HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٦

حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ وَعَبْدُ بْنُ حميد. قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ. حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الأَنْصَارِيُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ؛ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ. فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ. ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ. ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ. ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ. فَمَنِ استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص149
ج ١ ص ٢١٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٣٠٨
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٨٥] (٢٤٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُد، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُد، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاق، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرْعَ فِي السَّاق، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَة، مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوء، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ، فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ، وَتَحْجِيلَهُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) المذكور قبل بابين. ٢ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ) الْقُرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربّما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] (ت في حدود ٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٤ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ، أبو الْهَيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٧. ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. ٦ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ) هو: عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ - بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانيّة ثقيلة - ابن الحارث بن عمرو بن غَزِيّة بن عمرو بن ثعلبة بن خَنْساء بن مَبْذُول بن غَنْم بن مازن بن النّجّار الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦]. رَوَى عن أنس بن مالك، وأبيه غَزِيّة بن الحارث، وعباس بن سهل بن سعد، وأبي الزبير، وسُمَيّ مولى أبي بكر، وحبيب بن عبد الرحمن، وشُرَحبيل بن سعد، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ونُعيم المجمر، ويحيى بن عُمَارة بن أبي حسن، وغيرهم. وروى عنه سليمان بن بلال، وعمرو بن الحارث، ووُهيب بن خالد، ويحيى بن أيوب المصريّ، ويونس بن يزيد، وعبد الرحمن بن أبي الرجال، وبكر بن مضر، وسعيد بن أبي هلال، وزهير بن معاوية، والدَّرَاوَرْديّ، وعبيدة بن حُمَيد، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن المفَضَّل، وغيرهم. قال أحمد، وأبو زرعة: ثقةٌ، وقال يحيى بن معين: صالحٌ، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأسٌ، كان صدوقًا، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال الْبَرْقانيّ، عن الدارقطنيّ: لم يَلْحَق عُمارةُ بن غَزِيّة أنسًا، وهو ثقةٌ، وكذا قال الترمذيّ: لم يَلْقَ أنسًا، وذكره ابن حبان في «الثقات» في أتباع التابعين، وقال العجليّ: أنصاريّ ثقةٌ، وذكره العقيليّ في «الضعفاء»، فلم يورد شيئًا يدلّ على وَهْنه، وقال ابن حزم: ضعيفٌ، قال الحافظ: وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي فيما قرأتُ بخطّه: ما علمت أحدًا ضغفه غيره، ولهذا قال عبد الحق: ضعّفه المتأخرون، ولم يقل العقيليّ فيه شيئًا، سوى قول ابن عيينة: جالسته كم من مرة، فلم نحفظ عنه شيئًا، فهذا تَغَفُّلٌ من العقيليّ؛ إذ ظن أن هذه العبارة تَلْيِينٌ، لا والله. انتهى . وقال محمد بن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، توفي سنة أربعين ومائة. روى له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٧ - (نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ) المدنيّ، مولى آل عمر، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٥. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَنَ بينهم. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سليمان، والباقون كوفيّون، سوى عبد بن حميد، فكسّيّ، نسبة إلى «كِسّ» بكسر الكاف، وتشدد السين المهملة، وينطق بها الناس: بالفتح، والشين المعجمة: مدينة بما وراء النهر . ٣ - (ومنها): أن شيخه محمد بن العلاء أحد مشايخ الستّة دون واسطة، كما مرّ قريبًا. ٤ - (ومنها): أن نعيم بن عبد الله يقال له: «الْمُجْمِر» - بضم الميم الأولى، وإسكان الجيم، وكسر الميم الثانية - ويقال: «الْمُجَمِّر» - بفتح الجيم، وتشديد الميم الثانية المكسورة - وقيل له ذلك؛ لأنه كان يُجَمَّر مسجد رسول الله - ﷺ - أي يُبَخِّره كأبيه، فهو صفة لهما معًا على الصحيح، وذكر النوويّ في «شرحه» أن وصف عبد الله بذلك حقيقةٌ، ووصف ابنه نعيم به مجازٌ، فتعقّبه في «الفتح» بأنه قد جزم الحربيّ بأن نُعيمًا كان يُباشر ذلك ، والله أعلم. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ نُعَيْمِ) بضم النون، مصغّرًا (ابْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ) تقدّم آنفًا أنه بصيغة اسم الفاعل من الإجمار، أو من التجمير، وأنه يوصف به نعيم وأبوه على الحقيقة (قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وفي رواية البخاريّ من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمِر قال: «رَقِيتُ مع أبي هريرة على ظهر المسجد، فتوضّأ» (فَغَسَلَ وَجْهَهُ) هذا تفسير وتفصيل لـ«توضّأ» (فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) أي أكمل غسل وجهه باستيعاب محلّ الفرض، ومجاوزته، وأنقاه بإبلاغ الماء (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ) أي أدخل الغسل فيه، وهو: ما بين المرفق والكتف، قال الفيّوميّ - ﵀ -: فيه خمس لغات: بفتح، فضمّ، وِزانُ رَجُلٍ، وبضمّتين في لغة الحجاز، وقرأ بها الحسن، في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]، ومثالُ كَبِد، في لغة بني أسد، ومثالُ فَلْسٍ، في لغة بني تميم، وبَكْرٍ، والخامسةُ وزانُ قُفْلٍ، قال أبو زيد: أهل تِهَامة يؤنّثون الْعَضُدَ، وبنو تميم يُذكّرونه، والجمع أَعْضُد، وأَعضَاد، مثلُ أَفْلُس وأَقْفَال. انتهى . قال الإمام ابن دقيق العيد - ﵀ -: قوله: أشرع«قال بعضهم: المعروف شَرَع، وقد حُكِي فيه: شَرَع، وأشرع. ووقع في«مستخرج أبي نعيم»بلفظ«أسبغ»في المواضع الثلاثة . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«حتى أشرع»رباعيّ: أي مدّ يده بالغسل إلى العضد، وكذلك قوله:«حتى أشرع في الساق»: أي مدّ يده إليه، من قولهم: (٥٧٧) حدثنا جعفر بن محمد بن عمرو الأحمسيّ، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا سليمان بن بلال، وعبد العزيز، عن عُمارة بن غَزِيّة، عن نعيم بن عبد الله المجمر، قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه، وأسبغ وضوءه، ثم غسل يده اليمنى حتى أسبغ كذا في العضد، ويده اليسرى حتى أسبغ كذا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أسبغ في الساق، ثم اليسرى كذلك، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ، ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة، فمن استطاع منكم، فليطل بغرّته وتحجيله». انتهى. أشرعت الرُّمْحَ قِبَلَهُ: أي مددته إليه، وسدَّدته نحوَهُ، وأشرعَ بابًا إلى الطريق: أي فتحه مُسَدِّدًا إليه، وليس هذا مِن شَرَعتُ في هذا الأمر، ولا مِن شَرَعَتِ الدوابُّ في الماء بشيء؛ لأن هذا ثلاثيّ، وذاك رباعيّ. قال: وكان أبو هريرة - ﵁ - يبلُغ بالوضوء إِبطيه، وساقيه، وهذا الفعل منه مذهبٌ له، ومما انفرد به، ولم يَحْكه عن النبيّ - ﷺ - فعلًا، وإنما استنبطه من قوله - ﷺ -: «أنتم الْغُرُّ الْمُحَجَّلون»، ومن قوله - ﷺ -: «تبلُغُ حِلْية المؤمن حيثُ يبلغ منه الوضوء»، قال أبو الفضل عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وأن لا يُتَعدَّى بالوضوء حدوده؛ لقوله - ﷺ -: «فمن زاد، فقد تعدّى وظلم». قال: والإشراع المرويّ عن النبيّ - ﷺ - من حديث أبي هريرة محمول على استيعاب المرفقين، والكعبين بالغسل، وعَبَّر عنه بالإشراع في العضد والساق؛ لأنهما مباديهما، وتطويل الغرّة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكلّ صلاة وإدامته، فتطول غرّته بتقوية نور وجهه، وتحجيله بتضاعف نور أعضائه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه القرطبيّ من نفيه رفع الحديث إلى النبيّ - ﷺ -، وأنه من مذهب أبي هريرة، ولم يحكه عن النبيّ - ﷺ - عجيبٌ منه، فما الذي حمله على هذا، وقد ثبت في نفس الحديث هذا ما يُبطل زعمه، حيث قال أبو هريرة - ﵁ -: «هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضّأ»، فقد نصّ وصرّح بكونه نقله عنه - ﷺ -. وأما قول عياض: والناس مجمعون على خلافه، فدعوى عاطلة من الصحّة؛ إذ سيأتي ما يردّه عن ابن عمر، وبعض السلف. ومن غريب صنيع القرطبيّ بعد أن نفى نقل أبي هريرة له عن النبيّ - ﷺ -، قوله: «والإشراع المرويّ عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - .. إلخ»، أليس هذا من التناقض؟، ثم الأعجب بعد هذا التناقض تأويله الإشراع في العضد والساق بأن المراد استيعاب المرفق والكعب، يعني أنه ليس هناك إشراع حقيقي في العضد، والساق، وإنما هو من باب المبالغة، وأنه - ﷺ - لم يُجاوز المرفق والكعب، وهذا كلّه عجيب غريبٌ من مثل القرطبيّ. والحقّ أن أبا هريرة - ﵁ - نقل الإشراع المذكور عن النبيّ - ﷺ -، كما هو صريح هذا الحديث، وأن الإشراع في العضد والساق مما يُستحبّ في الوضوء، وسيأتي مزيد تحقيق لهذا قريبًا - إن شاء الله تعالى. (ثُمَّ) غسل (يَدَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُد، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) وفي نسخة: «برأسه» (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ) هو: ما بين الركبة والقدم، وهي مؤنّثة، وتصغيرها: سُوَيقة . (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاق، ثُمَّ قَالَ:) وفي نسخة: «ثمّ قال لي» (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ) هذا صريحٌ في كون أبي هريرة - ﵁ - نقل هذه الكيفيّة في الوضوء من النبيّ - ﷺ -، قال الحافظ - ﵀ -: وفيه ردٌّ على من زعم أن ذلك من رأي أبي هريرة - ﵁ -، بل من روايته ورأيه معًا. انتهى . (وَقَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ) قال أهل اللغة:»الْغُرَّة«- بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الراء -: بياضٌ في جبهة الفرس، و»التحجيلُ«: بياض في يديها ورجليها، قال العلماء: سُمِّي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غُرَّةً وتَحْجيلًا؛ تشبيهًا بغُرَّة الفرس ؛ قاله النوويّ. وقال القرطبيّ - ﵀ -: أصل«الْغُرّة»: لُمْعَةٌ بيضاء تكون في جبهة الفرس، على قدر الدرهم، يقال منه: فرسٌ أغرّ، ثم استُعملت في الجمال والشهرة، وطيب الذكر، كما قال امرؤ القيس [من الطويل]: ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ … وَأَوْجُهُهُمْ عِنْدَ الْمَشَاهِدِ غُرَّانُ والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد - ﷺ -. قال: والتحجيل: وهو بياض يكون في ثلاث قوائم، من قوائم الفرس، وأصله من الْحِجْل - بكسر المهملة - وهو الْخَلْخال، والقيد، ولا بدّ أن يُجاوز التحجيل الأرساغ، ولا يُجاوز الركبتين والْعُرْقُوبين، وهو في الحديث مستعارٌ عبارةٌ عن النور الذي يعلو أعضاء الوضوء يوم القيامة. انتهى . وقال العينيّ: في الكلام تشبيه بليغٌ، حيث شبّه النور الذي يكون على موضع الوضوء يوم القيامة بغرّة الفرس، وتحجيله، ويجوز أن يكون كنايةً، بأن يكون كنى بالغرّة عن نور الوجه. انتهى. وقال الأبيّ: إن الغرّة والتحجيل كناية عن إنارة كلّ الذات، لا أنه مقصور على أعضاء الوضوء. انتهى. وفيه نظر لا يخفى؛ إذ الترغيب في إطالة الغرّة والتحجيل ليزداد النور، ولو كان كما قال الأبيّ لما كان للإطالة فائدة ، والله تعالى أعلم. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف تنازعه كلّ من «الغرّ»، و«المحجّلون»، أو متعلّق بخبر متبدأ محذوف، أي ذلك كائن يوم القيامة. قال ابن الملقّن - ﵀ -: «يوم» من الأسماء الشّاذّة؛ لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علّة، فهو من باب «ويل»، و«ويح»، و«القيامة»: فِعَالة، مِن قام يقوم، أصله القِوَامة، فقُلبت الواو فيه ياء؛ لانكسار ما قبلها. انتهى . (مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ) متعلّق بخبر مبتدأ محذوف أيضًا، أي ذلك كائن من أجل إسباغ الوضوء، وهو: بضمّ الواو؛ لأن المراد الفعل، ويجوز فتحه أيضًا، وفي الرواية الآتية: «من آثار الوضوء»، قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: «الوضوء» بالضمِّ، ويجوز أن يقال بالفتح: أي من آثار الماء المستعمل في الوضوء، فإن الغُرّة والتحجيل نشآ عن الفعل بالماء، فيجوز أن يُنسَبَ إلى كلّ منهما. انتهى . وحاصل ما أشار إليه - ﵀ - أن الضمّ والفتح صحيحان؛ لأن الغرّة والتحجيل نشآ من الفعل، ومن الماء أيضًا، فجاز نسبتهما إليهما، والله تعالى أعلم. (فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ) مفعول «استطاع» محذوف، أي من استطاع إطالة غرّته، وتحجيله، فليُطل، والمراد بإطالة التحجيل إطالة سبب التحجيل، وذلك بإطالة الغسل بالشروع في العضد والساق، وكذا إطالة الغرّة تتحقّق بالتوسّع في الغسل طولًا بالشروع في منابت الشعر، وصفحة العنق، وعرضًا بشحمة الأذنين، ولما كان الكلّ غالبًا يستطيع ذلك كان الغرض من التعبير الحثّ على الإطالة، أي فاطلبوا الغرّة والتحجيل، وليس المقصود التعليق على الاستطاعة، أفاده بعض المحققين . (فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ، وَتَحْجِيلَهُ) هكذا صرّح في رواية المصنّف بذكر التحجيل مع الغرّة، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «فمن استطاع منكم أن يُطِيل غُرَّته فليفعل»، ولذا قال في «الفتح»: أي فليُطِل الغرة والتحجيل، واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى، نحو ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾، واقتصر على ذكر الغُرّة، وهي مؤنثة، دون التحجيل، وهو مذكر، لأن مَحَلّ الغرة أشرف أعضاء الوضوء، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان، على أن في رواية مسلم من طريق عُمَارة بن غَزِيّة ذكر الأمرين، ولفظه: «فليطل غرته وتحجيله». وقال ابن بطال ﵀: كَنَى أبو هريرة - ﵁ - بالغُرّة عن التحجيل؛ لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله. وتعقّبه الحافظ، فقال: فيما قال نظر، لأنه يستلزم قلب اللغة، وما نفاه ممنوع؛ لأن الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلًا، ونقل الرافعيّ عن بعضهم أن الغرة تُطلق على كلٍّ من الغرة والتحجيل. [تنبيه]: ظاهر هذه الرواية أن قوله: «فمن استطاع .. إلخ» بقية الحديث، وهو ظاهر مذهب الشيخين، حيث ساقاه مساقًا واحدًا، دون إشارة إلى الإدراج، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [١٢/ ٥٨٥ و٥٨٦] (٢٤٦)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٣٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٣٦٢ و٤٠٠ و٥٢٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٦٠٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٥٧٧ و٥٧٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٠٤٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٥٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): هذا الحديث أخرجه الشيخان في «صحيحيهما»، كما بيّنّاه آنفًا، وهو ظاهر في أن قوله: «فمن استطاع منكم، فليُطل غرّته» مرفوع من جملة الحديث، ومن الغريب أن بعض العلماء ادّعَى كونه مُدرجًا من كلام أبي هريرة، ولم يأتوا ببيّنة واضحة يُرَدّ بها صنيعُ الشيخين. ومن الغريب استدلالهم بما رواه أحمد من طريق فُلَيح، عن نعيم بن عبد الله، وفي آخره: قال نعيم: لا أدري قوله: «من استطاع .. إلخ» من قول النبيّ - ﷺ -، أو من قول أبي هريرة - ﵁ -. قال الحافظ ﵀: ولم أَرَ هذه الجملة في رواية أحد ممن رَوَى هذا الحديث من الصحابة، وهم عشرة ، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، والله تعالى أعلم. انتهى . والغريب كيف يستدلّون برواية فُلَيح بن سليمان - وهو وإن أخرج له الشيخان، إلا أن الأكثرين على تضعيفه - على ردّ رواية عُمارة بن غزيّة، وسعيد بن أبي هلال، وهما أوثق منه بكثير، وكلاهما روياه من دون ترّدد وشكّ، فروايتهما مقدّمة من دون شكّ، كما هو صنيع الشيخين. وأغرب من ذلك أن بعضهم ذكر تقويةً لرواية فُليح هذه رواية ليث بن أبي سُليم، عن كعب، عن أبي هريرة ، وفيه هذه الجملة، ومعلوم أن ليثًا متروك الحديث، لا يصلح في المتابعة، ولا في الشواهد، فكيف يردّ رواية الثقات بمثله؟! هيهات هيهات. والحاصل أن اتّفاق صنيع الشيخين مقدّم على كلّ من أعلّ الحديث، فهو مرفوعٌ كلّه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: قال الحافظ ابن منده ﵀ في «مستخرجه»: حديث «أمتي الغرّ المحجّلون من آثار الوضوء» رواه مع أبي هريرة من الصحابة ابنُ مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو أمامة الباهليّ، وأبو ذرّ الغفاريّ، وعبد الله بن بُسْر المازنيّ، وحُذيفة بن اليمان - ﵃ -. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: فجملتهم ثمانية، ويزاد فيهم أبو الدرداء - ﵁ -، أو أبو ذرّ بالشكّ، كما أخرج الإمام أحمد حديثه في «مسنده» ، بإسناد فيه ابن لَهِيعة، والله تعالى أعلم. حدثنا يحيى بن إسحاق شك فيه، قال: سمعت أبا ذرّ أو أبا الدرداء، قال يحيى: فيقول: «فأعرفهم أن نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم». حدثنا يعمر، حدثنا عبد الله بن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه سمع أبا ذرّ، أو أبا الدرداء، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا أول من يؤذن له في السجود …» فذكر معناه. انتهى. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب إطالة الْغُرّة والتحجيل في الوضوء، وسيأتي اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى. ٢ - (ومنها): استحباب المحافظة على الوضوء، وسننه المشروعة فيه، وإسباغه. ٣ - (ومنها): بيان فضل الوضوء؛ لأن الفضل الحاصل بالْغُرّة والتحجيل من آتار الزيادة على الواجب، فكيف الظنّ بالواجب، وقد وردت فيه أحاديث صحيحة صريحة، أخرجها المصنّف وغيره، وقد سبق بيانها. ٤ - (ومنها): بيان ما أعدّ الله تعالى من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة. ٥ - (ومنها): بيان أن الواجب في الرجلين الغسل، لا المسح. ٦ - (ومنها): بيان جواز الوضوء على ظهر المسجد؛ لقول نعيم في رواية البخاريّ: «رَقِيتُ مع أبي هريرة على ظهر المسجد، فتوضّأ»، وهذا مشروط بما إذا لم يحصل منه أذى للمسجد، أو لمن فيه، وإلا لا يجوز؛ لحديث: «لا ضرر، ولا ضِرَار» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تطويل الغرّة والتحجيل: (اعلم): أنهم اختَلَفوا في القدر المستحب من التطويل في التحجيل، فقيل: إلى المنكب والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة - ﵁ - روايةً ورأيًا، وعن ابن عمر من فعله، أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو عبيد بإسناد حسن. وقيل: المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق. وقيل: إلى فوق ذلك. وقال ابن بطال، وطائفة من المالكية: لا تُستحب الزيادة على الكعب والمرفق؛ لقوله - ﷺ -: «من زاد على هذا، فقد أساء وظلم». قال الحافظ ﵀: وكلامهم مُعْتَرَضٌ من وجوه، ورواية مسلم صريحة في الاستحباب، فلا تُعارَض بالاحتمال. وأما دعواهم اتفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك، فهي مردودة بما نقلناه عن ابن عمر، وقد صرَّح باستحبابه جماعة من السلف، وأكثر الشافعية والحنفية، وأما تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء، فمعترَضٌ بأن الراوي أدرى بمعنى ما رَوَى، كيف وقد صَرَّح برفعه إلى الشارع - ﷺ -. انتهى . وقال النوويّ ﵀ في «شرحه»: (اعلم): أن هذه الأحاديث مُصرِّحة باستحباب تطويل الغرة والتحجيل، أما تطويل الغُرَّة فقال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: هو غَسْل شيء من مُقَدَّم الرأس، وما يجاوز الوجه زائدًا على الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيقان كمال الوجه، وأما تطويل التحجيل، فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا مستحبّ بلا خلاف بين أصحابنا، واختلفوا في قدر المستحبّ على أوجه: [أحدها]: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت. [والثاني]: يستحب إلى نصف العضد والساق. [والثالث]: يستحب إلى المنكبين والركبتين، وأحاديث الباب تقتضي هذا كله، وأما دعوى الإمام أبي الحسن بن بطال المالكيّ، والقاضي عياض، اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب فباطلة، وكيف تصحّ دعواهما، وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله - ﷺ -، وأبي هريرة - ﵁ -؟ وهو مذهبنا، لا خلاف فيه عندنا كما ذكرناه، ولو خالف فيه مخالفٌ كان محجوجًا بهذه السنن الصحيحة الصريحة، وأما احتجاجهما بقوله - ﷺ -: «من زاد على هذا، أو نقص فقد أساء وظلم»، فلا يصحّ؛ لأن المراد مَن زاد في عدد المرات، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ استحباب إطالة الغرّة والتحجيل بمجاوزة محل الفرض، فيغسل شيئًا من مقدّم رأسه، وما يجاوز الوجه زائدًا على الجزء الذي يجب غسله، وفي التحجيل يغسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا هو الذي عليه ظاهر النصّ، وبيّنه الراوي أبو هريرة - ﵁ - بفعله، فمن خالف هذا، وقال بعدم مشروعيّة مجاوزة محلّ الفرض، فقد أساء وظلم، أساء في فهم المراد، وظلم السنّة حيث أوّلها على خلاف ما تقتضيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أنه استَدَلَّ الْحَلِيميّ ﵀ بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، جزم به في «منهاجه». وتعقّبه الحافظ ﵀ في «الفتح» بأنه ثبت في «صحيح البخاريّ» في قصة سارة - ﵁ - مع الملك الذي أعطاها هاجر، أنّ سارة لَمّا هَمّ الْمَلِك بالدنوّ منها قامت تتوضأ وتصلي ، وفي قصة جُريج الراهب عند البخاريّ أيضًا أنه قام، فتوضأ، وصلَّى، ثم كَلَّم الغلام ، فالظاهر أن الذي اختَصَّت به هذه الأمة هو الغُرّة والتحجيل، لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم، عن أبي هريرة - ﵁ - أيضًا مرفوعًا قال: «سِيمَا ليست لأحد غيرِكُم»، وله من حديث حُذيفة - ﵁ - نحوه، و«سِيما» - بكسر المهملة، وإسكان الياء الأخيرة - أي علامة. وقد اعتَرَض بعضهم على الْحَلِيميّ بحديث: «هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي»، وهو حديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لضعفه، ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء، دون أُممهم إلا هذه الأمة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الثاني يُبعده ما تقدّم من قصّة سارة، وجُريج، فالصواب الردّ بضعف الحديث. والحاصل أن الوضوء ليس خاصًّا بهذه الأمة، وإنما خصّها الله تعالى على سائر الأمم بالغرّة والتحجيل؛ زيادة في رفعة درجتها؛ لرفعة درجة نبيّها - ﷺ -، فإن الله تعالى خصّه بفضله العظيم، كما قال ﷿: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٥٨٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهَ، أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْه، حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْن، ثُمَّ غَسَلَ = جريجًا، فتعرضت له، فكلمته، فأبى، فأتت راعيًا، فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، فقالت: هو من جريج، فأَتَوه، وكسروا صومعته، فأنزلوه، وسَبُّوه، فتوضأ، وصلى، ثم أتى الغلام، فقال: مَن أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب؟ قال: لا، إلا من طين»، أخرجه البخاريّ في«المظالم»برقم (٢٤٨٢)، ومسلم في«البرّ والصلة»برقم (٢٥٥٠). رِجْلَيْه، حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْن، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ:«إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، مِنْ أَثَرِ الْوُضُوء، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بن سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ) السّعْديّ مولاهم، أبو جعفر المصريّ، ثقةٌ فاضل [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في«الإيمان»٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في«المقدمة»٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظ [٧] (ت قديمًا قبل ١٥٠) (ع) تقدم في«الإيمان»١٦/ ١٦٩. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيّ الأصل، أو نشأ بها، صدوقٌ [٦] (ت بعد ١٣٠) (ع) تقدم في«الإيمان»٨٧/ ٤٦٢. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ)«المنكب»- بفتح الميم، وكسر الكاف، بينهما نون ساكنة -: مُجتمع رأس الكتف والعضد، وأسفله الإبط. وقوله: (حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ) مفعول«رَفَعَ»محذوف: أي حتى الغسلَ إلى الساقين، والغاية داخلة؛ لأنه كان يَشرَع في الساق. وقوله: (إِنَّ أُمَّتِي)«الأمة»في اللغة: الجماعة، وكلُّ جنس من الحيوان أمةٌ، ومن معانيها اللغويّة الحِينُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، وأمة محمد - ﷺ - تُطلق على معنيين: أمة الدعوة، وهي من بُعِثَ إليهم، وأمة الإجابة، وهي من آمن به، وصدّقه، وهذه هي المرادة هنا، وإتيانهم من الموقف إلى الحوض كما يظهر من الرواية الآتية . وقال العلّامة ابن الملقّن ﵀: جاءت«الأمة»على ثمانية أوجه«، ذكرها العزيزيّ ﵀: ١ - «أمة»: جماعة، كقوله تعالى: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]. ٢ - و«أمة»: أتباع الأنبياء ﵈، كما نقول: نحن أمة محمد - ﷺ -. ٣ - و«أمة»: رجل جامعٌ للخير يُقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]. ٤ - و«أمة»: دينٌ وملّةٌ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. ٥ - و«أمة»: حينٌ وزمان، كقوله تعالى: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨]. ٦ - و«أمة»: قامةٌ، يقال: فلان حسنُ الأمة: أي القامة. ٧ - و«أمة»: رجل منفرد بدين لا يَشرَكه فيه أحدٌ، قال - ﷺ -: «يُبعث زيد بن عمرو بن نُفيل أمة وحده» . ٨ - و«أمة»: أمّ، يقال: أمةُ زيد. قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذه المعاني الثمانية لـ«الأُمّة»، فقلت: وَمَعْنَى أُمَّةٍ أَتَى ثَمَانِيَهْ … فَمَنْ يُرِدْ يَسْمَعْ بِأُذْنٍ وَاعِيَهْ جَمَاعَةٌ كَذَاكَ أَتْبَاعُ الرُّسُلْ … وَرَجُلٌ جَامِعُ خَيْرٍ قَدْ نَبُلْ وَمِلَّةٌ حِيْنٌ وَقَامَةٌ وَمَنْ … بِدِنِهِ انْفَرَدَ بِالأُمِّ اخْتِمَنْ والمراد بالأمة إذا قلنا: أمة محمد - ﷺ - المؤمنون خاصّةً، هذا هو الحقّ، وقد يُطلق على غيرهم بعلاقة كونه مرسلًا إلى الناس أجمعين. انتهى كلام ابن الملقّن ﵀ . وقوله: (يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية البخاريّ: «يُدْعَون» بضم أوله: أي يُنَادَون، أو يُسَمَّوْن.
مصادر المؤلف (٣٥)

١. وفي نسخة: «ثم مسح برأسه».

٢. وفي نسخة: «ثم قال لي: هكذا».

٣. «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢١٢ - ٢١٣.

٤. راجع «لُبّ اللباب» ٢/ ٢٠٨.

٥. راجع «شرح النوويّ» ٣/ ١٣٤.

٦. راجع «الفتح» ١/ ٢٨٤.

٧. بكسر القاف: أي صَعِدت.

٨. «المصباح المنير»٢/ ٤١٥.

٩. نصّ«المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم» ١/ ٣٠٧:

١٠. «المفهم» ١/ ٤٩٨ - ٤٩٩.

١١. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٦.

١٢. «الفتح» ١/ ٢٨٤.

١٣. «شرح النوويّ» ٣/ ١٣٥.

١٤. وقع في «المفهم»: «غُرَارُ» براءين، والذي في «اللسان» آخره نون، وهو الصواب؛ وهو جمع أغرّ، كغُرّ.

١٥. راجع «المفهم» ١/ ٤٩٩ - ٥٠٠.

١٦. راجع «فتح المنعم» ٢/ ١٤٦.

١٧. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٠٤.

١٨. «إحكام الأحكام» ١/ ٢١٨ بنسخة الحاشية.

١٩. «فتح المنعم» ٢/ ١٤٦.

٢٠. ومنهم ابن القيّم ﵀، والشيخ الألبانيّ.

٢١. لم يُبيّن الحافظ أسماءهم، وسيأتي بيانها في التنبيه، ولكنهم تسعة، لأن العاشر وهو أبو ذرّ - ﵁ - إنما ذُكر في حديث ابن لَهِيعة بالشك بينه وبين أبي الدرداء، ولعله هو العاشر عند الحافظ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٢٢. «الفتح» ١/ ٢٨٥.

٢٣. أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» برقم (٨٥٢٤).

٢٤. راجع «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» للإمام ابن الملقّن ﵀ ١/ ٤١٢.

٢٥. قال الإمام أحمد ﵀ (٢٠٧٤٤): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى بين يديّ، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك»، فقال له رجل: يا رسول الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم، فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: «هم غُرٌّ محجلون، من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يُؤْتَون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم يسعى بين أيديهم ذريتهم».

٢٦. حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في «سننه» ٢/ ٧٨٤.

٢٧. «الفتح» ١/ ٢٨٥.

٢٨. «شرح النوويّ» ٣/ ١٣٤.

٢٩. هو ما أخرجه الشيخان في «صحيحيهما» من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: «هاجر إبراهيم؛ بسارة، فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك، أو جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم بامرأة، هي من أحسن النساء، فأرسل إليه أن يا إبراهيم مَن هذه التي معك؟ قال: أختي، ثم رجع إليها، فقال: لا تُكَذِّبي حديثي، فإني أخبرتهم أنكِ أختي، والله إنْ على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنتُ آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تُسَلِّط عليّ الكافر، فَغُطَّ حتى رَكَضَ برجله، قال الأعرج: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: قالت: اللهم إن يمت يقال: هي قتلته، فأُرْسِل، ثم قام إليها، فقامت توضأ وتصلي، وتقول: اللهم إن كنتُ آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تُسَلّط عليّ هذا الكافر، فَغُطَّ حتى رَكَض برجله، قال عبد الرحمن: قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: فقالت: اللهم إن يمت، فيقال: هي قتلته، فأُرسِل في الثانية، أو في الثالثة، فقال: والله ما أرسلتم إليّ إلا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها آجر، فرجعت إلى إبراهيم ﵇، فقالت: أَشَعَرتَ أن الله كَبَت الكافر، وأخدم وليدة؟ »، أخرجه البخاريّ في«البيوع»برقم (٢٢١٧) ومسلم في«الفضائل»برقم (٢٣٧١).

٣٠. هو ما أخرجه الشيخان أيضًا في«صحيحيهما»من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:«كان رجل في بني إسرائيل، يقال له: جُرَيج يصلي، فجاءته أمه، فدعته، فأبى أن يجيبها، فقال: أجيبها أو أصلي؟ ثم أتته، فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فقالت امرأة: لأفتننّ =

٣١. «الفتح»١/ ٢٨٤ - ٢٨٥.

٣٢. وفي نسخة:«حدّثنا».

٣٣. «فتح المنعم» ٢/ ١٤٧.

٣٤. أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ١٨٩ - ١٩٠ والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٤٣٩ - ٤٤٠ والطبرانيّ (٣٥٠)، وذكره الهيثميّ في «المجمع» ٩/ ٤١٧، ونسبه إلى الطبرانيّ والبزار باختصار، قال: وفيه المسعوديّ، وقد اختلط، وبقيّة رجاله ثقات، وصححه الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٣١٦ - ٣١٧ ووافقه الذهبيّ.

٣٥. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٠٢ - ٤٠٤.