَر، أي كأن صورهم عِيدان السماسم. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: المراد بعيدان السماسم: ما يَنْبُت فيه السمسم، فإنه إذا جُمِع، ورُمِيت العيدان تصير سُودًا دِقَاقًا، وزعم بعضهم أن اللفظة مُحَرَّفة، وأن الصواب السَّاسَمُ بميم واحدة، وهو خشب أسود، والثابت في جميع طُرُق الحديث بإثبات الميمين، وتوجيهه واضح. انتهى . (قَالَ) جابر - ﵁ - (فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا) بفتح الهاء، وسكونها، قال الفيّوميّ ﵀: «النّهْرُ»: الماء الجاري المتّسِعُ، والجمع: نُهُرٌ بضمّتين، وأَنْهُرٌ، و«النَّهَرُ» بفتحتين لغةٌ، والجمع: أنهار، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى . (مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّة، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ) أي في ذلك النهر (فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ) بالفتح: جمع قِرْطَاس بكسر القاف، وضمها، لغتان، وهو الصحيفة التي يُكْتَب فيها، شَبَّهَهُم بالقراطيس؛ لشدّة بياضهم بعد اغتسالهم، وزوال ما كان عليهم، والله تعالى أعلم . (فَرَجَعْنَا، قُلْنَا) وفي نسخة: «وقلنا» (ويحَكُمْ) قال ابن الأثير ﵀: هي كلمة ترحّم، وتوجّع، تقال لمن وقع في هَلَكَة لا يستحقّها، وقد تقال بمعنى المدح والتعجّب، وهي منصوبة على المصدر، وقد تُرفع، وتضاف، ولا تُضاف، يقال: ويحَ زيدٍ، وويْحًا له، ووْيحٌ له. انتهى . وقال الجوهريّ ﵀: «ويحٌ» كلمةُ رحمة، و«ويلٌ» كلمة عذاب، وقيل: هما بمعنى واحد، وهما مرفوعتان بالابتداء، يقال: ويحٌ لزيد، وويلٌ له، ولك أن تقول: ويْحًا لزيد، وويلًا له، فتنصبهما بإضمار فعل، وكأنك قلت: ألزمه الله ويحًا، وويلًا، ولك أن تقول: ويحك، وويح زيد، وويلك، وويل زيد بالإضافة، فتنصبهما أيضًا بإضمار فعل. انتهى . (أَتُرَوْنَ) بالبناء للفاعل، بمعنى تعلمون، ويحتمل أن يكون بمعنى أتظنّون، وعلى هذا فيكون الفعل أن يكون مبنيًّا للمفعول، ومعناه معلوم، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل، ومعناه أيضًا أتَظُنّون (الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) المراد بالشيخ جابر بن عبد الله - ﵄ -، وهو استفهام إنكار وجَحْد: أي لا يُظَنُّ به الكذب بلا شك (فَرَجَعْنَا، فَلَا وَاللهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ) قال النوويّ ﵀: معناه: رَجَعْنا من حجّنا، ولم نتَعَرَّض لرأي الخوارج، بل كَفَفْنا عنه، وتُبْنا منه، إلا رجلًا منّا، فإنه لم يوافقنا في الانكفاف عنه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ويحتمل أن يكون معنى رجعنا: أي مما اعتقدناه من رأي الخوارج، وعزمنا عليه من دعوة الناس إليه، والحثّ عليه، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ) هو من كلام حجّاج بن الشاعر شيخ المصنّف، والمراد بأبي نُعيم هو: الفضل بن دُكين - بضم الدال المهملة - المذكور في أول الإسناد، وهو شيخ شيخه، وهذا الذي فَعَلَه أدبٌ معروف، من آداب الرُّواة، وهو أنه ينبغي للراوي إذا رَوَى بالمعنى أن يقول عقب روايته: «أو كما قال»؛ احتياطًا، وخوفًا من تغيير وقع فيه، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث»، حيث قال: وَقُلْ أَخِيرًا «أَوْ كَمَا قَالَ» وَمَا أَشْبَههُ … كَالشَّكِّ فِيمَا أَبْهَمَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٩٠/ ٤٨٠] (١٩١)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٥٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن طائفة من عصاة المؤمنين يدخلون النار. ٢ - (ومنها): إثبات عدم خلود أصحاب الكبائر في النار، بل يخرُجون منها. ٣ - (ومنها): إثبات الشفاعة لأصحاب الكبائر، وقد أخرج أحمد، والترمذيّ، وأبو داود، عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح غريب . ٤ - (ومنها): أن فيه الردَّ على ثلاث طوائف من المبتدعة، فهو ردّ على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون: بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وأن من دخلها لا يخرُج منها، على خلاف بينهما في حكمه، وهو أن الخوارج يقولون: بأنه كافر، والمعتزلة يقولون: بأنه في منزلة بين المنزلتين، ولكن النتيجة واحدة، وهي التخليد في النار، وهذا اعتقاد باطلٌ مصادم للنصوص وإجماع أهل السنة والجماعة. وهو أيضًا ردٌّ على المرجئة الذين يقولون: إن الموحّد لا يدخل النار، وإنه لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهذا أيضًا ضلال مبين. والحقّ الذي دلّت عليه آيات الكتاب، والسنن الصحيحة، وهو الذي عليه أهل السنّة والجماعة وسطٌ بين الإفراط والتفريط، فمرتكب الكبيرة مؤمن
مصادر المؤلف (٣٩)

١. وفي نسخة:«حدّثنا».

٢. راجع: «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٤٥.

٣. راجع: «تهذيب التهذيب» ١/ ٦١٤ - ٦١٥.

٤. «شرح مسلم» ٣/ ٤٧ - ٤٨.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٧ - ٦٤٨.

٦. «المصباح المنير» ١/ ١٠١.

٧. «الْعُقّافة كالرّمّانة»: خشبة في رأسها حُجْنَة - أي تقوّس - يُمَدّ بها الشيء، كالْمِحْجَن. اهـ. «ق» ص ٧٥٥.

٨. «لسان العرب» ١/ ٧٢٥.

٩. «النهاية» ١/ ٣٨٦.

١٠. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٣٧٥.

١١. «القاموس المحيط» ص ٣٦١ - ٣٦٢.

١٢. «المصباح المنير» ٥/ ٥١٢ و٦٣٩.

١٣. «لسان العرب» ٤/ ٤٩.

١٤. «المصباح» ١/ ٣١٥.

١٥. «المصباح» ٢/ ٤٨٢.

١٦. «شرح مسلم»٣/ ٤٩.

١٧. وفي نسخة: «بأذنيه».

١٨. هو الشيخ عبد الله بن صالح الْعُبَيلان، صاحب «كتاب إرشاد القاري إلى أفراد مسلم عن البخاري».

١٩. وفي نسخة: «فقال».

٢٠. «الفتح» ١١/ ٤٣٣ - ٤٣٤ «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٥٨).

٢١. قال في «القاموس» (ص ١١١٧): «الْهِلْيَوْنُ»: كبِرْذَوْن: نبتٌ معروفٌ حارّ رَطْبٌ باهيّ. انتهى.

٢٢. ١١/ ٤٣٧ «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٥٨).

٢٣. وفي نسخة: «يَخْرُجُونَ» بالبناء للفاعل.

٢٤. قال النوويّ ﵀ في «شرحه»: قيل له: الفقير؛ لأنه أصيب في فَقَار ظهره، فكان يَأْلَم منه، حتى ينحني له. انتهى.

٢٥. وفي نسخة: «فرجعنا، وقلنا».

٢٦. قال عنه في «التقريب»: صدوق، والصواب ما ذكرته هنا، كما يظهر من أقوال الأئمة فيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٢٧. «شَغَاف القلب» بفتح الشين: غشاؤه، قاله في «المصباح» ١/ ٣١٦.

٢٨. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٤٥ - ٨٤٦.

٢٩. راجع: «القاموس» ص ١٠٧.

٣٠. أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (١٤١٢٥) وفي سنده سعيد بن المهلّب، روى عنه اثنان، وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال أبو حاتم: لا أعرف من هو؟. راجع: «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٦ - ٤٧.

٣١. «صحيح ابن حبّان» (١٦/ ٥٢٦) رقم (٧٤٨٣) تحقيق شعيب الأرنؤوط.

٣٢. بضم الكاف، والباء، وقد تفتح الباء. اهـ. «ق».

٣٣. «شرح مسلم» ٣/ ٥١ - ٥٢.

٣٤. «الفتح» ١١/ ٤٣٧ «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٥٨).

٣٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٢٧.

٣٦. «شرح النوويّ» ٣/ ٥٢.

٣٧. «النهاية» ٥/ ٢٣٥.

٣٨. «الصحاح» ١/ ٣٦٤.

٣٩. حديث صحيح، أخرجه أحمد في «مسنده» (١٢٨١٠)، وأبو داود في «سننه» (٤٧٣٩)، والترمذيّ في «جامعه» (٢٣٥٩).