HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢٦

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. قالا: أخبرنا ابن وهب عن يونس، عن ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ. فَتَوَضَّأَ. فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ. ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص141
ج ١ ص ٢٠٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٧٦
(٣) - (بَابُ صِفَةِ الْوُضُوء، وَكَمَالِهِ) [٥٤٤] (٢٢٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَىَ عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - ﵁ - دَعَا بِوَضُوءٍ ، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ كَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْن، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِر، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م دت س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ٥ أو ١٠٧) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٦. ٣ - (حُمْرَانُ مَوْلَى عُثْمَانَ) هو: حُمْران بن أبان، المدنيّ، ثقة [٢] (ت ٧٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. ٤ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأُمويّ، أمير المؤمنين، استُشهِدَ في ذي الحجة، بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، وعمره (٨٠) وقيل: أكثر، وقيل: أَقلّ، ومدّة خلافته (١٢) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. والباقون تقدّموا قبل أربعة أبواب، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والثاني تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عطاء، عن حُمْرَان. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - ذو مزايا عظيمة، ومناقب جسيمة، فقد كان إسلامه في أول الإسلام على يد الصدّيق - ﵁ -، وهاجر الهجرتين، وتزوّج بنتي رسول الله - ﷺ -: رقيّة وأم كلثوم، زوّجه الله تعالى أم كلثوم بمثل صداق رُقيّة، وعلى مثل صحبتها، ولهذا لُقِّب بذي النورين، ولم يُعرف أحد من لدن آدم ﵇ تزوّج ابنتي نبيّ غيره، وهو أول من خرج إلى الحبشة، وهاجر إليها، وسائر من هاجر إليها تَبَعٌ له، وكان النبيّ - ﷺ - يستحيي منه أكثر من غيره، وهو أكثر منه حياءً، وأخبر أن الملائكة تستحيي منه، وقد تقدم بعض مناقبه في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ) ثم الْجُنْدَعيّ، المدنيّ، ثم الشاميّ (أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ) - بضم المهملة، وسكون الميم - ابن أبان (مَوْلَى عُثْمَانَ) بن عفّان - ﵁ -، كان من النَّمِر بن قاسط، سُبِيَ بعين التمر، فابتاعه عثمان - ﵁ - من الْمُسَيَّب بن نَجَبَةَ، فأعتقه (أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - ﵁ - دَعَا بِوَضُوءٍ) وفي نسخة: «دعا بوضوئه»، و«الوضوء» هنا بفتح الواو على الأكثر: اسم للماء الْمُعَدّ للوضوء، وأما بالضم فهو الحدث الذي هو الفعل . (فَتَوَضَّأَ) وقوله: (فَغَسَلَ كَفَّيْهِ) بيان وتفصيل لمعنى «توضّأ»، ثم الظاهر أنه غسلهما معًا، ويَحْتَمل أنه غسل كلّ واحدة منهما على حِدَتها، وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قوله: «غَسَلهما» قدرٌ مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين، أو متفرّقتين، والفقهاء اختَلَفوا أيُّهما أفضل. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الأولى غسلهما معًا، كما هو الظاهر من النصّ؛ لأنه أعون على إذهاب ما عساه يَعْلَقُ فيهما؛ لقوّة الدلك، وغسل كلّ واحدة على حدة فيه زيادة عَمَل بإفراد كلّ واحدة بطهارة، والله تعالى أعلم. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف: أي غَسلًا ثلاث مرّات، وهذا التثليث مستحبّ بالإجماع (ثُمَّ مَضْمَضَ) المضمضة: تحريك الماء في الفم، قال في «اللسان»: ومَضْمَضَ إناءه - بالضاد المعجمة - ومَصْمَصَه - بالصاد المهملة -: إذا حرّكه، وقيل: إذا غسله، والمضمضة: تحريك الماء في الفم، ومضمض الماء في فيه: حرّكه، وتمضمض به. انتهى. وقال في «المصباح»: ومَضْمَضتُ الماء في فمي: حرّكته بالإدارة فيه، وتمضمضتُ بالماء: فعلتُ ذلك، قال الفارابيّ: والمضمضة: صوت الحيّة ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها. انتهى . وقال ابن دقيق العيد ﵀: أصل هذه اللفظة - يعني المضمضة - مشعر بالتحريك، ومنه مضمض النعاس في عينيه، واستُعملت في هذه السنّة - أعني المضمضة في الوضوء - لتحريك الماء في الفم، وقال بعض الفقهاء: المضمضة أن يجعل الماء في فيه، ثم يَمُجّه، هذا أو معناه، فأدخل المجّ في حقيقة المضمضة، فعلى هذا لو ابتلعه لم يكن مؤدّيًا للسنّة، وهذا الذي يكثُر في أفعال المتوضّئين - أعني الجعل والمجّ - ويمكن أن يكون ذكر ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة، لا أنه يتوقّف تأدّي السنّة على مجّه، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: أصل المضمضة في اللغة: التحريك، ثم اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم، وتحريكه، وأما معناه في الوضوء الشرعيّ، فأكمله أن يضع الماء في الفم، ثم يُديره، ثم يمُجّه، والمشهور عند الشافعيّة أنه لا يُشترط تحريكه، ولا مَجّه، وهو عجيبٌ، ولعلّ المراد أنه لا يتعيّن المجّ، بل لو ابتلعه، أو تركه حتى يسيل أجزأ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن المضمضة لا تحصل إلا بجعل الماء في الفم، ثم تحريكه؛ لأن هذا هو الذي يقتضيه المعنى اللغويّ لها، وأما المجّ، فليس من معناها، فلا يلزم، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قُدّمت المضمضة على الاستنشاق؛ لشرف منافع الفم على منافع الأنف؛ فإنه مدخل الطعام والشراب اللذين بهما قوام الحياة، وهو محلّ الأذكار الواجبة والمندوبة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. انتهى . (وَاسْتَنْثَرَ) قال النوويّ ﵀: قال جمهور أهل اللغة، والفقهاء، والمحدثون: الاستنثار: هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وقال ابن الأعرابيّ، وابن قتيبة: الاستنثار الاستنشاق، والصواب الأوّل، وتدلّ عليه الرواية الأخرى بلفظ: «استنشق، واستنثر»، فجمع بينهما، قال أهل اللغة هو مأخوذ من النَّثْرة، وهي طرف الأنف، وقال الخطابيّ وغيره: هي الأنف، والمشهور الأول، قال الأزهريّ: رَوَى سلمة عن الفراء، أنه يقال: نَثَرَ الرجلُ، وانتَثَرَ، واستنثر: إذا حَرَّك النَّثْرَة في الطهارة، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. ووقع عند البخاريّ في رواية الكشمهينيّ: «واستنشق»، بدل «واستنثر»، قال في «الفتح»: والأول أعمّ، وثبتت الثلاثة في رواية البخاريّ من طريق شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ. قال الحافظ ﵀: ولم أر في شيء من طُرُق هذا الحديث تقييد ذلك بعدد، نعم ذكره ابن المنذر من طريق يونس، عن الزهريّ، وكذا ذكره أبو داود، من وجهين آخرين، عن عثمان - ﵁ -، واتفقت الروايات على تقديم المضمضة على الاستنشاق. انتهى . (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وهذا التثليث أيضًا مستحبّ، وفيه تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنشاق، وقد ذَكَرُوا أن حكمة ذلك باعتبار أوصاف الماء؛ لأن اللون يُدْرَك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فقدمت المضمضة والاستنشاق، وهما مسنونان قبل الوجه؛ لاختبار حال الماء قبل فعل الفرض به، أفاده القاضي عياض ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «وهما مسنونتان» الراجح أن المضمضة والاستنشاق في الوضوء واجبتان؛ لأن النبيّ - ﷺ - لم يترك واحدًا منهما في وُضوئه، فكل من وصف وضوءه - ﷺ - وصفه بهما، وفعلُهُ بيانٌ لِمُجْمَل الآية، والآية بصيغة الأمر ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وكذلك النبيّ - ﷺ - أمر بهما. وسيأتي تمام البحث في ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -. (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ) تعبيره بـ «ثُمّ» يدلّ على تقديم اليمنى على اليسرى، وكذا القول في الرجلين أيضًا (الْيُمْنَى) مؤنّث اليمين، ضدّ اليسار، وأنّثه؛ لأن اليد مؤنّثةٌ (إِلَى الْمِرْفَقِ) - بفتح الميم، وكسر الفاء، وعكسه، لغتان - وهو مَوْصِلُ الذراع بالعضد (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أي غسلًا ثلاث مرّات (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى) تأنيث اليسار، أنّثه؛ لما مرّ (مِثْلَ ذَلِكَ) أي ثلاث مرّات، ولا خلاف في وجوب غسل اليدين؛ للنّصّ، والجمهور على وجوب غسل المرفقين، وخالف في ذلك زفر من الحنفيّة، وداود الظاهريّ. وسيأتي ترجيح مذهب الجمهور في وجوب دخولهما في الغسل - إن شاء الله تعالى - (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) وفي رواية البخاريّ: «برأسه»، قال القرطبيّ ﵀: الباء للتعدية يجوز حذفها وإثباتها، وقال في «الفتح»: دخلت الباء لتفيد معنى آخر، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولًا به، والمسح لغةً لا يقتضي ممسوحًا به، فلو قال: «وامسحوا رؤوسكم» لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم الماء، فهو على القلب، والتقدير: امسحوا رؤوسكم بالماء. انتهى. والمسح لغة: إمرار اليد على الشيء، يقال: مسحتُ الشيءَ بالماء مَسْحًا: أمررتُ اليدَ عليه، قال أبو زيد: المسح في كلام العرب يكون مسحًا، وهو إصابة الماء، ويكون غسلًا، يقال: مسحتُ يدي بالماء: إذا غسلتها، وتمسّحتُ بالماء: إذا اغتسلتَ، فالمسح مشتركٌ بين معنيين. انتهى . ثم إن ظاهر الحديث يدلّ على أنه مسح جميع الرأس؛ لأن اسم الرأس حقيقةٌ في العضو كلّه. وسيأتي تحقيق المسألة في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: قال في «الفتح»: وليس في شيء من طرق الحديث في «الصحيحين» ذكر عدد للمسح، وبه قال أكثر العلماء، وقال الشافعيّ ﵀: يستحب التثليث في المسح، كما في الغسل، واستُدِلّ له بظاهر رواية لمسلم: «أن النبيّ - ﷺ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا». وأُجيب بأنه مُجْمَل تَبَيَّن في الروايات الصحيحة أن المسح لم يَتَكَرَّر، فَيُحْمَل على الغالب، أو يَختصّ بالمغسول، قال أبو داود ﵀ في «سننه»: أحاديث عثمان الصحاح كلُّها تدل على أن مسح الرأس مرةً واحدةً، وكذا قال ابن المنذر أن الثابت عن النبيّ - ﷺ - في المسح مرةً واحدةً، وبأن المسح مَبْنِيّ على التخفيف، فلا يقاس على الغسلِ المرادِ منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعْتُبِر في المسح لصار في صورة الغسل؛ إذ حقيقة الغسل جَرَيَان الماء، والدلكُ ليس بِمُشْتَرَط على الصحيح عند أكثر العلماء، وبالغ أبو عبيد، فقال: لا نعلم أحدًا من السلف استَحَبَّ تثليث مسح الرأس إلا إبراهيم التيميّ، وفيما قال نظرٌ، فقد نقله ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أنس، وعطاء، وغيرهما، وقد رَوَى أبو داود من وجهين، صَحّحَ أحدهما ابن خزيمة وغيره، في حديث عثمان تثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال في «الفتح» في هذا الموضع أن هذه الزيادة مقبولة، وليس كما قال، بل هي رواية شاذّة، لا تُقبل. وسيأتي تحقيق القول في ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -. (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: هذا يدلّ على استحباب التكرار في غسل الرجل ثلاثًا، وبعض الفقهاء لا يرى هذا العدد في الرِّجل كما في غيرها من الأعضاء، وقد ورد في الروايات: «فغسل رجليه حتى أنقاهما»، ولم يذكر عددًا، فاستُدِلّ به لهذا المذهب، وأُكّد من جهة المعنى بأن الرجل لقربها من الأرض في المشي عليها تكثُر فيها الأوساخ والأَدْرَانُ، فيُحال الأمر فيه على مجرّد الإنقاء من غير اعتبار العدد، والرواية التي فيها ذكر العدد زائدةٌ على الرواية التي لم يُذكَر فيها، فالأخذ بها متعيِّنٌ، والمعنى المذكور لا يُنافي اعتبار العدد، فليُعْمَل بما دلّ عليه لفظ الحديث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد ﵀ أخيرًا هو الحقّ، وحاصله أنه يُستحبّ تثليث غسل الرجلين، كسائر الأعضاء، كما صرّح به في هذا الحديث، وأما القول بعدم استحباب التثليث، وتعليله بما ذكروه من كثر الأوساخ والأدران فيها يقتضي عدم اعتباره، فتعليل عقليّ في مقابلة النصّ، فلا اعتداد به، ولنعم ما قيل [من الوافر]: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ … يَوْمًا تُجَارِي فِي مَيَادِنِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاح والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى) وفي نسخة: «ثم غسل رجله اليسرى» (مِثْلَ ذَلِكَ) أي ثلاث مرّات (ثُمَّ قَالَ) عثمان - ﵁ - (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَوَضَّأَ) جملة حاليّة من المفعول؛ لأن «رأى» هنا بصريّة، تتعدّى لمفعول واحد (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) أي مثله في الكيفيّات المذكورة (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (مَنْ تَوَضَّأَ) «من» شرطيّة، ويحتمل كونها موصولةً (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) قال النوويّ: إنما قال: «نحو وضوئي»، ولم يقل؛ «مثل»؛ لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره. وتعقّبه العينيّ بأنه جاء في رواية البخاريُّ في «الرقاق»: «من توضّأ مثل هذا الوضوء»، وجاء في رواية مسلم أيضًا: «من توضّأ مثل وضوئي هذا»، وكلُّ واحد من لفظ «نحو» و«مثل» من أدوات التشبيه، والتشبيه لا عموم له، سواء قال: «نحو وضوئي هذا»، أو «مثل وضوئي»، فلا يلزم ما ذكره. انتهى . وقال الحافظ في «الفتح» بعد ذكر الروايات التي فيها «مثل»: وعلى هذا فالتعبير بـ «نحو» من تصرّف الرواة؛ لأنها تُطلق على المثليّة مجازًا، ولأن «مثل»، وإن كانت تقتضي المساواة ظاهرًا، لكنها تُطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الروايتان، ويكون المتروك بحيث لا يُخلّ بالمقصود. انتهى . وقال ابن الملقّن: اعلم أن لفظ «نحو» لا يطابق لفظ «مثل»، فإن المثل تقتضي المساواة من كلّ وجه إلا من الوجه الذي يقع به الامتياز بين الحقيقتين بحيث يُخرجهما عن الوحدة، ولفظة «نحو» لا تُعطي ذلك، وإن استُعملت كذلك لغةً، لا اصطلاحًا عرفيًّا، فيكون استعمالها فيها مجازًا، ولهذا فرّق المحدّثون بين «نحو» و«مثل»، فقالوا فيما كان مثل الإسناد، أو المتن من كلّ وجه: «مثله»، كما استعمله مسلم في «صحيحه» في غير موضع، وقالوا: «نحوه» فيما قارب الإسناد أو المتن، حتى استدلّوا على الذين قالوا بالفرق بينهما، وألزموهم بمنعهم الرواية بالمعنى، ولعلّ واصف وضوء رسول الله - ﷺ -، وراويه عنه بلفظ: «نحو وضوئي هذا» لحظ الفرق بينهما من حيث إن مثليّة وضوئه - ﷺ - لا تتأتّى لأحد إلا من حيث امتثال الأمر، وحصول الثواب المناسب للمتوضئ على قدر تبعيّته فيه؛ لأنه قد يكون في وضوئه - ﷺ - أشياء لم يُكلّف بها، فتكون ملغاة بالنسبة إلينا، فيكون ذلك بيانًا للفعل الذي يحصل الثواب الموعود به، وعليه فلا بدّ أن يكون الوضوء المفعول موصوفًا لأجل الغرض المطلوب، فلهذا استعمل «نحو» في حقيقتها العرفيّة مع فوات المقصود، لا بمعنى «مثل»، أو يكون ترك ما عُلِم قطعًا أنه لا يُخلّ بالمقصود، مع أن لفظة «مثل» ثابتة عنه - ﷺ - في رواية البخاريّ وغيره، وهذه الرواية لم يَطَّلِع عليها ابن دقيق العيد، بل قال: يمكن أن يقال: إن الثواب يترتّب على مقاربة ذلك الفعل؛ تسهيلًا وتوسيعًا على المخاطبين من غير تضييق وتقييد بما ذكرناه، إلا أن الأول أقرب إلى مقصود البيان. انتهى. وقال الفاكهيّ: لا بدّ من ذلك؛ لتعذّر الإتيان بمثل وضوئه - ﷺ -، وذلك ما تقتضيه الشريعة السمحة، من التوسعة، وعدم التضييق على المكلّف. انتهى كلام ابن الملقّن باختصار، وبعض تصرّف . (ثمَّ قَامَ، فَرَكَعَ) أي صلّى، فهو من إطلاق الجزء على الكلّ، من باب المجاز المرسل (رَكْعَتَيْنِ) فيه استحباب صلاة ركعتين عقب الوضوء، ولا خلاف في استحبابهما (لَا) نافية، ولذا رُفع قوله: (يُحَدِّثُ) بالبناء للفاعل (فِيهِمَا نَفْسَهُ) منصوب على المفعوليّة، وجملة «لا يُحدّث إلخ» في محلّ نصب صفة لـ«ركعتين»، والمراد به أن لا يُحدّثها بشيء من أمور الدنيا، لما في بعض الروايات: «لا يُحدّث نفسه بشيء من الدنيا» . قال النوويّ ﵀: المراد أنه لا يُحَدِّث بشيء من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عَرَض له حديثٌ، فأعرض عنه بمجرد عروضه عُفِيَ عن ذلك، وحصلت له هذه الفضيلة - إن شاء الله تعالى - لأن هذا ليس من فعله، وقد عُفِي لهذه الأمة عن الخواطر التي تَعْرِض ولا تستقرّ. وقد تقدم بيان هذه القاعدة في «كتاب الإيمان»، والله تعالى أعلم. وقد قال معنى ما ذكرته المازريّ، وتابعه عليه القاضي عياض، فقال: يريد بحديث النفس الحديث الْمُجتَلَب والْمُكْتَسَب، وأما ما يقع في الخواطر غالبًا، فليس هو المراد. قال: وقوله: «يُحَدِّث نفسه» فيه إشارة إلى أن ذلك الحديث مما يُكْتَسب؛ لإضافته إليه، قال القاضي عياض: وقال بعضهم: هذا الذي يكون بغير قصد يُرجَى أن تُقْبَل معه الصلاة، ويكون دون صلاة مَن لم يُحَدِّث نفسه بشيء لأن النبيّ - ﷺ - إنما ضَمِنَ الغفران لمراعي ذلك؛ لأنه قَلَّ مَن تسلم صلاته من حديث النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة؛ لمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان، ونفيها عنه، ومحافظته عليها، حتى لم يشتغل عنها طرفة عين، وسَلِمَ من الشيطان باجتهاده، وتفريغه قلبه. انتهى كلام القاضي . قال النوويّ: والصواب ما قدمته، والله أعلم. انتهى . وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قوله: «لا يحدث فيهما نفسه» إشارة إلى الخواطر والوساوس الواردة على النفس، وهي على قسمين: [أحدهما]: ما يَهْخمُ هَجْمًا يَتَعَذّر دفعه عن النفس. [الثاني]: ما تسترسل معه النفس، ويُمكن قطعه ودفعه، فيُمكن أن يُحْمَلَ هذا الحديث على هذا النوع الثاني، فيَخرُج عنه النوع الأول؛ لعسر اعتباره، ويشهد لذلك لفظة «يُحدّث نفسه»، فإنه يقتضي تكسُّبًا منه، وتفعُّلًا لهذا الحديث، ويمكن أن يُحمَل على النوعين معًا، إلا أن العسر إنما يجب دفعه عما يتعلّق بالتكاليف، والحديث إنما يقتضي ترتّب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، فمن حصل له ذلك العمل، حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا، وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه. نعم لا بدّ وأن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول - أعني الوصف المرتّب عليه الثواب المخصوص - والأمر كذلك، فإن المتجرّدين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكرُ الله ﷿ على قلوبهم، وغَمَرَها تحصُل لهم تلك الحالة، وقد حُكي عن بعضهم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: حمله على النوع الثاني، وهو ما تسترسل النفس معه، ويمكن دفعه هو الأظهر؛ لما يدلّ ظاهر لفظ «يُحدّث» من التكسّب، ولأنه - ﷺ - حثّ أمته جميعًا، على هذا الوضوء بالكيفيّة المذكورة، والصلاة بعده، ورغّبهم في الثواب المذكور، فالظاهر إمكانه، وحصوله لمعظم الناس، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: المراد به ما تسترسل النفس معه، ويمكن المرء قطعه؛ لأن قوله: «يُحَدِّث» يقتضي تكسُّبًا منه، فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذر دفعه فذلك معفوّ عنه، ونقل القاضي عياض ﵀ عن بعضهم أن المراد: من لم يحصل له حديث النفس أصلًا ورأسًا، ويشهد له ما أخرجه ابن المبارك في «الزهد»، بلفظ: «لم يُسِرّ فيهما». وردّ النوويّ ﵀، فقال: الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرة. نعم، مَن اتَّفَقَ أن يحصل له عدم حديث النفس أصلًا أعلى درجةً بلا ريب. ثم إن تلك الخواطر، منها: ما يتعلق بالدنيا، والمراد دفعه مطلقًا، ووقع في رواية للحكيم الترمذي في هذا الحديث: «لا يُحَدِّث نفسه بشيء من الدنيا»، وهي في «الزهد» لابن المبارك أيضًا، و«المصنف» لابن أبي شيبة. ومنها ما يتعلق بالآخرة، فإن كان أجنبيًا أشبهَ أحوال الدنيا، وإن كان من متعلِّقات تلك الصلاة فلا. انتهى . وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -. (غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) والجملة خبر «من» في قوله: «من توضّأ»، و«الذنب»: الإثم، فإن تُوعّد عليه كان كبيرةً، وإلا فهو صغيرة. [تنبيه]: قوله: «غُفِرَ لَهُ. . إلخ» ظاهره يعمّ غفران الصغائر والكبائر، لكن العلماء خصّوه بالصغائر؛ لوروده مقيّدًا في نصوص أخرى، فسيأتي للمصنّف ﵀ في الباب التالي حديث عثمان - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيُحسن وضوءها، وخُشُوعها، وركوعها إلا كانت كفّارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كلّه». فهذا صريح في الذنوب الصغائر، وحديث الباب مطلقٌ، فيُحمل المطلق على المقيّد. وكذلك قوله - ﷺ -: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعمة، ورمضان إلى رمضان، كفارات لما بينهنّ، ما اجتُنِبت الكبائر». قال في «الفتح»: هو في حقّ من له كبائر وصغائر، ومن ليس له إلا الصغائر كُفّرت عنه، ومن ليس له إلا الكبائر خُفّف عنه منها بقدر ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر، ولا كبائر يُزاد في حسناته بنظير ذلك. انتهى . [فإن قيل]: إذا كان الوضوء وحده مُكَفّرًا للصغائر، كما في حديث الصنابحيّ الذي في آخره: «حتى يخرج نقيًّا من الذنوب»، فما الذي يكفّره الوضوء مع صلاة النافلة؟، كما في حديث الباب، وإذا كانت هذه مكفّرة أيضًا، فما الذي تكفّره المكتوبات؟. [أجيب]: بأن جميع ما ذُكر صالح للتكفير، فإن صادف شيء منها شيئًا من الذنوب المذكورة كفّره، وإلا كفّر بقدرها من الكبائر، فإن لم يوجد شيء من الصغائر، ولا الكبائر زيد في حسناته، كما تقدّم، والله تعالى أعلم. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ ﵀ (وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا) يعني الصحابة، وأكابر التابعين - ﵃ -؛ لأنه من صغار التابعين، أدرك نحو ثلاثة عشر من الصحابة، وأخذ من أكابر التابعين (يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ) الذي وُصف في حديث عثمان - ﵁ - هذا (أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ) بالبناء للفاعل (بهِ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ) قال النوويّ ﵀ معناه: هذا أتم الوضوء، وقد أجمع العلماء على كراهة الزيادة على الثلاث، والمراد بالثلاث المستوعبة للعضو، وأما إذا لم تستوعب العضو إلا بغَرفتين فهي غسلةٌ واحدةٌ، ولو شك هل غَسَل ثلاثًا أم اثنتين؟ جَعَل ذلك اثنتين، وأَتَى بثالثة، هذا هو الصواب الذي قاله الجماهير من أصحابنا - يعني الشافعيّةَ - وقال الشيخ أبو محمد الْجُوَينيّ من أصحابنا: يَجْعَل ذلك ثلاثًا، ولا يزيد عليها؛ مخافةً من ارتكاب بدعة بالرابعة، والأول هو الجاري على القواعد، وإنما تكون الرابعة بدعةً ومكروهةً إذا تعمد كونها رابعة، والله أعلم. وقد يَسْتَدِلُّ بقول ابن شهاب هذا مَن يَكْرَه غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وليس ذلك بمكروه عندنا، بل هو سنة محبوبة. وسيأتي بيانها في بابها - إن شاء الله تعالى - ولا دلالة في قول ابن شهاب على كراهته، فإن مراده العدد كما قدمناه، ولو صَرَّح ابن شهاب أو غيره بكراهة ذلك كانت سنة النبيّ - ﷺ - الصحيحة مقدمة عليه. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنف هنا [٣/ ٥٤٤ و٥٤٥] (٢٢٦)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٥٩ و١٦٤ و١٩٣٤)، و(أبو داود) في «الطهارة» (١٠٦) و(١٠٧) و(١٠٩)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ٦٤ و٦٥ و٨٠ و٩١ و١١١)، وفي «الكبرى» (٩١) و(١٠٣) و(١٧١) و(١٧٢) و(٨٤٠)، و(مالك) في «الموطّأ» (٤٥)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٤٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٤١)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٣٥)، و(أحمد) (٥٧/ أو ٥٩ و٦٠ و٦١ و٦٤ و٦٧ و٦٨ و٧١)، و(الدارميّ) في «سننه» (٦٩٩)، و(عبد الله بن أحمد) في زياداته على «المسند» ١/ ٧٤، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٦٥٢ و٦٥٣ و٦٥٤ و٦٥٥ و٦٥٦ و٦٥٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٥٣٩ و٥٤٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢ و٣ و١٥٨)، و(ابن حبان (١٠٤١ و١٥٨ و١٠٦٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٤٩ و٦٨)، و(البغوي) في «شرح السنّة» (٢٢١) والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): أن هذا الحديث أصل عظيم في بيان صفة الوضوء، فينبغي العناية ببيان الفوائد التي اشتمل عليها، وتفصيل مسائل الوضوء التي أشار إليها. ٢ - (ومنها): بيان جواز الاستعانة على إحضار ما يتوضأ به من الماء، قال ابن الملقّن ﵀: وهو مُجمع عليه من غير كراهة. انتهى . ٣ - (ومنها): أن فيه الاستدلال بفعل النبيّ - ﷺ - على الأحكام الشرعيّة، ومتابعته فيها، وتحرّي مقاربة فعله، وأنه - ﷺ - هو المرجع في جميعها، كما قال الله ﷿: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ٤ - (ومنها): التعليم بالفعل؛ لأنه أبلغ، وأضبط للمتعلّم. ٥ - (ومنها): استحباب غسل الكفّين قبل إدخالهما الإناء ثلاثًا، ولو لم يكن عقب نوم؛ احتياطًا. ٦ - (ومنها): الإفراغ على اليدين في ابتداء الوضوء. ٧ - (ومنها): الترتيب في غسل أعضاء الوضوء؛ لأن الراوي رتّبه بـ «ثُمّ» في مَعْرِض البيان، وهي للترتيب، ولحديث أبي داود أنه - ﷺ - قال: «فتوضأ كما أمرك الله» ، ولحديث أبي داود وغيره: «إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمر الله، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ثم يمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين» . قال الخطّابيّ وغيره: فيه من الفقه أن ترتيب الوضوء، وتقديم ما قدّمه الله في الذكر منه واجحب، وذلك معنى قوله - ﷺ -: «حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله»، ثم عطف عليه بحرف الفاء الذي يقتضي الترتيب من غير تراخ، وكلُّ من حكى وضوءه - ﷺ - حكاه مرتَّبًا، وفعله محمول على الوجوب؛ لأنه بيان لمجمل الآية . وقال شيخ الإسلام ﵀: والمنكر أن تتعمّد تنكيس الوضوء، فلا ريب أن هذا مخالفٌ لظاهر الكتاب، ومخالفٌ للسنة المتواترة، فإن هذا لو كان جائزًا لكان قد وقع أحيانًا، أو تبيَّن جوازه - أي بالنصّ - كما في ترتيب التسبيح، لَمّا قال النبيّ - ﷺ -: «أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهنّ من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرّك بأيّهنّ بدأت». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تَبَيَّنَ بما ذُكر من الأدلّة أن ترتيب الوضوء كما رتّبه النبيّ - ﷺ - واجبٌ، لا يجوز تعمّده، فمن عكس، فليُعد وضوءه؛ لأنه لم يتوضّأ كما أمره الله ﷿، والله تعالى أعلم بالصواب. ٨ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: «ثم أدخل يمينه في الإناء» على عدم اشتراط نيّة الاغتراف، قال الحافظ ﵀: ولا دلالة فيه لا نفيًا، ولا إثباتًا. ٩ - (ومنها): ما قيل: إنه يؤخذ من الاغتراف من الماء القليل للتطهير أنه لا يصيِّره مستعملًا. ١٠ - (ومنها): أنه قد يُستدلّ به على أن المضمضة والاستنشاق يكونان بغرفة واحدة، وهو أحد الأوجه المستحبّة الآتي بيانها - إن شاء الله تعالى -. ١١ - (ومنها): بيان تقديم اليمنى على اليسرى. ١٢ - (ومنها): أن الوضوء الواحد يكون بعضه بمرّة، وبعضه بمرّتين، وبعضه بثلاث. ١٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على من جعل الاستنثار بمعنى الاستنشاق؛ لأنه ورد عطفه عليه في رواية: «ثم مضمض، واستنشق، واستنثر». ١٤ - (ومنها): بيان فضل الوضوء والصلاة بعده. وسيأتي قريبًا في باب خاصّ - إن شاء الله تعالى -. ١٥ - (ومنها): استحباب صلاة ركعتين، فأكئر عقب كل وضوء، وهو سنة مؤكدة، والأصحّ أنها تُصلَّى في أوقات النهي وغيرها؛ لأنها من ذوات الأسباب، ويدلّ لذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حَدِّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؟ فإني سمعت دَفَّ نعليك بين يديّ في الجنة»، قال: ما عَمِلت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهَّر طُهُورًا في ساعة ليل أو نهار، الأصليت بذلك الطُّهور ما كُتِب لي أن أصلي. قال النوويّ ﵀: ولو صلى فريضةً أو نافلةً مقصودةً، حَصَلت له هذه الفضيلة، كما تحصل تحية المسجد بذلك. انتهى . ١٦ - (ومنها): الترغيب في الإخلاص، وتحذيرُ مَنْ لها في صلاته بالتفكير في أمور الدنيا من عدم القبول، ولا سيما إن كان في العزم على عمل معصية، فإنه يحضر المرء في حال صلاته ما هو مشغوفٌ به أكثر من خارجها. ووقع في رواية البخاريّ في «الرقاق» في آخر هذا الحديث ما نصّه: قال النبيّ - ﷺ -: «لا تغترّوا»؛ أي فتستكثروا من الأعمال السيئّة؛ بناءً على أن الصلاة تُكَفِّرها، فإن الصلاة التي تُكَفَّر بها الخطايا هي التي يقبلها الله، وأَنَّى للعبد بالاطلاع على ذلك؟ . ١٧ - (ومنها): أنه يؤخذ منه الإفراغ على اليدين معًا، وجاء في رواية أخرى: «أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما»، وهو قدرٌ مشترك بين غسلهما مجموعتين، أو مفترقين، والفقهاء مختلفون في أيّهما أفضل، قال ابن الملقّن ﵀: والذي يظهر أنه إن أمكن غسلهما معًا، فهو أفضل، وإلا قدّم الكفّ اليمنى، كما إذا غسل يده اليمنى إلى المرفق، فإن الأفضل تقديمها بلا شكّ. انتهى . ١٨ - (ومنها): استحباب التثليث في غسل الأعضاء. ١٩ - (ومنها): أن قوله: «ثم تمضمض، واستنثر»، وفي لفظ: «واستنشق»، وفي لفظ: «واستنشق، واستنثر» يفيد الترتيب بين غسل اليدين والمضمضة، والأصحّ عند الشافعيّة على وجه الاشتراط، وكذا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق أيضًا، وإن كان بالواو دون «ثمّ»، قاله في «الإعلام» . ٢٠ - (ومنها): أن قوله: «ثلاثًا» يفيد استحباب هذا العدد في كلّ ما ورد فيه. ٢١ - (ومنها): أن قوله: «ثم غسل رجليه» فيه التصريح بوجوب غسلهما، والردّ على من أوجب المسح. وسيأتي إيضاح ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -. ٢٢ - (ومنها): أن فيه استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء، وتُفعل في كلّ وقت حتى في وقت النهي عند الشافعيّة، وهو الأرجح، خلافًا للمالكيّة. ٢٣ - (ومنها): أن الثواب الموعود مرتّبٌ على أمرين: [الأول]: وضوؤه على النحو المذكور. [الثاني]: صلاة ركعتين عقبه بالوصف المذكور في الحديث، والمرتّب على مجموع أمرين لا يلزم ترتيبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون فضيلة بوجود أحد جزئيه، فيصبح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط؛ لحصول مطلق الثواب، لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النحو المذكور، والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور. انتهى . ٢٤ - (ومنها): أن فيه إثبات حديث النفس، وهو مذهب أهل الحقّ، ثم هو قسمان: [الأول]: ما يَهْجُمُ عليها، ويتعذّر دفعه عنها. [والثاني]: ما يسترسل معها، ويُمكن دفعه، وقطعه، فيُحمل الحديث عليه دون الأول؛ لعسره، وهو الذي يقتضيه لفظ: «لا يُحدّث»، فإنه يدلّ على معنى التكسّب، ولا يُحمل على الخواطر التي ليست من جنس مقدور العبد؛ لأنها معفوّ عنها بالنصّ، وهذا هو الرأي الراجح، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم. ٢٥ - (ومنها): أن حديث النفس يعمّ الخواطر الدنيويّة والأخرويّة، والحديث محمول على المتعلّق بالدنيا فقط؛ لأنه مأمور بالتفكر في معاني المتلوّ من القرآن، والذكر، والدعوات، وتدبّرها، وذلك إنما يحصل بحديث النفس، وليس كلّ أمر محمود، أو مندوب إليه بالنسبة إلى غير وقته، وحاله من أمور الآخرة، بل قد يكون أجنبيًّا عنها، مثابًا عليه، وقد رُوي عن عمر - ﵁ - أنه كان يجهّز الجيش، وهو في الصلاة، واستعجل النبيّ - ﷺ -، وهو في صلاة، وفرغ منها، وسئل عن ذلك، فقال: «كان عندي شيء من تبر، فكرهتُ أن يَحبسني، فقسمته»، أخرجه البخاريّ، وكلّ ذلك قربة خارجة عن مقصود الصلاة، وفي كتاب الصلاة للحكيم الترمذيّ، قال سعد - ﵁ -: «ما قمت في صلاة، فحدّثت نفسي فيها بغيرها»، فقال الزهريّ: رحم الله سعدًا إن كان لمأمونًا على هذا، ما ظننت أن يكون هذا إلا في نبيّ. قال ابن الملقّن ﵀: ويؤيّد ما سلف أنه جاء في رواية: «لا يُحدّث فيها نفسه بشيء من الدنيا، ثم دعا إلا استُجيب له»، ذكرها الحاكم الترمذيّ أيضًا في الكتاب المذكور . انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول أن المراد بقوله - ﵁ -: «لا يحدّث نفسه. . إلخ» تحديث النفس بأمور لا تتعلّق بالصلاة، كأمور الدنيا، أو أمور الآخرة الأجنبيّة من الصلاة، كالتفكير في مسألة فقهيّة، فلا يشمل الخواطر التي لا تستقرّ، إذا دفعها، ولم يسترسل معها، فإنها لا تضرّ، وكذلك تحديث النفس بمعاني ما يقرؤه من كتاب الله عز جل، أو يذكر الله، أو يدعوه به، فإن ذلك من مقاصد الصلاة، فلا ينافي حصول الثواب الموعود، والله تعالى أعلم. [تنبيه] لشيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ توجيه حسنٌ للأثر المنقول عن عمر - ﵁ - الذي تقدّم، ودونك نصّه، قال ﵀: وأما ما يُرْوَى عن عمر بن الخطاب - ﵁ - من قوله: «إني لأُجهّز جيشي، وأنا في الصلاة»، فذاك لأن عمر كان مأمورًا بالجهاد، وهو أمير المؤمنين، فهو أمير الجهاد، فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلِّي الذي يُصلّي صلاةَ الخوف حال معاينة العدوّ، إما حال القتال، وإما غير حال القتال، فهو مأمور بالصلاة، ومأمور بالجهاد، فعليه أن يؤدّي الواجبين بحسب الإمكان، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ قال الزبيديّ في «إتحاف السادة المتّقين» ٣/ ٣٥: قال تلميذه الحافظ: لفظ ابن أبي شيبة في «المصنّف»: «لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه». انتهى. كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥]، ومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينته حال الأمن، فإذا قُدِّر أنه نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد وطاعته، ولهذا تُخفَّف صلاة الخوف عن صلاة الأمن، ولَمّا ذَكَرَ عز جل صلاة الخوف قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف، ومع هذا فالناس متفاوتون في ذلك، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصلاة مع تدبّره للأمور بها، وعُمر - ﵁ - قد ضرب الله الحقّ على لسانه وقلبه. . . إلى أن قال: ولا ريب أن صلاة رسول الله - ﷺ - حال أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف في الأفعال الظاهرة، فإذا كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة، فكيف بالباطنة؟. وبالجملة فتفكّر المصلّي في الصلاة في أمر يجب عليه قد يَضِيق وقته، ليس كتفكّره فيما ليس بواجب، أو فيما لم يضق وقته، وقد يكون عمر - ﵁ - لم يُمكنه التفكّر في تدبير الجيش إلا في تلك الحال، وهو إمام الأمة، والواردات عليه كثيرة، ومثل هذا يَعْرِض لكلّ أحد بحسب مرتبته، والإنسان دائمًا يذكر في الصلاة ما لم يذكره خارج الصلاة، ومن ذلك ما يكون من الشيطان، كما يُذكر أن بعض السلف ذَكَر له رجلٌ أنه دَفَنَ مالًا، وقد نسي موضعه، فقال: قم فصلّ، فقام فصلّى، فذكره، فقيل له: من أين علمت ذلك؟، قال: علمتُ أن الشيطان لا يَدَعه في الصلاة حتى يُذَكِّره بما يَشْغَله، ولا أهمّ عنده من ذكر موضع الدفن، لكن العبد الكيِّس يجتهد في كمال الحضور، مع كمال فعل بقيّة المأمور، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ ، وهو توجيه حسنٌ لأثر عمر - ﷺ -، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: اختلف الفقهاء والزهّاد في قبول الصلاة مع استرسال الخواطر الشّاغلة عن حضور القلب فيها، فقال الفقهاء إلى قبولها، ومال الزهّاد إلى عدم قبولها. قال العلّامة ابن الملقّن ﵀: والأولى بنا، والأقوى في أدلّتنا أنه إن كان الخاطر عَرَضًا عَرَضَ، فأعرض عنه، فالمسألة كما قال الفقهاء، وإن كان سببه التعلّق بفضول الدنيا الذي يُستغنى عنه، فالمسألة كما قال الزهّاد؛ لأن ذلك العارض من سببه، وواقع باختياره وكسبه. انتهى. ولشيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ تحقيقٌ حسنٌ في المسألة، فقد سئل عن وسواس الرجل في صلاته، وما حَدُّ المبطل؟ وما حَدُّ المكروه منه؟ وهل يباح منه شيء في الصلاة؟ وهل يُعذّب الرجل في شيء منه؟ وما حدّ الإخلاص في الصلاة؟ وقول النبيّ - ﷺ -: «ليس لأحدكم من صلاته إلا ما عَقَلَ منها؟». فأجاب: الحمد لله. الوسواس نوعان: [أحدهما]: لا يمنع ما يُؤمر به من تدبّر الكلم الطيّب، والعمل الصالح الذي في الصلاة، بل يكون بمنزلة الخواطر، فهذا لا يُبطل الصلاة، لكن من سلمت صلاته منه، فهو أفضل ممن لم تسلم منه صلاته، الأول شبه حال المقرَّبين، والثاني شبه حال المقتصدين. وأما الثالث: فهو ما منع الفهم، وشهود القلب، بحيث يصير الرجل غافلًا، فهذا لا ريب أنه يمنع الثواب، كما روى أبو داود في سننه، عن عمّار بن ياسر - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن الرجل لينصرف من صلاته، ولم يُكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها»، حتى قال: «إلا عشرها»، فأخبر - ﷺ - أنه قد لا يُكتب له منها إلا العشر، وقال ابن عبّاس - ﵁ -: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلتَ منها. ولكن هل يُبطل الصلاة، ويوجب الإعادة؟ فيه تفصيلٌ، فإنه إن كانت الغفلة في الصلاة أقلّ من الحضور، والغالب الحضور، لم تجب الإعادة، وإن كان الثواب ناقصًا، فإن النصوص قد تواترت بأن السهو لا يُبطل الصلاة، وإنما يُجبر بعضه بسجدتي السهو، وأما إن غلبت الغفلة على الحضور، ففيه للعلماء قولان: [أحدهما]: لا تصحّ الصلاة في الباطن، وإن صحّت في الظاهر، كَحَقْن الدم؛ لأن مقصود الصلاة لم يَحصُل، فهو شبيه صلاة المرائي، فإنه بالاتّفاق لا يَبرأ بها في الباطن، وهذا قول أبي عبد الله ابن حامد، وأبي حامد الغزاليّ، وغيرهما. [والثاني]: تبرأ الذمّة، فلا تجب عليه الإعادة، وإن كان لا أجر له فيها، ولا ثواب، بمنزلة صوم الذي لم يَدَعْ قول الزور، والعمل به، فليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وهذا هو المأثور عن الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، واستدلّوا بما في «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «إذا نودي بالصّلاة أدبر الشيطان، وله ضُرَاطٌ، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قُضي التأذين أقبل، فإذا ثُوِّب بالصلاة أدبر، فإذا قُضي التثويب أقبل، حتى يَخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكُر كذا، اذكُر كذا ما لم يكن يذكر، حتى يَظَلَّ لا يدري كم صلّى، فإذا وَجَدَ أحدكم ذلك، فليسجُد سجدتين»، فقد أخبر النبيّ - ﷺ - أن الشيطان يَذكِّره بأمور حتى لا يدري كم صلّى، وأمره بسجدتين للسهو، ولم يأمره بالإعادة، ولم يُفرِّق بين القليل والكثير. وهذا القول أشبه وأعدل، فإن النصوص والآثار إنما دلَّت على أن الأجر والثواب مشروط بالحضور، ولا تدلّ على وجوب الإعادة، لا باطنًا، ولا ظاهرًا، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في عدد غَسَلات أعضاء الوضوء: قال النوويّ ﵀: قد أجمع المسلمون على أن الواجب في غَسْل الأعضاء مرةً مرةً، وعلى أن الثلاث سنة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرةً مرةً، وثلاثًا ثلاثًا، وبعض الأعضاء ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرةً. قال العلماء: فاختلافها دليلٌ على جواز ذلك كلّه، وأن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ، فعلى هذا يُحْمَل اختلاف الأحاديث. وأما اختلاف الرواة فيه عن الصحابيّ الواحد في القصة الواحدة، فذلك محمول على أن بعضهم حَفِظَ، وبعضهم نَسِي، فيؤخذ بما زاد الثقة كما تقرّر من قبول زيادة الثقة الضابط. واختَلَف العلماء في مسح الرأس، فذهب الشافعيّ في طائفة إلى أنه يُسْتَحبّ فيه المسح ثلاث مرات، كما في باقي الأعضاء، وذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والأكثرون إلى أن السنة مرةً واحدةً، ولا يزاد عليها، والأحاديث الصحيحة فيها المسح مرةً واحدةً، وفي بعضها الاقتصار على قوله: «مَسَحَ»، واحتجَّ الشافعيُّ بحديث عثمان - ﵁ - الآتي في «صحيح مسلم»: «أن النبيّ - ﷺ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا»، وبما رواه أبو داود في «سننه» أنه - ﷺ - مَسَحَ رأسه ثلاثًا، وبالقياس على باقي الأعضاء، وأجاب عن أحاديث المسح مرةً واحدةً بأن ذلك لبيان الجواز، وواظب - ﷺ - على الأفضل. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن أن فرض الوضوء مرّةً مرّةً، وما زاد على ذلك للاستحباب؛ لأنه - ﷺ - توضّأ مرّةً مرّةً، ومرّتين مرّتين، وثلاثًا ثلاثًا، ولم يزد على ذلك، وهذا مجمع عليه، وما حكي عن بعضهم من أنه قال: لا يجوز النقص من الثلاث فمخالف للإجماع ، وأما مسح الرأس، فالراجح فيه قول الجمهور أنه مرّةً واحدةً، ولا يُستحبّ فيه التثليث؛ لأن الأحاديث الصحيحة صريحة في كونه - ﷺ - مسح مرّة. وسيأتي تمام القول فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في غسل الكفين في ابتداء الوضوء: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: أجمع كلُّ مَن نَحفظ عنه من أهل العلم على أن غسل اليدين في ابتداء الوضوء سنة، يُستحبُّ استعمالها، وهو بالخيار إن شاء غسلهما مرةً، وإن شاء غسلهما مرتين، وإن شاء ثلاثًا، أيَّ ذلك شاء فَعَلَ، وغَسلُهما ثلاثًا أحبّ إليّ، وإن لم يَفعَل ذلك، فأدخل يده الإناء قبل أن يغسلهما فلا شيء عليه، ساهيًا ترك ذلك أم عامدًا، إذا كانتا نظيفتين، فإن أدخل يده الإناء، وفي يده نجاسة، ولم يغير للماء طَعْمًا، ولا لونًا، ولا ريحًا، فالماء طاهر بحاله، والوضوء به جائز. انتهى كلامه ﵀ ، وهو تحقيقٌ حسنٌ. وسيأتي مزيد التحقيق في ذلك في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يَغْمِس يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يَدري أين باتت يده» - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في كيفيّة المضمضة، والاستنشاق: قال النوويّ ﵀: تُستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائمًا، فيكره ذلك؛ لحديث لقيط - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال له: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا»، وهو حديث صحيحٌ، رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، قال الترمذيّ: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قال: وعلى أيّ صفة وصل الماء إلى الفم والأنف حَصَلت المضمضة والاستنشاق، وفي الأفضل خمسة أوجه: [الأول]: يتمضمض، ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة، ثم يستنشق منها. [والوجه الثاني]: يَجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق منها ثلاثًا. [والوجه الثالث]: يجمع أيضًا بغرفة، ولكن يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق. [والرابع]: يفصل بينهما بغَرْفتين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثًا، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثًا. [والخامس]: يفصل بستّ غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق بثلاث غرفات. والصحيح الوجه الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة، في البخاريّ، ومسلم، وغيرهما. وأما حديث الفصل فضعيف، فيتعين المصير إلى الجمع بثلاث غرفات، كما ذكرنا؛ لحديث عبد الله بن زيد - ﵁ - المذكور في الكتاب. قال الجامع عفا الله عنه: حديث الفصل هو ما أخرجه أبو داود في «سننه» عن طلحة بن مصرِّف، عن أبيه، عن جدّه، قال: دخلت - يعني على النبيّ - ﷺ - وهو يتوضأ، والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. وفي إسناده والد طلحة مجهول. قال: واتفقوا على أن المضمضة على كل قول مُقَدَّمة على الاستنشاق، وعلى كلّ صفة، وهل هو تقديم استحباب أو اشتراط؟ فيه وجهان: أظهرهما اشتراط؛ لاختلاف العضوين، والثاني استحباب، كتقديم يده اليمنى على اليسرى، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المضمضة، والاستنشاق: قال الإمام ابن المنذر ﵀: افترق أهل العلم فيما يجب على تارك المضمضة والاستنشاق في الجنابة والوضوء أربع فِرَقٍ: فقالت طائفة: إذا تركهما في الوضوء يُعيدهما، هكذا قال عطاء، وحماد، وابن أبي ليلى، والزهريّ، وإسحاق بن راهويه. وقالت طائفة: لا إعادة عليه، هكذا قال الحسن البصريّ، وإلى هذا القول رجع عطاء بن أبي رباح، وكذلك قال الحكم، وقتادة، والزهريّ، وربيعة، ويحيى الأنصاريّ، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، والأوزاعيّ، والشافعيّ. وقالت فرقة: يعيد إذا ترك الاستنشاق خاصةً، وليس على من ترك المضمضة شيءٌ، هذا قول أحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وأبي ثور. وقالت فرقة رابعة: يجب عليه الإعادة إذا تركهما في الجنابة، وليس على من تركهما في الوضوء شيءٌ، رُوي هذا القول عن الحسن، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، وقال أصحاب الرأي: هما سواء في القياس، غير أَنّا نَدَعُ القياس للأثر الذي جاء عن ابن عباس. قال أبو بكر: والحديث عن ابن عباس في هذا غير ثابت . قال ابن المنذر ﵀: والذي به نقول إيجاب الاستنشاق خاصةً، دون المضمضة؛ لثبوت الأخبار عن النبيّ - ﷺ - أنه أمر بالاستنشاق، ولا نعلم في شيء من الأخبار أنه أمر بالمضمضة، قال - ﷺ -: «إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماءً، ثم لْيَنْثُر»، وأمْره على الفرض، وأحقُّ الناس بهذا القول أصحابنا؛ لأنهم يرون الأمر فرضًا. واعتَلَّ الشافعيّ في وقوفه عن إيجاب الاستنشاق أنه ذَكَر بأنه لم يعلم خلافًا في أن لا إعادة على تاركهما، ولو عَلِمَ في ذلك اختلافًا المرجع إلى أصوله أن الأمر من رسول الله - ﷺ - على الفرض، ألا تراه إنما اعْتَلّ في تخلفه عن إيجاب السواك بأن النبيّ - ﷺ - لم يأمر به، قال الشافعيّ: فلو كان السواك واجبًا أمرهم به، شَقَّ عليهم، أو لم يشقّ. انتهى كلام ابن المنذر ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ولا نعلم في شيء من الأخبار أنه أمر بالمضمضة»، هذا حسب علمه، وأما الواقع فخلاف ذلك، فقد أمر النبيّ - ﷺ - بالمضمضة، فقد ثبت ذلك في حديث لقيط بن صَبِرَة - ﵁ -، الطويل، وفيه:«فبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا»، وفي رواية من هذا الحديث:«إذا توضّأت فمضمض»، أخرجهما أبو داود، وغيره. قال الحافظ ﵀ في«الفتح»: إسناده صحيح، وقد ردّ في«التلخيص الحبير» ما أُعلّ به حديث لقيط المذكور من أنه لم يروه عن عاصم بن لقيط بن صَبِرة إلا إسماعيل بن كثير، وقال: ليس بشيء؛ لأنه رُوي عنه، وعن غيره، وصحّحه الترمذيّ، والبغويّ، وابن القطّان، وقال النوويّ: هو حديث صحيح، رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة. انتهى . والحاصل أن المذهب الصحيح مذهب من قال بوجوب المضمضمة، والاستنشاق، والاستنثار، في الوضوء والغسل جميعًا؛ لورود الأمر بكلّ ذلك، كما في حديث لقيط بن صبرة في المضمضة والاستنشاق، وحديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً، ثم لينتثر»، متّفقٌ عليه، وأخرج الترمذيّ، والنسائيّ عن سلمة بن قيس - ﵁ - مرفوعًا: «إذا توضّأتَ فانتثر»، وهو حديث صحيح، وقد أشبعت الكلام في هذا في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع المآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في غسل الوجه: قال العلّامة ابن رُشد ﵀ في كتابه «بداية المجتهد»: اتَّفَق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٦]، واختلفوا منه في ثلاثة مواضع: في غَسْلِ البياض الذي بين العِذَار والأذن، وفي غسل ما انسَدَل من اللحية، وفي تخليل اللحية. فالمشهور من مذهب مالك أنه ليس البياض الذي بين العذار والأذن من الوجه، وقد قيل في المذهب بالفرق بين الأمرد والملتحي، فيكون في المذهب ثلاثة أقوال. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: هو من الوجه، وأما ما انسدل من اللحية، فذهب مالك إلى وجوب إمرار الماء عليه، ولم يوجبه أبو حنيفة، ولا الشافعيّ في أحد قوليه. وسبب اختلافهم في هاتين المسألتين هو خفاء تناول اسم الوجه لهذين الموضعين، أعني: هل يتناولهما أو لا يتناولهما؟، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في غسل اليدين إلى المرفقين: قال العلّامة ابن رُشد ﵀: اتَّفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، واختلفوا في إدخال المرافق فيها، فذهب الجمهور، ومالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة إلى وجوب إدخالها. وذهب بعض أهل الظاهر، وبعض متأخري أصحاب مالك، والطبريّ إلى أنه لا يجب إدخالها في الغسل. والسبب في اختلافهم في ذلك الاشتراك الذي في حرف «إلى»، وفي اسم «اليد» في كلام العرب، وذلك أن حرف «إلى» مرّةً يدل في كلام العرب على الغاية، ومرةً يكون بمعنى «مع»، و«اليد» أيضًا في كلام العرب تطلق على ثلاثة معان: على الكف فقط، وعلى الكف والذراع، وعلى الكف والذراع والعضد، فمن جَعَل «إلى» بمعنى «مع»، أو فَهِمَ من اليد مجموع الثلاثة الأعضاء، أوجب دخولها في الغسل، ومَن فَهِم من «إلى» الغاية، ومن «اليد» ما دون المرفق، ولم يكن الحدّ عنده داخلًا في المحدود لم يدخلهما في الغسل. وأخرج مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة - ﵁ - أنه غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى كذلك، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل اليسرى كذلك، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ. وهو حجة لقول من أوجب إدخالها في الغسل؛ لأنه إذا تردد اللفظ بين المعنيين على السواء، وجب أن لا يصار إلى أحد المعنيين إلا بدليل، وإن كانت «إلى» في كلام العرب أظهر في معنى الغاية منها في معنى «مع»، وكذلك اسم «اليد» أظهر فيما دون العضد منه فيما فوق العضد، فقول من لم يدخلها من جهة الدلالة اللفظية أرجح، وقول من أدخلها من جهة هذا الأثر أبين، إلا أن يُحْمَل هذا الأثر على الندب، والمسألة محتملة كما ترى. وقد قال قوم: إن الغاية إذا كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه، وإن لم تكن من جنسه لم تدخل فيه. انتهى كلام ابن رُشد ﵀ . وقال النوويّ ﵀: وجوب غسل المرفقين مذهب العلماء كافّةً، إلا ما حكاه أصحابنا عن زُفر، وأبي بكر بن داود أنهما قالا: لا يجب غسل المرفقين والكعبين، واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية، فذكر ابن قتيبة، والأزهريّ، وآخرون من أهل اللغة والفقهاء في كيفية الاستدلال بالآية كلامًا مختصرُهُ أن جماعةً من أهل اللغة، منهم أبو العبّاس ثعلب، وآخرون قالوا: «إلى» بمعنى «مع»، وقال أبو العبّاس المبرّد، وأبو إسحاق الزجّاج، وآخرون: «إلى» للغاية، وهذا هو الأصحّ والأشهر، فإن كانت بمعنى «مع»، فدخول المرفق ظاهر، وإنما لم يدخل العضد للإجماع، وإن كانت للغاية، فالحدّ يدخل إذا كان التحديد شاملًا للحدّ والمحدود، كقولك: قطعت أصابعه من الخنصر إلى المسبِّحة، أو: بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه، فإن الإصبعين والشجرتين داخلتان في القطع والبيع بلا شكّ؛ لشمول اللفظ، ويكون المراد بالتحديد في مثل هذا إخراجَ ما وراء الحدّ مع بقاء الحدّ داخلًا، فكذا هنا اسم اليد شاملٌ من أطراف الأصابع إلى الإبط، ففائدة التحديد بالمرافق إخراج ما فوق المرفق مع بقاء المرفق. ثم ذكر النوويّ حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدّم، وقال: وفعله - ﷺ - بيان للوضوء المأمور به، ولم يُنقل تركه ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح القول بوجوب دخول المرفقين في الغسل؛ لأن الراجح أن الآية مجملة، وفعله - ﷺ - بيان لها، فيكون ما فعله واجبًا إلا لدليل، كعدم وجوب التثليث، ونحوه، وقد أشبعت الكلام في هذا في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في مسح الرأس: قال العلّامة ابن رُشد ﵀: اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه: فذهب مالك إلى أن الواجب مسحه كله، وذهب الشافعيّ، وبعض أصحاب مالك، وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض، ومن أصحاب مالك من حَدّ هذا البعض بالثلث، ومنهم من حدّه بالثلثين، وأما أبو حنيفة فحدّه بالربع، وحدّ مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح، فقال: إن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يُجزه، وأما الشافعيّ فلم يَحُدّ في الماسح، ولا في الممسوخ حدًّا. وأصل هذا الاختلاف الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب، وذلك أنها مرّةً تكون زائدة، مثل قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ على قراءة من قرأ: ﴿تُنْبُتُ﴾ بضم التاء وكسر الباء، من أنبت، ومرةً تدلّ على التبعيض، مثل قول القائل: أخذت بثوبه، وبعضده، ولا معنى لإنكار هذا في كلام العرب، أعني كون الباء مُبَعّضةً، وهو قول الكوفيين من النحويين. فمن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله، ومعنى الزائدة ها هنا كونها مؤكِّدةً، ومن رآها مُبَعِّضة أوجب مسح بعضه. وقد احتَجّ مَن رَجَّح هذا المفهوم بحديث المغيرة - ﵁ -: «أن النبيّ - ﷺ - توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة»، أخرجه مسلم. وإن سلمنا أن الباء زائدة بقي ها هنا أيضًا احتمال آخر، وهو: هل الواجب الأخذ بأوائل الأسماء، أو بأواخرها؟ انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي مذهب من أوجب استيعاب الرأس بالمسح؛ لثبوته من فعل النبيّ - ﷺ -، وفعلُهُ بيان لمجمل الآية، والراجح أنها من قبيل المجمل، كما قال به بعض أهل العلم، وعزاه الشوكانيّ إلى ابن الحاجب، والزركشيّ، والزمخشريّ، ولم يصحّ في حديث واحد - كما قال ابن القيّم ﵀ - أن النبيّ - ﷺ - اقتصر على مسح بعض الرأس البتّة، ولكن كان إذا مسح بناصيته أكمل على العمامة، وأما حديث أنس - ﵁ - عند أبي داود، «أنه - ﷺ - أدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة»، فمقصوده أنه - ﷺ - لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسّ الشعر كلّه، ولم يَنف التكميل على العمامة، وقد أثبته حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - عند مسلم، وغيره بلفظ: «أنه - ﷺ - توضّأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة»، على أن حديث أنس - ﵁ - في إسناده نظرٌ - كما قال الحافظ ﵀ - فلا يَقْوَى لِمُعارضة حديث المغيرة - ﵁ -. والحاصل أن الأرجح وجوب استيعاب الرأس بالمسح، وقد أشبعت الكلام في هذا في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم تكرار مسح الرأس: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في عدد مسح الرأس، فقالت طائفة: يمسح برأسه مرةً، هذا قول ابن عمر - ﵄ -، وبه قال طلحة بن مصرّف، والْحَكَم، وحماد، والنخعيّ، وعطاء، وسعيد بن جبير، وسالم بن عبد الله، والحسن البصريّ، ومجاهد، وأحمد، وأبو ثور. وكان الشافعيّ يقول: يجزي مسحه مرةً، ويستحب أن يمسح ثلاثًا، وقال أصحاب الرأي: يمسح برأسه مرة واحدة وأذنيه، وقد روينا عن محمد بن سيرين أنه مسح رأسه مسحتين، وفيه قول ثالث، وهو أن يمسح برأسه ثلاثًا، رُوي هذا القول عن أنس بن مالك، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير، وزاذان، وميسرة، وقد روينا عن النبيّ - ﷺ - أنه مسح برأسه مرتين، ورُوي عنه غير ذلك، والثابت عنه أنه مسح برأسه، لم يذكر أكثر من مرة واحدة. انتهى كلام ابن المنذر ﵀. وقال ابن رُشد ﵀: اختلفوا في تكرير مسح الرأس: هل هو فضيلة، أم ليس في تكريره فضيلة؛ فذهب الشافعيّ إلى أنه من توضأ ثلاثًا ثلاثًا يمسح رأسه أيضًا ثلاثًا، وأكثر الفقهاء يرون أن المسح لا فضيلة في تكريره. وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في قبول الزيادة الواردة في الحديث الواحد، إذا أتت من طريق واحد، ولم يروها الأكثر، وذلك أن أكثر الأحاديث التي رُوي فيها أنه - ﷺ - توضّأ ثلاثًا ثلاثًا من حديث عثمان وغيره لم يُنقل فيها إلا أنه مسح واحدة فقط، وفي بعض الروايات عن عثمان - ﵁ - في صفة وضوئه أنه - ﷺ - مسح برأسه ثلاثًا، وعَضدَ الشافعيّ وجوب قبول هذه الزيادة بظاهر عموم ما رُوي أنه - ﷺ - توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وذلك أن المفهوم من عموم هذا اللفظ، وإن كان من لفظ الصحابي هو حمله على سائر أعضاء الوضوء، إلا أن هذه الزيادة ليست في «الصحيحين»، فإن صحت يجب المصير إليها؛ لأن من سكت عن شيء ليس هو بحجة على من ذكره. انتهى كلام ابن رُشد ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح أن القول بعدم مشروعيّة تكرار مسح الرأس هو الصواب؛ للأحاديث الكثيرة الصحيحة بذلك، كحديث عثمان بن عفان، وحديث عبد الله بن زيد - ﵄ -، وكلاهما في «الصحيحين»، وفي بعض رواياتهما التصريح بأنه مسح مرّة واحدةً، وأما الأحاديث الواردة في التثليث فكلها معلولة، لا تقاوم هذه الأحاديث الصحيحة. قال العلامة الشوكانيّ ﵀: والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ درجة الاعتبار حتى يلزم التمسّك بها لما فيها من الزيادة، فالوقوف على ما صحّ من الأحاديث الثابتة في «الصحيحين» وغيرهما من حديث عثمان، وعبد الله بن زيد - ﵄ -، وغيرهما هو المتعيّن، لا سيّما بعد تقييده في تلك الروايات بالمرة الواحدة. ومما يؤيّد ذلك حديث: «من زاد على هذا فقد أساء وظلم»، صححه ابن خزيمة وغيره، فإنه قاضٍ بالمنع من الزيادة على الوضوء الذي قال بعده النبيّ - ﷺ - هذه المقالة، كيف، وقد ورد في رواية سعيد بن منصور في هذا الحديث التصريح بأنه مسح مرّة واحدةً، ثم قال: «من زاد. . إلخ». قال الحافظ ﵀: ويُحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحّت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلّة لجميع الرأس؛ جمعًا بين الأدلة. انتهى . والحاصل أن مسح الرأس مرّة واحدةً هو الحقّ؛ لما ذكرناه من الأدلّة، وقد أشبعت الكلام في هذا في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ الماء الجديد في مسح الرأس: قال ابن المنذر ﵀: قد اختلف أهل العلم في الرجل يمسح رأسه بما يَفْضُل في يده، من بلل الماء عن فضل الذراع، فقالت طائفة: المسح به جائزٌ، هذا قول الحسن، وعروة بن الزبير، ويجزئ ذلك عند الأوزاعيّ، ويُشبِه ذلك قول مالك؛ لأنه قال: لا أحب ذلك. وقالت طائفة: لا يجزئ أن يمسح رأسه بفضل بلل ذراعيه؛ لأنه ماء مستعمل، هذا مذهب الشافعيّ، وهو يشبه مذهب أصحاب الرأي. قال ابن المنذر ﵀: والذي أحب أن يأخذ لمسح رأسه ماءً جديدًا، فإن لم يفعل، ومسح رأسه بما في يده من فضل الماء الذي غَسَلَ به ذراعيه رجوت أن يجزئه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بأخذ الماء الجديد للرأس هو الحقّ؛ لثبوته عن النبيّ - ﷺ - فسيأتي للمصنّف ﵀ حديث عبد الله بن زيد، وفيه: «ومسح برأسه بماءٍ غير فضل يده»، وأما ما استدلّ به ابن المنذر من حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْراء - ﵁ - قالت: «أتانا رسول الله - ﷺ -، فتوضأ، ومسح رأسه بماءٍ بَقِي من وضوئه»، فحديث ضعيف؛ لأنه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عنها، وهو ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة عشرة): في اختلاف أهل العلم في مسح الأذنين: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم فيمن ترك مسح الأذنين، فقالت طائفة: لا إعادة عليه، كذلك قال مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال إسحاق بن راهويه: وإن مسحت رأسك، ولم تمسح أذنيك عمدًا لم يجزك، وقال أحمد: إذا تركه متعمدًا أخشى أن يعيد. قال ابن المنذر ﵀: لا شيء غليه؛ إذ لا حجة مع من يوجب ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله إسحاق، وأحمد هو الأرجح؛ لثبوته عن النبيّ - ﷺ - وقد قدّمنا أن الأرجح أن فعله - ﷺ - بيان لمجمل الآية، فليُتَنَبَّهْ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة عشرة): في اختلافهم في حكم أخذ الماء للأذنين: قال ابن المنذر ﵀: روينا عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان يُدخل إصبعيه بعدما يمسح برأسه في الماء، ثم يدخلهما في الصِّمَاخ، وكان مالك، والشافعيّ يريان أن يأخذ المتوضئ ماءً جديدًا لأذنيه، وكذلك قال أحمد. قال ابن المنذر ﵀: وغير موجود في الأخبار الثابتة التي فيها صفة وضوء رسول الله - ﷺ - أخذه لأذنيه ماءً جديدًا، بل في حديث ابن عباس - ﵄ - أنه غَرَف غَرْفةً، فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما . وقد كان ابن عمر يُشَدِّد على نفسه في أشياء، من أمر وضوئه، من ذلك أخذه لأذنيه ماءً جديدًا، ونضحه الماء في عينيه، وغسل قدميه سبعًا سبعًا، وليس على الناس ذلك. انتهى كلام ابن المنذر ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ. وحاصله أن مسح الأذنين يكون بماء الرأس، ولا حاجة لتجديد الماء له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة عشرة): في اختلاف أهل العلم في غسل الرجلين إلى الكعبين: قال الإمام ابن المنذر ﵀: قد أجمع عوام أهل العلم على أن الذي يجب على من لا خُفّ عليه غسل القدمين إلى الكعبين، وقد ثبتت الأخبار بذلك عن رسول الله - ﷺ -، وعن أصحابه - ﵃ -، وبه قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك، وأصحابه من أهل المدينة وغيرهم، وكذلك قال سفيان الثوريّ، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة، والأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، ومن وافقهما من أهل الشام، والليث بن سعد، ومن تبعه من أهل مصر، وهو قول عبيد الله بن الحسن، ومن وافقه من أهل البصرة، وكذلك قال الشافعي وأصحابه، وأبو ثور وغيره، وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وكلِّ مَن حَفِظتُ عنه من أهل العلم. قال: فأما من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب، فلم يختلفوا أن معناه الغسل، وقد اختَلَف الذين قرأوها بالخفض، فمنهم من قال: معناه المسح على القدمين، ومنهم من قرأها كذلك، وأوجب غسلها بالسنة، وممن كان يقرأ ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالخفض، وَيرَى الغسل أنس بن مالك، وروينا عن ابن عمر أنه قال: نزل جبريل بالمسح، وسَنَّ النبيّ - ﷺ - غسل القدمين، وقال الشعبيّ: نزل القرآن بالمسح، والسنة الغسل. وقد زعم بعض أهل العلم أن ليس في قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ على الخفض ما يوجب المسح دون الغسل؛ لأن العرب ربما نَسَقَت الحرف على طريقة المجاور له، قال الأعشى [من الطويل]: لَقَدْ كَانَ فِي حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتَهُ … تَقَضّي لُبَانَاتٍ وَيَسْأَمُ سَائِمُ قال: فخَفْضُ الثواءِ لمجاورته الحول، وهو في موضع رفع، قال: ولغةٌ معروفة لتميم قولهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، قال: والخرب صفة للجُحْر، فخفضوه لمجاورته الضب. قال ابن المنذر ﵀: وغَسْلُ رسول الله - ﷺ - رجليه، وقولُهُ: «ويلٌ للأعقاب من النار» كفايةٌ لمن وفقه الله للصواب، ودليلٌ على أن الذي يجب غسل القدمين، لا المسح عليهما؛ لأنه الْمُبَيِّنُ عن الله تعالى معنى ما أراد مما فَرَضَ في كتابه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ ، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال ابن رُشد ﵀: اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء، واختلفوا في نوع طهارتهما، فقال قوم: طهارتهما الغسل، وهم الجمهور، وقال قوم: فرضهما المسح، وقال قوم: بل طهارتهما تجوز بالنوعين: الغسل والمسح، وإن ذلك راجع إلى اختيار المكلف. وسبب اختلافهم القراءتان المشهورتان في آية الوضوء، أعني قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفًا على المغسول، وقراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالخفض عطفًا على الممسوح، وذلك أن قراءة النصب ظاهرة في الغسل، وقراءة الخفض ظاهرة في المسح، كظهور تلك في الغسل، فمن ذهب إلى أن فرضهما واحد من هاتين الطهارتين على التعيين، إما الغسل، وإما المسح، ذهب إلى ترجيح ظاهر إحدى القراءتين على القراءة الثانية، وصَرَفَ بالتأويل ظاهر القراءة الثانية إلى معنى ظاهر القراءة التي ترجحت عنده. ومن اعتقد أن دلالة كل واحدة من القراءتين على ظاهرها على السواء، وأنه ليست إحداهما على ظاهرها أدَلَّ من الثانية على ظاهرها أيضًا جَعَل ذلك من الواجب المخيَّر، ككفارة اليمين وغير ذلك، وبه قال الطبريّ وداود. وللجمهور تأويلات في قراءة الخفض، أجودها أن ذلك عطف على اللفظ، لا على المعنى؛ إذ كان ذلك موجودًا في كلام العرب، مثل قول زهير [من الكامل]: لَعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا … بَعْدِي سَوَافِي الْمُورِ وَالْقَطْرِ بالخفض، ولو عُطِف على المعنى لرفع «القطرُ»، ولكنه جرّه بالجوار لِلْمُوْر. وأما الفريق الثاني، وهم الذين أوجبوا المسح، فإنهم تأولوا قراءة النصب على أنها عطف على الموضع، كما قال الشاعر [من الوافر]: فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا وقد رَجَّح الجمهور قراءتهم هذه بالثابت عنه - ﷺ -؛ إذ قال في قوم لم يَستوفُوا غسل أقدامهم في الوضوء: «ويل للأعقاب من النار»، متّفقٌ عليه، قالوا: فهذا يدلّ على أن الغسل هو الفرض؛ لأن الواجب هو الذي يتعلق بتركه العقاب. انتهى كلام ابن رُشد ﵀ . وقال الحافظ أبو عمر ﵀ في «الاستذكار» عند شرح حديث: «ويلٌ للأعقاب من النار»: وفيه من الفقه غسل الرجلين، وفي ذلك تفسير لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فرُويت بخفض ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾، ونصبها، وفي هذا الحديث دليل على أن المراد بذلك غسل الأرجل، لا مسحها؛ لأن المسح ليس شأنه استيعاب الممسوح، فدلّ على أن من جرّ الأرجل عطفها على اللفظ، لا على المعنى، والمعنى فيهما الغسل، على التقديم والتأخير، كأنه قال: فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برؤوسكم، والقراءتان صحيحتان مستفيضتان، ومعلوم أن الغسل مخالف للمسح، وغير جائز أن تَبطُل إحدى القراءتين بالأخرى، فلم يبق إلا أن يكون المعنى الغسل، أو العطف على اللفظ، وكذلك قال أشهب عن مالك أنه سئل عن قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالخفض، فقال: هو الغسل، وهذا التأويل تعضده سنّة رسول الله - ﷺ - المجمع عليها بأنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرّة، ومرّتين، وثلاثًا، وجاء أمره في ذلك موافقًا لفعله، فقال: «ويلٌ للعراقيب من النار»، و«ويلٌ للعراقيب، وبطون الأقدام من النار». قال: وقد وجدنا العرب تَخفِض بالجوار، والإتباع على اللفظ، بخلاف المعنى، والمراد عندها المعنى، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]: كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ فخفض بالجوار، وإنما المزَمَّل الرجلُ، والإعراب فيه الرفع، وكذلك قوله أيضًا [من الطويل]: صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ وكما قال زهير [من الكامل]: لَعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا … بَعْدِي سَوَافِي الْمُورِ وَالْقَطْرِ قال أبو حاتم: كان الوجه «والقَطْرُ» بالرفع، ولكنه جرّه بالجوار لـ«الْمُوْر»، كما قالت العرب: «هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ»، ومن هذه قراءة أبي عمرو: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] بالجرّ؛ لأن النحاس هو الدخان، وقراءة يحيى بن وَثَّاب: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ بالخفض، ومن هذا أيضًا قول النابغة [من البسيط]: «ثبير»: اسم جبل، و«العرانين» جمع عِرْنين بكسر، فسكون، وهو الأنف، أو معظمه، و«الوبل»: المطر الشديد، وأراد بعرانين الوبل: أوائل المطر الغزير، و«البجاد»: كساء مخطّط، و«مزَمّل»: متلفّف. و«الصفيف»: المصفوف، و«القدير»: اللحم المطبوخ في القِدرِ. لَمْ يَبْقَ غَيْرُ طَرِيدٍ غَيْرِ مُنْفَلِتٍ … أَوْ مُوثَقٌ فِي حِبَالِ الْقَدِّ مَسْلُوبِ فخَفَضَ. ومثله قول الآخر [من الخفيف]: حَيِّ دَارًا أَعْلَامُهَا بِالْجَنَابِ … مِثْلُ مَا لَاحَ فِي الأَدِيمِ الْكِتَاب فجرّ «الكتاب» بالجوار لـ«أديم»، وموضعه الرفع بـ «لاح»، وقد يكون «الكتاب» مخفوضًا ردًّا على «ما» بدلًا منه. وقد يُراد بالمسح الغسل، من قول العرب: تمسّحتُ للصلاة، والمراد الغسل، وعلى التأويل الذي ذكرنا في إيجاب غسل الرجلين جمهور العلماء، وجماعة فقهاء الآثار، وإنما رُوي مسح الرجلين عن بعض الصحابة والتابعين، وتعلّق به بعض المتأخّرين، ولو كان مسح الرجلين يُجزئ ما أتى الوعيد بالنار على من لم يَغسِل عقبيه، وعرقوبيه، أو فاته شيء من بطون قدميه؛ لأنه معلوم أنه لا يعذّب بالنار إلا على ترك الواجب، وقد أجمع المسلمون على أن من غسل قدميه فقد أدّى الواجب عليه، من قال منهم بالمسح، ومن قال بالغسل، فاليقين ما أجمعوا عليه. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀ بعد ذكره الخلاف، وأن سبب الاختلاف هو اختلاف القراءة في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض والنصب، قال: وقد أكثر الناس في تأويل هاتين الآيتين، والذي ينبغي أن يقال: إن قراءة الخفض عطفٌ على الرأس، فهما يُمسحان، لكن إذا كان عليهما خفّان، وتلقّينا هذا القيد من فعل رسول الله - ﷺ -؛ إذ لم يصحّ عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفّان، والمتواتر عنه غسلهما، فبيَّن النبيّ - ﷺ - بفعله الحال الذي تُغسل فيه الرجل، والحال الذي تُمسح فيه، فليُكْتَفَ بهذا، فإنه بلغ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وقال العلّامة ابن أبي العزّ في «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ٤٣٥) - عند قولها: «ونرى المسح على الخفّين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر» - ما نصه: تواترت السنة عن رسول الله - ﷺ - بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، فيقال لهم: الذين نقلوا عن النبيّ - ﷺ - الوضوء قولًا وفعلًا، والذين تعلَّموا الوضوء منه، وتوضؤوا على عهده، وهو يراهم، ويُقِرُّهم، ونقلوه إلى من بعدهم أكثرُ عددًا من الذين نقلوا لفظ هذه الآية، فإن جميع المسلمين كانوا يتوضؤون على عهده، ولم يتعلموا الوضوء إلا منه، فإن هذا العمل لم يكن معهودًا عندهم في الجاهلية، وهم قد رأوه يتوضأ ما لا يُحْصِي عدده إلا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين في ما شاء الله من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه في كتب الصحيح وغيرها، أنه قال: «ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار» . مع أن الفرض إذا كان مسح ظاهر القدم، كان غسل الجميع كُلْفَةً لا تدعو إليها الطباع، كما تدعو الطباع إلى طلب الرياسة والمال، فلو جاز الطعن في تواتر صفة الوضوء، لكان في نقل لفظ آية الوضوء أقرب إلى الجواز، وإذا قالوا: لفظ الآية ثبت بالتواتر الذي لا يمكن فيه الكذب، ولا الخطأ، فثبوت التواتر في نقل الوضوء عنه أولى وأكمل، ولفظُ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإن المسح كما يُطلَق ويراد به الإصابة، كذلك يطلق ويراد به الإسالة، كما تقول العرب: تمسحت للصلاة، وفي الآية ما يدُلُّ على أنه لم يُرَدْ بمسح الرجلين المسحُ الذي هو قَسِيم الغسل، بل المسح الذي الغسلُ قسم منه، فإنه قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، ولم يقل: إلى الكعاب، كما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فدلّ على أنه ليس في كل رجل كعب واحد، كما في كلِّ يَدٍ مرفقٌ واحدٌ، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل، فإن من يمسح المسح الخاصّ يجعل المسح لظهور القدمين، وجَعْلُ الكعبين في الآية غايةً يَرُدُّ قولهم، فدعواهم أن الفرض مسح الرجلين إلى الكعبين اللذين هما مُجْتَمَعُ الساق والقدم عند مَعْقِد الشِّرَاك مردودٌ بالكتاب والسنة. وفي الآية قراءتان مشهورتان: النصب والخفض، وتوجيه إعرابهما مبسوط في موضعه، وقراءة النصب نصٌّ في وجوب الغسل، لأن العطف على المحل إنما يكون إذا كان المعنى واحدًا، كقوله: فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا وليس معنى مَسَحْتُ برأسي ورجلي، هو معنى مسحت رأسي ورجلي، بل ذكر الباء يفيد مَعنًى زائدًا على مجرد المسح، وهو إلصاق شيء من الماء بالرأس، فتعين العطف على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ مهو، فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض األناس من ظاهر القرآن، فإن الرسول - ﷺ - بَيَّن للناس لفظ القرآن ومعناه، كما قال أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ: حدّثنا الذين كانوا يُقرِئونا القرآن: عثمانُ بن عَفّان، وعبدُ الله بن مسعود، وغيرُهما أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبيّ - ﷺ - عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها. وفي ذكر المسح في الرجلين تنبيهٌ على قلة الصبِّ في الرجلين، فإن السَّرَفَ يُعتاد فيهما كثيرًا، والمسألة معروفة، والكلام عليها في كتب الفروع. انتهى كلام ابن أبي العزّ ﵀ ، وهو كلام بحثٌ نفيسٌ أيضًا. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ، والصواب هو مذهب الجمهور القائلين بأن فرض الرجلين لمن لم يلبس الخفّين الغَسْلُ، ولا يُجزئ المسح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ينبغي أن أذكر بعض ما اختلفوا فيه من مسائل الوضوء، وإن لم يكن مذكورًا في هذا الحديث، تكميلًا للفوائد، ونشرًا للعائدة، فأقول: (المسألة السادسة عشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب النيّة في الوضوء: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀ في كتابه «الأوسط» (١/ ٣٦٨): قد اختَلَف أهل العلم فيمن توضأ، وهو لا ينوي بوضوئه الطهارة، فقالت طائفة: لا يُجزيه، كذلك قال الشافعيّ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وليس بين الوضوء والتيمم عندهم في ذلك فرق. وفَرَّقَت طائفة بين الوضوء والتيمم، فقالت: يجزي الوضوء بغير نية، ولا يجزي التيمم إلا بنية، هذا قول سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، قال الثوريّ: إذا عَلَّمتَ رجلًا التيممَ، فلا يجزيك أن تصلي بذلك التيمم، إلا أن تكون نويت أنك تيَمَّمُ لنفسك، فإذا عَلَّمته الوضوء أجزأك. وفيه قول ثالثٌ، حُكِي عن الأوزاعيّ، أنه قال في الرجل يُعَلِّم الرجل التيمم، وهو لا ينوي أن يتيمم لنفسه، إنما علّمه، ثم حضرت الصلاة، قال: يصلي على تيممه، كما أنه لو توضأ وهو لا ينوي الصلاةَ كان طاهرًا، هذه حكاية أبي المغيرة عنه، وبه قال الحسن بن صالح، وحَكَى الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ أنه قال: لا يجزيه في التيمم، ويجزيه في الوضوء، وحَكَى الوليد مثله عن مالك، والثوريّ. قال ابن المنذر ﵀: أما حكايته عن الثوريّ فكما حَكَى؛ لموافقته حكاية الأشجعي، والْعَدَنيّ، وعبد الرزاق، والفاريابيّ عنه، وأما ما حكاه عن مالك، فما رواه أصحاب مالك عنه: ابنُ وهب، وابنُ القاسم أصحّ، والله أعلم. قال ابن المنذر ﵀: دَلّ قول رسول الله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنية» لَمّا عَمّ جميع الأعمال، ولم يَخُصّ منها شيئًا أن ذلك في الفرائض والنوافل، ثم بَيَّن تصرف الإرادات، فقال: «من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»، فغير جائزٍ أن يكون مؤدِّيًا إلى الله ما فَرَضَ عليه مَن دَخَل الماء، يُعَلِّم آخر السِّبَاحة بدرهم أَخَذه، أو مريدٌ للتبريد، أو مريدٌ لتأدية فرض؛ لأنه لم يُرِد الله قط بعمله، قال الله: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ الآية [الشورى: ٢٠]. قال ﵀: وإذا توضأ طهارةً مِن حَدَثٍ، أو طهارةً لصلاة فريضة أو نافلة، أو قراءةٍ، أو صلاةٍ على جنازة، فله أن يصلي به المكتوبة في قول الشافعيّ، وأبي عبيد، وإسحاق، وأبي ثور، وغيرهم من أصحابنا، وكذلك نقول. انتهى كلام ابن المنذر ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه الإمام ابن المنذر ﵀ من وجوب النيّة في الوضوء والغسل، والتيمّم، وأنه إذا تطهّر بنية صلاة، أو رفع حدث، يصلّي ما يشاء فرضًا ونفلًا هو الحقّ؛ لظهور حجّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة عشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب التسمية في الوضوء: قال الإمام ابن المنذر ﵀: قد اختلف أهل العلم في وجوب التسمية عند الوضوء، فاستحبّ كثير من أهل العلم للمرء أن يُسَمِّي الله تعالى إذا أراد الوضوء، كما استحبوا أن يسمي الله عند الأكل والشرب والنوم، وغير ذلك؛ استحبابًا لا إيجابًا، وقال أكثرهم: لا شيء على من ترك التسمية في الوضوء، عامدًا أو ساهيًا، هذا قول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي، واغتسل عمر بن الخطاب - ﵁ -، ويعلى بن أمية يستر عليه بثوب، فقال: بسم الله. وكان أحمد يقول: لا أعلم له حديثًا له إسناد جيدٌ، وضَعَّف حديث ابن حرملة، وقال: ليس هذا حديثًا أَحْكُم به، وكان إسحاق بن راهويه يقول في التسمية: إذا نسي أجزأه، وإذا تعمد أعاد لما يصح ذلك عن النبيّ - ﷺ -، وحَكَى آخر عن إسحاق أنه قال: الاحتياط الإعادة، من غير أن يبين إيجاب الإعادة. قال ابن المنذر ﵀: ليس في هذا الباب خبر ثابتٌ يوجب إبطال وضوء من لم يذكر اسم الله عليه، فالاحتياط أن يُمسمي الله من أراد الوضوء والاغتسال، ولا شيء على من ترك ذلك. انتهى ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: أحاديث التسمية على الوضوء كلّها ضعاف، كما سبق عن أحمد، وغيره، ولكن بعض العلماء يرى لها قوّة بمجموع طرقها، قال الحافظ في «التلخيص الحبير»: والظاهر أن مجموع الأحاديث يَحدُث منها قوّة، تدلّ على أن له أصلًا، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبتٌ لنا أن النبيّ - ﷺ - قاله، وقال البزّار: لكنه مؤوّلٌ، ومعناه أنه لا فضل لوضوء من لم يذكر اسم الله، لا على أنه لا يجوز وضوء من لم يسمّ. انتهى. واستدلّ البيهقيّ ﵀ على عدم وجوب التسمية بحديث رفاعة بن رافع - ﵁ -، مرفوعًا: «لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء، كما أمر الله، فيغسل وجهه …» الحديث ، قال البيهقيّ: فهذا الحديث ليس فيه ذكر التسمية، فلو كان واجبًا لبيّنه - ﷺ -. انتهى. والحاصل أن أحاديث التسمية على فرض صحّتها محمولة على الاستحباب بدليل هذا الحديث، ولا يرد عليه القول بوجوب المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار؛ لأنها داخلة في غسل الوجه، وقد أشبعت الكلام في هذا الموضوع في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم تخليل اللحية: ذهب مالك إلى أنه ليس بواجب، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ في الوضوء، وأوجبه ابن عبد الحكم من أصحاب مالك. قال ابن رُشد ﵀: سبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الآثار التي ورد فيها الأمر بتخليل اللحية، والأكثر على أنها غير صحيحة، مع أن الآثار الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه - ﷺ - ليس في شيء منها التخليل. انتهى كلام ابن رُشد ﵀ . وقال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في تخليل اللحية، وغسل باطنها، فرُوي عن جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وغيرهم أنهم كانوا يُخَلِّلون لحاهم، فممن رُوي ذلك عنه عليّ بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن بن عليّ، وابن عمر، وأنس، وهو قول عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن السائب، وأبي ميسرة، ومجاهد، ومحمد بن سيرين. ورُوي عن غير واحد أنهم رَخّصوا في ترك تخليل اللحية، رُوي ذلك عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وهذا قول طاوس، والنخعيّ، وأبي العالية، والشعبيّ، ومحمد بن عليّ، ومجاهد، والقاسم، وقال سعيد بن عبد العزيز، والأوزاعيّ: ليس عَرْك العارضين، وتشبيك اللحية بواجب في الوضوء، وكان سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، لا يرون تخليل اللحية واجبًا، وهذا قول أصحاب الرأي، وعوامّ أهل العلم أنّ ما مرّ على ظاهر اللحية من الماء يكفي. وأوجبت طائفة بَلَّ أصول شعر اللحية، وأوجب بعضهم غسل بشرة موضع اللحية، كان عطاء بن أبي رباح يَرَى بَلَّ أصول شعر اللحية. قال ابن المنذر: غسل ما تحت شعر اللحية غير واجب؛ إذ لا حجة تدل على إيجاب ذلك، بل الخبر والنظر يدلان على أن ذلك غير واجب، فأما الخبر فقد ثبتٌ أن رسول الله - ﷺ - توضأ مرة مرة، يَغْرِف غرفة لكل عضو، وكان رسول الله - ﷺ - عظيم اللحية، ومعلوم أنه إذا كان كذلك أن غسل ما تحت اللحية غير ممكن بغرفة واحدة، وكان يتوضأ بالمد، والمتوضئ بالمدّ غير قادر على غسل أصول شعر اللحية، قال: وفي إجماع أهل العلم فيما أعلم أن المتيمم لا يجب عليه إمساس باطن اللحية الغبارَ دليلٌ على صحة ما قلنا، وذلك أن الوجه الذي أُمر المتيمم أن يمسحه بالصعيد، هو الوجه الذي أُمر المتوضئ أن يغسله بالماء، والأخبار التي رُويت عن النبي - ﷺ - أنه خَلَّل لحيته قد تُكُلّم في أسانيدها، وأحسنها حديث عثمان، ثم أخرج بسنده عن عامر بن شقيق بن سَلَمَة، أن عثمان - ﵁ - توضأ، فخلل لحيته، ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله . قال ابن المنذر: ولو ثبتٌ هذا لم يدُلّ على وجوب تخليل اللحية، بل يكون ندبًا كسائر السنن في الوضوء. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد كنت رجّحت في شرح النسائيّ عدم وجوب تخليل اللحية كما يراه ابن المنذر وغيره، لكن الآن ترجّح عندي وجوبه؛ لثبوت الأحاديث بمجموع طرقها، كما بينت ذلك هناك، وفعله - ﷺ - بيان لآية الوضوء؛ لأن الراجح أنها مجملة، ودلالة الآية على الوجوب واضح، فيكون فعله - ﷺ - واجبًا؛ لكونه بيانًا لها، ولا يُخْرَج عن هذه القاعدة إلا إذا ثبتٌ نصّ، أو إجماع يدلّ على الاستحباب، كتثليث الغَسَلات، وهذه المسألة ليس فيها إجماع، كما سبق في كلام ابن المنذر، فقد أوجب التخليل بعض السلف، فيكون قولهم أرجحَ؛ لرجحان حجتهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. وكذلك يجب تخليل أصابع اليدين والرجلين؛ لحديث لقيط بن صبرة - ﵁ -، قال: «قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؛ قال: أسبغ الوضوء، وخَلِّل بين الأصابع» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم تفريق غسل الأعضاء: قال ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في تفريق الوضوء والغسل، فقالت طائفة: لا يجوز ذلك، حتى يُتْبع بعضه بعضًا، روينا عن عمر بن الخطاب أنه رأى رجلًا يصلي، وقد ترك مثل موضع الظفر، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، وكان قتادة، والأوزاعيّ يقولان: إذا ترك غسل عضو من الأعضاء حتى جَفّ الوضوء أعاد الوضوء، وكان ربيعة يقول: تفريق الغسل مما يُكره، وإنه لا يكون غسلًا حتى يُتبع بعضه بعضًا. وقال مالك: من تعمد ذلك، فإني أرى عليه أن يُعيد الغسل، وقال الليث بن سعد كذلك، مع أن قول مالك مختلف في هذا الباب، وقد حَكَى ابن القاسم عنه أنه قال: إن قام لأخذ الماء، وكان قريبًا بنى على وضوئه، وإن تطاول ذلك وتباعد، فأرى أن يعيد الوضوء من أوله. وقال أحمد: إذا جَفّ وضوؤه يعيدُ، وذكر حديث عمر. وأجازت طائفة تفريق الوضوء والغسل. ثبتٌ أن ابن عمر توضأ بالسوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دُعي لجنازة، فدخل المسجد ليصلي عليها، فمسح على خفيه، ثم صلى عليها. وكان عطاء لا يرى بتفريق الوضوء بأسًا، وأباح ذلك النخعيّ في الغسل، وكان الحسن، والنخعيّ لا يريان بأسًا للجنب أن يغسل رأسه، ثم يوخر غسل جسده بعد ذلك، ورُوي معنى ذلك عن سعيد بن المسيب، وطاوس، وهذا على مذهب الثوريّ، وممن رأى ذلك جائزًا الشافعيّ، وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: وكذلك نقول؛ لأن الله جل ذكره أوجب في كتابه غسل أعضاء، فمن أَتى بغسلها، فقد أتى بالذي عليه، فَرّقها، أو أتى بها نَسَقًا متتابعًا، وليس على من جعل حدَّ ذلك الجفوف حجة، وذلك يختلف في الشتاء والصيف. انتهى كلام ابن المنذر ﵀، وهو تحقيقٌ حسنٌ. وحاصله أنه يجوز التفريق بين أعضاء الوضوء في الغسل؛ إذ ليس لإيجابه حجة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العشرون): في اختلافهم في وجوب الترتيب في غسل الأعضاء: قال ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في رجل توضأ فبدأ، فغسل يديه أو رجليه قبل وجهه، أو قدَّم عضوًا على عضو، فقالت طائفة: وضوؤه تامّ، وروينا عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت، وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه قال: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء. وممن رأى تقديم الأعضاء بعضها على بعض جائزًا عطاء بن أبي رباح، والحسن البصريّ، وسعيد بن المسيب، وقد رَوَينا في هذا الباب عن علي بن أبي طالب، وعطاء، والنخعيّ، والحسن، ومكحول، والزهريّ، والأوزاعيّ فيمن نَسِي مسحَ رأسه، فوجد في لحيته بللًا، قالوا: يمسح رأسه، ويستقبل الصلاة، ولم يأمروه بإعادة غسل الرجلين، وفي قول الثوريّ، وأصحاب الرأي إذا نسي المسح مسح، وأعاد الصلاة، ولم يعد الوضوء، وكان مالك يقول فيمن غسل ذراعيه قبل وجهه، ثم صَلَّى: لا إعادة عليه. وقالت طائفةٌ: مَن قَدَّم عضوًا على عضو فعليه أن يعيد حتى يغسله في موضعه، هكذا قال الشافعيّ، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور. واحتج الشافعيّ بقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وبأن النبيّ - ﷺ - لَمّا أراد الصفا قال: «نبدأ بما بدأ الله به»، قال الشافعيّ: ولم أعلم مخالفًا أنه إن بدأ بالمروة قبل الصفا أَلْغَى طوافًا حتى يكون بدؤه بالصفا. قال: وكما قلنا في الجمار: إن بدأ بالآخرة قبل الأولى أعاد، فكان الوضوء في هذا المعنى، وأوكد من بعضه. عندي. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الإمام الشافعيّ ومن معه أرجح؛ لظاهر قوله - ﷺ -: «نبدأ بما بدأ الله به»، بل روي بصيغة الأمر: «ابدءوا بما بدأ الله»، وأيضًا فإن النبيّ - ﷺ - واظب عليه، فكل الأحاديث الصحيحة وصفت وضوءه مرتّبًا كما في الآية. قال إمام الحرمين: لم ينقل أحدٌ قطّ أنه - ﷺ - نكّس وضوءه، فاطّرد الكتاب والسنّة على وجوب الترتيب. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية والعشرون): في اختلافهم في حكم التمسّح بالمنديل بعد الوضوء: قال ابن المنذر ﵀: ﵀ اختَلَف أهل العلم في التمسح بالمنديل بعد الوضوء والاغتسال، فممن رَوينا عنه أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان بن عفان، والحسين بن عليّ، وأنس بن مالك، وبَشير بن أبي مسعود، ورَخّص فيه الحسن، ومحمد بن سيرين، وعلقمة، وا لأسود، ومسروق، والضحاك بن مزاحم، وكان مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، وأحمد، وأصحاب الرأي لا يرون به بأسًا. وفيه قول ثانٍ، روينا عن جابر بن عبد الله، أنه قال: إذا توضأت، فلا تمندل، وكَرِه ذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعيّ، ومجاهد، وابن المسيب، وأبو العالية، واختُلِف فيه عن سعيد بن جبير، ورَوينا عن ابن عباس أنه كَرِه أن يمسح بالمنديل من الوضوء، ولم يكرهه إذا اغتسل من الجنابة، وكان سفيان يُرَخِّص فيهما جميعًا: الوضوء والاغتسال. قال ابن المنذر ﵀: أعلى شيء رُوي في هذا الباب خبران: خبر يدلّ على إباحة أخذ الثوب ينشف به، والخبر الآخر يدلّ على ترك ذلك، فأما الخبر الأول، فحدثونا عن إسحاق بن راهويه، ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، عن محمد بن عمرو بن شُرَحبيل، عن قيس بن سعد، قال: أتانا النبيّ - ﷺ -، فوضعنا له غُسلًا، فاغتسل، ثم أتيناه بِمِلْحَفة وَرْسِيّة، فالتحف بها، فكاني أنظر إلى أثر الْوَرْس على عُكَنه . والخبر الثاني: حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطارديّ، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن سالم، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة، قالت: «وَضعت للنبيّ - ﷺ - غُسلًا، فلما فرغ ناولته منديلًا، فلم يأخذه، وجعل ينفُض بيديه»، متّفقٌ عليه. قال ابن المنذر ﵀: وهذا الخبر لا يوجب حَظْر ذلك، ولا المنع منه؛ لأن النبيّ - ﷺ - لم ينه عنه، مع أنه قد كان يَدَع الشيء المباح؛ لئلا يشقّ على أمته، من ذلك قوله لبني عبد المطلب: «لولا أن تُغْلَبوا على سقايتكم لنزعت معكم»، ودخل الكعبة، وقال بعد دخوله: «لوددت أني لم أكن دخلتها، أخشى أن أكون أتعبت أمتي». وحديثُ قيس بن سعد يدلّ على إباحة ذلك، فأخذ المنديل مباح بعد الوضوء والاغتسال. انتهى كلام ابن المنذر ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، إلا استدلاله بحديث قيس - ﵁ -؛ لأنه ضعيف؛ لضعف محمد بن أبي ليلى، فالأولى الاستدلال بعدم ورود نصّ مانع منه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية والعشرون): في اختلاف أهل العلم في البدء بالميامن في الوضوء: قال ابن المنذر ﵀: ثابتٌ عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يعجبه التيمن ما استطاع في ترجُّله، وتنعّله، ووضوئه. ورَوَينا عنه أنه قال: «إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم» . قال ابن المنذر ﵀: وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه بدأ، فغسل يده اليمنى، ثم اليسرى في وضوئه، وكذلك يفعل المتوضئ إذا أراد اتباع السنة. وممن مذهبه أن المتوضئ يبدأ بيمينه قبل يساره: مالك، وأهل المدينة، وسفيان الثوري، وأهل العراق، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. قال: وأجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، وقد روينا عن علي بن أبي طالب وابن مسعود، أنهما قالا: لا تبالي بأيّ يديك بدأت، وعن علي أيضًا قال: لا يضرك بأي يديك بدأت، ولا بأي رجليك بدأت، ولا على أي جانبيك انصرفت، وعن ابن مسعود قال: ما أبالي بأيهما بدأت باليمنى أو اليسرى. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر وجوب التيامن في الوضوء والغسل؛ لأمره - ﷺ - به، وهو للوجوب، ولمداومته عليه، لكن إن صحّ الإجماع، كما زعمه ابن المنذر، فذاك، وإلا فالأمر كما قلتُ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة والعشرون): في اختلافهم في حكم تحريك الخاتم في الوضوء: قال ابن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في تحريك الخاتم في الوضوء، فممن رُوي عنه أنه حَرَّك خاتمه في الوضوء: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن سيرين، وعمرو بن دينار، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وهو قول ابن عيينة، وأبي ثور. ورَخّصت فيه طائفة، فممن رَخّص فيه: مالك، والأوزاعيّ، وقال خالد بن أبي بكر: رأيت سالم بن عبد الله يتوضأ، وخاتمه في يده، فلا يحركه. وفيه قول ثالث، وهو أن يُحيله بحركة إن كان ضَيّقًا، ويَدَعَه إن كان واسعًا سَلِسًا، هكذا قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وبه قال أحمد بن حنبل، وكذلك نقول. انتهى كلام ابن المنذ ﵀، وهو حسنٌ جدًّا. وحاصله أن تحريك الخاتم يلزم إن كان ضيّقًا لا يصل الماء إلى ما تحته؛ لأن وصول الماء إلى البشرة واجب، وأما إذا كان واسعًا لا يمنع وصول الماء، فلا يلزم تحريكه، ويمكن حمل قول من أطلق القول بالتحريك، وبعدمه على هذا التفصيل، فلا اختلاف في الحقيقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٤٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اَللَّيْثيّ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، أنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأفرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاء، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِه، ثُمَّ كَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُؤيي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْن، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]، (ت ٢٣٤) عن (٧٤) سنة (خ م دس ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣.
مصادر المؤلف (٧٦)

١. وفي نسخة: «وحدثنا».

٢. وفي نسخة: «دعاه بوضوئه».

٣. وفي نسخة: «ثم غسل رجله اليسرى».

٤. «الفتح» ١/ ٣١٢ «كتاب الوضوء» رقم (١٥٩).

٥. «إحكام الأحكام» ١/ ١٦٨.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٥.

٧. «إحكام الأحكام» ١/ ١٦٩ - ١٧١.

٨. «الفتح» ١/ ٣٢٠ رقم (١٦٤).

٩. راجع «الأعلام» ١/ ٣٢٩.

١٠. «شرح النوويّ» ٣/ ١٠٥.

١١. المصدر السابق.

١٢. راجع «المصباح» ٢/ ٥٧١.

١٣. «الفتح» ١/ ٣١٢ - ٣١٣.

١٤. «إحكام الأحكام» ١/ ١٨٣ - ١٨٤.

١٥. «عمدة القاري» ٣/ ١٠.

١٦. «الفتح» ١/ ٣١٣.

١٧. «الأعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٤٦ - ٣٤٨.

١٨. ذكره في «الفتح»، وعزاه للترمذيّ الحكيم، راجع «الفتح» ١/ ٣١٣.

١٩. «إكمال المعلم» ٢/ ١٩.

٢٠. «شرح النوويّ» ٣/ ١٠٩.

٢١. «الفتح» ١/ ٣١٣.

٢٢. «الفتح» ١/ ٣١٣.

٢٣. المراد فوائد الحديثين: هذا، والذي بعده، فتنبّه.

٢٤. «الأعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٢٦.

٢٥. حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (٨٥٦).

٢٦. حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (٨٥٨).

٢٧. انظر «الخلافيّات للبيهقيّ» ١١/ ٤٦٧.

٢٨. «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٤١٣.

٢٩. أي تحريكهما.

٣٠. «شرح النوويّ» ٣/ ١٠٨.

٣١. «الفتح» ١/ ٣١٣ - ٣١٤.

٣٢. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧.

٣٣. ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩.

٣٤. «الإعلام»١/ ٣٥١.

٣٥. قال الصنعانيّ في «العدّة» ١/ ١٩٠: وهي في «الزهد» لابن المبارك، و«مصنف ابن أبي شيبة»، قال الحافظ العراقيّ ﵀ في «تخريج أحاديث الإحياء»: أخرجه ابن أبي شيبة من حديث صلة بن أشيم مرسلًا، وهو في «الصحيحين» من حديث عثمان - ﵁ - بزيادة في أوله دون قوله: «بشيء من الدنيا»، وزاد الطبرانيّ في «الأوسط»: «إلا بخير». انتهى.

٣٦. «الإعلام» ١/ ٣٥٣ - ٣٥٥.

٣٧. «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ٦٠٩.

٣٨. «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ٦١١ - ٦١٣.

٣٩. «شرح النوويّ» ٣/ ١٠٦.

٤٠. راجع «الفتح» ١/ ٢٨٢.

٤١. «الأوسط» ١/ ٣٧٥.

٤٢. سيأتي برقم (٢٧٨).

٤٣. أي لأنه من رواية عائشة بنت عجرد، عن ابن عبّاس. قال الدارقطنيّ: ليس لعائشة بنت عجرد إلا هذا الحديث، وهي لا تقوم بها حجة، انظر «سننه» ١/ ١١٥، وفي سنده أيضًا الحجاج بن أرطاة ضعيف.

٤٤. راجع: شرحي على النسائيّ ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١.

٤٥. راجع ٢/ ٣٥٧ - ٣٦١.

٤٦. «بداية المجتهد» ١/ ١١ - ١٢.

٤٧. «المجموع» ١/ ٣٨٥.

٤٨. «بداية المجتهد» ١/ ١٢.

٤٩. «بداية المجتهد» ١/ ١٠٣.

٥٠. «الفتح» ١/ ٣٥٧.

٥١. «الأوسط» ١/ ٣٩٢.

٥٢. «الأوسط» ١/ ٤٠٥.

٥٣. حديث صحيحٌ، أخرجه أصحاب السنن.

٥٤. «الأوسط» ١/ ٤١٣ - ٤١٥.

٥٥. «السوافي»: جمع سافية، وهي الريح الشديدة، و«المور» بالضمّ: التراب.

٥٦. «بداية المجتهد» ١/ ١٥ - ١٦.

٥٧. صدره: كَأَن ثَبِيرًا فِي عَرَانِينِ وَبْلِهِ.

٥٨. صدره: فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ.

٥٩. «السوافي»: جمع سافية، وهي الريح الشديدة، و«المور» بالضمّ: التراب.

٦٠. اسم موضع.

٦١. «الاستذكار» ٢/ ٤٧ - ٥١.

٦٢. «المفهم» ١/ ٤٩٦.

٦٣. متفقٌ عليه، دون قوله: «وبطون الأقدام»، وهو عند أحمد في «مسنده» برقم (١٧٢٥٣ و١٧٢٥٤ و١٧٢٥٨) بسند صحيح من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزُّبيديّ - ﵁ -. انتهى.

٦٤. «شرح العقيدة الطحاويّة» ص ٣٨٦ - ٣٨٧.

٦٥. هكذا النسخة، ولعله: «لم يصحّ»، والله أعلم.

٦٦. «الأوسط» ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨.

٦٧. حديث صحيح، أخرجه أبو داود في «سننه» (٨٥٦).

٦٨. «بداية المجتهد، ونهاية المقتصد» ١/ ١١.

٦٩. في إسناده عامر بن شقيق: ضعفه الأكثرون، ووثقه ابن حبّان، وقال النسائيّ: لا بأس به، وصحح حديثه هذا الترمذيّ، ونقل عن البخاريّ أنه قال: أصحّ شيء في هذا الباب.

٧٠. «الأوسط» ١/ ٣٨١ - ٣٨٦.

٧١. حديث صحيح أخرجه أبو داود، وغيره بإسناد صحيح.

٧٢. «الأوسط» ١/ ٤٢٣ - ٤٢٤.

٧٣. راجع «عمدة القاري» ٢/ ٣٠٥.

٧٤. جمع عُكْنة بالضمّ: الطيّ في البطن من السمن. انتهى «القاموس»، والحديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه برقم (٤٥٩ و٣٥٩٤)، وفي إسناده محمد بن أبي ليلى ضعيف الحفظ.

٧٥. حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه بإسناد صحيح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا لَبِستم، وإذا توضأتم فابدءوا بأيامنكم».

٧٦. «الأوسط» ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧.