HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٥

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خالد، عن قيس، عن عمرو ابن الْعَاصِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ، يَقُولُ «أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي (يَعْنِي فُلَانًا) لَيْسُوا لِي بأولياء. إنما ولي الله وصالح المؤمنين».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص136
ج ١ ص ١٩٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٤٨٠
(٩٩) - (بَابُ مُوَالاةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُقَاطَعَةِ غَيْرِهِمْ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٢٥] (٢١٥) - (حَدَّثَني أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - جِهَارًا، غَيْرَ سِرٍّ، يَقُولُ. «أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي - يَعْنِي فُلَانًا - لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ، وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيبانيّ المروزيّ، أبو عبد الله نزيل بغداد الإمام المجتهد الحافظ الورع، رأس الطبقة [١٠] (ت ٢٤١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٠/ ٤٢٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو المعروف بغندر، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج تقدّم أيضًا في الباب الماضي. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٢٩٩. ٥ - (قَيْس) بن أبي حازم البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] (ت بعد ٩٠) أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٧٥. ٦ - (عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ) بن وائل السَّهْميّ الصحابيّ المشهور، أسلم عام الْحُديبية، ووليَ إمرة مصر مرّتين، وهو الذي افتتحها، مات بمصر سنة نيّف وأربعين، وقيل: بعد الخمسين (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٨، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم. ٤ - (ومنها): ما قاله الحافظ - ﵀ - في «الفتح»: لَمْ أَرَ هذا الحديث عند أحد من أصحاب شعبة إلَّا عند محمد جعفر غندر، إلَّا ما أخرجه الإسماعيليّ من رواية وهب بن حفص، عن عبد الملك بن إبراهيم الْجُدّيّ، عن شعبة، ووهبُ بن حفص كَذَّبُوهُ. انتهى . ٥ - (ومنها): أن قيس بن أبي حازم هذا هو الذي اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشّرين بالجنّة، ولا يُشاركه في ذلك أحدٌ من التابعين، وأخطأ أبو عبد الله الحاكم في عدّه معه سعيد بن المسيّب، وغيره، كما أشار إلى ذنك السيوطي - ﵀ - في «ألفيّة الحديث» عند ذكره طبقات التابعين، بقوله: وَالتَّابِعُونَ طَبَقَات عَشَرَهْ … مَعْ خَمْسَةٍ أَوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرَهْ وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ … وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ ٦ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: ليس لقيس بن أبي حازم في «الصحيحين» عن عمرو بن العاص - ﵁ - غير هذا الحديث، ولعمرو في «الصحيحين» حديثان آخران: حديث: «أَيُّ الرجال أحب إليك؟ …»، وحديث: «إذا اجتهد الحاكم …»، وله حديث آخر مُعَلَّق عند البخاريّ في «المبحث النبويّ»، وآخر في «كتاب التيمّم»، وعند مسلم حديث آخر في السحور، وهذا جميع ما له عندهما من الأحايث المرفوعة. انتهى ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) وفي رواية البخاريّ: «أن عمرو بن العاص قال» ووقع في رواية بيان بن بِشْرٍ، عن قيس: «سمعتُ عمرو بن العاص» (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - جِهَارًا) يَحْتَمِل أن يَتَعَلَّق بالمفعول، أي كان المسموع في حالة الجهر، ويَحْتَمِل أن يتعلق بالفاعل، أي أقول ذلك جهارًا، وقوله: (غَيْرَ سِرٍّ) تأكيد لذلك؛ لدفع توَهُّم أنه جَهَرَ به مرّةً، وأخفاه أخرى، والمراد أنه لَمْ يقل ذلك خُفْيَةً، بل جَهَر به، وأشاعه (يَقُولُ: «أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي - يَعْنِي فُلَانًا) قال النوويّ - ﵀ -: هذه الكناية بقوله:»يعني فلانًا«هي من بعض الرواة، خَشِيَ أن يُسَمِّيه، فيترتب عليه مفسدة وفتنة، إما في حقّ نفسه، وإما في حقّه، وحقّ غيره، فكَنَى عنه، والغرض إنما هو قوله - ﷺ -:»إنما وليّي الله، وصالح المؤمنين«، قال القاضي عياض - ﵀ -: قيل: إن الْمَكْنِيَّ عنه ها هنا هو الحكم بن أبي العاص، والله تعالى أعلم. انتهى. وقال ابن التين - ﵀ -: حُذفت التسمية؛ لئلا يتأذى بذلك المسلمون من أبنائهم . ووقع عند البخاريّ بلفظ:«إنّ آل أبي»دون ذكر ما يُضاف إليه أصلًا، قال في«الفتح»: كذا للأكثر بحذف ما يضاف إلى أداة الكنية، وأثبته المستملي في روايته، لكن كَنَى عنه، فقال:«آل أبي فلان»، وكذا هو في روايتي مسلم، والإسماعيليّ. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«إلا إن آل أبي فلان»، كذا وقع للسمرقنديّ، ولغيره:«إلا إن آل أبي - يعني: فلانًا»، وفي رواية«فُلانٍ»على الحكاية، وهذا كناية عن قوم معيّنين، كَرِهَ الراوي تسميتهم؛ لما يخاف مما يقع في نفوس ذراريّهم، وقيل: إن المكنيّ عنه هو الحكم بن أبي العاصي. انتهى. وقال أيضًا: وقد وقع في أصل كتاب مسلم موضعَ«فلان»أبيض، لَمْ يُكتب عليه شيءٌ، بياضٌ، ثم كَتَبَ بعضُ الناس فيه«فلان»على سبيل الإصلاح، و«فلان»كناية عن اسمٍ عَلَمٍ، ولهذا وقع لبعض رواته:«إن آل أبي - يعني فلان -»، ولبعضهم:«إن آل أبي فلان»بالجزم. انتهى . [تنبيه]: قال الإمام البخاريّ - ﵀ - عند قوله:«إن آل أبي»ما نصّه:«قال عمرو: في كتاب محمد بن جعفر بياض». انتهى. قال في«الفتح»: قوله:«قال عمرو»هو ابن عباس، شيخ البخاريّ فيه، قوله:«في كتاب محمد بن جعفر»أي غندر، شيخ عمرو فيه، قوله:«بياض»، قال عبد الحق في كتاب«الجمع بين الصحيحين»: إن الصواب في ضبط هذه الكلمة بالرفع، أي وقع في كتاب محمد بن جعفر موضع أبيض، يعني: بغير كتابة، وفَهِمَ منه بعضهم، أنه الاسم المكنيّ عنه في الرواية، فقرأه بالجرّ، على أنه في كتاب محمد بن جعفر:«إن آل أبي بياض»، وهو فَهْمٌ سَيِّيءٌ ممن فَهِمه؛ لأنه لا يُعْرَف في العرب قبيلة، يقال لها: آل أبي بياض، فضلًا عن قريش، وسياق الحديث مُشْعِرٌ بأنهم من قبيلة النبيّ - ﷺ -، وهي قريشٌ، بل فيه إشعار بأنهم أخصّ من ذلك؛ لقوله:«إن لهم رَحِمًا»، وأبعد مَن حَمَله علي بني بياضة، وهم بطن من الأنصار؛ لما فيه من التغيير، أو الترخيم على رأي، ولا يناسب السياقَ أيضًا. وقال عياض: إن المكنيّ عنه هنا هو الحكم بن أبي العاص. وقال ابن دقيق العيد: كذا وقع مبهمًا في السياق، وحمله بعضهم على بني أمية، ولا يستقيم مع قوله:«آل أبي»، فلو كان آل بني لأمكن، ولا يصحّ تقدير آل أبي العاص؛ لأنهم أخصّ من بني أمية، والعامّ لا يُفَسَّر بالخاص. قال الحافظ: لعل مراد القائل أنه أطلق العام، وأراد الخاص، وقد وقع في رواية وهب بن حفص التي أشرت إليها أن آل بني، لكن وهبٌ لا يعتمد عليه . وجزم الدمياطيّ في«حواشيه»بأنه آل أبي العاص بن أمية، ثم قال ابن دقيق العيد: إنه رأى في كلام ابن العربيّ في هذا شيئًا يُراجَعُ منه. قال الحافظ: قال أبو بكر بن العربيّ في«سراج المريدين»: كان في أصل حديث عمرو بن العاص:«إن آل أبي طالب»، فغُيِّر«آل أبي فلان»، كذا جَزَم به، وتعقّبه بعض الناس، وبالغ في التشنيع عليه، ونسبه إلى التحامل على آل أبي طالب، ولم يُصِبْ هذا المنكِر، فإن هذه الرواية التي أشار إليها ابن العربيّ موجودة في«مستخرج أبي نعيم»، من طريق الفضل بن الموفَّق، عن عنبسة بن عبد الواحد، بسند البخاريّ عن بيان بن بِشْر، عن قيس بن أبي حازم، عن عمرو بن العاص، رفعه:«إن لبني أبي طالب رَحِمًا أَبُلُّها ببلالها»، وقد أخرجه الإسماعيليّ من هذا الوجه أيضًا، لكن أبهم لفظ«طالب»، وكأن الحامل لمن أبهم هذا الموضع ظَنُّهم أن ذلك يقتضي نقصًا في آل أبي طالب، وليس كما توهموه، كما سأوضحه إن شاء الله تعالى. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمْلُه على آل أبي طالب، كما يراه الحافظ عندي محلّ نظر؛ إذ الدليل الذي استدلّ به عليه ليس واضحًا في هذا، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (لَيْسُوا لِي بِأَوْليَاءَ) كذا معظم النسخ، وفي بعض النسخ:«ليسوا بأوليائي»بحذف لفظة«لي»، وإضافة«أولياء»لياء المتكلّم، وكذا وقع عند البخاريّ، قال في«الفتح»: قوله:«ليسوا بأوليائي»كذا للأكثر، وفي نسخة من رواية أبي ذرّ«بأولياءَ»، فنقل ابن التين، عن الداوديّ: أن المراد بهذا النفي مَن لَمْ يُسْلِم منهم، أي فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، والمنفي على هَذا المجموع، لا الجميع، وقال الخطابيّ: الولاية المنفية ولاية القرب والاختصاص، لا ولاية الدين، ورجّح ابن التين الأول، وهو الراجح، فإن مِن جملة آل أبي طالب عليًّا، وجعفرًا، وهما من أخصّ الناس بالنبيّ - ﷺ - لما لهما من السابقة، والقَدَم في الإسلام، ونصر الدين. [تنبيه]: قد استَشْكَل بعضُ الناس صحة هذا الحديث؛ لما نُسِبَ إلى بعض رواته من النصب، وهو الانحراف عن عليّ، وآل بيته. قال الحافظ - ﵀ -: أما قيس بن أبي حازم، فقال يعقوب بن شيبة: تكلَّم أصحابنا في قيس، فمنهم من رَفَع قدره، وعَظَّمه، وجعل الحديث عنه من أصح الأسانيد، حتى قال ابن معين: هو أوثق من الزهريّ، ومنهم مَن حَمَلَ عليه، وقال: له أحاديث مناكير، وأجاب من أطراه بأنها غرائب، وإفراده لا يقدح فيه. ومنهم: مَن حَمَل عليه في مذهبه، وقال: كان يَحْمِل على عليّ، ولذلك تَجَنَّب الرواية عنه كثير من قدماء الكوفيين، وأجاب مَن أطراه بأنه كان يُقَدِّم عثمان على عليّ فقط. والمعتمد عليه أنه ثقةٌ ثبتٌ، مقبول الرواية، وهو من كبار التابعين، سَمِعَ من أبي بكر الصديق، فمن دونه، وقد رَوَى عنه حديث الباب إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بِشْر، وهما كوفيان، ولم يُنْسَبا إلى النَّصْب، لكن الراوي عن بيان، وهو عنبسة بن عبد الواحد أُمويّ، قد نُسِب إلى شيء من النَّصْب. وأما عمرو بن العاص - ﵁ -، وإن كان بينه وبين عليّ ما كان، فحاشاه أن يُتَّهَمَ. وللحديث مَحْمِلٌ صحيحٌ، لا يستلزم نقصًا في مؤمني آل أبي طالب، وهو أن المراد بالنفي المجموع، كما تقدم. وَيَحْتَمِل أن يكون المراد بآل أبي طالب، أبو طالب نفسه، وهو إطلاق سائغ، كقوله في أبي موسى - ﵁ -: «إنه أُوتي مِزمارًا من مزامير آل داود - ﵇ -»، وقوله - ﷺ -: «آل أبي أوفى»، وخَصَّه بالذكر مبالغةً في الانتفاء، ممن لَمْ يُسْلِم؛ لكونه عمَّه وشقيقَ أبيه، وكان الْقَيِّم بأمره ونصره وحمايته، ومع ذلك فلما لَمْ يتابعه على دينه، انتفى من موالاته. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أسلفت آنفًا أن حمله على آل أبي طالب ليس عليه دليلٌ واضح، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (إِنَّمَا) وفي نسخة: «وإنما» بالواو (وَلِيِّيَ اللهُ، وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ«) هكذا وقع بإفراد»صالح«، هنا، وعند البخاريّ، والمراد به معنى الجمع؛ لأنه مفرد مضافٌ، فيعُمّ، وقال في»الفتح«: كذا للأكثر بالإفراد، وإرادة الجماعة، وهو اسم جنس، ووقع في رواية الْبَرْقانيّ:»وصالحو المؤمنين«بصيغة الجمع، وقد أجاز بعض المفسرين أن الآية التي في التحريم كانت في الأصل:«فإن الله هو مولاه، وجبريل وصالحو المؤمنين»لكن حُذِفت الواو من الخطّ على وفق النطق، وهو مثل قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٨]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦]، وقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤]. وقال النوويّ - ﵀ -: معناه: إنما وَليّي مَن كان صالحًا، وإن بَعُدَ نسبه مني، وليس وَلِيِّي مَن كان غير صالح، وإن كان نسبه قريبًا منّي. انتهى . وقد وقع في شرح«المشكاة»: المعنى: أني لا أُوالي أحدًا بالقرابة، وإنما أحبّ الله تعالى لما له من الحقّ الواجب على العباد، وأحبُّ صالح المؤمنين؛ لوجه الله تعالى، وأُوالي مَن أوالي بالإيمان والصلاح، سواء كان مِن ذوي رَحِم أو لا، ولكن أَرْعَى لذوي الرحم حقَّهم صلة الرحم. انتهى، قال الحافظ - ﵀ -: وهو كلام مُنَقَّح. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمرو بن العاص - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٩٩/ ٥٢٥] (٢١٥)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٥٩٩٠)، وزاد البخاريّ تعليقًا: «ولكن لهم رَحِمٌ، أَبُلّها ببَلالها»، ووصله أبو عوانة، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٠٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٧٦ و٢٧٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٥٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب موالاة المؤمنين، ومقاطعة غيرهم، والبراءة منهم. ٢ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض - ﵀ -: دلّ الحديث على أن الولاية في الإسلام إنما هي بالموافقة فيه بخصال الديانة، وزمام الشريعة، لا بامتشاج النسب، وشُجْنة الرحم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: فائدة الحديث انقطاعُ الولاية في الدين بين المسلم والكافر، ولو كان قريبًا حميمًا. وهذا الذي قالاه أصل عظيم من أصول الدين، وهو من لوازم كلمة التوحيد، وهو المعبَّر عنه بالولاء والبراء، أو الموالاة والمعاداة في الله - ﷿ -، وأصل الموالاة المحبّة والقرب، وأصل المعاداة البغض والبعد، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح أمورٌ كثيرة من صميم هذا الدين، كالنصرة، والأنس، والمعاونة، وكالجهاد، والهجرة، والإكرام، والاحترام، والكُرْه، والعداوة، فيجب على المؤمن محبّة الله، ورُسُله، وأتباعهم، وبغض أعداء الله، وأعداء الرسل، وأتباعهم، وقد تجتمع في المؤمن أسباب المحبّة والبغض بقدر ما فيه من خصال الخير والشرّ. ومُسمّى الموالاة لأعداء الله تعالى يقع على شُعب كثيرة متفاوتة الأحكام، فمنها ما يوجب الرّدّةَ، وذهاب الإسلام بالكلّيّة، ومنها ما دون ذلك، من الكبائر والمحرّمات، وكذا معاداة المؤمنين المستقيمين على دين الله تعالى. وقد دلّ على هذا الأصل العظيم الكتاب، والسنّة، والإجماع، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ الآية [المجادلة: ٢٠ - ٢٢]، وقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٧]، وقوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ الآية [آل عمران: ٢٨]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة: ١]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠]. فليبادر من ابتُلي بمخالفة هذه النصوص، بأن والى أعداء الله، أو عادى أولياء الله بالتوبة النصوح؛ إذ هي تَجُبّ ما قبلها، وقد قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقال النبيّ - ﷺ -: «التائب من الذَّنْب كمن لا ذنب له»، حديث حسنٌ . ٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال - ﵀ -: أوجب في هذا الحديث الولايةَ بالدين، ونفاها عن أهل رَحِمِه إن لَمْ يكونوا من أهل دينه، فَدَلّ ذلك على أن النسب يحتاج إلى الولاية التي يقع بها الموارثة بين المتناسبين، وأن الأقارب إذا لَمْ يكونوا على دين واحد لَمْ يكن بينهم توارث، ولا ولاية. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال - ﵀ - أيضًا: أنه يستفاد منه أن الرحم المأمور بصلتها، والمتوعَّدَ على قطعها هي التي شُرع لها ذلك، فأما مَن أُمِر بقطعه من أجل الدين، فَيُسْتَثنَى من ذلك، ولا يُلْحَق بالوعيد مَن قطعه؛ لأنه قَطَع من أمر الله بقطعه، لكن لو وُصِلوا بما يُباح من أمر الدنيا لكان فضلًا، كما دعا - ﷺ - لقريش بعد أن كانوا كَذَّبوه، فدعا عليهم بالقحط، ثم استَشْفَعُوا به، فَرَقَّ لهم لَمّا سألوه بِرَحِمهم، فَرَحِمَهم، ودعا لهم. انتهى. قال الحافظ: ويُتعَقَّب كلامه في موضعين: [أحدهما]: يشاركه فيه كلام غيره، وهو قصره النفي على مَن ليس على الدين، وظاهر الحديث أن مَن كان غير صالح في أعمال الدين، دخل في النفي أيضًا؛ لتقييده الولاية بقوله: «وصالحُ المؤمنين». [والثاني]: أن صلة الرحم الكافر ينبغي تقييدها بما إذا أَيِسَ منه رجوعًا عن الكفر، أو رَجَا أن يَخرُج من صلبه مسلمٌ، كما في الصورة التي استَدَلّ بها، وهي دعاء النبيّ - ﷺ - لقريش بالْخِصْب، وعَلَّل بنحو ذلك، فيَحتاج مَن يترخص في حلة رحمه الكافر، أن يَقْصِد إلى شيء من ذلك، وأما من كان على الدين، ولكنه مُقَصِّرٌ في الأعمال مثلًا، فلا يشارك الكافر في ذلك. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -، وهو تعقّبٌ جيِّد، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن في قوله: «جِهَارًا»: أي علانيةً، لَمْ يُخفِه، بل باح به، وأظهره، وأشاعه، مشروعيّةَ الإعلان بالتبرُّؤِ من المخالفين، وبموالاة الصالحين، لكن إن لَمْ يَخَف ترتُّبَ فتنة عليه. ٦ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة، ورواة الحديحث من الستر على المجروح، والتكنية عنه؛ دفعًا للمفاسد المترتّبة على التصريح به، إما منه، أو من أحد أقاربه، وهذا كلّه إذا لَمْ يترتّب مفسدة في عدم ذكره، وإلا فالواجب إظهاره، والتصريح به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤]: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال: [أحدها]: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أخرجه الطبريّ، وابن أبي حاتم، عن قتادة، وأخرجه الطبريّ، وذكره ابن أبي حاتم عن سفيان الثوريّ، وأخرجه النقاش عن العلاء بن زياد. [الثاني]: الصحابة - ﵃ -، أخرجه ابن أبي حاتم عن السديّ، ونحوه في «تفسير الكلبيّ»، قال: هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وأشباههم، ممن ليس بمنافق. [الثالث]: خيار المؤمنين، أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك. [الرابع]: أبو بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ -، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن البصريّ. [الخامس]: أبو بكر، وعمر - ﵄ -، أخرجه الطبريّ، وابن مردويه عن ابن مسعود، مرفوعًا، وسنده ضعيف، وأخرجه الطبريّ، وابن أبي حاتم عن الضحاك أيضًا، وكذا هو في تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفيّ، أحدِ الضعفاء بسنده، عن ابن عباس، موقوفًا، وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر ضعيفٍ عنه كذلك، قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن بُريدة، ومقاتل بن حيان كذلك. [السادس]: أبو بكر - ﵁ - خاصةً، ذكره القرطبيّ عن المسيب بن شريك. [السابع]: عمر - ﵁ - خاصةً، أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطبريّ بسند ضعيف، عن مجاهد، وأخرجه ابن مردويه بسند وَاهٍ جدًّا عن ابن عباس. [الثامن]: عليٌّ - ﵁ -، أخرجه ابن أبي حاتم، بسند منقطع، عن عليّ نفسه مرفوعًا، وأخرجه الطبريّ بسند ضعيف عن مجاهد، قال: هو عليّ، وأخرجه ابن مردويه بسندين ضعيفين، من حديث أسماء بنت عُمي مس مرفوعًا، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «صالح المؤمنين عليّ بن أبي طالب»، ومن طريق أبي مالك، عن ابن عباس مثله موقوفًا، وفي سنده رَاوٍ ضعيف، وذكره النقاش عن ابن عباس، ومحمد بن عليّ الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصادق. قال الحافظ: فإن ثبت هذا، ففيه دفع تَوَهُّم مَن تَوَهَّم أن في الحديث المرفوع نقصًا من قدر عليّ - ﵁ -، ويكون المنفيّ أبا طالب، ومن مات من آله كافرًا، والْمُثْبَتُ مَن كان منهم مؤمنًا، وخُصَّ عليّ بالذكر؛ لكونه رأسهم، وأشير بلفظ الحديث إلى لفظ الآية المذكورة، ونَصّ فيها على عليّ تنويهًا بقدره، ودفعًا لظن مَن يَتَوَهَّم عليه في الحديث المذكور غَضَاضةً، ولو تفطّن مَن كَنَى عن أبي طالب لذلك لاستغنى عما صَنَعَ. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٣)

١. وفي نسخة: «ليسوا بأوليائي، وإنما».

٢. «الفتح» ١٠/ ٤٣٣ «كتاب الأدب» رقم (٥٩٩٠).

٣. «الفتح» ١٠/ ٤٣٣ «كتاب الأدب» رقم (٥٩٩٠).

٤. «الفتح»١٠/ ٤٣٤.

٥. «المفهم»١/ ٤٦١ بزيادة من«الفتح»١٠/ ٤٣٣.

٦. تقدّم أنهم كذّبوه.

٧. «الفتح» ١٠/ ٤٣٣ - ٤٣٤ «كتاب الأدب» رقم (٥٩٩٠).

٨. هكذا نسخة«الفتح»١٠/ ٤٣٤، ولعله:«وانفراده لا يقدح فيه»، وليُحرّر.

٩. «الفتح»١٠/ ٤٣٤«كتاب الأدب»رقم (٥٩٩٠).

١٠. «شرح النوويّ» ٣/ ٨٨.

١١. «الفتح» ٤٣٥.

١٢. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٩٣.

١٣. أخرجه ابن ماجة في «سننه» في «كتاب الزهد» (٤٢٤٠)، وحسّنه الشيخ الألبانيّ - ﵀ -.