HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٠

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ. وَلَكِنِّي لُدِغْتُ. قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ. فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الأَسْلَمِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ. فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ. وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ. وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ. وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ. إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي. فقيل لي: هذا موسى ﷺ وَقَوْمُهُ. وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ. فَنَظَرْتُ. فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ. فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ. وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ». ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ. فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ. وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟» فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ «هم الذين لا يرقون. ولا يسترقوون. وَلَا يَتَطَيَّرُونَ. وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ. فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ «أَنْتَ مِنْهُمْ» ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فقال «سبقك بها عكاشة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص137
ج ١ ص ١٩٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٥١٠
الجسد والعمر، فعامّ، ويُخَصّ من المسؤولين مَن ذُكِر والله تعالى أعلم، ذكره في «الفتح» . (وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ») المراد بالصورة - كما تقدّم - الصفة، يعني: أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه، وهي ليلة أربعة عشر من الشهر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[١٠٠/ ٥٣٢] (٢١٩)، و(البخاريّ) في«بدء الخلق»(٣٢٤٧)، و«الرقاق»(٦٥٤٣ و٦٥٥٤)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه» (٥٢٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٣٣] (٢٢٠) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ، قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ، فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الْأَسْلَمِيّ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ، أَوْ حُمَةٍ»، فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَان، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى - ﷺ - وَقَوْمُهُ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْأَفق، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَاد عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَر، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أمّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا عَذَابٍ»، ثُمَّ نَهَضَ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُون الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَام، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِالله، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟» فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور) بن شُعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكّة، ثقة، مصنّف [١٠] (٢٢٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (هُشَيْم) بن بَشِير بن القاسم السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٣ - (حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) السّلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ، تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٥. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر - ﵄ -، مات (٦٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: حُصين، عن سعيد. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، وكان يلقّب بالبحر والحبر؛ لسعة علمه - ﵁ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن حُصين بن عبد الرَّحمن، أنه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ) - بالقاف، والضاد المعجمة -: أي مال للسقوط، قال الجوهريّ - ﵀ -: انقضّ الحائط: أي سقط، وانقضّ الطائر: هَوَى في طيرانه، ومنه انقضاض الكواكب، ولم يستعملوا من تَفَعَّلَ إلَّا مُبدلًا، قالوا: تقضّى، فاستثقلوا ثلاث ضادات، فأبدلوا من إحداهنّ ياءً، كما قالوا: تَظَنَّى من الظّنّ، قال العَجاجُ [من الرجز]: تَقَضِّيَ الْبَازِ إِذَا الْبَازِي كَسَرْ وقال المجد - ﵀ -: انقضّ الجدار: تصدَّع، ولم يَقَعْ بعدُ، كانقاضّ انقضاضًا، وانقضّت الخيلُ عليهم: انتشرت، وانقضَّ الطائر: هَوَى لِيَقَعَ. انتهى . وقال الفيّوميّ: انقضَّ الطائر: هَوَى في طيرانه، وانقضَّ الشيءُ: انكسر، ومنه انقضّ الجدار: إذا سقط، وبعضهم يقول: انقضّ: إذا تصدّع، ولم يسقُط، فإذا سقط قيل: انهار، وتهوَّر. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن المعنى المناسب هنا هو الميل للسقوط، كما قال الجوهريّ: ومنه انقضاض الكواكب، لا السقوط كما قال النوويّ في شرحه؛ لأن الكوكب ما سقط إلى الأرض، وإنما انتشر في السماء، ومال إلى السقوط، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (الْبَارِحَةَ؟) هي أقرب ليلة مَضَت، قال أبو العباس ثعلب: يقال قبلَ الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحةَ، وهكذا قاله غير ثعلب، قالوا: وهي مشتقة من بَرِحَ من باب تَعِبَ بَرَاحًا: إذا زالَ من مكانه، وقد ثبت في «صحيح مسلم» في «كتاب الرؤيا»: أن النبيّ - ﷺ - كان إذا صلى الصبح قال: «هل رأى أحد منكم البارحةَ رؤيا» . قال حصين (قُلْتُ: أَنَا) مبتدأ حُذف خبره لدلالة السؤال عليه: أي أنا رأيته (ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم، قال ابن هشام - ﵀ - في «مغنيه»: «أَمَا» بالفتح، والتخفيف على وجهين: [أحدهما]: أن تكون حرف استفتاح بمنزلة «إلا»، وإذا وقعت «إِنَّ» بعدها كُسِرَت، كما تُكْسَرُ بعد «ألا» الاستفتاحيّة. [الثاني]: أن تكون بمعنى «حَقًّا»، وهذه تُفتح «أَنَّ» بعدها، كما تُفتح بعد «حقًّا». انتهى كلامه باختصار . قال الجامع عفا الله عنه: «أمَا» هنا تحتمل الوجهين، إن صحّت الرواية بهما، فيجوز كسر «إن» وفتحها، على التقديرين، لكن الذي وقع في النسخ المطبوعة الموجودة عندنا بكسر الهمزة، فينبغي التقيّد به، إلى أن يثبت الفتح، فتبصّر، والله تعالى أعلم. أداة استفتاح وتنبيه، مثلُ «إلا» (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد «أما»، وهي كـ «إلا»، كما في قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، (لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ) أي لَمْ يكن سهري من أجل صلاة الليل، وأراد أن ينفي عن نفسه تزكيتها بالعبادة، والسَّهَر في الصلاة، مع أنه لَمْ يكن فيها (وَلَكِنِّي لُدِغْتُ) بالبناء للمفعول، وهو بالدال المهملة، والغين المعجمة، قال أهل اللغة: يقال: لَدَغته العقرب والحيَّة، وذوات السُّموم، من باب مَنَعَ: إذا أصابته بِسُمّها، وذلك بأن تَأَبُرَه بشوكتها . (قَالَ) سعيد (فَمَاذَا صَنَعْتَ؟) أي: أيَّ شيء صنعتَ؟ أتداويت، أم صبرت على ما أصابك، محتسبًا؛ لتنال درجة هؤلاء السبعين ألفًا؟ (قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ) أي طلبتُ الرُّقيا من نفسي، أو من غيري، والرُّقيا بالضمّ: اسم مِن رَقَيتُهُ أرقيه رَقْيًا، من باب رَمَى: إذا عَوَّذته بالله تعالى (قَالَ) سعيد (فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟) أي: أيُّ شيء دعاك إلى الاسترقاء؟ مع أنّ تركه أولى (قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته في «المقدمة» ٦/ ٥٠. (فَقَالَ) سعيد (وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ) بالموحّدة مصغّرًا (بْنِ حُصَيْبٍ) بضمّ الحاء، وفتح الصاد المهملتين، مصغّرًا. هو: بُريدة بن الْحُصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سَعْد بن رَزَاح بن عَدِيّ بن سَهْم بن مازن بن الحارث بن سَلامان بن أَفْصَى الأسلميّ الصحابيّ المشهور، قال ابن السكن: أسلم حين مَرّ به النبي - ﷺ - مُهاجرًا بالغَمِيم، وأقام في موضعه حتى مَضَت بدرٌ وأُحُدٌ، ثم قَدِمَ بعد ذلك، وقيل: أسلم بعد مُنصَرَف النبي - ﷺ - من بدر، وسكن البصرة لما فُتحت، وفي «الصحيحين» عنه أنه غزا مع النبي - ﷺ - ست عشرة غزوةً، وقال أبو علي الطوسيّ، أحمد بن عثمان، صاحب ابن المبارك: اسم بريدة عامر، وبُريَدة لقب، وأخبار بريدة كثيرة، ومناقبه مشهورة، وكان غَزَا خُرَاسان في زمن عثمان، ثم تحوّل إلى مَرْوَ، فسكنها إلى أن مات في خلافة يزيد بن معاوية، قال ابن سعد: مات سنة ثلاث وستين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢١) حديثًا . والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله: (الْأَسْلَمِيِّ) بفتح الهمزة: نسبة إلى أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو، قاله السمعانيّ . (أَنَّهُ قَالَ: «لَا رُقْيَةَ) قال ابن الأثير - ﵀ -: الرُّقية: الْعُوذة التي يُرْقَى بها صاحب الآفة، كالْحُمَّى، والصَّرْع، وغير ذلك من الآفات. انتهى . (إِلَّا مِنْ عَيْنٍ) أي من إصابة العائن غيره بعينه، والعين حقّ (أَوْ حُمَةٍ) - بضم الحاء المهملة، وتخفيف الميم - قال ثعلب وغيره: هي سم العقرب، وقال القَزّاز: قيل: هي شوكة العقرب، وكذا قال ابن سِيدَه: إنها الإِبْرة التي تضرب بها العقرب والزنبور، وقال الخطابيّ: الْحُمَة: كلُّ هامّة ذات سُمّ، من حية أو عقرب، وقد أخرج أبو داود من حديث سهل بن حُنيف - ﵁ - مرفوعًا: »لا رقية إلَّا من نَفْسٍ، أو حُمَة، أو لَدْغَة«، فغاير بينهما، فيحتمل أن يُخَرَّج على أن الْحُمَة خاصّة بالعقرب، فيكون ذكر اللَّدْغة بعدها من ذكر العامّ بعد الخاصّ، قاله في »الفتح« . وقال النوويّ: «الْحُمَة: سمّ العقرب، وشبهها، وقيل: فَوْعَة السمّ، وهي حِدّته، وحَرَارته، والمراد: أو ذي حُمَةٍ، كالعقرب، وشبهها: أي لا رقية إلَّا من لدغ ذي حُمَة . قال الخطابيّ - ﵀ -: ومعنى الحديث: لا رُقْية أشفى، وأولى من رقية العين، وذي الْحُمَة، وقد رَقَى النبيّ - ﷺ -، وأَمَر بها، فإذا كانت بالقرآن، وبأسماء الله تعالى، فهي مباحة، وإنما جاءت الكراهة منها لِمَا كان بغير لسان العرب، فإنه ربّما كان كفرًا، أو قولًا يدخله الشرك، قال: ويَحْتَمِل أن يكون الذي كُرِه من الرُّقية ما كان منها على مذاهب الجاهلية في الْعَوَذ التي كانوا يتعاطونها، ويزعمون أنَّها تَدفَع عنهم الآفات، ويعتقدون أنَّها من قبل الجنّ، ومعونتهم. انتهى كلام الخطابيّ - ﵀ -. وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقد اختَلَفت الرواية عن مالك في إجازة رُقية أهل الكتاب للمسلم، فأجازها مرّةً إذا رَقَى بكتاب الله، ومنعها أُخرى؛ إذ لا يُدرى ما الذي يَرقي به. انتهى . (فَقَالَ) سعيد لحُصين لَمّا ذَكَر له حُجّته في الاسترقاء (قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ) أي بلغه، ووصل إليه مما شرعه الله تعالى (وَلَكِنْ) استدراك على قوله: «قد أحسن … إلخ»، يعني أن استرقاءك مما لُدغت؛ لما سمعته من الحديث عملٌ مستحسنٌ؛ لأن من عَمِلَ عملًا له عليه حجة من الكتاب والسنّة، فقد أحسن، ولا لوم عليه، ولكن أعلى من ذلك تركه توكّلًا على الله تعالى؛ لِمَا (حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «عُرِضَتْ) بضمّ أوله، مبنيًّا للمفعول (عَلَيَّ) بتشديد الياء (الْأُمَمُ) بالرفع على أنه نائب فاعل»عُرِضَت«. [تنبيه]: قد بَيَّن عَبْثَرُ بن القاسم - بموحدة، ثم مثلثة، وِزَانُ جعفر - في روايته، عن حُصين بن عبد الرَّحمن عند الترمذيّ، والنسائيّ أن ذلك كان ليلة الإسراء، ولفظه:«لَمّا أُسري بالنبيّ - ﷺ - جَعَل يمر بالنبيّ، ومعه الواحد … »الحديث. قال الحافظ - ﵀ -: فإن كان ذلك محفوظًا كانت فيه قُوّة لمن ذَهَب إلى تعدد الإسراء، وأنه وقع بالمدينة الذي وَقَع بمكة، فقد وقع عند أحمد، والبزار، بسند صحيح، قال: أكرينا الحديث عند رسول الله - ﷺ -، ثم عُدْنا إليه، فقال:«عُرِضت عليّ الأنبياءُ الليلةَ بأممها، فجَعَلَ النبيّ يَمُرّ، ومعه الثلاثة، والنبيّ يمر ومعه العصابة … »فذكر الحديث. وفي حديث جابر - ﵁ - عند البزار:«أبطأ رسول الله - ﷺ - عن صلاة العشاء، حتى نام بعض من كان في المسجد … » الحديث. قال: والذي يتحرّر من هذه المسألة أن الإسراء الذي وقع بالمدينة ليس فيه ما وقع بمكة، من استفتاح أبواب السماوات بابًا بابًا، ولا من التقاء الأنبياء، كلّ واحد في سماء، ولا المراجعة معهم، ولا المراجعة مع موسى فيما يتعلق بفرض الصلوات، ولا في طلب تخفيفها، وسائر ما يتعلق بذلك، وإنما تكررت قضايا كثيرة سوى ذلك، رآها النبيّ - ﷺ - فمنها بمكة البعض، ومنها بالمدينة بعد الهجرة البعض، ومعظمها في المنام. انتهى كلام الحافظ . قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الحافظ - ﵀ - في هذا التحقيق، فتقدّم أن الأصحّ عدم تعدّد الإسراء، وذلك لإشكاله في تعدّد مراجعة النبيّ - ﷺ - لربه بعدما قال له: «لا يبدل القول لديّ»، فهذا هو الذي يمنع القول بالتعدّد، وأما ما خلا من ذلك، فلا مانع منه إن ثبت بنقل صحيح، والله تعالى أعلم. (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ) - بضم الراء - تصغير الرهط، وهي الجماعة، دون العشرة، والجملة في محلّ نصب على الحال من «النبيّ» (وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَان، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) أي لعدم من آمن به، واتّبعه في الدنيا. وفي رواية البخاريّ: «فأخذ النبيّ يَمُرّ معه الأمة، والنبيّ يَمُرّ معه النفر، والنبي يمر معه العَشْر» ، وفي رواية: «فجَعَل النبيّ والنبيان يمرون، ومعهم الرهط»، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ -: «فجَعَل النبيّ يمر ومعه الثلاثة، والنبيّ يمر ومعه العصابة، والنبي يمر وليس معه أحد». فتبيّن من هذه الروايات أن الأنبياء - ﵇ - يتفاوتون في عدد أتباعهم، والله تعالى أعلم. (إِذْ رُفعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ) وفي رواية البخاريّ: «فنظرت، فإذا سواد كثير»، وفي رواية: «فرأيت سوادًا كثيرًا، سَدَّ الأفق». و«السواد»: ضد البياض، وهو الشخص الذي يُرَى من بعيد، ووَصَفَه بالكثير إشارةً إلى أن المراد به الجنسُ لا الواحد، ووقع في رواية: «ملأ الأفق»، والأفق: الناحية، والمراد به هنا ناحية السماء. (فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى - ﷺ - وَقَوْمُهُ) وفي رواية البخاري: «قلت: يا جبريل هؤلاء أمتي؟ قال: لا»، في رواية: «فرَجَوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى في قومه»، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - عند أحمد: «حتى مَرّ عليّ موسى في كبكبة من بني إسرائيل، فأعجبني، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هذا أخوك موسى، معه بنو إسرائيل»، و«الْكَبْكَبة» - بفتح الكاف، ويجوز ضمها، بعدها موحدة -: هي الجماعة من الناس، إذا انضَمّ بعضهم إلى بعض. (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ) - بضمّتين -: الناحية من الأرض، ومن السماء، وهو المراد هنا، والجمع آفاق، والنسبة إليه أُفُقيّ ردًّا إلى الواحد، وربّما قيل: أَفَقيّ - بفتحتين - تخفيفًا على غير قياس، حكاهما ابن السّكّيت وغيره . (فَنَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ) وفي رواية البخاريّ: «فإذا سوادٌ كثير» (فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ) وفي رواية البخاريّ: «فإذا سوادٌ قد ملأ الأُفُق، فقيل لي انظر ههنا وههنا، في آفاق السماء»، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ -: «فإذا الأفق قد سُدّ بوجوه الرجال»، وفي لفظ لأحمد: «فرأيت أمتي قد ملأوا السَّهْل والجبل، فأعجبني كثرتهم وهيئتهم، فقيل: أرضيت يا محمد؟ قلت: نعم، أي رب». [تنبيه]: قد اسْتَشْكَل الإسماعيلي - ﵀ -: كونه - ﷺ - لَمْ يَعْرِف أمته حتى ظَنّ أنهم أمة موسى - ﵇ -، وقد ثبت من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «كيف تَعْرِف من لَمْ تَرَ من أمتك؟ فقال: إنهم غُرّ مُحَجَّلون من أثر الوضوء»، وفي لفظ: «سِيمَا ليست لأحد غيرهم» . وأجاب: بأن الأشخاص التي رآها في الأفق، لا يُدْرك منها إلَّا الكثرة، من غير تمييز لأعيانهم، وأما ما في حديث أبي هريرة - ﵁ -، فمحمول على ما إذا قَرُبُوا منه، وهذا كما يَرَى الشخص شخصًا على بُعْدٍ، فيكلِّمه، ولا يَعْرِف أنه أخوه، فإذا صار بحيث يتميز عن غيره عَرَفه، ويؤيده أن ذلك يقع عند ورودهم عليه الحوض. انتهى ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا عَذَابٍ») قال النوويّ - ﵀ -: معناه: ومع هؤلاء سبعون ألفًا من أمتك، فكونهم من أمته - ﷺ - لا شك فيه، وأما تقديره: فيحتمل أن يكون معناه: وسبعون ألفًا من أمتك، غير هؤلاء، وليسوا مع هؤلاء، ويحتمل أن يكون معناه: في جملتهم سبعون ألفًا، ويؤيد هذا رواية البخاري في«صحيحه»:«هذه أمتك، ويدخل الجَنَّة من هؤلاء سبعون ألفًا»، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال في«الفتح»: المراد بالمعية: المعنويةُ، فإن السبعين ألفًا المذكورين من جملة أمته، لكن لَمْ يكونوا في الذين عُرِضُوا إذ ذاك، فأريد الزيادة في تكثير أمته بإضافة السبعين ألفًا إليهم. وقد وقع في رواية محمد بن فضيل، عن حُصين:«ويدخل الجَنَّة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير حساب»، وفي رواية عَبْثَر بن القاسم، عن حصين:«هؤلاء أمتك، ومن هؤلاء من أمتك سبعون ألفًا». والإشارة بـ«هؤلاء»إلى الأمة، لا إلى خُصوص مَن عُرِض، ويحتمل أن تكون«مع»بمعنى:«مِن»، فتأتلف الروايات. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في«الفتح»:«مع»بمعنى:«من»، وهذا يحتاج إلى ثبوته عن أهل اللغة، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ نَهَضَ) من باب نَفَع: أي قام النبيّ - ﷺ - من مجلسه ذلك (فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ) بالخاء والضاد المعجمتين: أي تكلّموا، وتناظروا، وفي هذا إباحة المناظرة في العلم، والمباحثة في نصوص الشرع، على جهة الاستفادة، وإظهار الحق، والله تعالى أعلم. (فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ صَحِبُوا) بفتح أوله، وكسر ثانيه، يقال: صَحِبَه يَصْحَبه من باب تَعِبَ، صُحْبَةً (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَام، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِالله، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ) وفي رواية عَبْثَر: «فدَخَلَ، ولم يسألوه، ولم يُفسِّر لهم»، وفي رواية محمد بن فُضيل: «فأفاض القوم، فقالوا: نحن الذين آمنا بالله، واتبعنا الرسول، فنحن هم، أو أولادنا الذين وُلدوا في الإسلام، فإنا وُلدنا في الجاهلية، فبلغ النبيّ - ﷺ - فخرج، فقال …»، وفي رواية حُصَين بن نُمير: «فقالوا: أما نحن فوُلدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله وبرسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا»، وفي حديث جابر - ﵁ -: «وقال بعضنا: هم الشهداء»، وفي رواية له: «مَن رَقَّ قلبه للإسلام». (فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟» فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُمُ الذِينَ لَا يَرْقُونَ) هكذا في رواية سعيد بن منصور قال:»لا يرقون«، وقال غيره بدلها:»لا يَكتوُون«، ولفظ البخاريّ:»قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون«. قال في«الفتح»: اتَّفَقَ على ذكر هذه الأربع معظمُ الروايات في حديث ابن عباس - ﵄ - وإن كان عند البعض تقديم وتأخير، وكذا في حديث عمران بن حصين - ﵄ - عند مسلم - يعني الذي تقدّم قبل هذا - وفي لفظ له سقط:«ولا يتطيرون». قال: وقد أنكر الشيخ تقيّ الدين ابن تيمية هذه الرواية - يعني رواية سعيد بن منصور هذه - بلفظ:«ولا يَرْقُون»، وزعم أنَّها غلط من راويها، واعتَلَّ بأن الراقي يُحسِن إلى الذي يَرقيه، فكيف يكون ذلك مطلوبَ الترك؟، وأيضًا فقد رَقَى جبريل النبيّ - ﷺ -، ورَقَى النبي - ﷺ - أصحابه، وأذن لهم في الرُّقَي، وقال:«من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل»، والنفع مطلوب، قال: وأما الْمُستَرقِي فإنه يسأل غيره، ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك، قال: وإنما المراد وصف السبعين بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يَرْقِيَهم، ولا يَكْويهم، ولا يتطيرون من شيء. وأجاب غيره: بأن الزيادة من الثقة مقبولة، وسعيد بن منصور حافظ، وقد اعتمده البخاري ومسلم، واعتمد مسلم على روايته هذه، وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه، والمعنى الذي حَمَله على التغليط موجود في المسترقِي؛ لأنه اعْتَلّ بأن الذي لا يطلب من غيره أن يَرقيه تامّ التوكل، فكذا يقال له: والذي يَفعل غيره به ذلك ينبغي أن لا يُمَكِّنه منه؛ لأجل تمام التوكل، وليس في وقوع ذلك من جبريل؛ دلالةٌ على الْمُدَّعَى، ولا في فعل النبيّ - ﷺ - له أيضًا دلالةٌ لأنه في مقام التشريع، وتبيينِ الأحكام. ويمكن أن يقال: إنما ترك المذكورون الرُّقَى والاسترقاءَ حسمًا للمادة؛ لأن فاعل ذلك لا يَأمَن أن يَكِلَ نفسه إليه، وإلا فالرُّقية في ذاتها ليست ممنوعة، وإنما مُنِع منها ما كان شركًا، أو احتمله. ومن ثَمّ قال - ﷺ -: «اعْرِضُوا عليَّ رُقَاكم»، و«لا بأس بالرُّقَى ما لَمْ يكن شرك»، ففيه إشارة إلى علة النهي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق الذي ذكره الحافظ - ﵀ - تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن زيادة: «لا يَرقون» في رواية سعيد بن منصور هذه زيادة صحيحة؛ لأن سعيدًا ثقة حافظ، تُقبل زيادته، وليس في قبولها ما يؤدّي إلى معنى منكر؛ لأن النكارة التي ظُنّت فيها، وهي منافاة تمام التوكّل توجد في الاسترقاء أيضًا، فلا معنى لإنكارها وحدها، والمراد أن هؤلاء السبعين قد أعرضوا عن هذه الأسباب، وإن كانت مباحةً؛ طلبًا لتمام التوكّل، فخُصّوا بهذه الدرجة العالية، والله تعالى أعلم. وقد نَقَل القرطبي - ﵀ - عن غيره أن استعمال الرُّقَى والكيّ قادح في التوكل، بخلاف سائر أنواع الطبّ، وفرَّق بين القسمين بأن البرء فيهما أمر موهوم، وما عداهما مُحَقَّق عادةً، كالأكل والشرب، فلا يقدح، قال القرطبيّ: وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن أكثر أبواب الطبّ موهوم، والثاني: أن الرُّقَى بأسماء الله تعالى تقتضي التوكل عليه، والالتجاء إليه، والرغبة فيما عنده، والتبرك بأسمائه، فلو كان ذلك قادحًا في التوكل، لَقَدَح الدعاء؛ إذ لا فرق بين الذكر والدعاء، وقد رَقَى النبيّ - ﷺ -، ورُقِي، رقاه جبريل وعائشة، وفَعَل ذلك الخلفاء والسلف، فلو كان مانعًا من اللَّحَاق بالسبعين، أو قادحًا في التوكل لَمْ يقع من هؤلاء، وفيهم من هو أعلى وأفضل ممن عداهم. انتهى . وتُعُقِّب بأنه بَنَى كلامه على أن السبعين المذكورين أرفع رتبةً من غيرهم مطلقًا، وليس كذلك؛ لما سيأتي. وجَوَّز أبو طالب بن عطية في موازنة الأعمال أن السبعين المذكورين هم المراد بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢]، فإن أراد أنهم من جملة السابقين فمسلَّمٌ، وإلا فلا. وقد أخرج أحمد، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، من حديث رِفَاعة الْجهَنيّ قال: أقبلنا مع رسول الله - ﷺ -، فذكر حديثًا، وفيه: «وَعَدَني ربي أن يُدخل الجَنَّة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبَوَّؤوا أنتم، ومَن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجَنَّة». فهذا يَدُلّ على أن مزية السبعين بالدخول بغير حساب لا يستلزم أنهم أفضل من غيرهم، بل فيمن يُحاسَب في الجملة مَن يكون أفضل منهم، وفيمن يتأخر عن الدخول ممن تحققت نجاته، وعَرَف مقامه من الجَنَّة يَشفَع في غيره من هو أفضل منهم. وسيأتي قريبًا من حديث أم قيس بنت محصن - ﵄ -: أن السبعين ألفًا ممن يُحشر من مقبرة البقيع بالمدينة، وهي خصوصية أخرى، قاله في «الفتح» . (وَلَا يَسْتَرْقُونَ) أي لا يطلبون من أنفسهم، ولا من غيرهم أن يرقيهم (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) أي لا يتشاءمون بإثارة الطيور من مجاثمها، كما كانوا يفعلونه في الجاهليّة. قال الجوهري - ﵀ -: تطيرتُ من الشيء، وبالشيء، والاسم منه الطِّيَرة - بكسر الطاء، وفتح الياء - مثالُ الْعِنَبَة، وقد تسكن الياء، وهو ما يُتشاءم به من الفال الرديء، وقال ابن الأثير - ﵀ -: الطّيَرةُ: مصدر تطيَّر، يقال: تَطَيَّر طِيَرةً، وتَخَيَّر خِيَرةً. قال: ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما، قال: وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الظباء والطير وغيرهما، وكان ذلك يَصُدُّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع، وأبطله، ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع، ولا دفع ضرر . وقال في «الفتح»: «الطّيَرَة» - بكسر المهملة، وفتح التحتانية، وقد تسكن -: هي التشاؤم بالشين، وهو مصدر تَطَيَّرَ، مثل تَحَيَّر حِيَرَةً، قال بعض أهل اللغة: لَمْ يجئ من المصادر هكذا غير هاتين، وتُعُقِّب بأنه سمع طِيَبَةٌ، وأورد بعضهم التِّوَلَة، وفيه نظر. وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يَمْنَةً تيمّن به، واستمر وإن رآه طار يَسْرَةً تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يُهِيج الطير ليطير، فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمونه «السانح» - بمهملة، ثم نون، ثم حاء مهملة - و«البارح» بموحدة، وآخره مهملة، فالسانح ما وَلّاك مَيَامِنَهُ، بأن يَمُرَّ عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح؛ لأنه لا يمكن رميه إلَّا بأن يَنْحَرِف إليه، وليس في شيء من سُنُوح الطير وبُرُوحها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلّف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذ لا نطق للطير، ولا تمييز، فيُسْتَدَلّ بفعله على مضمون معنىً فيه، وطلب العلم من غير مظانّه جهل من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير، ويتمدح بتركه، قال شاعر منهم [من مجزوّ الكامل]: وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا … أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمِ فَإِذَا الأَشَائِمُ كَالأَيَامِنِ … وَالأَيَامِنُ كَالأَشَائِمِ وقال آخر [من البسيط]: الزَّجْرُ وَالطَّيْرُ وَالْكُهَّانُ كُلُّهُمُ … مُضلِّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالُ وقال آخر [من الطويل]: وَمَا عَاجِلَاتُ الطَّيْرِ تُدْنِي مِنَ الْفَتَى … نَجَاحًا وَلَا عَنْ رَئِيِّهِنَّ قُصُورُ وقال آخر [من الطويل]: لَعَمْرُك مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالْحَصَى … وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللهُ صَانِعُ وقال آخر [من الوافر]: تَخَيَّرَ طَيْرَةً فِيهَا زَيادُ … لِتُخْبِرَهُ وَمَا فِيهَا خَبِيرُ تَعَلَّمَ أَنَّهُ لَا طَيْرَ إِلَّا … عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ بَلَى شَيْءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيءٍ … أَحَايِينًا وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ وكان أكثرهم يتطيرون، ويعتمدون على ذلك، وَيصِحّ معهم غالبًا؛ لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين. وقد أخرج ابن حبان في «صحيحه» من حديث أنس - ﵁ - رفعه: «لا طِيَرَةَ، والطِّيَرَةُ على مَن تَطَيَّر». وأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن النبيّ - ﷺ -: «ثلاثة لا يَسْلَم منهنّ أحدٌ: الطِّيَرة، والظنّ، والْحَسَدُ، فإذا تطيرت فلا تَرجع، وإذا حسدت فلا تَبْغ، وإذا ظننت فلا تُحَقِّق»، وهذا مرسل، أو معضلٌ، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أخرجه البيهقيّ في «الشعب». وأخرج ابن عديّ بسند لين، عن أبي هريرة - ﵁ - رفعه: «إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا»، وأخرج الطبرانيّ عن أبي الدرداء - ﵁ -، رفعه: لن ينال الدرجات العلى مَن تَكَهَّن، أو استسقم، أو رجع من سفر تَطَيُّرًا«. قال الحافظ - ﵀ -: ورجاله ثقات، إلَّا أنني أظنّ أن فيه انقطاعًا، وله شاهد عن عمران بن حصين - ﵄ -، أخرجه البزار في أثناء حديث بسند جيد. وأخرج أبو داود، والترمذيّ، وصححه هو وابن حبان عن ابن مسعود - ﵁ - رفعه:«الطّيَرَةُ شركٌ، وما مِنّا إلَّا تَطَيَّرَ، ولكن الله يُذهِبه بالتوكل». وقوله:«وما مِنَا إلّا»من كلام ابن مسعود - ﵁ - أُدرج في الخبر، وقد بيّنه سليمان بن حرب، شيخ البخاريّ فيما حكاه الترمذيّ، عن البخاريّ، عنه. وإنما جُعِلَ ذلك شركًا؛ لاعتقادهم أن ذلك يَجْلُب نفعًا، أو يدفع ضرًّا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى. وقوله:«ولكنّ الله يُذهبه بالتوكل»إشارةٌ إلى أن مَن وقع له، فَسَلَّمَ لله، ولم يَعْبَأْ بالطِّيَرة أنه لا يُؤاخَذ بما عَرَضَ له من ذلك. وأخرج البيهقيّ في«الشُّعَب»من حديث عبد الله بن عمرو موقوفًا:«مَن عَرَض لهَ من هذه الطِّيَرة شيء، فليقل: اللهم لا طَيْر إلَّا طيرُك، ولا خير إلَّا خيرك، ولا إله غيرك». (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ») قال في «الفتح»: يحتمل أن تكون هذه الجملة مفسرةً لما تقدَّم من ترك الاسترقاء، والاكتواء، والطِّيَرة، ويحتمل أن تكون من العامّ بعد الخاصّ؛ لأن صفة كلّ واحدة منها صفة خاصّة من التوكل وهو أعمّ من ذلك. وأصل التوكّل الوُكُول، يقال: وَكَلت أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه، واعتمدتُ فيه عليه، ووَكَل فلانٌ فلانًا: استكفاه أمره؛ ثقةً بكفايته، والمراد بالتوكل اعتقاد ما دَلَّت عليه هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]، وليس المراد به تركَ التسبب، والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين؛ لأن ذلك قد يَجُرّ إلى ضِدّ ما يراه من التوكل، وقد سُئِل أحمد - ﵀ - عن رجل جَلَسَ في بيته، أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي، فقال: هذا رجلٌ جَهِلَ العلم، فقد قال النبيُّ - ﷺ -: «إن الله جَعَل رزقي تحت ظل رُمحي» ، وقال: «لو توكلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تَغْدُو خماصًا، وتروح بطانًا» ، فذكر أنَّها تغدو، وتروح في طلب الرزق، قال: وكان الصحابة - ﵃ - يتّجرون، ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم. انتهى . وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى -. (فَقَامَ عُكَاشَةُ) تقدّم أنه بضمّ العين، وتشديد الكاف، وقد تُخفَّف (بْنُ مِحْصَنٍ) بكسر، فسكون (فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أنتَ مِنْهُمْ») تقدّم أنَّه - ﷺ - قال: «اللهم اجعله منهم»، ويُجمَعُ بأنه دعا له أَوَّلًا، ثم أخبره بأنه استجيبت دعوته له (ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ) لَمْ يُعرَف، وما قيل: إنه سعد بن عُبادة - ﵁ - قد تقدّم ردّه (فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ) - ﷺ - («سَبَقَكَ بِهَا) أي بهذه الدرجة، أو بهذه الدعوة (عُكَّاشَةُ»)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [١٠٠/ ٥٣٣ و٥٣٤] (٢٢٠)، و(البخاريّ) في «أحاديث الأنبياء» (٣٤١٠)، و«الطبّ» (٥٧٠٥ و٥٧٥٢)، و«الرقاق» (٦٤٧٢ و٦٥٤١)، و(الترمذيّ) في «صفة القيامة» (٢٤٤٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٧١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٤٣ و٢٤٤ و٢٤٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٥٢٦ و٥٢٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٤٣٠)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٩٨٢ و٩٨٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٣٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): أنه قد وقع الاختلاف في قوله: «لا رقية إلَّا من عين، أو حُمَةٍ»، هل هو من حديث بُريدة بن الْحُصيب - ﵁ -، كما أخرجه المصنّف عنه، أو من حديث عمران بن حُصين - ﵄ -، كما أخرجه البخاريّ في «صحيحه»، أو من حديث غيره؟ وكذا في وقفه، ورفعه. قال في «الفتح»: قوله: «عن عمران حُصين، قال: لا رقية … إلخ»، كذا رواه محمد بن فُضيل، عن حصين موقوفًا، ووافقه هُشيم، وشعبة، عن حُصين على وقفه، ورواية هشيم عند أحمد، ومسلم، ورواية شعبة عند الترمذيّ تعليقًا، ووَصَلها ابنا أبي شيبة، ولكن قالا: عن بُرَيدة، بدل عمران بن حصين، وخالفَ الجميعَ مالكُ بن مِغْوَل، عن حُصين، فرواه مرفوعًا، وقال: عن عمران بن حُصين، أخرجه أحمد، وأبو داود، وكذا قال ابن عيينة، عن حُصين، أخرجه الترمذيّ، وكذا قال إسحاق بن سليمان، عن حصين، أخرجه ابن ماجة، واختُلِف فيه على الشعبيّ اختلافًا آخر، فأخرجه أبو داود، من طريق العباس بن ذَرِيح - بمعجمة، وراء، وآخره مهملة، بوزن عَظَيم - فقال: عن الشعبيّ، عن أنس، ورفعه، وشذّ العباس بذلك، والمحفوظ رواية حُصَين مع الاختلاف عليه، في رفعه ووقفه، وهل هو عن عمران، أو بُرَيدة؟. والتحقيقُ أنه عنده عن عمران، وعن بُرَيدة جميعًا، ووقع لبعض الرواة عن البخاري قال: حديث الشعبيّ مرسلٌ، والمسندُ حديث ابن عباس، فأشار بذلك إلى أنه أورد حديث الشعبيّ استطرادًا، ولم يَقْصِد إلى تصحيحه، ولعلّ هذا هو السر في حذف الْحُميديّ له من «الجمع بين الصحيحين»، فإنه لَمْ يذكره أصلًا. قال: ثم وجدتُ في نسخة الصغانيّ: قال أبو عبد الله - هو البخاريّ -: إنما أردنا من هذا حديث ابن عباس، والشعبيّ عن عمران مرسلٌ، وهذا يؤيد ما ذكرته. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الحافظ - ﵀ - تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن الأرجح في حديث عمران بن حصين - ﵄ - هذا أنه موقوف عليه، وأنه إنما ذكره الشيخان في «صحيحيهما»؛ استطرادًا، لا أصالةً، واحتجاجًا، فلا ينافي غرض الكتابين. لكن الذي يظهر أن مثله لا يُقال بالرأي، فله حكم الرفع، ولذا صوّب سعيد بن جبير - ﵀ - احتجاج حُصين بن عبد الرَّحمن به على استرقائه، فتأمّل، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: الظاهر أن البخاريّ - ﵀ - أراد بقوله: مرسل ضدّ المرفوع، وهو الموقوف؛ لأنه قابله بالمسند، والمسند يُطلَق على المرفوع عند بعض المحدّثين، كما أشار إليه السيوطيّ في «ألفيّة الحديث» بقوله: الْمُسْنَدُ الْمَرْفُوعُ ذَا اتِّصَالِ … وَقِيلَ أَوَّلٌ وَقِيلَ التَّالِي والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان دخول طائفة من هذه الأمّة الجنّة بغير حساب ولا عذاب. ٢ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على أمة محمد - ﷺ - حيث يُدخل طائفةً منهم الجَنَّة بغير حساب، ولا عذاب. ٣ - (ومنها): مشروعيّة الاسترقاء من العين، والْحُمَة، وقد سبق أن هذا لا ينافي الاسترقاء في غيرهما من الأمراض؛ لأن المراد أن الرقية في هذين أنفع وأولى من سائر الأدوية، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): بيان أن أهل الجنّة يختلف جمالهم، وبهاؤهم كما تختلف درجاتهم، كما قال - ﷿ -: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]. ٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمةً لعُكاشة بن مِحْصَن - ﵁ -، حيث نصّ رسول الله - ﷺ - في هذا الحديث أنه يدخل الجَنَّة بغير حساب، فقال: «أنت منهم». ٦ - (ومنها): حسن تلظف النبيُّ - ﷺ - وكريم أخلاقه، حيث قال للرجل الآخر: «سبقك بها عكّاشة»، ولم يقل له: لست منهم. ٧ - (ومنها): أن التطيّر غير مشروع، وأما الكيّ، والرقي، فسيأتي تفصيل الكلام فيهما في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى -. ٨ - (ومنها): فضل التوكّل على الله - ﷾ -. ٩ - (ومنها): أنه يؤخذ من قول سعيد بن جُبير: «فما حملك على ذلك؟»، وقول: حُصين بن عبد الرَّحمن: «حديث حدّثناه الشعبيّ … إلخ»، مدى حرص السلف على طلب الدليل على أيّ عمل يعمله الإنسان، من التداوي، أو غيره؛ ليكونوا على علم وبصيرة، ولا يتّبعوا أهواءهم، وهذا هو الطريق المستقيبم الذي بعث الله به محمدًا - ﷺ -، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. ١٠ - (ومنها): أنه يؤخذ من قول سعيد - ﵀ -: «قد أحسن من انتهى … إلخ»، مدح من اتّصف باتّباع الأدلّة التي وصلت إليه، والعمل بها، وإن كان هناك دليلٌ أرجح منها، ولكنه أرشده إلى الأرجح. ١١ - (ومنها): أنه يؤخذ من قول حُصين - ﵀ -: «أما إني لَمْ أكن في صلاة … إلخ»، حرص السلف على الابتعاد عن تزكية أنفسهم بما ليس فيهم، فيكونوا كلابس ثوبي زور، فإن كونه ساهرًا في الليل يُظنّ منه أنه كان يصلّي، ويذكر الله تعالى فيه، مع أنه إنما سهر لمرض حلّ به، فخشي أن يُظنّ به ما ليس فيه، فصرّح بدفعه عنه. ١٢ - (ومنها): مشروعيّة المناقشة والمناظرة في نصوص الكتاب والسنّة؛ للتوصّل إلى الغرض المطلوب منها، فإن هؤلاء الصحابة - ﵃ -، تنازعوا في هؤلاء السبعين ألفًا، وأقرّهم النبيّ - ﷺ - على ذلك، ثم بيّن لهم ما هو الصواب في المسألة. وأما ما ورد من إنكاره - ﷺ - في ذلك، فمحمول على ما يؤدّي إلى المغالطة، وإظهار الغلبة على الأقران، ودفع بعض النصوص ببعض، فإن ذلك حرام، أو فيما لا ينبغي الخوض فيه، كالقدر، والتنازع في متشابه الكتاب والسنّة. فقد أخرج المصنّف - ﵀ - في «كتاب العلم»، فقال: (٢٦٦٦) حدثنا أبو كامل، فُضيل بن حسين الْجَحْدريّ، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أبو عمران الْجَوْني، قال: كتب إليّ عبد الله بن رَبَاح الأنصاريّ، أن عبد الله بن عمرو، قال: هَجَّرت إلى رسول الله - ﷺ - يومًا، قال: فسمع أصوات رجلين، اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله - ﷺ -، يُعرَف في وجهه الغضب، فقال: «إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب». وأخرج الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، بسند صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن نَفَرًا كانوا جلوسًا بباب النبيِّ - ﷺ -، فقال بعضهم: ألم يقل الله: كذا وكذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله: كذا وكذا؟، فسمع ذلك رسول الله - ﷺ -، فخَرَج، كأنما فُقِئ في وجهه حَبّ الرُّمّان، فقال: «بهذا أُمرتم؟ أو بهذا بُعثتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضَلّت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما ها هنا في شيء، انظروا الذي أُمرتم به، فاعملوا به، والذي نُهيتم عنه فانتهوا». وفي رواية له: أن رسول الله - ﷺ - خَرَج على أصحابه، وهم يتنازعون في القدر، هذا ينزع آيةً، وهذا ينزع آية … فذكر الحديث ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في معنى هذا الحديث: (اعلم): أنهم اختَلَفوا في ذلك، فقال أبو عبد الله المازريّ - ﵀ -: احتج بعض الناس بهذا الحديث على أن التداوي مكروه، ومعظم العلماء على خلاف ذلك، واحتجوا بما وقع في أحاديث كثيرة من ذكره - ﷺ - لمنافع الأدوية، والأطعمة، كالْحَبّة السوداء، والقُسْط، والصَّبِر، وغير ذلك، وبأنه - ﷺ - تداوي، وبإخبار عائشة - ﵂ - بكثرة تداويه، وبما عُلِم من الاستشفاء برُقَاه، وبالحديث الذي فيه أن بعض الصحابة - ﵃ - أخذوا على الرقية أجرًا، فاذا ثبت هذا حُمِل ما في الحديث على قوم يَعتقدون أن الأدوية نافعة بطبعها، ولا يُفَوِّضون الأمر إلى الله تعالى. قال القاضي عياض - ﵀ -: قد ذهب إلى هذا غير واحد ممن تكلم على الحديث، ولا يستقيم هذا التأويل، وإنما أخبر - ﷺ - أن هؤلاء لهم مزية وفضيلة، يدخلون الجَنَّة بغير حساب، وبأن وجوههم تضيء إضاءة القمر ليلة البدر، ولو كان كما تأوّله هؤلاء لَمَا اختص هؤلاء بهذه الفضيلة؛ لأن تلك هي عقيدة جميع المؤمنين، ومن اعتقد خلاف ذلك كَفَرَ. وقد تكلم العلماء، وأصحاب المعاني على هذا، فذهب أبو سليمان الخطابيّ وغيره إلى أن المراد: مَن تركها توكلًا على الله تعالى، ورضاءً بقضائه وبلائه، قال الخطابيّ: وهذه من أرفع درجات المتحققين بالإيمان، قال: وإلى هذا ذهب جماعة سمّاهم، قال القاضي: وهذا ظاهر الحديث، ومقتضاه أنه لا فرق بين ما ذُكِر من الكيّ والرُّقَي، وسائر أنواع الطبّ. وقال الداوديّ: المراد بالحديث: الذي يفعلونه في الصحة، فإنه يُكرَه لمن ليست به علةٌ أن يتخذ التمائم، ويَستعمل الرُّقَي، وأما من يستعمل ذلك، ممن به مرضٌ، فهو جائز. وذهب بعضهم إلى تخصيص الرُّقَى والكيّ من بين أنواع الطبّ لمعني، وأن الطبّ غير قادح في التوكل؛ إذ تطبب رسول الله - ﷺ -، والفضلاء من السلف، وكل سبب مقطوع به، كالأكل والشرب للغذاء والريّ لا يقدح في التوكل عند المتكلمين في هذا الباب، ولهذا لَمْ يَنْفِ عنهم التطبب، ولهذا لَمْ يجعلوا الاكتساب للقوت، وعلى العيال قادحًا في التوكل، إذا لَمْ يكن ثقته في رزقه باكتسابه، وكان مُفَوِّضًا في ذلك كله إلى الله تعالى، والكلام في الفرق بين الطبّ والكيّ يطول، وقد أباحهما النبيّ - ﷺ -، وأثنى عليهما، لكني أذكر منه نكتةً تكفي، وهو أنه - ﷺ - تطبب في نفسه، وطَبَّب غيره، ولم يكتو، وكَوَى غيره، ونَهَى في «الصحيح» أمته عن الكيّ، وقال: «ما أُحِب أن أَكْتَوِي». انتهى كلام القاضي - ﵀ - . قال النوويّ - ﵀ - بعد ما تقدّم -: والظاهر من معنى الحديث ما اختاره الخطابيّ ومن وافقه كما تقدم. وحاصله: أن هؤلاء كَمُلَ تفويضهم إلى الله - ﷿ -، فلم يتسببوا في دفع ما أوقعه بهم، ولا شك في فضيلة هذه الحالة، ورجحان صاحبها، وأما تطبب النبيّ - ﷺ -»، فليبيّن لنا الجواز، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال في«الفتح»: قد تمسك بهذا الحديث مَن كَرِهَ الرُّقَى، والكَيّ من بين سائر الأدوية، وزعم أنهما قادحان في التوكل، دون غيرهما، وأجاب العلماء عن ذلك بأجوبة: [أحدها]: ما قاله الطبريّ، والمازريّ، وطائفة: إنه محمول على من جانب اعتقاد الطبائعيين في أن الأدوية تنفع بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون، وقال غيرهم: الرُّقَى التي يُحْمَد تركها ما كان من كلام الجاهلية، ومن الذي لا يُعْقَل معناه لاحتمال أن يكون كفرًا، بخلاف الرُّقَى بالذكر ونحوه. وتعقّبه القاضي عياض وغيره: بأن الحديث يدلّ على أن للسبعين ألفًا مزيّةً على غيرهم، وفضيلةً انفردوا بها عمن شاركهم في أصل الفضل والديانة، ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها، أو يَستعمل رُقَى الجاهلية ونحوها، فليس مسلمًا، فلم يَسْلَم هذا الجواب. [ثانيها]: ما قاله الداوديّ، وطائفة: إن المراد بالحديث: الذين يجتنبون فعلَ ذلك في الصحة؛ خشيةَ وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا، وبه قال ابن قتيبة وغيره، وهو اختيار ابن عبد البرّ، لكنه متعقّبٌ بما ثبت من الاستعاذة قبل وقوع الداء. [ثالثها]: ما قاله الحليميّ: يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث مَن غَفَلَ عن أحوال الدنيا، وما فيها من الأسباب العوارض، فهم لا يَعْرِفون الاكتواء، ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يَعتريهم إلَّا الدعاء، والاعتصام بالله تعالى، والرضا بقضائه، فهم غافلون عن طبّ الأطباء، ورُقَى الرُّقَاة، ولا يحسنون من ذلك شيئًا. [رابعها]: أن المراد بترك الرُّقَى والكيّ الاعتمادُ على الله في دفع الداء، والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك؛ لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة، وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابيّ، ومن تبعه. قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواصّ الأولياء، ولا يَرِد على هذا وقوع ذلك من النبيّ - ﷺ - فعلًا، وأمرًا؛ لأنه كان في أعلى مقامات العرفان، ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع، وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله؛ لأنه كان كامل التوكل يقينًا، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئًا، بخلاف غيره، ولو كان كثير التوكل، لكن مَن ترك الأسبابَ وفَوَّض، وأخلص في ذلك كان أرفع مقامًا. قال الطبريّ: قيل: لا يستحق التوكل إلَّا من لَمْ يخالط قلبَهُ خوفٌ من شيء البتة، حتى السبع الضاري، والعدوّ العادي، ولا من لَمْ يَسْعَ في طلب رزق، ولا في مداواة ألم. والحقّ أن مَن وَثِقَ بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماضٍ، لَمْ يقدح في توكله تعاطيه الأسباب؛ اتِّباعًا لسنته، وسنة رسوله - ﷺ -، فقد ظاهر - ﷺ - في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه الْمِغْفَر، وأقعد الرُّماة على فَمِ الشِّعْب، وخَنْدَق حول المدينة، وأَذِنَ في الهجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادَّخَر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن يَنزل عليه من السماء، وهو كان أحقّ الخلق أن يَحْصُل له ذلك، وقال للذي سأله: أعقل ناقتي، أو أدعها؟ قال: «اعقلها، وتوكل» ، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل، ذكره في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما سبق أن أرجح الأقوال في الجمع بين أحاديث إباحة الرقى، وحديث السبعين هذا أن الأصل هو الإباحة؛ لأنه - ﷺ - فعله، وأمر به، ولكن من تركه؛ لشدّة توكّله، ووثوقه والرضا بقضاء ربّه، مع أنه يراه سببًا من الأسباب المشروعة، فإنه ينال هذه الدرجة الرفيعة، والمنزلة العالية، وهي دخول الجنّة بلا حساب، ولا عذاب، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال في «الفتح»: سلك الكرمانيّ في الصفات المذكورة مسلك التأويل، فقال: قوله: «لا يكتوون»، معناه: إلَّا عند الضرورة، مع اعتقاد أن الشفاء من الله، لا من مجرد الكيّ، وقوله: «ولا يسترقون»: معناه: بالرُّقَى التي ليست في القرآن، والحديث الصحيح، كرُقَى الجاهلية، وما لا يُؤْمَن أن يكون فيه شرك، وقوله: «ولا يتطيرون»: أي لا يتشاءمون بشيء، فكأن المراد أنهم الذين يتركون أعمال الجاهلية في عقائدهم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما سلكه الكرماني - ﵀ - من التأويل المذكور بعيد عن الحديث، والصواب ما قدّمناه، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فيما يتعلّق بقوله: «ولا يكتوون»: قال عمرو بن علي: قال يحيى: وهذا عندي حديث منكر، قال أبو عيسى: وهذا حديث غريب، من حديث أنس، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وقد رُوي عن عمرو بن أمية الضمريّ، عن النبيِّ - ﷺ - هذا. انتهى. وحسّنه الشيخ الألبانيّ - ﵀ -، انظر: «صحيح الجامع» رقم (١٠٦٨). قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب من اكتوى، أو كَوَى غيره، وفضل من لَمْ يكتو». قال في «الفتح»: كأنه أراد أن الكي جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لَمْ يتعين، وأنه إذا جاز كان أعمّ من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه، أو بغيره لنفسه، أو لغيره. أما عموم الجواز فمأخوذ من نسبة الشفاء إليه في حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: «إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شَرْبة عَسَل، أو شَرْطَة مِحْجَم، أو لَذْعَةٍ من نار، وما أحب أن أَكْتَوِي»، متّفقٌ عليه. وأما فضلُ تركه من قوله - ﷺ -: «وما أحب أن أَكْتَوِيَ»، وقد أخرج مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، قال: «رُمِيَ سعد بن معاذ على أكحله، فحسمه رسول الله - ﷺ -»، ومن طريق أبي سفيان، عن جابر: «أن النبيّ - ﷺ - بَعَث إلى أبي بن كعب طبيبًا، فقَطَع منه عِرْقًا، ثم كواه»، ورَوَى الطحاويّ، وصححه الحاكم، عن أنس - ﵁ - قال: «كَوَاني أبو طلحة في زمن النبيّ - ﷺ -»، وأصله في البخاريّ، وأنه كُوِيَ من ذات الجنب، وعند الترمذيّ، عن أنس - ﵁ -: «أن النبيّ - ﷺ - كَوَى أسعد بن زُرارة من الشوكة»، ولمسلم عن عمران بن حصين - ﵄ -: «كان يُسَلَّم عليّ حتى اكتويت، فتُرِكتُ، ثم تركت الكيّ، فعاد» . وله عنه من وجه آخر: «أن الذي كان انقطع عني رجع إليّ»، يعني؛ تسليم الملائكة، كذا في الأصل، وفي لفظ: «أنه كان يُسَلَّم عليّ، فلما اكتويت أُمسك عني، فلما تركته عاد إليّ»، وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، عن عمران - ﵁ -: «نَهَى رسول الله - ﷺ - عن الكيّ، فاكتوينا، فما أفلحنا، ولا أنجحنا»، وفي لفظ: «فلم يُفلحن، ولم يَنجحن»، وسنده قويّ. قال الحافظ - ﵀ -: والنهي فيه محمول على الكراهة، أو على خلاف الأولى؛ لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل: إنه خاصّ بعمران؛ لأنه كان به الباسور، وكان موضعه خَطِرًا، فنهاه عن كيّه، فلما اشتدّ عليه كَوَاه، فلم يَنجَح. وقال ابن قتيبة: الكيّ نوعان: كَيُّ الصحيح؛ لئلا يَعْتَلّ، فهذا الذي قيل فيه: لَمْ يتوكل من اكتوى؛ لأنه يريد أن يدفع القدر، والقدر لا يدافع. والثاني: كيّ الجرح إذا نَغَلَ: أي فَسَد، والعضو إذا قُطِع فهو الذي يُشْرَع التداوي به، فإن كان الكيّ لأمر مُحْتَمِل فهو خلاف الأولى؛ لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير مُحَقَّقٍ. وحاصل الجمع أن الفعل يدلُّ على الجواز، وعدم الفعل لا يدلُّ على المنع، بل يدلُّ على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه، وأما النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء. انتهى ما في «الفتح» ، وهو تحقيق حسن جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال الحافظ - ﵀ -: ولم أر في أثر صحيح أن النبيّ - ﷺ - اكتوى، إلَّا أن القرطبيّ نَسَبَ إلى كتاب «أدب النفوس» للطبريّ أن النبيّ - ﷺ - اكتوى، وذكره الْحَلِيميّ بلفظ: رُوي أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأُحد. قال الحافظ: والثابت في الصحيح أن فاطمة أحرقت حَصِيرًا، فَحَشَت به جرحه، وليس هذا الكيَّ المعهودَ، وجزم ابن التين بأنه اكتوي، وعكسه ابن القيم في «الهدي». انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): فيما يتعلّق بقوله: «وعلى ربهم يتوكلون»: قال النوويّ - ﵀ -: اختَلَفَت عبارات العلماء من السلف والخلف في حقيقة التوكل، فحَكَى الإمام، أبو جعفر الطَّبَريّ وغيره عن طائفة من السلف، أنهم قالوا: لا يَسْتَحقُّ اسم التوكل إلَّا من لَمْ يُخالط قلبه خوف غير الله تعالى، من سَبُع، أو عدوّ، حتى يترك السعي في طلب الرزق ثقةً بضمان الله تعالى له رزقه، واحتجوا بما جاء في ذلك من الآثار. وقالت طائفة: حدُّه الثقة بالله تعالى، والإيقان بأن قضاءه نافذ ماضٍ، واتباعُ سنة نبيه محمد - ﷺ - في السعي فيما لا بدّ منه، من المطعم والمشرب، والتحرُّز من العدوّ، كما فعله النبيّ - ﷺ -، وفعله الأنبياء - صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين - فقد نصّ الله تعالى عنهم الخوفَ، والكسبَ، والتحرّز من أعدائهم، وعن نبيّنا - ﷺ - مثله، من ادّخار قوت سنته، وتطبُّبه، وفعل ذلك جِلّة أصحابه - ﵃ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا المذهب هو الحقّ، وأما الأول فمذهب رديء، بل باطلٌ؛ لمنابذته هدي النبيّ - ﷺ -، و«خير الهدي هدي محمد - ﷺ -»، فكان - ﷺ - يأخذ بالأسباب، وأمر أمته بالأخذ بها، وهو سيّد المتوكّلين، فتبصّر. ثم إن هذا لا ينافي ما ورد في حقّ السبعين ألفًا من إعراضهم عن هذه الأسباب التي وردت في هذا الحديث؛ لأن هذا ورد الترغيب في الإعراض عنه، وأخبر الشارع بأنه من صفات هؤلاء، فيُقتصر عليه، فعليك بالتمييز بين الحقائق، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال في «الفتح»: قال القرطبي وغيره: قالت طائفة من الصوفية: لا يستحقّ اسم التوكل إلَّا من لَمْ يخالط قلبه خوف غير الله تعالى، حتى لو هَجَم عليه الأسد لا ينزعج، وحتى لا يَسْعَى في طلب الرزق؛ لكون الله تعالى ضَمِنَه له، وأبى هذا الجمهور، وقالوا: يحصل التوكل بأن يَثِقَ بوعد الله، ويوقن بأن قضاءه واقعٌ، ولا يترك اتباع السنة في ابتغاء الرزق، مما لا بدّ له منه، من مطعم ومشرب، وتحرُّز من عدو بإعداد السلاح، وإغلاق الباب، ونحو ذلك، ومع ذلك فلا يطمئن إلى الأسباب بقلبه، بل يعتقد أنَّها لا تجلِبُ بذاتها نفعًا ولا تدفع ضرًّا، بل السبب والْمُسَبَّب فعل الله تعالى، والكل بمشيئته، فإذا وقع من المرء ركون إلى السبب قَدَح في توكله، وهُم مع ذلك فيه على قسمين: واصلٌ، وسالكٌ، فالأول صفة الواصل وهو الذي لا يلتفت إلى الأسباب، ولو تعاطاها، وأما السالك فيقع له الالتفات إلى السبب أحيانًا إلَّا أنه يدفع ذلك عن نفسه بالطرق العلمية، والأذواق الحالية إلى أن يَرتقي إلى مقام الواصل. وقال أبو القاسم القشيريّ: التوكل محله القلب، وأما الحركة الظاهرة فلا تنافيه، إذا تحقق العبد أن الكل من قبل الله، فإن تيسر شيء فبتيسيره، وإن تعسر فبتقديره. ومن الأدلة على مشروعية الاكتساب حديث أبي هريرة - ﵁ - رفعه: «أفضل ما أكل الرجل من كسبه، وكان داود يأكل من كسبه»، فقد قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]. وأما قول القائل: كيف تطلب ما لا تعرف مكانه؛ فجوابه أنه يَفْعَل السببب المأمور به، ويتوكل على الله فيما يَخرُج عن قدرته، فيَشُقُّ الأرض مثلًا، ويُلْقِي الحبّ، ويتوكل على الله في إنباته، وإنزال الغيث له، ويُحَصّل السلعة مثلًا، وينقلها، ويتوكل على الله في إلقاء الرغبة في قلب مَن يطلبها منه، بل ربما كان التكسب واجبًا، كقادر على الكسب يحتاج عياله للنفقة، فمتى ترك ذلك كان عاصيًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن التوكّل الحقَّ الذي هو شعبة من شُعَب الإيمان، حيث أمر الله - ﷾ - به فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، هو توكّل رسول الله - ﷺ -، وهو اعتماد القلب على الله تعالى اعتمادًا كليًّا بحيث لا يلتفت إلى الأسباب، مع التمسّك بها ظاهرًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): قال الكرمانيّ - ﵀ -: [فإن قيل]: إن المتّصف بالأوصاف المذكورة في هذا الحديث أكثر من العدد المذكور، في وجه الحصر وأجاب باحتمال أن يكون المراد به التكثير، لا خصوص العدد. قال الحافظ - ﵀ -: الظاهر أن العدد المذكور على ظاهره، فقد وقع في حديث أبي هريرة - ﵁ - وصفهم بأنهم تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر، وفي رواية: «أول زمرة تدخل الجَنَّة على سورة القمر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دُرّيّ في السماء إضاءةً»، ولمسلم من حديث جابر - ﵁ -: «فتنجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفًا لا يحاسبون»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): قد ورد في أحاديث أخرى أن مع السبعين ألفًا زيادةً عليهم، ففي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند أحمد، والبيهقيّ في «البعث» عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «سألت ربي - ﷿ -، فوعدني أن يدخل من أمتي سبعين ألفًا على سورة القمر ليلة البدر، فاستزدتُ، فزادني مع كلّ ألف سبعين ألفًا، فقلت: أي ربّ إن لَمْ يكن هؤلاء مهاجري أمتي، قال: إذن أكملهم لك من الأعراب»، وسنده جيد. وفي الباب عن أبي أيوب، عند الطبرانيّ، وعن حذيفة عند أحمد، وعن أنس عند البزار، وعن ثوبان عند ابن أبي عاصم، فهذه طُرُق يقوّي بعضها بعضًا. وجاء في أحاديث أخرى أكثر من ذلك، فقد أخرج الترمذيّ، وحسّنه، والطبرانيّ، وابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي أمامة - ﵁ -، رفعه: «وعدني ربي أن يُدخل الجَنَّة من أمتي سبعين ألفًا، مع كلّ ألف سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حَثَيَات من حَثَيات ربيّ»، وفي «صحيح ابن حبان» أيضًا، والطبرانيّ بسند جيد من حديث عتبة بن عبد نحوه، بلفظ: «ثم يَشفع كلّ ألف في سبعين ألفًا، ثم يَحثي ربي ثلاث حَثَيات بكفيه»، وفيه: فكبّر عمر - ﵁ -، فقال النبيّ - ﷺ -: «إن السبعين ألفًا يُشَفّعهم الله في آبائهم، وأمهاتهم، وعشائرهم، وإني لأرجو أن يكون أدنى أمتي الْحَثَيات»، وأخرجه الحافظ الضياء، وقال: لا أعلم له علةً. وتعقّبه الحافظ بأن له علّةً، وهي الاختلاف في سنده، فإن الطبرانيّ أخرجه من رواية أبي سلام، حدثني عامر بن زيد، أنه سمع عتبة، ثم أخرجه من طريق أبي سلام أيضًا، فقال: حدثني عبد الله بن عامر، أن قيس بن الحارث حدثه، أن أبا سعيد الأنماريّ حدثه، فذكره، وزاد: قال قيس: فقلت لأبي سعيد: سمعته من رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، قال: وقال رسول الله - ﷺ -: «وذلك يَستوعب مهاجري أمتي، ويوفي الله بقيتهم من أعرابنا»، وفي رواية لابن أبي عاصم: قال أبو سعيد: فحسبنا عند رسول الله - ﷺ -، فبلغ أربعة آلاف ألف وتسعمائة ألف، يعني مَن عدا الْحَثَيات. وقد وقع عند أحمد، والطبرانيّ من حديث أبي أيوب - ﵁ - نحو حديث عتبة بن عبد، وزاد: «والْخَبِيئة - بمعجمة، ثم موحَّدة، وهمزة، وزانُ عظيمة - عند ربي». وورد من وجه آخر ما يزيد على العدد الذي حسبه أبو سعيد الأنماريّ، فعند أحمد، وأبي يعلى من حديث أبي بكر الصديق - ﵁ - نحوه، بلفظ: «أعطاني مع كلّ واحد من السبعين ألفًا سبعين ألفًا»، وفي سنده راويان أحدهما ضعيف الحفظ، والآخر لَمْ يُسَمَّ. وأخرج البيهقيّ في «البعث» من حديث عمرو بن حزم مثله، وفيه راو ضعيف أيضًا، واختُلِف في سنده، وفي سياق متنه، وعند البزار من حديث أنس - ﵁ - بسند ضعيف نحوه، وعند الكلاباذي في «معاني الأخبار» بسند وَاهٍ من حديث عائشة - ﵂ -: «فَقَدت رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فاتبعته، فإذا هو في مَشْرُبة يصلي، فرأيت على رأسه ثلاثة أنوار، فلما قَضَى صلاته، قال: رأيتِ الأنوار؟ قلت: نعم، قال: إن آتيًا أتاني من ربي، فبشّرني أن الله يدخل الجَنَّة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب ولا عذاب، ثم أتاني، فبشّرني أن الله يدخل من أمتي مكان كلّ واحد من السبعين ألفًا سبعين ألفًا بغير حساب ولا عذاب، ثم أتاني، فبشّرني أن الله يدخل من أمتي مكان كلّ واحد من السبعين ألفًا المضاعفة سبعين ألفًا بغير حساب ولا عذاب، فقلت: يا رب لا يبلغ هذا أمتي، قال: أكملهم لك من الأعراب، ممن لا يصوم ولا يصلي» . قال الكلاباذيّ - ﵀ -: المراد با لأمة أوّلًا أمة الإجابة، وبقوله آخرًا أمتي أمة الاتّباع، فإن أمته - ﷺ - على ثلاثة أقسام، أحدها أخص من الآخر: أمة الاتّباع، ثم أمة الإجابة، ثم أمة الدعوة، فالأولى أهل العمل الصالح، والثانية مطلق المسلمين، والثالثة مَن عداهم، ممن بُعِث إليهم. قال الحافظ - ﵀ -: ويمكن الجمع بأن القدر الزائد على الذي قبله هو مقدار الحثيات، فقد وقع عند أحمد من رواية قتادة، عن النضر بن أنس، أو غيره عن أنس، رفعه: «إن الله وعدني أن يدخل الجَنَّة من أمتي أربعمائة ألف، فقال أبو بكر: زدنا يا رسول الله، فقال هكذا، وجَمَع كفيه، فقال: زدنا، فقال: وهكذا، فقال عمر: حسبك، إن الله إن شاء أدخل خلقه الجَنَّة بكفّ واحدة، فقال النبيّ - ﷺ -: صَدَقَ عمر»، وسنده جيّد، لكن اختُلف على قتادة في سنده اختلافًا كثيرًا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأحاديث، وإن كان في بعضها مقال، إلَّا أن مجموعها يدلّ على أنه - ﷺ - زاده الله تعالى على السبعين ألفًا؛ إكرامًا له، وتفضّلًا عليه، وإجابة لدعائه، فكان هذا مصداق قوله - ﷾ -: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٣٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «عُرِضَتْ عَلَى الْأُمَمُ …»، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيث هُشَيْمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، صدوقٌ، رمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٨. والباقون تقدّموا في السند الماضي، و«حُصين»: هو ابن عبد الرَّحمن. وقوله: («ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ … إلخ) فاعل»ذَكَرَ«ضمير محمد بن فُضيل. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِ) يعني: قول حُصين بن عبد الرَّحمن:«كنتُ عند سعيد بن جبير»إلى قوله:«حدّثنا ابن عبّاس». [تنبيه]: رواية محمد بن فُضيل هذه التي أحالها المصنّف - ﵀ - على رواية هُشيم، أخرجها الحافظ أبو نُعيم - ﵀ - في«مستخرجه»(١/ ٢٨٥)، فقال: (٥٢٧) حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، نا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، نا عمي أبو بكر، وواصل بن عبد الأعلى، قالا: نا محمد بن فُضيل، عن حُصين، عن سعيد بن جبير، ثنا ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -:«عُرِضت عليّ الأمم، فإذا سَوَاد عظيم، فقلت: هذه أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل: انظر إلى الأُفُق، فإذا بسواد قد ملأ الأفق، فقيل لي: هذه أمتك، ويدخل الجَنَّة سواها سبعون ألفًا، بغير حساب»، ثم دخل رسول الله«، ولم يُبَيِّن لهم، فأفاض القوم، فقالوا: نحن هم الذين آمنا بالله، واتبعنا رسوله، فنحن هم، وأولادنا الذين وُلدوا على الإسلام، فبَلَغَ ذلك رسولَ الله - ﷺ -، فقال: »هم الذين لا يَستَرْقُون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون«. انتهى. [تنبيه آخر]: أخرج الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، رواية محمد بن فضيل مع قوله في أول الحديث: «لا رُقية إلَّا من عين، أو حُمة»، لكنها من حديث عمران بن حُصين - ﵄ -، فقال: (٥٧٠٥) حدثنا عمران بن ميسرة، حدثنا ابن فضيل، حدثنا حُصين، عن عامر، عن عمران بن حصين - ﵄ -، قال: «لا رُقية إلَّا من عين، أو حُمَة»، فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: حدثنا ابن عباس، قال رسول الله - ﷺ -: «عُرضت عليّ الأمم، فجعل النبي والنبيّان يمرون، معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد، حتى رُفع لي سَوَاد عظيم، قلت: ما هذا؛، أمتي هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر ها هنا وها هنا، في آفاق السماء، فإذا سواد قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك، ويدخل الجَنَّة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير حساب»، ثم دخل، ولم يُبَيِّن لهم، فأفاض القوم، وقالوا: نحن الذين آمنا بالله، واتبعنا رسوله، فنحن هم، أو أولادنا الذين وُلدوا في الإسلام، فإنا وُلدنا في الجاهلية، فبلغ النبيّ - ﷺ -، فخرج، فقال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم
مصادر المؤلف (٤٠)

١. ١١/ ٤٢٢«كتاب الرقاق»(٦٥٤٣).

٢. «الصحاح» ٣/ ٩٢٦.

٣. «القاموس المحيط» ص ٥٨٩٦.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٧.

٥. هذا الحديث صريح في خلاف ما قاله ثعلب، فتأمّل، والله تعالى أعلم.

٦. «شرح النوويّ» ٣/ ٩٣، بزيادة من «المصباح» ١/ ٤٢.

٧. «مغني اللبيب» ١/ ٥٤ - ٥٥ تحقيق محمد محعي الدين عبد الحميد.

٨. يقال: أَبَرَت العقرب تأبِر من بابي ضرب، ونصر: لدغته بإبرتها: أي طرف ذنبها. اهـ. «القاموس» بإيضاح، ص ٣٠٨.

٩. هذا هو الذي أثبت له في برنامج الحديث (صخر)، وقال ابن الجوزيّ في «المجتبى»: روى من الأحاديث (١٦٤) حديثًا، اتفق الشيخان على حديث، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بأحد عشر حديثًا. انتهى. والظاهر أن الاختلاف بالتكرار، فتأمل، والله تعالى أعلم.

١٠. «الأنساب» ١/ ١٥٧.

١١. «النهاية» ٢/ ٢٥٤.

١٢. «الفتح» ١٠/ ١٦٥.

١٣. «شرح النوويّ» ٣/ ٩٣.

١٤. «المفهم» ١/ ٤٦٣.

١٥. أي أطلنا، وأخّرنا.

١٦. «الفتح» ١١/ ٤١٤ - ٤١٥.

١٧. بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفي رواية المستملي بكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم راء. اهـ.

١٨. راجع:«المصباح المنير»١/ ١٦ - ١٧.

١٩. سيأتي للمصنّف - ﵀ - (٢٤٧) بلفظ:«قالوا: يا نبيّ الله أتعرفنا؟ قال: نعم لكم سِيمَا ليست لأحد غيركم، تَرِدون عليّ غُرًّا محجلين من آثار الوضوء … ».

٢٠. راجع:«الفتح»١١/ ٤١٦«كتاب الرقاق»رقم (٦٥٤١).

٢١. «شرح النوويّ» ٣/ ٩٤.

٢٢. «المفهم» ١/ ٤٦٤ - ٤٦٥.

٢٣. ١١/ ٤١٦ - ٤١٧ «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٤١).

٢٤. «الصحاح» ٢/ ٦٢٥، و«النهاية» ٣/ ١٥٢.

٢٥. من باب ضرب، ونصر.

٢٦. أخرجه الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده» (٥٠٩٣)، فقال بسند صحيح عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﵀ -: «بُعِثت بالسيف حتى يُعْبَد الله، لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي، وجَعَل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم».

٢٧. أخرجه الترمذيّ، وصحّحه، هو والحاكم.

٢٨. «الفتح» ١١/ ٣١٢ «كتاب الرقاق» رقم (٦٤٧٢).

٢٩. الكلام للحافظ ابن حجر - ﵀ -.

٣٠. أخرجه في «مسند المكثرين» برقم (٦٨٠٦)، وأخرجه ابن ماجة في «سننه» برقم (٨٢).

٣١. «إكمال المعلم» ٢/ ٨٩٥ - ٩٠٢.

٣٢. «شرح النوويّ» ٣/ ٩١.

٣٣. أخرجه الترمذيّ - ﵀ - في «جامعه»: (٢٤٤١) حدثنا عمرو بن عليّ، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا المغيرة بن أبي قُرّة الدوسيّ، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل».

٣٤. ١٠/ ٢٢٢ «كتاب الطبّ» رقم (٥٧٥٢).

٣٥. سيأتي في «كتاب الحجّ» برقم (١٢٢٦).

٣٦. ١٠/ ١٦٤ «كتاب الطب» رقم (٥٧٠٤).

٣٧. المصدر السابق.

٣٨. راجع: «شرح النوويّ» ٣/ ٩١، و«إكمال المعلم» ٢/ ٩٠٣ - ٩٠٤.

٣٩. تقدّم أن سنده واهٍ، فلا يُفرح به، وإنما ذُكر لبيان حاله، فتنبّه.

٤٠. هذا يفيد أنه ضعيفٌ؛ للاضطراب، فتنبّه، والله تعالى أعلم.