HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٢

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ! وَسَعْدَيْكَ! وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ! قَالَ يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كل ألف تسعمائة وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. قَالَ فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شديد» قال فاشتد ذلك عَلَيْهِمْ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ «أَبْشِرُوا. فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا. وَمِنْكُمْ رَجُلٌ» قَالَ ثُمَّ قَالَ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ«فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ»وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ«فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ»وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأسود. أو كالرقمة في ذراع الحمار».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص139
ج ١ ص ٢٠١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٥ ص٥٥٠
التبليغ واجبٌ عليّ، وقد بلّغتُ، فاشهد لي به. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠٢) - (بَابُ قَولِ الله - ﷾ - لآدم - ﵇ -: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٣٨] (٢٢٢) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَقُولُ اللهُ - ﷿ -: يَا أَدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّار، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] «، قَالَ: فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ:»أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ«، قَالَ: ثُمَّ قَالَ:»وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ«، فَحَمِدْنَا اللهَ، وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ:»وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ«، فَحَمِدْنَا اللهَ، وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ:»وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّة، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَم، كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ الْبَيْضَاء، فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَد، أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ«). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ) أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ، أخو أبي بكر [١٠] (ت ٢٣٩) عن (٨٣) سنة (خ م د س ق) تقدم في«المقدمة»٦/ ٧٢. [تنبيه]: قوله:«الْعَبْسِيُّ»: بالباء الموحدة، والسين المهملة: نسبة إلى عَبْس بطن من غَطَفَان، ومن الأزد، ومن مراد، قاله في«اللبّ». ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥٠. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في«المقدمَة» ٢/ ٤. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ) هو: سعد بن مالك بن سنان الخُدْريّ - ﵄ - تقدّم قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين إلى الأعمش، والباقيان مدنيّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي صالح. ٥ - (ومنها): أن الأعمش أكثر من روى عن أبي صالح، روى عنه ألف حديث. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السّمّان الزّيّات، لُقّب به؛ لأنه كان يجلب الزيت والسمن إلى الكوفةَ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ - ﵁ -، وفي رواية البخاريّ من طريق أبي أسامة، وحفص بن غياث كلاهما عن الأعمش، حدثنا أبو صالح، فصرّح بالسماع، فزالت عنه تُهمة التدليس، على أنه لا يدلّس عن مشايخه الذين أكثر عنهم، كما قال الحافظ الذهبيّ - ﵀ -. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) كذا وقع عند المصنّف بذكر «قال رسول الله - ﷺ -»، وكذا هو عند البخاريّ في رواية كريمة، ونحوه عنده من رواية أبي أسامة وحفص المذكورة، ووقع عنده من رواية جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش بحذفه، قال في «الفتح»: كذا وقع للأكثر، وبه جزم أبو نعيم في «المستخرج». («يَقُولُ اللهُ - ﷿ -: يَا آدَمُ) وقد بيّن في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاريّ أن خطاب آدم بذلك أولُ شيء يقع يوم القيامة، ولفظه:»أوّلُ مَن يُدْعَى يوم القيامة آدم - ﵇ -، فتراءى ذريته«- بمثناة واحدة، ومدّ، ثم همزة مفتوحة ممالة - وأصله:»فتتراءى«، فحذفت إحدى التاءين، وتراءى الشخصان: تقابلا، بحيث صار كلٌّ منهما يتمكن من رؤية الآخر، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق الدّرَاورديّ، عن ثور:»فتتراءى له ذريته«على الأصل، وفيه:»فيقال: هذا أبوكم«، وفي رواية الدراورديّ:»فيقولون هذا أبوكم«. وقال القرطبيّ - ﵀ -: إنما خُصّ آدم - ﵇ - بذلك القول؛ لأنه أبٌ للجميع، ولأن الله تعالى قد جَمَعَ له نَسَمَ بنيه في السماء بين يديه، وهم الأسودة التي رآها رسول الله - ﷺ - عن يمين آدم، وهم أهل الجنّة، وعن يساره، وهم أهل النار، كما تقدّم. انتهى . (فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ) معناه: إجابةً بعدَ إجابة (وَسَعْدَيْكَ) معناه: مساعدة بعد مساعدة، وكلاهما منصوبان على المصدريّة، ولم تستعمل العرب لهما فعلًا من لفظه يكون مصدره، قاله القرطبيّ - ﵀ - ، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في شرح حديث أنس - ﵁ - أنه - ﷺ - قال لمعاذ - ﵁ -: «يا معاذ بن جبل، فقال: لبيك يا رسول الله، وسعديك»، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. (وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ) أي تملكه أنت لا يملكه غيرك، وهذا كقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]: أي بيدك الخير والشرّ، ولكن سكت عن نسبة الشرّ إليه تعالى مراعَاةً لأدب الحضرة، ولم ينسُب الله تعالى الشرّ لنفسه؛ تعليمًا لنا؛ مراعاةَ الأدب، واكتَفَى بقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ إذ قد استغرق كلَّ الموجودات الممكنات، قاله القرطبيّ - ﵀ - . وقال في «الفتح»: في الاقتصار على الخير نوعُ تعطيف، ورعاية للأدب، وإلا فالشر أيضًا بتقدير الله تعالى كالخير. انتهى . (قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ) وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاريّ: «بعثَ جهنم من ذريتك»، وفي رواية أحمد «نصيبَ» بدل«بعث». قال النوويّ - ﵀ -: «الْبَعْثُ» هنا: بمعنى المبعوث الموَجَّه إليها، ومعناه: مَيِّزْ أهل النار من غيرهم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: بعثُ النار من يُبعث إليها، وكذلك بعثُ أهل الجنّة، ومعنى «أَخْرِجْ» هنا: ميّز بعضهم عن بعض، وذلك يكون في المحشر حيث يجتمع الناس، ويَختلطون، والله تعالى أعلم، ويَحْتَمِل أن يكون معنى «أَخرِجْ»: أي احضُرْ إخراجهم، فكأنهم يُعرَضون عليه بأشخاصهم وأسمائهم، كما قد عُرِضت عليه نسمهم. انتهى . وقال في «الفتح»: والبعثُ: بمعنى المبعوث، وأصلها في السرايا التي يبعثها الأمير إلى جهة من الجهات للحرب وغيرها، ومعناها هنا: مَيِّز أهل النار من غيرهم، وإنما خُصّ بذلك آدم؛ لكونه والد الجميع، ولكونه كان قد عَرَفَ أهل السعادة من أهل الشقاء، فقد رآه النبيّ - ﷺ - ليلة الإسراء، «وعن يمينه أَسْوِدة، وعن شماله أسودة …»الحديث، كما تقدم في حديث الإسراء، وقد أخرج ابن أبي الدنيا من مرسل الحسن: «قال: يقول الله لآدم: يا آدم، أنت اليومَ عَدْلٌ بيني وبين ذريتك، قم فانظر ما يُرْفَع إليك من أعمالهم». (قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟) الواو عاطفة على شيء محذوف، تقديره: سمعتُ وأطعتُ، وما بعث النار؟: أي وما مقدار مبعوث النار؟ وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -: «فيقول: يا رب كم أخرج؟»، قاله في «الفتح». وقال القرطبيّ - ﵀ -: وُضعت«ما» هنا موضع «كم» العدديّة؛ لأنه أُجيب عنها بالعدد، وأصل «ما» أن يُسأل بها عن ذوات الأشياء، وحُدودها. انتهى. (قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتسْعَةً وَتِسْعِينَ) وفي حديث أبي هريرة: «من كلّ مائة تسعة وتسعين». قال الإسماعيلي: في حديث أبي سعيد: «من كلّ ألف واحد»، وكذا في حديث غيره، ويشبه أن يكون حديث ثور - يعني راويه عن أبي الغيث، عن أبي هريرة - وَهَمًا. قال الحافظ: ولعله يريد بقوله: «في حديث غيره» ما أخرجه الترمذيّ من وجهين، عن الحسن البصريّ، عن عمران بن حصين نحوه، وفي أوله زيادةُ: قال: كنا مع النبيِّ - ﷺ - في سفر، فرَفَع صوته بهاتين الآيتين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١] إلى ﴿شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] فَحَثَّ أصحابُهُ المطيّ، فقال: «هل تدرون أيُّ يوم ذاك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذاك يوم يُنادِي الله آدم …»، فذكر نحو حديث أبي سعيد، وصححه، وكذا الحاكم، وهذا سياق قتادة، عن الحسن، من رواية هشام الدّستوائيّ، عنه، ورواه معمر، عن قتادة، فقال: عن أنس، أخرجه الحاكم أيضًا، ونَقَلَ عن الذهليّ أن الرواية الأولى هي المحفوظة، وأخرجه البزار، والحاكم أيضًا، من طريق هلال بن خَبّاب - بمعجمة، وموحدتين، الأولى ثقيلة - عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية، ثم قال: «هل تدرون؟ …» فذكر نحوه، وكذا وقع في حديث عبد الله بن عَمْرو، عند مسلم، رفعه: «يَخرُج الدجال»، إلى أن قال: «ثم يُنفَخ في الصور أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: أخرجوا بعث النار»، وفيه: «فيقال: من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فذاك يومَ يجعل الولدان شيبًا». قال الحافظ: وكذا رأيت هذا الحديث في مسند أبي الدرداء بمثل العدد المذكور، رويناه في «فوائد طلحة بن الصقر»، وأخرجه ابن مردويه، من حديث أبي موسى نحوه، فاتفق هؤلاء على هذا العدد، قال: ولم يستحضر الإسماعيلي لحديث أبي هريرة متابعًا، وقد ظَفِرت به في «مسند أحمد»، فإنه أخرج من طريق أبي إسحاق الهجريّ، وفيه مقال، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود نحوه. وأجاب الكرمانيّ: بأن مفهوم العدد لا اعتبار له، فالتخصيص بعدد لا يدلّ على نفي الزائد، والمقصود من العددين واحد، وهو تقليل عدد المؤمنين، وتكثير عدد الكافرين. قال الحافظ: ومقتضى كلامه الأول تقديم حديث أبي هريرة على حديث أبي سعيد، فإنه يشتمل على زيادة، فإن حديث أبي سعيد يدلّ على أن نصيب أهل الجَنَّة من كلّ ألف واحد، وحديث أبي هريرة يدلّ على عشرة، فالحكم للزائد، فأتى كلامه الأخير أن لا يُنْظَر إلى العدد أصلًا، بل القدر المشترك بينهما ما ذكره من تقليل العدد. قال الحافظ: وقد فتح الله تعالى في ذلك بأجوبة أُخَرَ، وهو حَمْلُ حديث أبي سعيد ومن وافقه على جميع ذرية آدم، فيكون من كلّ ألف واحد، وحَملُ حديث أبي هريرة ومن وافقه على من عدا يأجوج ومأجوج، فيكون من كلّ ألف عشرة، ويُقَرِّب ذلك أن يأجوج ومأجوج ذُكِروا في حديث أبي سعيد، دون حديث أبي هريرة. ويَحْتَمل أن يكون الأول يتعلق بالخلق أجمعين، والثاني بخصوص هذه الأمة، ويُقَرِّبه قوله في حديث أبي هريرة: «إذا أُخذ منا»، لكن في حديث ابن عباس: «وإنما أمتي جزء من ألف جزء». وَيَحْتَمِل أن تقع القسمة مرتين: مرةً من جميع الأمم قبل هذه الأمة، فيكون من كلّ ألف واحد، ومرةً من هذه الأمة فقط، فيكون من كلّ ألف عشرة. ويَحْتَمل أن يكون المراد ببعث النار الكفار، ومن يدخلها من العصاة، فيكون من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كافرًا، ومن كلّ مائة تسعة وتسعون عاصيًا والعلم عند الله تعالى. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أقرب الأجوبة القول: بأن مفهوم العدد غير معتبر كما سبق عن الكرمانيّ، فلا ينافي ذكر الأقلّ الزيادة، وأما ما ذكره الحافظ من الاحتمالات فهو محلّ نظر، والله تعالى أعلم. (قَالَ) - ﷺ - (فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ «) قال النوويّ - ﵀ -: معناه موافقةُ الآية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢]، وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل: ١٧]. قال: وقد اختَلَف العلماء في وقت وضع كلّ ذات حمل حملها وغيره من المذكور، فقيل: عند زلزلة الساعة قبل خروجهم من الدنيا، وقيل: هو في القيامة، فعلى الأول هو على ظاهره، وعلى الثاني يكون مجازًا؛ لأن القيامة ليس فيها حَمْلٌ، ولا ولادة، وتقديره: ينتهي به الأهوال والشدائد إلى أنه لو تُصُوِّرت الحوامل هناك لوضعن أحمالهن، كما تقول العرب: أصابنا أمرٌ يَشِيب منه الوليد، يريدون شدته، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: ظاهره أن ذلك يقع في الموقف. وقد استُشْكِل بأن ذلك الوقت لا حمل فيه، ولا وَضْعَ، ولا شيب، ومن ثَمّ قال بعض المفسرين: إن ذلك قبل يوم القيامة، لكن الحديث يَرُدّ عليه. وأجاب الكرماني: بأن ذلك وقع على سبيل التمثيل والتهويل، وسبق إلى ذلك النوويّ، فقال: فيه وجهان للعلماء، فذكرهما، وقال: التقدير أن الحال يَنتهي إلى أنه لو كانت النساء حينئذ حوامل لوضعت، كما تقول العرب: أصابنا أمر يشيب منه الوليد. وقال الحافظ: يَحْتَمِل أن يُحْمَل على حقيقته، فإن كلّ أحد يُبعَث على ما مات عليه، فتبعث الحامل حاملًا، والمرضع مرضعة، والطفل طفلًا، فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم، ورأى الناس آدم، وسمعوا ما قيل له، وَقَعَ بهم من الوَجَل ما يَسقُط معه الحمل، ويشيب له الطفل، وتَذْهَل به المرضعة. ويحتمل أن يكون ذلك بعد النفخة الأولى، وقبل النفخة الثانية، ويكون خاصًّا بالموجودين حينئذ، وتكون الإشارة بقوله: «فذاك» إلى يوم القيامة، وهو صريح في الآية، ولا يَمنع من هذا الحمل ما يُتَخَيَّل من طول المسافة بين قيام الساعة، واستقرار الناس في الموقف، ونداء آدم لتمييز أهل الموقف؛ لأنه قد ثَبَتَ أن ذلك يقع متقاربًا، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾ [المرسلات: ١٣، ١٤]، يعني: أرض الموقف، وقال تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٧، ١٨]. والحاصل: أن يوم القيامة يُطلق على ما بعد نفخة البعث من أهوالٍ وزلزلةٍ وغير ذلك إلى آخر الاستقرار في الجَنَّة أو النار. وقريبٌ منه ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو في أشراط الساعة إلى أن ذكر النفخ في الصور إلى أن قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، ثم يقال: أخرجوا بعث النار …، فذكره، قال: «فذاك يوم يجعل الولدان شيبًا»، ووقع في حديث الصور الطويل عند علي بن معبد وغيره ما يُؤَيِّد الاحتمال الثاني، وفيه بعد قوله: «وتضع الحوامل ما في بطونها، وتشيب الولدان، وتتطاير الشياطين، فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض، فيأخذهم لذلك الكرب والهول … ثم تلا الآيتين من أول الحج …» الحديث. قال القرطبيّ في «التذكرة»: هذا الحديث صححه ابن العربي، فقال: يوم الزلزلة يكون عند النفخة الأولي، وفيه ما يكون فيه من الأهوال العظيمة، ومن جملتها ما يقال لآدم، ولا يلزم من ذلك أن يكون ذلك متصلًا بالنفخة الأولى، بل له محملان: [أحدهما]: أن يكون آخر الكلام منوطًا بأوله، والتقدير: يقال لآدم ذلك في أثناء اليوم الذي يشيب فيه الولدان، وغير ذلك. [وثانيهما]: أن يكون شيب الولدان عند النفخة الأولى حقيقةً، والقول لآدم يكون وصفه بذلك إخبارًا عن شدته، وإن لَمْ يوجد عين ذلك الشيء. وقال القرطبيّ: يحتمل أن يكون المعنى: أن ذلك حين يقع لا يُهِمّ كلَّ أحد إلَّا نفسُهُ حتى إن الحامل تُسقط من مثله، والمرضعة … إلخ. ونُقل عن الحسن البصري في هذه الآية: المعنى: أن لو كان هناك مرضعة لذَهِلت، وذكر الْحَلِيميّ، واستحسنه القرطبيّ أنه يحتمل أن يُحيي الله حينئذ كلَّ حمل كان قد تم خلقه، ونُفخت فيه الروح، فتَذْهَل الأم حينئذ عنه؛ لأنَّها لا تقدر على إرضاعه؛ إذ لا غذاء هناك ولا لبن، وأما الحمل الذي لَمْ يُنفَخ فيه الروح، فإنه إذا سقط لَمْ يُحْيَ؛ لأن ذلك يوم الإعادة، فمن لَمْ يمت في الدنيا لَمْ يُحْيَ في الآخرة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الْحَليميّ، واستحسنه القرطبيّ هو الأقرب عندي، وحاصله أن كلّ أحد يُبعث على ما مات عليه، فتبعث الحامل حاملًا، فإذا رأت هذا الهول تضع حملها، وكذلك الطفل، يُبعث طفلًا، فيَشيب بسببه، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو سعيد - ﵁ - (فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ) وفي حديث ابن عباس: «فشَقَّ ذلك على القوم، ووقعت عليهم الكآبة والحزن»، وفي حديث عمران عند الترمذيّ من رواية ابن جُدْعان، عن الحسن: «فأنشأ المؤمنون يبكون»، ومن رواية قتادة، عن الحسن: «فَنُبِس القوم حتى ما أَبْدَوا بضاحكة»، و«نُبِس» - بضم النون، وكسر الموحدة، بعدها مهملة - معناه: تكلَّم، فأسرع، وأكثر ما يُستَعْمَل في النفي، وفي رواية شيبان، عن قتادة عند ابن مردويه: «أبلسوا»، وكذا له نحوه من رواية ثابت، عن الحسن، قاله في «الفتح» . (قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟) قال الطيبيّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يكون الاستفهام على حقيقته، فكان حقُّ الجواب أن ذلك الواحد فلان، أو من يتصف بالصفة الفلانية، وَيحْتَمِل أن يكون استعظامًا لذلك الأمر، واستشعارًا للخوف منه، فلذلك وقع الجواب بقوله: «أبشروا»، ووقع في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «فقالوا: يا رسول الله، إذا أُخِذ منّا من كلّ مائة تسعة وتسعون، فماذا يبقى؟»، وفي حديث أبي الدرداء - ﵁ -: «فَبَكَى أصحابه». وقال القرطبيّ - ﵀ -: لَمّا سمِعَ أصحاب النبي - ﷺ - أنّ ألفًا إلَّا واحدًا للنار، وأن واحدًا للجنّة اشتدّ خوفهم لذلك، واستقلّوا عدد أهل الجنّة منهم، واستَبْعد كلُّ واحد منهم أن يكون هو ذلك الواحد، فسكّن النبيّ - ﷺ - خوفهم، وطيَّبَ قلوبهم، فقال: «أَبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا، ومنكم رجلٌ»، ويعني بالألف هنا: التسعمائة والتسعة والتسعين المتقدّمة الذكر. انتهى . وقوله: (فَقَالَ: «أَبْشِرُوا) يَحْتَمل أن تكون همزته همزة قطع، فيكون بفتح أوله، وكسر ثالثه، من الإبشار رباعيًّا، وَيحْتَمِل أن تكون همزة وصل، فيكون بفتح ثالثه ثلاثيًّا، كفرِحَ يفرَح، يقال: بَشَرته بمولود، فأَبْشَر إبشارًا: أي سُرّ، وتقول: أَبْشِر بخير، بقطع الهمزة، وبَشِرتُ بكذا بالكسر أَبْشَرُ، كفرِحتُ أفرَح: استبشرت به، أفاده في»اللسان« . وقال الجوهريّ: بَشَرتُ الرجلَ أَبْشُرُهُ بالضمّ بَشْرًا وبُشُورًا من الْبُشرى، وكذلك الإبشارُ، والتبشير، ثلاث لغات، قال: وبَشِرْتُ بكذا بالكسر أَبْشَرُ: أي استبشرتُ به. انتهى . وقال الفيّوميّ: بَشِرَ بكذا يَبْشَرُ مثلُ فَرِحَ يَفْرَح وزنًا ومعنًى، قال: ويتعدّى بالحركة، فيقال: بَشَرْتُهُ أَبْشُرُ بَشْرًا، من باب قتل في لغة تهامة وما والاها، والتعدية بالتثقيل لغة عامّة العرب، وقرأ السبعة باللغتين. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أفاد ما ذكروه أن بَشر ثلاثيٌّ يتعدّى ويلزم، وأن المتعدّي من باب نصر، واللازم من باب فَرِحَ، وكذلك أبشر رباعيٌّ يتعدي، ويلزم، فعلى هذا يجوز أن يقرأ هنا بفتح الهمزة، وكسر الشين، من الإبشار رباعيًّا، ويجوز أن يقرأ بفتح الشين مع وصل الهمزة، ثلاثيًّا من باب فَرِحَ، والله تعالى أعلم. وفي حديث ابن عباس - ﵄ -: «اعمَلُوا وأَبشِروا»، وفي حديث عمران - ﵁ - مثله، وللترمذيّ من طريق ابن جُدْعان: «قاربوا، وسَدِّدوا»، ونحوه في حديث أنس - ﵁ -. (فَإِنَّ مِنْ يَأجُوجَ وَمَأْجُوجَ) هما غير مهموزين عند جمهور القراء، وأهل اللغة، وقرأ عاصم بالهمز فيهما، وأصله من أَجِيج النار، وهو صوتها، وشَرَرُها، شُبِّهُوا به؛ لكثرتهم، وشدّتهم، واضطراب بعضهم في بعض، قاله النوويّ - ﵀ -. وقال في «الفتح»: «يأجوج، ومأجوج» بغير همزة لأكثر القراء، وقرأ عاصم بالهمزة الساكنة فيهما، وهي لغة بني أسد، وقرأ العجاج وولده رؤبة: «أأجوج» بهمزة بدل الياء، وهما اسمان أعجميان عند الأكثر، مُنِعا من الصرف؛ للعلمية والعجمة، وقيل: بل عربيان، واختُلِف في اشتقاقهما، فقيل: من أَجِيج النار، وهو التهابها، وقيل: من الأَجَّة، بالتشديد، وهي الاختلاط، أو شِدّة الحرّ، وقيل: من الأَجّ، وهو سُرْعَةُ الْعَدْو، وقيل: من الأُجَاج، هو الماء الشديدُ الملوحة، ووزنهما يَفْعُول ومَفْعُول، وهو ظاهر قراءة عاصم، وكذا الباقين، إن كانت الألف مُسَهَّلة من الهمزة، فقيل: فاعول، مِن يج مج، وقيل: ماجوج، من ماج: إذا اضطرب، ووزنه أيضًا مفعول، قاله أبو حاتم، قال: والأصل: موجوج، وجميع ما ذُكِر من الاشتقاق مناسب لحالهم، ويؤيِّد الاشتقاق، وقولَ مَن جَعَله من ماج: إذا اضطرب، قولُهُ تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وذلك حين يخرجون من السَّدّ. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: يأجوج ومأجوج خلقٌ كفّار وراء سدّ ذي القرنين، والمراد بهم في هذا الحديث هم، ومن كان على كفرهم، كما أن المراد بقوله: «منكم» أصحابه، ومن كان على إيمانهم؛ لأن مقصود هذا الحديث الإخبار بقلّة أهل الجَنَّة من هذه الأمة بالنسبة إلى كثرة أهل النار من غيرها من الأمم، ويدلّ على هذا قوله - ﷺ -: «إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود … إلخ»، قال: وأما نسبة هذه الأمة إلى من يدخل الجنّة من الأمم فهذه الأمة شطر أهل الجنّة، كما نصّ عليه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في يأجوج ومأجوج في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (أَلْفٌ، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ») قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في الأصول والروايات:«ألفٌ»، و«رجلٌ»بالرفع فيهما، وهو صحيح، وتقديره: إنّهُ بالهاء التي هي ضمير الشأن، وحُذفت الهاء، وهو جائز معروف. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ من أنه وقع في الأصول والروايات«ألفٌ»، و«رجل»بالرفع، وقد نقل كلامه في«الفتح»، وأقرّه عليه، لعله وقع في النسخ التي اطّلع عليها، وإلا فنسخ«صحيح مسلم»التي بين يديّ قد وقع فيها:«ألفًا»بالنصب، و«رجلٌ»بالرفع، وبعض النسخ تعتبر جيّدة، مثل النسخة التي كتب عليها محمد ذهني، فإنها أحسن نسخ«الصحيح»المطبوعة عندي، وهكذا وقع عند القرطبيّ أيضًا في مختصره، فليُتأمّل. وهكذا وقع بنصب«ألفًا»، ورفع«رجلٌ»عند البخاريّ أيضًا في«الصحيح»في«كتاب الرقاق»برقم (٦٥٣٠). قال في«الفتح»: ووقع في بعض الشروح أن لبعض الرواة:«فإن منكم رجلًا، ومن يأجوج ومأجوج ألفًا»بالنصب فيهما على المفعول بـ«أَخْرِج»المذكور في أول الحديث، أي فإنه يُخْرِج كذا، ورُوِي بالرفع على خبر«إنّ»، واسمها مضمر قبل المجرور، أي فإن الْمُخْرَج منكم رجل، قال الحافظ: والنصب أيضًا على اسم«إنّ»صريحًا في الأول، وبتقدير في الثاني، وهو أولى من الذي قاله، فإن فيه تكلفًا. ووقع في رواية الأصيليّ بالرفع في«ألفٌ»وحده، وبالنصب في«رجلًا»ولأبي ذر بالعكس. قال: وظاهره زيادة واحدٍ عما ذُكر من تفصيل الألف، فيحتمل أن يكون من جَبْر الكسر، والمراد أنّ مِن يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، أو ألفًا إلَّا واحدًا، وأما قوله:«ومنكم رجلٌ»، فتقديره: والْمُخْرَج منكم، أو ومنكم رجل مُخْرَج. ووقع في حديث ابن عباس:«وإنما أمتي جزء من ألف جزء »، قال الطيبيّ: فيه إشارة إلى أن يأجوج ومأجوج داخلون في العدد المذكور والوعيد، كما يدلّ قوله:«ربع أهل الجَنَّة»على أن في غير هذه الأمة أيضًا من أهل الجَنَّة. وقال القرطبيّ: قوله:«من يأجوج ومأجوج ألفٌ»: أي منهم وممن كان على الشرك مثلهم، وقوله:«ومنكم رجلٌ»يعني: من أصحابه، ومن كان مؤمنًا مثلهم. وحاصل ما قاله: أن الإشارة بقوله:«منكم»إلى المسلمين من جميع الأمم، وقد أشار إلى ذلك في حديث ابن مسعود بقوله:«إن الجَنَّة لا يدخلها إلَّا نفس مسلمة». (قَالَ) أبو سعيد - ﵁ - (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - («وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ») هكذا عند المصنّف بذكر ربع أهل الجنّة، ووقع عند البخاريّ:«والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجَنَّة»، ولم يذكر الربع. فقال في«الفتح»: تقدّم في الباب قبله من حديث ابن مسعود - ﵁ -:«أترضون أن تكونوا ربع أهل الجَنَّة»، وكذا في حديث ابن عباس وهو محمول على تعدد القصة، فقد تقدّم أن القصة التي في حديث ابن مسعود وقعت وهو - ﷺ - في قبته بمني، والقصة التي في حديث أبي سعيد وقعت وهو - ﷺ - سائرٌ على راحلته، ووقع في رواية ابن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس:«بينا رسول الله - ﷺ - في مسيره، في غزوة»ومثله في مرسل مجاهد عند الخطيب في«المبهمات». قال: ثم ظهر لي أن القصة واحدة، وأن بعض الرواة حَفِظَ فيه ما لَمْ يحفظ الآخر، إلَّا أن قول مَن قال: كان ذلك في غزوة بني المصطلق وَاهٍ، والصحيح ما في حديث ابن مسعود، وأن ذلك كان بمني، وأما ما وقع في حديثه أنه قال ذلك، وهو في قبته، فيُجْمَع بينه وبين حديث عمران بأن تلاوته الآية، وجوابه عنها اتَّفَقَ أنه كان وهو سائر، ثم قوله:«إني لأطمع … إلخ»، وقع بعد أن نَزَلَ، وقَعَدَ بالقبة، وأما زيادة الربع قبل الثلث، فحفظها أبو سعيد، وبعضهم لَمْ يحفظ الربع. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ تحقيقٌ حسنٌ، وحاصله: أن القصّة واحدة، فلا داعي إلى دعوى التعدّد، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَحَمِدْنَا اللهَ، وَكبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ:«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فَحَمِدْنَا اللهَ، وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ:«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ) الشطر النصف، يقال: شاطرته مشاطرةً: إذا قاسمته، فأخذت نصف ما في يديه (إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَم، كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ الْبَيْضَاء، فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَد، أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ») قال القرطبيّ - ﵀ -: الرقمتان للفرس، أو الحمار: الأثران بباطن أعضادهما، والرقمتان للشاة: هيئتان في قوائمها متقابلتان كالظفرين. وقال النوويّ - ﵀ -:«الرَّقْمَة»: - بفتح الراء، وإسكان القاف - قال أهل اللغة: الرقمتان في الحمار هما الأثران في باطن عضديه، وقيل: هي الدائرة في ذراعيه، وقيل: هي الْهَنَةُ الناتئة في ذراع الدابة من داخل. انتهى . قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذه الطماعية منه - ﷺ - قد حُقّقت له بقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، وبقوله:«إنا سنرضيك في أمتك»، كما تقدّم بيانه، لكنه - ﷺ - علّق هذه البشرى على الطمع أدبًا مع الحضرة الإلهيّة، ووقوفًا مع أحكام العبوديّة. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[١٠٢/ ٥٣٨ و٥٣٩] (٢٢٢)، و(البخاريّ) في«الرقاق»(٦٥٣٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٣٢ - ٣٣)، و(الطبريّ) في«تفسيره»(١٧/ ١١٢)، (وأبو عوانة) في«مسنده»(٢٥٣، ٢٥٤)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٥٣٢ و٥٣٣). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدد أهل النار، وأن نسبة أهل الجنّة إليهم تكون واحدًا من ألف. ٢ - (ومنها): استحباب الحمد، والتكبير عند الفرح والسرور، وسماع أمر عظيم. ٣ - (ومنها): أن زلزلة الساعة شيء عظيم، كما أخبر اللطيف الخبير، ولا ينبّئك مثل خبير، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢]. ٤ - (ومنها): إثبات صفة اليد لله - ﷾ - على ما يليق بجلاله. ٥ - (ومنها): حرص آدم - ﵇ - على رعاية الأدب مع ربه - ﷾ -، حيث نسب الخير إليه، فقال: «والخير كله بيديك»، ولم يقل: والشرّ، مع أنه بتقدير الله - ﵇ -. ٦ - (ومنها): كمال شفقة النبيّ - ﷺ - على أمته، ورجاؤه الخير كلّ الخير لها، ودعاؤه ربّه في تحقيق ما رجاه لها، فكان ذلك مصداق قوله - ﷿ -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ٧ - (ومنها): عظيم فضل الله تعالى على حبيبه - ﷺ - حيث وعده بإرضائه، وإعطائه كلّ ما سأله في أمته، فقال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]، وقد تقدّم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -: «أن النبيّ - ﷺ - تلا قول الله - ﷿ - في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] وقول عيسى - ﵇ -: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع يديه، وقال: اللهم أمتي أمتي، وبَكَى، فقال الله - ﷿ -: يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل - ﵇ -، فسأله، فأخبره رسول الله - ﷺ - بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك». فهذه هي البشارة العظيمة، والعطيّة الجسيمة، ينبغي للمسلم أن يكون دائم الشكر لله - ﷾ -، أن جعله من أمة هذا النبيّ الكريم - ﷺ -، وأدخله تحت هذا الوعد العظيم، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]: وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهًا … وَكِدتُّ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيّا دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي … وَأَنْ صيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيّا وأراد بقوله:«يا عبادي» قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. اللهم لك الحمد على ما مننت، ولك الشكر على ما أوليت، سبحانك لا نُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، نسألك اللهم أن تُحيينا على سنّته - ﷺ -، وتُميتنا عليها، وتبعثنا عليها، وتجعلنا من خيار أهلها أحياء وأمواتًا، إنك سميع قريبٌ مجيب الدعوات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في يأجوج ومأجوج: (اعلم): أنه اختُلِف فيهم على عدّة أقوال - كما بيّنه في «الفتح» -: قيل إنهم من بني آدم، ثم بني يافث بن نوح، وبه جزم وهب وغيره، وقيل: إنهم من الترك، قاله الضحاك، وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الدَّيْلَم، وعن كعب: هم من ولد آدم من غير حَوّاء، وذلك أن آدم؛ نام، فاحتلم، فامَتَزَجت نطفته بالتراب، فخلق منها يأجوج ومأجوج، ورُدّ بأن النبي لا يَحْتَلِم، وأجيب عنه: بأن المنفي أن يرى في المنام أنه يجامع، فيحتمل أن يكون دفق الماء فقط، وهو جائز، كما يجوز أن يبول، والأول المعتمد، وإلا فأين كانوا حين الطوفان؟. وجاء في صفتهم ما أخرجه ابن عديّ، وابن أبي حاتم، والطبرانيّ في «الأوسط»، وابن مردويه من حديث حُذيفة - ﵁ - رفعه، قال: «يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كلّ أمة أربعمائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذَكَر من صلبه، كلهم قد حَمَل السلاح»، وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، والعطار ضعيف جدًّا، ومحمد بن إسحاق قال ابن عديّ: ليس هو صاحب المغازي، بل هو العُكَاشيّ، قال: والحديث موضوع، وقال ابن أبي حاتم: منكر. قال الحافظ: لكن لبعضه شاهد صحيحٌ، أخرجه ابن حبان من حديث ابن مسعود - ﵁ - رفعه: «إن يأجوج ومأجوج أقلُّ ما يترك أحدهم لصلبه ألفًا من الذرية»، وللنسائي من رواية عمرو بن أوس، عن أبيه، رفعه: «إن يأجوج ومأجوج يجامعون ما شاؤوا، ولا يموت رجل منهم إلَّا ترك من ذريته ألفًا، فصاعدًا»، وأخرج الحاكم، وابن مردويه، من طريق عبد الله بن عمرو: «إن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، ووراءهم ثلاثُ أمم، ولن يموت منهم رجل إلَّا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا»، وأخرج عبد بن حميد، بسند صحيح، عن عبد الله بن سلام مثله، وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق عبد الله بن عمرو، قال: «الجنّ والإنس عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس»، ومن طريق شُريح بن عُبيد، عن كعب، قال: هم ثلاثة أصناف: صنف أجسادهم كالأَرْز - بفتح الهمزة، وسكون الراء، ثم زاي، هو شجر كبار جدًّا - وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع، وصنف يفترشون آذانهم، ويلتحفون بالأخرى«، ووقع نحو هذا في حديث حُذيفة، وأخرج أيضًا هو، والحاكم، من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عباس:»يأجوج ومأجوج شبرًا شبرًا، وشبرين شبرين، وأطولهم ثلاثة أشبار، وهم من ولد آدم«، ومن طريق أبي هريرة، رفعه:»وُلد لنوح سام، وحام، ويافث، فوُلد لسام العربُ، وفارسُ، والروم، ووُلد لحام القبط، والبربر، والسودان، ووُلد ليافث يأجوج ومأجوج، والترك، والصقالبة«، وفي سنده ضعف، ومن رواية سعيد بن بَشير، عن قتادة، قال:»يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة، بَنَى ذو القرنين السَّدَّ على إحدى وعشرين، وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو، وهم الأتراك، فبقوا دون السّدّ«، وأخرج ابن مردويه من طريق السُّدّيّ، قال:»التُّرْكُ سرية من سرايا يأجوج ومأجوج، خرجت تُغِير، فجاء ذو القرنين فبنى السَّدّ، فَبَقُوا خارجًا«، ووقع في فتاوي الشيخ محيي الدين: يأجوج ومأجوج من أولاد آدم، لا من حواء عند جماهير العلماء، فيكونون إخواننا لأب، كذا قال، ولم نرَ هذا عن أحد من السلف إلَّا عن كعب الأحبار، وَيرُدُّه الحديث المرفوع إنهم من ذرية نوح، ونوح من ذرية حواء قطعًا. انتهى ما في«الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخّص مما سبق أن الأرجح أن يأجوج ومأجوج من ذريّة آدم - ﵇ -، وهم قوم كفّار، وهيم أكثر أصحاب النار عددًا، وسيأتي تمام البحث فيهم حيث يذكرهم المصنّف - ﵀ - في«كتاب الفتن، وأشراط الساعة» من حديث النّوّاس بن سمعان - ﵁ - الطويل - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٣٩] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: «مَاَ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّاس، إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَد، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ»، وَلَمْ يَذْكُرَا: «أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: كلّهم تقدّموا قريبًا، و«أبو بكر بن أبي شيبة»: هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة«، و»وكيع«: هو ابن الجرّاح، و»أبو كريب«: هو محمد بن العلاء، و»أبو معاوية«: هو محمد بن خازم الضرير، و»الأعمش«: هو سليمان بن مِهْران. وقوله: (فِي النَّاسِ) أي بالنسبة إلى مجموع سائر الناس. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرَا … إلخ) بالبناء للفاعل، والألف ضمير وكيع وأبي معاوية. [تنبيه]: رواية وكيع، وأبي معاوية التي أحالها المصنّف هنا على رواية جرير بن عبد الحميد، أخرجها الحافظ أبو نعيم في«مستخرجه»(١/ ٢٨٨)، فقال: (٥٣٣) حدثنا أبو بكر بن يحيى الطَّلْحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع (ع)، وحدثنا عبد الله بن محمد بن أحمد، ثنا أبو بكر الفِرْيابيّ، ثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية ووكيع، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال رسول الله - ﷺ -:«يقول الله - ﷿ -: يا آدم قم، فابْعَثْ بَعْثَ النار، قال: فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك يا رب، وما بَعْثُ النارِ؛ قال: من كلّ ألف تسعَمائة وتسعةً وتسعين، فحينئذ يشيب المولود، وتَضَعُ كلُّ ذات حَمْلٍ حَمْلَها، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]، قال: فيقول: وما ذاك الواحد؟ »قال: فقال رسول الله - ﷺ -:«تسعُمائة وتسعٌ وتسعون من يأجوج ومأجوج، ومنكم واحدٌ»، قال: فقال الناس: الله أكبر، قال: فقال رسول الله - ﷺ -:«إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجَنَّة، والله إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجَنَّة، والله إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجَنَّة»، قال: فكبَّر الناسُ، قال: فقال رسول الله - ﷺ -:«ما أنتم يومئذ في الناس، إلَّا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض»، لفظ أبي بكر، عن وكيع، وأبي كريب، عن أبي معاوية. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيت من كتابة الجزء الخامس من«شرح صحيح الإمام مسلم»المسمَّى«البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج»رحمه الله تعالى، بعد صلاة الظهر يوم الخميس المبارك ١٧/ ٧/ ١٤٢٥ هـ الموافق ٢/ سبتمبر/٢٠٠٤ م. أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].«اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».«السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء السادس مفتتحًا بـ (٢) - (كِتَابُ الطَّهَارَةِ) رقم الحديث [٥٤٠] (٢٢٣).«سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك». * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يوم الخميس ١٧/ ٧/ ١٤٢٥ هـ - أول الجزء السادس من شرح صحيح الإمام مسلم المسمّى«البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج»رحمه الله تعالى. ٢ - (كِتَابُ الطَّهَارَةِ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): أنه لَمّا كانت العبادة من الإيمان، والصلاة أفضل العبادات بعد الشهادتين، والطهارة من أعظم شروطها المتوقّف صحّتها عليه عقّب أبواب الإيمان بـ«كتاب الطهارة»، وإنما اختصّت الطهارة بالتقديم من بين الشروط؛ لكونها غير قابلة للسقوط غالبًا، ولكثرة مسائلها المحتاج إليها. وإنما قدّم العبادات على المعاملات؛ اهتمامًا بأمور الدين، وتقديمًا لها على الأمور الدُّنيويّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): يحتمل أن يكون«كتاب»خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره:«هذا كتاب الطهارة، أو مبتدأً خبره محذوف؛ أي »كتاب الطهارة هذا محلّ بحثه«، أو فاعلًا لفعل مقدَّر؛ أي ثبتَ كتابُ، أو نائبَ فاعل لفعل محذوف؛ أي يُذكر كتابُ، أو منصوبًا بفعل مقدَّر؛ أي اقرَأْ كتابَ، أو مجرورًا بحرف جرّ محذوف مع بقاء عمله على قلّة، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]: إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ … أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ أي إلى كليب، والتقدير هنا: انظر في كتاب الطهارة. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): «كتاب» مصدر في الأصل، جُعل اسمًا لكل مكتوب، كالرهن اسمٌ لكل مرهون، ثم يتخصّص بالإضافة، فيقال: «كتاب الإيمان»، «كتاب الطهارة»، «كتاب الصلاة»، فالإضافة فيه للبيان، مثلها في «خاتم حديد». ثم الإضافة في «كتاب الطهارة» يحتمل أن تكون بمعنى اللام؛ أي كتاب موضوع لشرح الطهارة، واللام للاختصاص؛ أي مختصّ بالطهارة من بقيّة أنواع علوم الحديث، وأن تكون بمعنى «من»؛ أي كتاب من الطهارة، كقولهم: خاتم فضّة؛ أي من فضّة، أو بمعنى «في»؛ أي كتاب موضوع في شرح الطهارة ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قوله: «كتاب الطهارة» مركّبٌ إضافيّ، فقيل: إن حدّ المركب الإضافيّ لقبًا متوقّف على معرفة جزأيه؛ لأن العِلْمَ بالمركّب بعد العلم بجزأيه، وقيل: لا يتوقّف؛ لأن التسمية به سَلَبت كلًّا من جزأيه عن معناه الإفراديّ، وصَيَّرت الجميع اسمًا لشيء آخر، ورُجّح الأول بأنه أتمّ فائدةً، وعليه اختُلف، فقيل: الأولى البداءة ببيان المضاف؛ لأنه الأسبق في الذكر، وقيل: بالمضاف إليه؛ لأنه أسبق في المعنى؛ إذ لا يُعلم المضاف من حيث هو مضاف حتى يُعلم ما أُضيف إليه، وهو أحسن؛ لأن المعاني أقدم من الألفاظ. وقد استوفيت البحث عن معنى«كتاب»، في «كتاب الإيمان»، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): «الطهارة»: مصدر طَهُرَ، يقال: طَهُر الشيءُ من بابي قَتَلَ وقَرُبَ طَهارةً، والاسم الطُّهرُ، وهو النقاء من الدنس، والنجس، وهو طاهرُ الْعِرْض: أي بريء من العيب، ومنه قيل للحالة المناقضة للحيض: طُهْرٌ، والجمع أَطْهارٌ، مثلُ قُفْل وأَقْفَال، وامرأة طاهر من الأَدْناس، وطاهرٌ من الحيض، بغير هاء، وقد طَهَرَت من الحيض، من باب قَتَلَ، وفي لغة قليلة من باب قَرُبَ، وتطهرت: اغتَسَلَت، وتكون الطهارة بمعنى التَّطَهُّر، وماءٌ طاهرٌ: خلافُ نَجِسٍ، وطاهرٌ: صالحٌ للتطهر به، وطَهُور قيل: مبالغةٌ، وإنه بمعنى طاهرٍ، والأكثر أنه لوصف زائد، قال ابن فارس: قال ثعلب: الطهور: هو الطاهر في نفسه، المطهر لغيره. وقال الأزهري أيضًا: الطَّهُور في اللغة هو الطاهر المطهر، قال: وفَعُول في كلام العرب لمعان، منها فَعُول لما يُفْعَل به، مثل الظَهُور لما يُتَطَهَّر به، والوَضوء لما يُتَوَضأ به، والْفَطُور لما يُفْطَرُ عليه، والْغَسُول لما يُغْتَسَل به، ويُغْسَل به الشيء، وقوله - ﷺ -: «هو الطَّهُور ماؤه»؛ أي هو الطاهر المطهر، قاله ابن الأثير، قال: وما لَمْ يكن مُطَهِّرًا فليس بطَهُور. وقال الزمخشريّ: الطهور: الْبَلِيغ في الطهارة، قال بعض العلماء: ويُفْهَم من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ أنه طاهر في نفسه، مُطَهِّر لغيره؛ لأن قوله: ﴿مَاءً﴾ يُفْهَم منه أنه طاهر؛ لأنه ذُكِر في معرض الامتنان، ولا يكون ذلك إلَّا بما يُنتَفع به، فيكون طاهرًا في نفسه، وقوله: ﴿طَهُورًا﴾ يُفْهَم منه صفةٌ زائدةٌ على الطهارة، وهي الطهورية. فإن قيل: فقد ورد «طهور» بمعنى«طاهر»، كما في قوله: «رِيقُهُنَّ طَهُورٌ»، فالجواب: أن وروده كذلك غير مُطَّرِد، بل هو سماعيّ، وهو في البيت مبالغة في الوصف، أو واقع موقع طاهر؛ لإقامة الوزن، ولو كان طهور بمعنى طاهر مطلقًا لَقِيل: ثوبٌ طَهُورٌ، وخَشَبٌ طَهُورٌ، ونحو ذلك، وذلك ممتنع، و«طهورُ إناء أحدكم»: أي مُطَهِّره، و«الْمِطْهَرة» - بكسر الميم -: الإِداوَةُ، والفتح لغة، ومنه: «السواك مَطْهَرَةٌ للفم» - بالفتح - وكل إناء يُتَطَهَّر به: مَطْهَرَةٌ، والجمع: الْمَطَاهِر، قاله الفيّوميّ . وقال النوويّ: يقال: طَهُر بفتح الهاء وضمّها، لغتان مشهورتان، الفتح أفصحهما، يطهُر بالضمّ، والاسم: الطُّهْر، والطهور بفتح الطاء: اسم لما يُتَطهَّر به، وبالضمّ: اسم للفعل، هذه هي اللغة المشهورة التي عليها الأكثرون من أهل اللغة، واللغة الثانية بالفتح فيهما، واقتصر عليها جماعات من كبار أهل اللغة، وحَكَى صاحب «مطالع الأنوار» الضمّ فيهما، وهو غريبٌ شاذّ ضعيف. انتهى . وهي لغةً: النظافة، والنزاهة عن الأقذار، حسّيّةً كانت كالأنجاس، أو معنويّةً كالعيوب، يقال: طهر بالماء، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ﴾ قوم ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾؛ أي يتنزهون، ومنه حديث ابن عبّاس - ﵄ - أن النبيّ - ﷺ - كان إذا دخل على مَرِيضٍ، قال: «لا بأسَ طَهُور إن شاء الله»، رواه البخاريّ؛ أي مطهّرٌ من الذنوب . وقال ابن قُدامة رحمه الله تعالى: «الطهارة» في اللغة: النزاهة عن الأقذار، وفي الشرع: رفع ما يمنع الصلاة من حدث، أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتراب، فعند إطلاق لفظ الطهارة في لفظ الشارع، أو كلام الفقهاء ينصرف إلى الموضوع الشرعيّ، دون اللغويّ، وكذلك كلُّ ما له موضوع شرعيّ ولغويّ إنما ينصرف المطلق منه إلى الموضوع الشرعيّ، كالوضوء، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحجّ، ونحوه؛ لأن الظاهر من صاحب الشرع التكلّم بموضوعاته. و«الطُّهُور» - بضم الطاء -: المصدر، قاله اليزيديّ، و«الطَّهُور» - بالفتح -: من الأسماء المتعدّية، وهو الذي يُطهّر غيره، مثلُ الْغَسُول الذي يُغسل به. وقال بعض الحنفيّة: هو من الأسماء اللازمة، بمعنى الطاهر سواءً؛ لأن العرب لا تُفرّق بين الفاعل والفعول في التعدّي واللزوم، في كان فاعله لازمًا كان فَعُوله لازمًا، بدليل قاعد وقَعُود، ونائم ونَؤُوم، وضارب وضَروب. وهذا غير صحيح؛ فإن الله تعالى قال: ﴿لِيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾، وعن جابر - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: «أُعطيتُ خمسًا لَمْ يُعْطَهُنّ نبيٌّ قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا»، متَّفق عليه، ولو أراد به الطاهر لَمْ يكن فيه مزيّة؛ لأنه طاهر في حقّ كلّ أحد، وسئل النبيُّ - ﷺ - عن التوضئ بماء البحر؛ فقال: «هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته» ، ولو لَمْ يكن الطهور متعدّيًا لَمْ يكن ذلك جوابًا للقوم، حيث سألوه عن التعدّي؛ إذ ليس كلّ طاهر مُطَهِّرًا، وما ذكروه لا يستقيم؛ لأن العرب فرّقت بين الفاعل والفَعُول، فقالت: قاعد لمن وُجد منه الْقُعُود، وقَعُود لمن يتكرر منه ذلك، فينبغي أن يُفرّق بينهما ها هنا، وليس إلَّا من حيث التعدّي واللزوم. انتهى . وقال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»: قال جمهور أهل اللغة: يقال: «الوُضوء»، و«الطُّهُور» - بضم أولهما -: إذا أريد به الفعل الذي هو المصدر، ويقال: «الوَضوء»، و«الطَّهُور» - بفتح أولهما -: إذا أريد به الماء الذي يُتَطَهَّر به، هكذا نقله ابن الأنباريّ، وجماعات من أهل اللغة وغيرهم، عن أكثر أهل اللغة، وذهب الخليل والأصمعيّ، وأبو حاتم السجستانيّ، والأزهريّ، وجماعة إلى أنه بالفتح فيهما، قال صاحب «المطالع»: وحُكِي الضم فيهما جميعًا. وأصل الوُضوء من الوَضَاءة، وهي الحسن والنظافة، وسُمّي وُضوءًا؛ لأنه يُنَظِّف المتوضئ، ويُحَسِّنه، وكذلك الطهارة أصلها النظافة والتنزه، وأما الغَسل، فإذا أريد به الماء، فهو مضموم الغين، وإذا أريد به المصدر، فيجوز ضم الغين وفتحها، لغتان مشهورتان، وبعضهم يقول: إن كان مصدرًا لِغَسلت، فهو بالفتح، كضَربت ضربًا، وإن كان بمعنى الاغتسال، فهو بالضم، كقولنا: غُسل الجمعة مسنون، وكذلك الغسل من الجنابة واجب، وما أشبهه، وأما ما ذكره بعض مَن صَنَّف في لحن الفقهاء من أن قولهم: غُسل الجنابة، وغُسل الجمعة، وشبههما بالضم لحنٌ، فهو خطأ منه، بل الذي قالوه صواب، كما ذكرناه، وأما الْغِسْل بكسر الغين، فهو اسم لما يُغْسَل به الرأس من خِطْميّ وغيره، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال في «تهذيب الأسماء واللغات»: الطهارة في اللغة: النظافة، والتنزّه عن الأدناس، وفي الشرع: رفع الحدث، وإزالة النجاسة، أَوْ ما في معناهما، كالتيمّم، وتجديد الوضوء، والغَسلة الثانية، والثالثة في الوضوء، وإزالة النجاسة، والأغسال المسنونة، وطهارة المستحاضة، وسلس البول، وما في معناهما من حدث دائم، فكلّ هذه طهارات، ولا يرفع، ولا يُزيل نجسًا، ومن اقتصر على أن الطهارة رفع الحدث، وإزالة النجس، فليس بمصيب، فإنه حدّ ناقص؛ لأنه يَخْرُج منه ما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٣٢)

١. «شرح النوويّ»٣/ ٩٦ - ٩٧.

٢. «لب اللباب» ٢/ ١٠٤.

٣. «المفهم» ١/ ٤٧٠.

٤. «المفهم» ١/ ٤٧١.

٥. «المفهم» ١/ ٤٧١.

٦. «الفتح» ١١/ ٣٩٧.

٧. «شرح النوويّ» ٣/ ٩٧.

٨. «المفهم» ١/ ٤٧٠.

٩. «شرح النوويّ» ٣/ ٩٧.

١٠. «الفتح» ١١/ ٣٩٨ - ٣٩٩ «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٣٥).

١١. ١١/ ٣٩٩.

١٢. «المفهم» ١/ ٤٧٠ - ٤٧١.

١٣. «لسان العرب» ٤/ ٦١.

١٤. «الصحاح» ٢/ ٥١٤.

١٥. «المصباح المنير» ١/ ٤٩.

١٦. «الفتح»١٣/ ١١٣ - ١١٤«كتاب الفتن»رقم (٧١٣٥ - ٧١٣٦).

١٧. «المفهم»١/ ٤٧١.

١٨. راجع: «الفتح» ١١/ ٣٩٩ «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٣٠).

١٩. «الفتح» ١١/ ٣٩٩ - ٤٠٠.

٢٠. «شرح النوويّ»٣/ ٩٨.

٢١. «المفهم» ١/ ٤٧١.

٢٢. ١٣/ ١٣ - ١٤«كتاب الفتن»رقم (٧١٣٥ - ٧١٣٦).

٢٣. سيأتي في«كتاب الفتن، وأشراط الساعة»برقم (٢٩٣٧).

٢٤. «المسند المستخرج على صحيح مسلم»١/ ٢٨٨ رقم (٥٣٣).

٢٥. راجع «حاشية تحفة الحبيب على شرح الخطيب» في الفقه الشافعيِّ.

٢٦. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٨ - ٣٨٠.

٢٧. «المجموع» ١/ ١٢٣، و«تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١٨٨.

٢٨. راجع «غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام» ١/ ٧٨.

٢٩. حديث صحيح، أخرجه الترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩)، وأبو داود (٧٦)، وابن ماجة (٣٨٦)، وأحمد (٧١٩٢، ٨٥١٨، ٨٦٩٥).

٣٠. «المغني» ١/ ١٢ - ١٤.

٣١. «شرح النوويّ» ٣/ ٩٩.

٣٢. «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١٨٨.