HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٢

حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ ﷿ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فإنه مني﴾ [١٤/إبراهيم/ الآية-٣٦] الآيَةَ وَقَالَ عِيسَى ﵇: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنهم عبادك وإن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [٥/المائدة/ الآية-١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ «اللَّهُمَّ! أُمَّتِي أُمَّتِي» وَبَكَى. فَقَالَ اللَّهُ ﷿: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فأتاه جبريل ﵊ فَسَأَلَهُ. فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ. وَهُوَ أَعْلَمُ. فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.
ج ١ ص ١٩١

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٤٠٠
(٩٣) - (بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - لأمَّتِه، وَبُكَائِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٠٥] (٢٠٢) - (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَلَا قَوْلَ اللهِ ﷿ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآية [إبراهيم: ٣٦]، وَقَالَ عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، فَرَفَعَ يَدَيْه، وَقَالَ:»اللَّهُمَّ أمَّتِي أمَّتِي«، وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ ﷿: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَسَأَلهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أمّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفيُّ) المصريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيّوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] (ت قديمًا قبل ١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٤ - (بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ) - بفتح السين، وتخفيف الواو - بن ثُمامة الْجُذاميّ، أبو ثمامة المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] . رَوَى عن عبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن جُبير المصريّ، وسعيد بن المسيب، والزهريّ، وأبي فِرَاس مولى عمرو بن العاص، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. وروى عنه جعفر بن ربيعة، والليث، وابن لَهِيعة، وعمرو بن الحارث، وغيرهم. قال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً إن شاء الله، تُوُفّي في خلافة هشام بن عبد الملك، وقال ابن يونس: تُوفّي بإفريقية، وقيل: بل غَرِقَ في بحار الأندلس سنة (١٢٨). وذكره ابن حبّان في «الثقات» من التابعين، ثم أعاده في أتباعهم، فقال: يُخطئ، وقال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا، وقال أبو العرب في «الطبقات»: أرسله عمر بن عبد العزيز إلى أهل إفريقية ليفقهها، وقال النووي في «شرح المهذَّب»: لم يَسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص. انتهى. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا (٢٠٢)، وحديث (١٧٢٥): «من آوى ضالّة، فهو ضالّ …»، و(٢١٧٣): «إن الله قد برّأها من ذلك …»، و(٢٩٦٢): «إذا فُتحت عليكم فارس والروم …». ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ) المصريّ المؤذّن الفقيه الفَرَضيّ العامريّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعُقبة بن عامر، وعمرو بن غَيْلان بن سلمة الثقفيّ، وأبي الدرداء، والمستورد الفِهْريّ، وعمن خَدَم النبيّ - ﷺ -، وعن عمرو بن العاص، وقيل: بينهما أبو قَيْس، وغيرهم. وروى عنه كعب بن علقمة، وعمران بن أبي أنس، وبكر بن سَوَادة، = الصحابة إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، مع أنه قيل: إنه لم يسمع منه، فهو إذن من طبقة الأعمش، ونحوه، فتأمله كانصاف، والله تعالى أعلم. وعبد الله بن هُبيرة، وعقبة بن مسلم، ويزيد بن أبي حبيب، والحارث بن يعقوب، وآخرون. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن لَهِيعة: كان عالِمًا بالفرائض، وكان عبد الله بن عمرو به مُعْجَبًا، وقال ابن يونس: كان فقيهًا عالِمًا بالقراءة، شَهِدَ فتح مصر، ووَثَّقه يعقوبُ بن سفيان. وقال ربيعة الأعرج: تُوُفّي سنة (٩٧) وقال غيره: سنة ثمان وتسعين. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٢٠٢)، وحديث (٣٨٤): «إذا سمعتم المؤذّن، فقولوا مثل ما يقول …»، و(٢١٧٣): «إن الله قد برّأها من ذلك …». ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله معظمهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بكر، عن عبد الرحمن. ٥ - (ومنها): أن بكر بن سوادة، وعبد الرحمن بن جبير هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وقد مرّ عدد مرويّهما فيه آنفًا. ٦ - (ومنها): أن عبد الرحمن بن جبير المصريّ هذا غير عبد الرحمن بن جُبير الحمصيّ، وهو أيضًا تابعيّ، إلا أنه من الطبقة الرابعة، وكلاهما في «صحيح مسلم»، ولا رواية لهما في «صحيح البخاريّ»، فتنبّه. ٧ - (ومنها): أن «الصَّدَفِيَ - بفتح الصاد والدال المهملتين، وبالفاء -: منسوب إلى الصَّدِف - بفتح الصاد، وكسر الدال -: قبيلة معروفة، قال أبو سعيد بن يونس؛ دَعْوَتهم في الصَّدِف، وليس من أنفسهم، ولا من مواليهم، قاله النوويّ ﵀ . ٨ - (ومنها): أن صحابيّه أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المكثرين من الصحابة - ﵃ -، وأحد العبادلة الفقهاء الأربعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - ﵄ («أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَلَا) أي قرأ، قال المجد ﵀: تلوت القرآن، أو كلّ كلام تلاوةً ككتابةٍ: قرأته. انتهى . وقوله:»أو كلّ كلام«إشارة إلى الخلاف في التلاوة، فقد جزم الأكثرون بأنها خاصّة بالقرآن، وأصل التلاوة الاتّباع، قال الراغب: التلاوة تختصّ باتّباع كلام الله المنزّل بالقراءة تارةً، وأخرى بالارتباط لما فيه من أمر، ونهيٍ، وترغيب، وترهيبٍ، أو ما يُتوهّم فيه ذلك، وهي أخصّ من القراءة، فكلّ تلاوة قراءة، ولا عكس. انتهى . (قَوْلَ اللهِ ﷿) بنصب«قولَ» على المفعوليّة، وقوله: (فِي إِبْرَاهِيمَ) على حذف مضاف، أي في سورة إبراهيم، أو مقالة إبراهيم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]) الضمير للأصنام المذكورة في قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ولَمّا أُسند إليها ما يُسند إلى العقلاء ذكرها بضمير العاقلات، فقال: ﴿إِنَّهُنَّ﴾، ونسبة الإضلال إليهنّ مجاز؛ لكونهنّ سببًا فيه، وإلا فالله ﷾ هو الذي يُضلّ، ويهدي، كما قال الله ﷿: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النحل: ٩٣] ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ أي فيما أدعو إليه من التوحيد (﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾) الكلام على حذف مضاف: أي فمن تبعَ دعوتي، فإنه من أمّتي الناجين، وقيل: المعنى: فإنه كبعضي في عدم الانفكاك، وقوله: (﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾) أي لم يتّبعني فيما جئتُ به عن ربّي، وقوله: (﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]) دليل جواب الشرط المحذوف، وهو علّة له، أي من عصاني فلا أدعو عليه؛ لأنك غفور رحيم، أي بأن تتوب عليه، فيتوب عن شركه؛ لأنه لا يغفر له مع شركه؛ لقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]، وقيل: إن مغفرة الشرك كانت في الأمم القديمة، وإنما امتنعت في شرعنا. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وهو قول باطلٌ مخالف لنصّ كتاب الله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، وهو خبر لا يدخله النسخ، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (وَقَالَ عِيسَى ﵇) هكذا هو في الأصول: «وقال عيسى»، قال القاضي عياض ﵀: قال بعضهم: قوله: «قال» هو اسم للقول، لا فعل، يقال: قال قولًا، وقالًا، وقِيلًا، كأنه قال: وتلا قولَ عيسى. انتهى . وحاصل ما أشار إليه أن «قال» ليس فعلًا ماضيًا، وإنما هو مصدر مضاف إلى «عيسى»، معطوفٌ على قوله: «قولَ الله»، فهو منصوب على المفعوليّة لـ«تلا»، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ قيل: جواب الشرط محذوف، والتقدير: فإنهم يستحقّون ذلك؛ لأنهم عبادك، قد تركوا عبادتك، فعبدوا غيرك ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]) قال الزجّاج ﵀ علم عيسى ﵇ أن منهم من آمن، ومنهم من أقام على الكفر، فقال في جملتهم: إن تعذّبهم: أي إن تعذّب من كفر منهم، فإنهم عبادك الذين عَلِمتَهُم جاحدين لآياتك، مكذّبين لأنبيائك، وأنت العادل في ذلك، فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم، وإن تغفر لهم: أي لمن أقلع منهم، وآمن فذلك تفضّل منك، وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، حكيم في ذلك، أو عزيز قويّ قادر على الثواب، حكيم لا يُعاقب إلا عن حكمة وصواب. انتهى . وقال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في «تفسيره»: اختلف في تأويل هذه الآية، فقيل: قاله على وجه الاستعطاف لهم، والرأفة بهم، كما يُستَعطَف السيدُ لعبده، ولهذا لم يقل: فإنهم عصوك، وقيل: قاله على وجه التسليم لأمره، والاستجارة من عذابه، وهو يَعْلَم أنه لا يغفر لكافر، وقيل: الهاء والميم في ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ لمن مات منهم على الكفر، والهاء والميم في ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لمن تاب منهم قبل الموت، وهذا حسن. وأما قول مَن قال: إن عيسى ﵇ لم يعلم أن الكافر لا يُغْفَر له، فقول مجترئ على كتاب الله ﷿؛ لأن الأخبار من الله ﷿ لا تُنْسَخ. وقيل: كان عند عيسى ﵇ أنهم أحدثوا معاصي، وعَمِلوا بعده بما لم يأمرهم به، إلا أنهم على عَمُود دينه، فقال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ما أحدثوا بعدي من المعاصي، وقال: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصّة من التسليم لأمره، والتفويض لحكمه، ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه، وذلك مستحيل، فالتقدير: إن تبقهم على كفرهم حتى يموتوا، وتعذبهم، فإنهم عبادك، وإن تَهْدِهم إلى توحيدك، وطاعتك، فتغفر لهم، فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده، الحكيم فيما تفعله، تُضِلّ من تشاء، وتَهْدِي من تشاء. وقد قرأ جماعة: فإنك أنت الغفور الرحيم، وليست من المصحف، ذكره القاضي عياض في «كتاب الشفا». وقال أبو بكر الأنباريّ: وقد طَعَن على القرآن مَن قال: إن قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ليس بمشاكل لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ لأن الذي يُشاكل المغفرةَ، فإنك أنت الغفور الرحيم. والجواب: أنه لا يَحْتَمِلُ إلا ما أنزله الله، ومتى نُقِل إلى الذي نقله إليه ضَعُفَ معناه، فإنه ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني، فلا يكون له بالشرط الأول تعلُّق، وهو على ما أنزله الله ﷿، واجتَمَع على قراءته المسلمون، مقرون بالشرطين كليهما، أولهما وآخرهما؛ إذ تلخيصه: إن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم في الأمرين كليهما، من التعذيب والغفران، فكان العزيز الحكيم أليق بهذا المكان؛ لعمومه، فإنه يَجْمَع الشرطين، ولم يصلح الغفور الرحيم؛ إذ لم يحتمل من العموم ما احتمله العزيز الحكيم، وما شَهِدَ بتعظيم الله تعالى وعدله، والثناء عليه، في الآية كلها، والشرطين المذكورين، أولى وأثبت معنًى في الآية، مما يَصْلُح لبعض الكلام دون بعض. انتهى ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. (فَرَفَعَ) - ﷺ - (يَدَيْه، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أمّتِي أمّتِي») أي ارحم أمتي، وكرّره للتأكيد (وَبَكَى) - ﷺ - شفقةً عليهم (فَقَالَ اللهُ ﷿: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ) - ﷺ -، وقوله: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ) جملة معترضة بين المعطوف، وهو «اذهب»، والمعطوف عليه، وهو قوله: (فَسَلْهُ) وفي نسخة: «فاسأله»: (مَا يُبْكِيكَ؟) «ما» استفهاميّة، أيْ: أيُّ شيء يجعلك باكيًا؟ (فَأَتَاهُ) - ﷺ - (جِبْرِيلُ ﵇، فَسَأَلهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَا قَالَ) أي بالشيء الذي قاله، وهو قوله: «أمتي أمتي») وَهُوَ أَعْلَمُ) قيل: في الكلام حذف، وأصله: فأخبره بما قال، فأخبر جبريل ربّه، وهو أعلم به (فَقَالَ اللهُ) ﷾ (يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ) - ﷺ -) فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ) بضم حرف المضارعة، من الإرضاء (فِي أمّتِكَ) أي بإدخالهم الجنّة، وهذا موافق لقول الله ﷿: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]. (وَلَا نَسُوءُكَ») أي لا نفعل ما تكرهه، قال المجد ﵀: ساءه سَوْءًا، وسَوَاءًا، وسَوَاءَةً، وسَوَايَةً، وسَوائيَةً، ومَسَاءَةً، ومَسَائِيَةً مقلوبًا، وأصله مَسَاوِئَةً، ومَسَايَةً، ومَسَاءً، ومَسَائِيَّةً: فَعَلَ به أو بمن يَعِزّ عليه ما يكرهه، فاستاء هو. انتهى بزيادة يسيرة . قال صاحب«التحرير»:«لا نسوءك »تأكيد لمعنى«سنرضيك»، أي لا نَحْزُنُك؛ لأن الإرضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم، ويَدْخُل الباقي النار، فقال تعالى:«نُرضيك، ولا نُدخل عليك حُزْنًا، بل نُنْجِي الجميع»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[٩٣/ ٥٠٥] (٢٠٢)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤١٥)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٥٠١)، و(ابن حبّان) في«مسنده»(٧٢٣٤ و٧٢٣٥)، و(ابن منده) في«الإيمان»(٩٢٤)، و(الطبريّ) في«تفسيره»(١٣/ ٢٢٩)، و(البيهقيّ) في«الأسماء والصفات»(٢/ ٣٤١ - ٣٤٢)، و(البغويّ) في«شرح السنّة» (٤٣٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كمال شفقة النبيّ - ﷺ - على أمته، واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم، فهو مصداق قوله ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٢ - (ومنها): كمال خُلقه - ﷺ -، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ٣ - (ومنها): سعة شفقته ورحمته - ﷺ -، وشمولها لجميع أمته، بل لجميع العالمين، كما قال ﷾: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ٤ - (ومنها): استحباب رفع اليدين في الدعاء. ٥ - (ومنها): البشارة العظيمة لهذه الأمة - زادها الله تعالى شرفًا - بما وعدها الله تعالى بقوله: «سنُرضيك في أمتك، ولا نَسُوءك»، وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة، أو أرجاها. ٦ - (ومنها): بيان عظم منزلة النبيّ - ﷺ - عند الله تعالى، وعظيم لطفه سبحانه - ﷺ - ٧ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في إرسال جبريل ﵇ لسؤاله - ﷺ - إظهار شرف النبيّ - ﷺ -، وأنه بالمحلّ الأعلى، فَسَيُرْضَى، ويُكْرَمُ بما يرضيه، أفاده النوويّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: وأمر الله تعالى جبريل ﵇ أن يسأل نبينا - ﷺ - عن سبب بكائه؛ ليعلم جبريل تمكّن نبيّنا - ﷺ - في مقام الفتوّة ، وغاية اعتنائه بأمته - ﷺ -. انتهى . ٨ - (ومنها): ما قاله أبو العباس القرطبيّ ﵀: معنى هاتين الآتين: أن كلّ واحد من إبراهيم وعيسى - ﵇ - لم يَجزما في الدعاء لعُصاة أممهما، ولم يُجهدا أنفسهما في ذلك، ولم يكن عندهما من فرط الشفقة ما كان عند نبيّنا - ﷺ - ، ألا ترى أنهما في الآيتين كأنهما تبرّءا من عصاة أممهما، ولَمّا فَهِمَ نبيّنا - ﷺ - ذلك، انبعث بحكم ما يجده من شدّة شفقته ورأفته وكثرة حرصه على نجاة أمته، وبحكم ما وهبه الله تعالى من رِفْعَة مقامه على غيره جازمًا في الدعاء لأمته، مجتهدًا فيه لهم، متضرِّعًا، باكيًا، مُلِحًّا، يقول: «أمتي أمتي»، فِعْلَ المحبّ المستهتِر بمحبوبه، الحريص على ما يُرضيه، الشفيق عليه، اللطيف به، ثم لم يزل كذلك حتى أجابه الله تعالى فيهم، وبشّره بما بشّره من مآل حالهم، حيث قال الله تعالى: «إنا سنُرضيك في أمتك»، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]. قال بعض العلماء: والله ما يَرضى محمد - ﷺ -، وواحد من أمته في النار، وهذا كلّه يدلّ على أن الله تعالى خصّ نبيّنا - ﷺ - من كَرَم الْخُلُق، ومن طيب النفس، ومن مقام الْفُتُوّة بما لم يخُصّ به أحدًا غيره، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، صلّى الله عليه أفضل ما صلّى على أحد من خليقته، وجازاه عنّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ .
مصادر المؤلف (١٥)

١. وفي نسخة: «فاسأله».

٢. جعله في «التقريب» من الطبقة الثالثة، والظاهر أنه من الخامسة؛ لأنه لم يلق من =

٣. «شرح النوويّ» ٣/ ٧٧ - ٧٨.

٤. «القاموس المحيط» ص ١١٣٩.

٥. «تاج العروس» ١٠/ ٥٢.

٦. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٨١.

٧. «تفسير النسفيّ» ١/ ٣١٠ - ٣١١.

٨. «الجامع لأحكام القرآن»٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩«تفسير سورة المائدة».

٩. «القاموس المحيط»ص ٤٢.

١٠. «شرح النوويّ» ٣/ ٧٨ - ٧٩.

١١. «الْفُتُوَّةُ»: الْكَرَمُ، قاله في «القاموس» ص ١١٨٨.

١٢. «المفهم» ١/ ٤٥٥.

١٣. كان في الأصل: «ما كان ينبغي لهما»، وهي عبارة لا ينبغي أن تطلق على الأنبياء ﵈، فأبدلتها، فتبصّر.

١٤. أي الْمُولَع.

١٥. «المفهم» ١/ ٤٥٤ - ٤٥٥.