HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٤

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عشيرتك الأقربين﴾ [٢٦/الشعراء/ الآية-٢١٤] دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا. فَاجْتَمَعُوا. فَعَمَّ وَخَصَّ. فَقَالَ «يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! أنقذوا مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي هَاشِمٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا فَاطِمَةُ! أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ. فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا ببلالها».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص133
ج ١ ص ١٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٤١٥
اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. اللهمّ أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت؛ إنك تقضي، ولا يُقضى عليك، وإنه لا يَذِلُّ من واليت، لا يَعِزُّ مَن عاديتَ، تباركتَ ربَّنا وتعاليت، آمين اَمين آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩٥) (بَابٌ فِي قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٠٧] (٢٠٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا أُنزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، دَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ، وَخَصَّ، فَقَالَ: «يَا بَنِي كعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أنقِذُوا أنفسَكمْ مِنَ النّار، يَا بَني مرَّة بنِ كعْبٍ، أَنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنَ النّار، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أنقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أنقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَنِي هَاشِم، أَنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّار، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بن سُوَيد اللَّخْميّ، حَلِيف بني عديّ الكوفيّ الْفَرَسيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في«الإيمان»٤٦/ ٢٩٦. ٢ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عُبيد الله التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٣) (ع) تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٣. والباقون تقدّموا قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه، والصحابيّ، كما تقدّم قريبًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - وسيأتي أيضًا من حديث ابن عباس - ﵄ -، قال في«الفتح»: هذا يعتبر من مراسيل الصحابة، وبذلك جزم الإسماعيليّ؛ لأن أبا هريرة - ﵁ - إنما أسلم بالمدينة، وهذه القصّة وقعت بمكّة، وابن عبّاس كان حينئذ إما لم يولد، وإما طفلًا، ويؤيّد الثاني نداء فاطمة، فإنه يُشعر بأنها كانت حينئذ بحيث تُخاطَب بالأحكام. ويحتمل أن تكون هذه القصة وقعت مرّتين، لكن الأصل عدم تكرار النزول، وقد صرّح في هذه الرواية بأن ذلك وقع حين نزلت. نعم وقع عند الطبرانيّ من حديث أبي أمامة - ﵁ -، قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جمع رسول الله - ﷺ - بني هاشم، ونساءه، وأهله، فقال: «يا بني هاشم، اشتروا أنفسكم من النار، واسْعَوْا في فَكَاك رقابكم، يا عائشةُ بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أم سلمة»، فذكر حديثًا طويلًا، فهذا إن ثبتٌ دلّ على تعدّد القصّة؛ لأن القصّة الأولى وقعت بمكة؛ لتصريحه في حديث ابن عباس - ﵁ - أنه صَعِد الصفا، ولم تكن عائشة، وحفصة، وأم سلمة عنده، ومن أزواجه إلا بالمدينة، فيجوز أن تكودن متأخّرةً عن الأولى، فيمكن أن يحضرها أبو هريرة، وابن عبّاس - ﵃ - أيضًا، ويُحمل قوله: «لَمّا نزلت … جَمَعَ»: أي بعد ذلك، لا أن الجمع وقع على الفور، ولعلّه كان نزل أوّلًا: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾، فجَمَع قريشًا، فعمّ، وخصّ، كما سيأتي، ثم نزل ثانيًا: «ورهطك منهم المخلصين»، فخصّ بذلك بني هاشم، ونساءه، والله أعلم. انتهى . (قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾، زاد في حديث ابن عباس - ﵄ - الآتي من طريق عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عنه: «ورهطك منهم المخلصين»، وهذه الزيادة وصلها الطبريّ من وجه آخر عن عمرو بن مرّة أنه كان يقرؤها كذلك، قال القرطبيّ ﵀: لعل هذه الزيادة كانت قرآنًا، فنُسخت تلاوتها. ثم استشكل ذلك بأن المراد إنذار الكفّار، والْمُخْلِص صفة المؤمن. والجواب عن ذلك أنه لا يمتنع عطف الخاصّ على العامّ، فقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ عامّ فيمن آمن منهم، ومن لم يؤمن، ثم عطف عليه الرهط المخلصين، تنويهًا بهم، وتأكيدًا. ومعنى ﴿عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: أي ذوي القرابة القريبة، و«العشيرة»: رهط الرجل الأَدْنوْن، أو هم أهل الرجل الذين يتكثّر بهم: أي يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وهو العشرة. (دَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قُرَيْشًا) بصيغة التصغير، هو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: قريش، هو فِهْر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، نقله السُّهَيليّ وغيره، وإلى هذا أشار الحافظ العراقيّ ﵀ في «ألفية السيرة»، حيث قال: أَمَّا قُرَيشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جَمَّاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ ويُنسب إلى قُريش بحذف الياء، فيقال: قُرَشيّ، وربّما نُسب إليه في الشعر من غير تغيير، فيقال: قُريشيّ، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى. وقال في «الفتح»: نداؤه - ﷺ - قبائل قريش قبل عشيرته الأدنين؛ ليُكرّر إنذار عشيرته، ولدخول قريش كلّها في أقاربه، ولأن إنذار العشيرة يقع بالطبع، وإنذار غيرهم يكون بطريق الأولى. انتهى . (فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ) أي عمّهم بالإنذار، يقال: عمّهم بكذا: أي شَمِلَهم (وَخَصَّ) أي خَصّ من كان أهلًا لذلك بالخطاب والنداء. والمعنى: أنه - ﷺ - عمّ قريشًا بالدعوة وشملها، فقال: يا معشر قريش، وخصّ بعض بُطونها، فقال: يا بني كعب … إلخ، فالفاء في قوله: «فعمّ» للتفصيل، مثلها قوله: «توضّأ، فغسل وجهه … إلخ». وفي حديث ابن عباس - ﵄ -: «فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عديّ، لبطون قريش»، ووقع عند البلاذريّ من وجه آخر عن ابن عباس أبين من هذا، ولفظه: «فقال: يا بني فهر، فاجتمعوا، ثم قال: يا بني غالب، فرجع بنو مُحارب، والحارث ابنا فهر، فقال: يا بني لؤيّ، فرجع بنو الأدرم بن غالب، فقال: يا آل كعب، فرجع بنو عديّ، وسَهْم، وجُمَح، فقال: يا آل كلاب، فرجع بنو مخزوم، وتيم، فقال: يا آل قُصيّ، فرجع بنو زُهْرة، فقال: يا آل عبد مناف، فرجع بنو عبد الدار، وعبد العزّى، فقال له أبو لهب: هؤلاء بنو عبد مناف عندك»، وعند الواقديّ أنه قصر الدعوة علي بني هاشم والمطّلب، وهم يومئذ خمسة وأربعون رجلًا، وفي حديث عليّ - ﵁ - عند ابن إسحاق، والطبريّ، والبيهقيّ في «الدلائل» أنهم كانوا حينئذ أربعين، يزيدون رجلًا، أو ينقصون، وفيه عمومته: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب. ولابن أبي حاتم من وجه آخر عنه أنهم يومئذ أربعون غير رجل، أو أربعون ورجل، وفي حديث عليّ - ﵁ - من الزيادة: صَنَعَ لهم شاةً على ثريد، وقَعْب لَبَن، وأن الجميع أكلوا من ذلك، وشَرِبوا، وفَضَلَت فَضْلَة، وقد كان الواحد منهم يأتي على جميع ذلك. قاله في «الفتح» . ثم بيّن معنى قوله: «فعمَّ وخصَّ» بقوله: (فَقَالَ: «يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ) بضم اللام، وفتح الهمزة، وقد تُبدل واوًا، فتحتيّةً مشدَّدةً، وقال صاحب»المطالع«:»لُؤَيّ «يُهْمَز، ولا يهمز، والهمز أكثر. انتهى ، وهو ابن غالب بن فهر (أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ) أمر من الإنقاذ رباعيًّا: أي خلّصوها من النار بترك أسبابها، والاشتغال بأسباب الجنّة. وفي الرواية الآتية:«اشتروا أنفسكم من الله»: أي باعتبار تخليصها من النار، كأنه قال: أسلموا تَسلَموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا الطاعة ثمن النجاة، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، فهناك المؤمن بائع، باعتبار تحصيل الثواب، والثمن الجنّة، وفيه إشارة إلى أن النفوس كلّها ملك لله تعالى، وأن من أطاعه حقّ طاعته في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وفّى ما عليه من الثمن، وبالله تعالى التوفيق. (يَا بَنِي مُرَّةَ) بضم الميم، وتشديد الراء (بنِ كعْبٍ، أَنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أنقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَني هَاشِم، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا بَني عَبْدِ الْمُطَّلِب، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في الأصول: «فاطمة»، وفي بعضها، أو أكثرها: «يا فاطم» بحذف الهاء على الترخيم، كما قال في «الخلاصة»: تَرْخِيمًا احْذِفْ آخِرَ الْمُنَادَى … كـ«يَا سُعَا» فِيمَنْ دَعَا «سُعَادَا» وعلى هذا فيجوز ضمّ الميم، وفتحها، ويسمّى الأول لغة من ينتظر، والثاني لغة من لا ينتظر، وإليه أشار في «الخلاصة» بقوله: وَإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ … فَالْبَاقِيَ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُوفًا كَمَا … لَوْ كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمِّمَا فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي «ثَمُودَ»«يَا … ثَمُو»و«يَا ثَمِي» عَلَى الثَّانِي بِيَا وإنما ختم بفاطمة - ﵂ -؛ لأنها خلاصة قومها، ثم عمّ في تبرّي إنقاذه إياهم من النار بغير الإيمان، والعمل الصالح بقوله: (فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ) أي لجميعكم، عامّكم وخاصّكم (مِنَ اللهِ شَيْئًا) أي من رحمته، أو دفع عذابه، أو غير ذلك. وقال النووي: معناه: لا تتكلوا على قرابتي، فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم. انتهى . وقال القاريّ ﵀: المعنى: أني لا أقدر أن أدفع عنكم من عذاب الله شيئًا إن أراد الله أن يعذّبكم، وهو مقتبس من قوله ﷾: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ الآية [الفتح: ١١]، بل قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٨٨]. [فإن قلت]: هذا يعارض ما تقدّم من ثبوت الشفاعة له - ﷺ -. [أجيب]: أن ثبوتها لا يوجب أنه يملك شيئًا، ولا سيّما وهو محتاج فيها إلى الإذن من الله تعالى، فقد أحكم الله تعالى شأنها، وجعل أمرها إليه وحده لا شريك، فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ الآية [الزمر: ٤٤]. والحاصل أنه - ﷺ -، وإن كان ينفع المؤمنين بشفاعته، غير أن ذلك ليس بكونه مالكًا لها، وإنما هو بطلب من الله تعالى، واستئذان عليه، ثم يقول الله تعالى له: «سل تُعطه، واشفع تُشَفَّع»، والله تعالى أعلم. وقوله: (غَيْرَ أَن لَكُمْ رَحِمًا) استثناء منقطع (سَأَبُلَّهَا) بضم الباء الموحّدة، مِن بلّ الرحم، من باب نصر: إذا وصلها: أي سأصلها في الدنيا، ولا أغني من الله شيئًا، كذا في «النهاية». وقال السنديّ: أو بالشفاعة في الآخرة، أي إن آمنتم، لكن الوصل المشهور هو وصل الدنيا، لا وصل الآخرة، واستُعير الْبَلُّ لوصل الرحم؛ لأن بعض الأشياء تتصل بالنداوة، وتتفرّق باليبس، فاستُعير البلّ للوصل، واليبس للقطيعة. وقال الطيبيّ: ﵀ تُطْلِق العرب النداوة على الصلة كما تُطْلِق اليبس على القطيعة؛ لأنهم لَمّا رأوا بعض الأشياء يتّصل بالنداوة، ويَحصُل بينهما التجافي، والتفرّق باليبس استعاروا البلل بمعنى الوصل، واليبس بمعنى القطيعة. والمعنى: أصلكم في الدنيا، ولا أُغني عنكم من الله شيئًا. انتهى . وقوله: (بِبِلَالِهَا) قال في «القاموس»: بِلالٌ ككتاب: الماء، ويُثلّث، وكلّ ما يُبلّ به الحلقُ، وفي «المجمع»: البِلالُ بكسر الباء، ويُروى بفتحها، قيل: شَبَّهَ القطيعةَ بالحرارة، تُطفأ بالماء، وفي «النهاية»: البِلال جمع بَلَل، وقيل: هو كلّ ما بَلّ الحلق من ماء، أو لبن، أو غيره . انتهى. وقال النوويّ: ضبطناه بفتح الباء الثانية، وكسرها، وهما وجهان مشهوران، ذكرهما جماعات من العلماء، قال القاضي عياض: رويناه بكسر الباء، قال أبو عمرو: يقال: بَلَلتُ رحمي بَلًّا، وبِلالًا، وبَلَلًا، قال الأصمعيّ: أي وَصَلْتُها، ونَدّيتها بالصلة، وإنما شُبّهت قطيعة الرحم بالحرارة تُطفأ بالْبَرْد، كما يقال: سقيته شَرْبةً بَرّدت عَطَشه، قال: ورأيت للخطّابيّ أنه «ببَلالها» بالفتح، كالْمَلال، وقال الهرويّ: الْبِلال جمعُ بَلَل، كجَمَل وجِمَال، وقيل: معنى هذا ما ورد في مثله من قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. انتهى . وقال صاحب «المطالع»: رويناه بكسر الباء، وفتحها، مِن بلّه يبُلّه، والبِلال: الماء. ومعنى الحديث: سأصلها، شُبّهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه: «بُلُّوا أرحامكم» أي صلوها. انتهى . [تنبيه]: هذه الرواية تردّ زعم من يزعُم أن المصنّف يذكر في أول الباب أقوى الروايات فإن الرواية الرابعة أقوى من هذه بكئير، فإن هذه من رواية عبد الملك بن عمير، وهو متكلّم فيه، بل ضعّفه بعضهم، والظاهر أن المصنّف ﵀ قدّمها لأجل هذه الزيادة، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قوله: «غير أن لكم رَحِمًا … إلخ»، هذه الزيادة محلّ نظر؛ لأنها من رواية عبد الملك بن عمير، وهو وإن وثّقه بعضهم، إلا أنه ضعّفه أحمد جدًّا، وقال ابن معين: مُخَلّط، وقال أبو حاتم: لم يوصف بالحفظ ، وقد خالفه معاوية بن إسحاق، فأرسله، فقد رواه النسائيّ من طريقه، عن موسى بن طلحة، قال: قال رسول الله - ﷺ - …، ولم يذكر أبا هريرة - ﵁ -، وقد روى الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - الثقات، كما يأتي بعد حديثين من رواية ابن المسيّب، وأبي سلمة، كليهما عن أبي هريرة، وليست فيه هذه الزيادة. والحاصل أن المصنّف صحح هذه الزيادة، مع ما ذُكر من العلة، وكذا قال الترمذيّ: حديث حسنٌ غريب من هذه الوجه فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من طريق موسى بن طلحة، عنه من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٩٥/ ٥٠٧ و٥٠٨] (٢٠٤)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٨٥)، و(النسائيّ) في «الوصايا» (٣٦١٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٣٣ و٣٦٩ و٣٦١ و٥١٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٤٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٦٩ و٢٧٠)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٥٠٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائد حديث الباب : ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، وامتثال النبيّ - ﷺ - الأمر، فبلّغ عشيرته، وأنذرهم. ٢ - (ومنها): استحباب القيام على شيء عال، أو مرتفع من الأرض؛ لإبلاغ الدعوة إذا كثُر العدد، كما فعل - ﷺ -، حيث صَعِد على الصفا؛ لأن فيه انتشارَ الصوت مع تمكّن السامعين من مشاهدة المتكلّم، وذلك مما يساعد على استقرار الكلام في النفوس. ٣ - (ومنها): بيان أن الأقرب للرجل من كان يَجمعه هو وجدٌّ أعلى، وكلُّ من اجتمع معه في جدّ دون ذلك كان أقرب إليه. ٤ - (ومنها): مشروعيّة الْهِتَاف بـ «يا صباحاه» ونحوها مما اعتاده الناس لجمعهم، وقد ورد عند الطبريّ أن النبيّ - ﷺ - وَضَعَ أصابعه في أذنه، ورفع صوته. ٥ - (ومنها): وُضوح بيانه - ﷺ -، وقوّة حجته؛ إذ أخذ إقرارهم أوّلًا على صدقه في مهامّ أمورهم، وأخطرها قبل أن يُخبرهم، ويُنذرهم، فقال لهم: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرُج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقيّ؟». ٦ - (ومنها): بيان صبره - ﷺ - على أذى قومه، بل على أذى من هو أقرب الناس إليه، وهو عمه، حيث قال له أبو لهب: «تبًّا لك ألهذا جمعتنا؟» بل رُوي: أنه أخذ بيديه حجرًا؛ ليرمي بها رسول الله - ﷺ - قبل قوله: «تَبًّا لك». ٧ - (ومنها): أن السرّ في تخصيص عشيرته - ﷺ - الأقربين بالإنذار مع عموم رسالته، دفعُ توهّم المحاباة، وأن الاهتمام بشأنهم أهمّ، وأن البداءة تكون بمن يلي، ثم بمن بعده، وهكذا. وقال في «الفتح»: والسرّ في الأمر بإنذار الأقربين أوّلًا أن الحجة إذا قامت عليهم تعدّت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علّة للأبعدين في الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب، من العطف، والرأفة، فَيُحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نصّ له على إنذارهم. ٨ - (منها): أن إفراده - ﷺ - فاطمة، وصفيّة، وعبّاسًا - ﵃ - في الروايات الآتية؛ لشدّة قرابتهم، وشدّة صلته بهم من بين قراباته، وفاطمة - ﵂ - كانت أصغر أولاده - ﷺ -، وللصغير زيادة محبّة، فإذا انتفى نفعه لمن يُحب من أقاربه، ومن يَحرص على نفعه انتفى عن غيره من باب أولى. ٩ - (ومنها): ما استنبطه الإمام النسائيّ ﵀، وترجمه عليه، فقال: «بابٌ إذا أوصى لعشيرته الأقربين»، وبيان ذلك أنه إذا أوصى لأقارب فلان، يعمّ القبيلة كلها؛ لأنه - ﷺ - لَمّا قيل له: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ عمّم قبيلته كلّها. ١٠ - (ومنها): أنه استدلّ بعض المالكيّة بقوله: «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنكِ من الله شيئًا»، أن النيابة لا تدخل في أعمال البرّ، إذ لو جاز ذلك لكان يتحمّل عنها - ﷺ - بما يخلّصها، فإذا كان عمله لا ينفع نيابةً عن ابنته، فغيره أولى بالمنع. وتُعُقّب بأن هذا كان قبل أن يُعلمه الله - ﷺ - بأنه يَشفَع فيمن أراد، وتُقبل شفاعته، حتى يُدخل قومًا بغير حساب، ويَرفَع درجات قوم، ويُخرِج من النار من دخلها بذنوبه، أو كان المقام مقام التخويف والتحذير. أو أنه أراد المبالغة في الحضّ على العمل، ويكون في قوله: «لا أغني شيئًا» إضمار إلا إن أذن الله لي بالشفاعة. قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا التعقّب نظرٌ لا يخفى؛ لأن الشفاعة المذكورة ليست ملكًا للنبيّ - ﷺ -، ولذلك احتاج إلى الاستئذان فيها، وهي محدودة فيمن يأمره الله تعالى بأن يشفع فيهم، لا في جميع أمته، كما تقدم في قوله - ﷺ -: «فيحُدّ لي حدًّا، فأخرجهم من النار، فأُدخلهم الجنة». والحاصل أن شفاعته - ﷺ - ثابتة دون شكّ، إلا أنها ملك لله ﷾، كما قال ﷾: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، فتبيّن أن قوله - ﷺ - هنا: «لا أملك لكم من الله شيئًا» على ظاهره، ففيه الحثّ على التمسّك بأسباب الشفاعة حتى يدخلوا في شفاعته - ﷺ -؛ لأنه لا تكون إلا لمن ﵁، كما قال ﷾: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ﵀: قد استُدِل بالحديث وبسورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، على جواز تكنية الكافر، وقد اختَلَف العلماء في ذلك، واختلفت الرواية عن مالك في جواز تكنية الكافر بالجواز والكراهة، وقال بعضهم: إنما يجوز من ذلك ما كان على جهة التألف، وإلا فلا؛ إذ في التكنية تعظيم وتكبير، وأما تكنية الله تعالى لأبي لهب، فليست من هذا، ولا حجة فيه؛ لأن ترك اسمه لقبحه؛ إذْ كان اسمه عبد العزى، وهذه تسمية باطلة، فلهذا كُنِي عنه، وقيل: لأنه إنما كان يُعْرَف بها، وقيل: إن أبا لهب لَقَبٌ، وليس بكنية، وكنيته أبو عُتْبَة، وقيل: إنما ذُكر بكنيته؛ للإشارة إلى ما يؤول إليه أمره من لَهَب جهنّم، وذهب بعضهم إلى أن الكنية لا تدلّ بمجرّدها على التعظيم، بل قد يكون الاسم أشرف من الكنية، ولهذا ذكر الله تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم دون كناهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٠٨] (…) - (وَحَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَحَدِيثُ جَرِيرٍ أتمُّ وَأَشْبَعُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م دس) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. وعبد الملك سبق في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي الإسناد الماضي، وهو عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة - ﵁ -. وقوله: (وَحَدِيثُ جَرِيرٍ أتمُّ وَأَشْبَعُ) يعني أن متن حديث جرير بن عبد الحميد الماضي أتمّ، وأشبع من متن حديث أبي عوانة. [تنبيه]: رواية أبي عوانة هذه التي أحالها المصنّف ﵀ على رواية جرير، أخرجها الحافظ أبو عوانة ﵀ في «مسنده» (١/ ٨٨)، فقال:
مصادر المؤلف (١٥)

١. وفي نسخة:«فلما».

٢. «فتح» ٩/ ٤٥٠٠ - ٤٥٠١ «تفسير سورة الشعراء».

٣. وفي نسخة: «فلما».

٤. «الفتح» ٦/ ٦٣٧ «كتاب المناقب» رقم (٣٥٢٧).

٥. «الفتح» ٨/ ٣٦١ «كتاب التفسير» رقم (٤٧٧٠).

٦. «شرح النوويّ» ٣/ ٧٨.

٧. «شرح مسلم» ٢/ ٨٠.

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٢٩٨.

٩. «النهاية» ١/ ١٥٣.

١٠. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٨٢ - ٨٨٣.

١١. راجع: «شرح النوويّ» ٢/ ٨٠.

١٢. راجع: «تهذيب التهذيب» ٢/ ٦٢٠ - ٦٢١.

١٣. فيه إشارة إلى أن هذه الفوائد ليست خاصّة بهذه الرواية فقط، وإنما هي لجميع الروايات في الباب، فتنبّه.

١٤. «فتح» ٩/ ٤٥١ «تفسير سورة الشعراء».

١٥. وفي نسخة: «وحدّثني».