HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٧

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي ﷺ قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ (أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ) الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، ونتف الإبط، وقص الشارب».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص152
ج ١ ص ٢٢١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٤١٩
(١٦) - (بَابُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٠٣] (٢٥٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ - أَوْ - خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَار، وَنَتْفُ الْإِبْط، وَقَصُّ الشَّارِبِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ المذكور في الباب الماضي. ٤ - (سُفْيَانَ بْنُ عُيَينَةَ) الإمام المشهور المذكور في الباب الماضي. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشيّ، أبو بكر المدنيّ، الإمام الحافظ الحجة الفقيه، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الإمام الحجة الفقيه الشهير، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، وفيه التحديث، والعنعنة، من صيغ الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وأبو بكر كوفيّ، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ، والباقيان بغداديّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن المسيّب. ٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ -، وقيل: أصحّها أبو الزناد، عن الأعرج، عنه، وقيل: حماد بن زيد، عن أيوب السختيانيّ، عن ابن سيرين، عنه، وإلى هذا أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث» بقوله: وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ اوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ عَنْ أَعْرَج وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا … أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَى ٦ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٧ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، بل هو رئيسهم، وتقدّموا غير مرّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «الْفِطْرَةُ) مبتدأ، وهو - بكسر الفاء، وسكون الطاء المهملة -: بمعنى الْخِلْقة، والمراد بها هنا السنّة القديمة التي اختارها الله تعالى للأنبياء، فكأنها أمر جِبِلّيّ، فُطِروا عليها، وسيأتي اختلاف العلماء في معناها، في»المسائل«- إن شاء الله تعالى -. وقوله: (خَمْسٌ) خبر المبتدأ، وليس المراد به الحصر، فسيأتي بلفظ»عشرٌ من الفطرة«، فالحديث من أدلّة القائلين: إن مفهوم العدد غير معتبر، وقوله: (أَوْ) للشكّ من الراوي، أي أو قال (خَمْسٌ مِنَ الْفِطرَةِ) بتقديم لفظ»خمس«، وهو أظهر من الأول في إفادة عدم الحصر، وسَوَّغ الابتداء بالنكرة فيه أن فوله:»خمس«صفة لموصوف محذوفٍ، تقديره: خصالٌ خمسٌ، ثم فسرها، أو على الإضافة، أي خمسُ خصالٍ، ويجوز أن تكون الجملة خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: الذي شُرعَ لكم خمسٌ من الفطرة، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: التعبير في بعض روايات الحديث بالسنة بدل الفطرة يراد بها الطريقة، لا التي تقابل الواجب، وقد جَزَم بذلك الشيخ أبو حامد، والماورديّ، وغيرهما، وقالوا: هو كالحديث الآخر:«عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين». وأغرب القاضي أبو بكر بن العربيّ، فقال: عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبةٌ، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين! كذا قال في«شرح الموطأ». وتعقّبه أبو شامة بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق، وهي النظافة لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها؛ اكتفاءً بدواعي الأنفس، فمجرد الندب إليها كافٍ. ونقل ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنه قال: دَلّ الخبر على أن الفطرة بمعنى الدين، والأصل فيما أضيف إلى الشيء أنه منه أن يكون من أركانه، لا من زوائده، حتى يقوم دليل على خلافه، وقد وَرَدَ الأمر باتباع إبراهيم ﵇، وثبت أن هذه الخصال أُمر بها إبراهيم ﵇، وكلُّ شيء أَمر الله باتباعه فهو على الوجوب لمن أمر به. وتُعُقِّب بأن وجوب الاتّباع لا يقتضي وجوب كل متبوع فيه، بل يتم الاتّباع بالامتثال، فإن كان واجبًا على المتبوع كان واجبًا على التابع، أو ندبًا فندب، فيتوقف ثبوت وجوب هذه الخصال على الأمة على ثبوت كونها كانت واجبة على الخليل ﵇، ذكر هذا كلّه في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق ما هو الواجب من هذه الخصال، وما هو غير الواجب منها، عند تفصيل كلّ خصلة في المسائل الآتية - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه آخر]: اختُلِف في النكتة في الإتيان بهذه الصيغة - أعني «خمس من الفطرة» - فقيل: لرفع الدلالة، وأن مفهوم العدد ليس بحجة، وقيل: بل كان أُعْلِم أوّلًا بالخمس، ثم أُعلِم بالزيادة، وقيل: بل الاختلاف في ذلك بحسب المقام، فذكر في كل موضع اللائق بالمخاطبين، وقيل: أريد بالحصر المبالغة لتأكيد أمر الخصس المذكورة، كما حُمل عليه قوله: «الدين النصيحة»، و«الحج عرفة»، ونحو ذلك، ويدلّ على التأكيد ما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ من حديث زيد بن أرقم مرفوعًا: «من لم يؤخذ شاربه فليس منا»، وسنده قويّ، وأخرج أحمد من طريق يزيد بن عمرو الْمَعَافريّ نحوه، وزاد فيه: «حلق العانة، وتقليم الأظافر»، قاله في «الفتح» . وقوله: (الْخِتَانُ) بدل، أو عطف بيان لـ «خمس»، أو خبر لمحذوف، أي أجدها، أو مفعول لفعل مقدّر، أي أعني، وهو - بكسر الخاء المعجمة -: قطع الْقُلْفَة التي تُغطّي الْحَشَفَة من الرجل، وقطع بعض الجِلْدة التي في فم فرج المرأة، ويسمّى خِتان الرجل إِعْذَارًا - بالعين المهملة، والذال المعجمة، والراء - وخِتان المرأة خَفْضًا - بالخاء المعجمة، والفاء، والضاد المعجمة - قاله العراقيّ ﵀. وقال المجد ﵀: خَتَنَ الولدَ يَخْتِنُهُ - من باب ضرب - وَيخْتُنُهُ - من باب نصر - فهو خَتِين، ومَختون: قَطَعَ غُرْلَتَهُ، والاسم ككِتَاب، وكتَابَةٍ. والْخِتَانَةُ: صِنَاعته، والْخِتَانُ موضع من الذكر. انتهى . وقال في «الفتح»: الْخِتَان - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف المثنّاة - مصدر خَتَنَ: أي قَطَعَ، والْخَتْنُ - بفتح، فسكون -: قطعُ بعض مخصوص من عضو مخصوص، والْخِتَان اسم لفعل الخاتن، ولموضع الْخَتْن أيضًا، كما في حديث عائشة - ﵂ -: «إذا التقى الختانان». وقال أيضًا: قال أبو عُبيد: عَذَرتُ الجارية والغلام، وأعذرتهما: ختنتهما، وأختنتهما وزنًا ومعنىً، قال الجوهريّ: والأكثرون: خَفَضتُ الجارية، قال: وتزعم العرب أن الغلام إذا وُلد في القمر فُسِخت قُلْفَته، أي اتّسعت، فصار كالمختون. انتهى بتصرّف ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. (وَالاسْتِحْدَادُ) بالحاء، والدال المهملتين: هو حلق العانة بالحديد، سُمّي استحدادًا؛ لاستعمال الحديدة فيه، وهي الموسَى؛ قاله النوويّ . وقال في «الفتح»: «الاستحداد» - بالحاء المهملة - استفعال من الحديد، والمراد به استعمال الموسى في حلق الشعر من مكان مخصوص من الجسد، قيل: بهذه اللفظة مشروعية الكناية عما يُسْتَحْيَى منه، إذا حصل الإفهام بها، وأغنى عن التصريح، والذي يظهر - قال الحافظ - أن ذلك من تصرّف الرواة، فقد وقع في حديثي أنس، وعائشة - ﵄ - الآتيين قريبًا بلفظ: «وحلق العانة»، وكذا وقع في رواية النسائيّ في حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا أيضًا بلفظ: «وحلق العانة»، فتنبّه. وقال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: الاستحداد: استفعال من الحديد، وهو إزالة شعر العانة بالحديد، فأما إزالته بغير ذلك، كالنتف، وبالنُّورة، فهو مُحصِّل للمقصود، لكن السنّة والأَولى الأوّل الذي دلّ عليه لفظ الحديث، فإن الاستحداد استفعال من الحديد. انتهى ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -. (وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ) هو تفعيل من القلْم، وهو القطع، والمراد: تقطيع ما طال منها، وهو مبالغة الْقَلْم، يقال: قَلَمته قَلْمًا، من باب ضَرَبَ: إذا قطعته، وقَلَمتُ الظُّفر: أخذتُ ما طال منه، وقَلَّمتُ بالتشديد مبالغة، وتكثير؛ أفاده الفيّوميّ ﵀ . ووقع في حديث ابن عمر - ﵄ - بلفظ: «قَصّ الأظفار»، وفي حديث عائشة وأنس - ﵄ - بلفظ: «قَصّ الأظفار»، والتقليم أعمّ. و«الأَظفار» - بفتح الهمزة -: جمع ظُفُر - بضم الظاء والفاء، وبسكونها - وحَكَى أبو زيد كسر أوله، وأنكره ابن سِيدَهْ، وقد قيل: إنها قراءة الحسن، وعن أبي السمّاك أنه قرأ بكسر أوله وثانيه؛ قاله في «الفتح» . وقال الفيّوميّ ﵀: «الظفر» للإنسان مذكّر، وفيه لغات: [أفصحها]: بضمّتين، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]. [والثانية]: الإسكان؛ للتخفيف، وقرأ بها الحسن البصريّ، والجمع أَظفار، وربّما جُمِع على أُظْفُر، مثلُ رُكْن وأَرْكُن. [والثالثة]: بكسر الظاء، وزانُ حِمْل. [والرابعة]: بكسرتين؛ للإتباع، وقُرئ بهما في الشاذّ. [والخامسة]: أُظْفُور، والجمع أظافير، مثلُ أُسبوع وأسابيع، قال الشاعر [من البسيط]: مَا بَيْنَ لُقْمَتِهِ الأُولَى إِذَا انْحَدَرَتْ … وَبَيْنَ أُخْرَى تَلِيهَا قِيدُ أُظْفُورِ انتهى المقصود من كلام الفيّوميّ ﵀ . والمراد بتقليمها إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإِصْبَع من الظفر؛ لأن الوسخ يجتمع فيه، فيُستَقذَر، وقد ينتهي إلى حدٍّ يَمنَعُ من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسألة الحادية عشرة - إن شاء الله تعالى -. (وَنَتْفُ الْإِبْطِ) أي نَزْعُ شعرها، يقال: نتَفتُ الشعرَ نَتْفًا، من باب ضرب: إذا نزعته . و«الإِبْطُ»: بكسر، فسكون: ما تحت الْجَناح، يذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الإبط، وهي الإبطُ، والجمع آباطٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمالٍ، ويزعم بعض المتأخّرين أن كسر الباء لغة، وهو غير ثابت؛ قاله الفيّوميّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «يزعم .. إلخ» وهذا هو الذي أثبته صاحب «القاموس»، ودونك عبارته: «الإبْطُ»: باطن المنكب، وتُكسَر الباء، وقد يؤنّثُ، جمعه: آباطٌ. انتهى ، وسيأَتي تمام البحث فيه في المسألة الثانية عشرة - إن شاء الله تعالى -. (وَقَصُّ الشَّارِبِ») أي قطع الشعر النابت على الشفة العليا، يقال: قَصَصتُه قَصًّا، من باب قتل: إذا قطعته، وقَصّيته بالتثقيل مبالغة، والأصل قَصّصته، فاجتمع ثلاثة أمثال، فأُبدل من إحداها ياء للتخفيف، وقيل: قَصّيتُ الظفرَ ونحوه، وهو الْقَلْمُ؛ قاله الفيّوميّ . و«الشارب»: هو الشعر الذي يَسيل على الفم، قال أبو حاتم: ولا يكاد يُثَنّى، وقال أبو عُبيدة: قال الكلابيّون: شاربان باعتبار الطرفين، والجمع شوارب؛ قاله الفيّوميّ أيضًا . وقال في«القاموس»، و«شرحه»: الشوارب: ما سال على الفم من الشعر، قال اللحيانيّ: وقالوا: إنه لعظيم الشوارب، قال: وهو من الواحد، فُرِّقَ، فجُعِل كلُّ جزء منه شاربًا، ثمّ جُمع على هذا، وقد طَرّ شارب الغلام، وهما شاربان. انتهى. وقيل: إنما هو الشارب، والتثنية خطأٌ، وقال أبو عليّ الفارسيّ: لا يكاد الشارب يُثنَّى، ومثله قال أبو حاتم. قال أبو عبيدة: قال الكلابيّون: شاربان باعتبار الطرفين، والجمع شوارب. انتهى . وسيأتي تمام البحث في قصّ الشارب في المسألة الثالثة عشرة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [١٦/ ٦٠٣ و٦٠٤] (٢٥٧)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ٩٢١) موقوفًا، و(البخاريّ) في «اللباس» (٥٨٨٩ و٥٨٩١) و«الاستئذان» (٦٢٩٧) وفي «الأدب المفرد» (١٢٥٧)، و(أبو داود) في «الترجّل» (٤١٩٨)، و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٧٥٦)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (٩ و١٠ و١١) وفي «الزينة» (٥٠٤٣ و٥٠٤٤ و٥٢٣٥)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٢٩٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٢٩ و٢٣٩ و٢٨٣ و٤١٠ و٤٨٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٤٧٩ و٥٤٨٠ و٥٤٨١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤٧٠ و٤٧١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٥٩٧ و٥٩٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٤٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣١٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان خصال الفطرة، وهي السنّة على ما يأتي من بيان اختلاف العلماء فيها في «المسألة التالية» - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): ما قيل: إنه يُستفاد منه أن مفهوم العدد ليس بحجة؛ لأنه اقتصر في حديث أبي هريرة - ﵁ - على خمس، وفي حديث ابن عمر - ﵄ - على ثلاث، وفي حديث عائشة - ﵂ - على عشر، مع ورود غيرها، فأفاد ذلك أن العدد لا يقتضي نفي الزيادة عليه، وهو قول أكثر الأصوليين. وأجاب من قال بحجّيّته بما تقدّم من أن الله تعالى أعلم النبيّ - ﷺ - بالزيادة في خصال الفطرة بعد أن لم يكن أعلمه حين حدّث ببعضها؛ قاله الحافظ العراقيّ ﵀ . ٣ - (ومنها): بيان عناية الشرع في أمور النظافة، فقد شرع الله ﷿ هذه الخصال لمراعاة النظافة. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: هذه الخصال مجتمعة في أنها محافظة على حسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الْخِلْقة التي خُلِق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور، وترك إزالتها يُشوِّه الإنسان، ويُقبِّحه بحيث يُستقذَرُ، ويجتنَبُ، فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى، فسُمّيت هذه الخصال فِطرةً لهذا المعنى، والله تعالى أعلم. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: ويتعلَّق بهذه الخصال مصالحُ دينية ودنيوية، تُدرَك بالتتبع، منها تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملةً وتفصيلًا، والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يَتَأَذَّى به، من رائحة كريهة، ومخالفةُ شعار الكفّار، من المجوس، واليهود، والنصارى، وعبّاد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]؛ لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل: قد حَسَّنتُ صوركم، فلا تُشَوِّهوها بما يُقَبِّحها، أو حافظوا على ما يَستَمِرّ به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة، وعلى التآلف المطلوب؛ لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة، كان أَدْعَى لانبساط النفس إليه، فيُقْبَل قوله، ويُحمَد رأيه، والعكس بالعكس. انتهى . ٦ - (ومنها): ما قاله ابن عبّاس - ﵄ - أن هذه الخصال هي التي ابتلى الله تعالى بها إبراهيم؛ فأتمّهنّ، فجعله الله تعالى إمامًا. أخرج عبد الرزاق في «تفسيره»، والطبريّ بسند صحيح، عن طاوس، عن ابن عبّاس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٢٤] قال: ابتلاه الله تعالى بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد … الحديث . وفي «تفسير ابن كثير» ﵀: وقد اختُلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل؛، فرُوي عن ابن عبّاس - ﵄ - في ذلك روايات، فرُوي عنه: ابتلاه الله بالمناسك، ورُوي عنه: ابتلاه بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد، في الرأس: قصّ الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظافير، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. رواه الطبريّ، والحاكم، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيّ . وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عبّاس أنه كان يقول في تفسير هذه الآية قال: عشر، ستّ في الإنسان، وأربع في المشاعر، فأما التي في الإنسان، فحلق العانة، ونتف الإبط، والختان، وكان ابن هُبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة، والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة . قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت خصال الفطرة المذكورة في هذا الحديث وغيره، فقلت: يَا أَيُّهَا الطَّالِبُ حُسْنَ السِّيرَةِ … عَلَيْكَ إِدْمَانُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ فَإِنَّهَا تَصُونُ حُسْنَ الصُّورَةِ … وَتَحْفَظُ الْوُدَّ مَعَ الْعَشِيرَةِ فَاخْتَتِنَنْ وَاسْتَكْ وَقَلِّمْ وَافْرُقِ … وَاغْسِلْ بَرَاجِمَكَ ثُمَّ اسْتَنْشِقِ وَمَضْمِضَنْ وَاسْتَنْثِرَنْ وَانْتَضِحَا … وَقُصَّ شَارِبَكَ وَفِّرِ اللِّحَى وَاسْتَنْجِ وَاحْلِقْ عَانَةً وَاغْتَسِلِ … لِجُمْعَةٍ بِنَتْفِ إِبْطٍ أَكْمِلِ فَتِلْكَ عَشْرٌ مَعَ خَمْسٍ وَرَدَا … فِيمَا مِنَ الأَخْبَارِ نَقْلُهُ بَدَا وَبَعْضُهَا بِهَا الْخَلِيلُ قَدْ بُلِي … فَفَازَ أَنْ كَانَ إِمَامَ الْكُمَّلِ وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ … يَا فَوْزَ مَنْ نَالَ سُلُوكَ شَرْعِهِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى الفطرة: قال الخطابيّ ﵀: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالفطرة هنا السنة، وكذا قاله غيره، قالوا: والمعنى أنها من سنن الأنبياء. وقالت طائفة: المعنى بالفطرة الدين، وبه جزم أبو نعيم في «المستخرج»، وقال النووي في «شرح المهذّب»: جزم أبو إسحاق بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث الدين. واستَشْكَل ابن الصلاح ما ذكره الخطابيّ، وقال: معنى الفطرة بعيدٌ من معنى السنة، لكن لعل المراد أنه على حذف مضاف، أي سنة الفطرة. وتعقّبه النوويّ بأن الذي نقله الخطابي هو الصواب، فإن في «صحيح البخاري» عن ابن عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من السنة قَصُّ الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار»، قال: وأصح ما فُسِّر الحديث بما جاء في رواية أخرى، لا سيّما في البخاري. انتهى. قال الحافظ: وقد تبعه شيخنا ابن الملَقّن على هذا، ولم أَرَ الذي قاله في شيء من نسخ البخاريّ، بل الذي فيه من حديث ابن عمر بلفظ: «الفطرة»، وكذا من حديث أبي هريرة. نعم، وقع التعبير بالسنة موضع الفطرة في حديث عائشة عند أبي عوانة في رواية، وفي أخرى بلفظ: «الفطرة»، كما في رواية مسلم، والنسائيّ، وغيرهما. وقال الراغب: أصل الفَطْر - بفتح الفاء - الشّقّ طُولًا، ويُطلَق على الوهي، وعلى الاختراع، وعلى الإيجاد، والفِطْرة: الإيجاد على غير مثال. وقال أبو شامة: أصل الفطرة الْخِلْقة المبتدَأَة، ومنه فاطر السماوات والأرض، أي المبتدئ خَلْقَهُنّ، وقوله - ﷺ -: «كلُّ مولود يولد على الفطرة»، أي على ما ابتدأ الله خلقه عليه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، والمعنى أن كلَّ أحد لو تُرِك من وقت ولادته، وما يؤديه إليه نظره، لأدّاه إلى الدين الحقّ، وهو التوحيد، ويؤيده قوله تعالى قبلها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وإليه يشير في بقية الحديث، حيث عَقّبه بقوله: «فأبواه يهوِّدانه، وينصِّرانه». والمراد بالفطرة في حديث الباب أن هذه الأشياء إذا فُعِلت اتَّصَفَ فاعلُها بالفطرة التي فَطَر الله العباد عليها، وحَثَّهم عليها، واستحبها لهم؛ ليكونوا على أكمل الصفات، وأشرفها صورة. انتهى. وقد ردّ القاضي البيضاويّ الفطرةَ في حديث الباب إلى مجموع ما وَرَدَ في معناها، وهو الاختراع، والسنة، فقال: هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، وكأنها أَمْرٌ جِبِلِّيّ، فُطِروا عليها. انتهى . وقال العلامة أبو عبد الله القرطبي المفسّر ﵀: واختَلَف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعددة، منها: الإسلام، قاله أبو هريرة، وابن شهاب، وغيرهما، قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف، من أهل التأويل. واحتجوا بالآية، وحديث أبي هريرة - ﵁ -، وعَضَدُوا ذلك بحديث عياض بن حمار المجاشعيّ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال للناس يومًا: «ألا أحدّثكم بما حدّثني الله في كتابه؟ إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء، مسلمين، وأعطاهم المال حلالًا، لا حرام فيه، فجَعَلوا مما أعطاهم الله حلالًا وحرامًا …» الحديث ، وبقوله - ﷺ -: «خمس من الفطرة»، فذكر منها قصّ الشارب، وهو من سنن الإسلام، وعلى هذا التأويل، فيكون معنى الحديث أن الطفل خُلِق سليمًا من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم، حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يُدركوا في الجنة، أولاد مسلمين كانوا، أو أولاد كفار. وقال آخرون: الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها، أي على ما فَطَر الله عليه خلقه، من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ، قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة، والفاطر المبتدئ. واحتجُّوا بما رُوي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: لم أكن أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها، قال المروزيّ: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه. قال أبو عمر في كتاب «التمهيد» له: ما رَسَمَه مالك في «موطئه» وذَكَر في «باب القدر» فيه من الآثار يدلّ على أن مذهبه في ذلك نحوُ هذا، والله أعلم. ومما احتجُّوا به ما رُوِيَ عن كعب القرظيّ في قول الله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صَيَّره إلى الضلالة، وإن عَمِل بأعمال الهدى، ومَن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيَّره إلى الهدى، وإن عَمِل بأعمال الضلالة، ابتَدَأ الله خلق إبليس على الضلالة، وعَمِل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم ردَّه الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه، قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. قال القرطبيّ: وجاء معنى قول كعب هذا مرفوعًا من حديث عائشة - ﵂ - قالت: دُعِي رسول الله - ﷺ - إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عُصفُور من عصافير الجنة، لم يَعمَل السوء، ولم يدركه، قال: «أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب اَبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم»، أخرجه ابن ماجه في «السنن». وخرّج أبو عيسى الترمذيّ، عن عبد الله بن عمرو، قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، وفي يده كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟»، فقلنا: لا، يا رسول الله، إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: «هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا يُنقَص منهم أبدًا»، ثم قال للذي في شماله: «هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا …»، وذَكَر الحديث، وقال فيه: حديث حسن. وقالت فرقة: ليس المراد بقوله تعالى: ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، ولا قوله - ﷺ -: «كلُّ مولود يولد على الفطرة» العموم، وإنما المراد بالناس المؤمنون؛ إذ لو فَطَر الجميع على الإسلام، لَمَا كَفَرَ أحدٌ، وقد ثبت أنه خَلَق أقوامًا للنار، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وأخرج الذرية من صلب آدم سوداء وبيضاء، وقال في الغلام الذي قتله الخضر: «طُبع يومَ طُبع كافرًا». ورَوَى أبو سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: صَلَّى بنا رسول الله - ﷺ - العصر بنهار، وفيه: وكان فيما حَفِظنا أن قال: ألا إن بني آدم خُلقوا طبقات شتّى، فمنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا، ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا، ويموت مؤمنًا، ومنهم حَسَنُ القضاء، حسَنُ الطلب»، أخرجه الترمذيّ . قالوا: والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب، ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٥]، ولم تُدَمِّر السماوات والأرض، وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ٤٤]، ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة. وقال إسحاق بن راهويه الحنظليّ: تَمّ الكلام عند قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، ثم قال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي فَطَر الله الخلق فطرة، إما بجنة أو نار، وإليه أشار النبيّ - ﷺ - في قوله: «كلُّ مولود يولد على الفطرة»، ولهذا قال: لا تبديل لخلق الله. قال شيخنا أبو العباس: من قال: هي سابقة السعادة والشقاوة، فهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ﴾، وأما في الحديث فلا؛ لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تُبَدَّل وتغير. وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خُلِق عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال: «كلُّ مولود يولد على خلقةٍ، يَعْرِف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة»، يريد: خلقةً مخالفةً لخلقة البهائم التي لا تَصِل بخلقتها إلى معرفته. واحتجُّوا على أن الفطرة الخلقةُ، والفاطر الخالق؛ لقول الله ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، يعني خالقهنّ، وبقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، يعني خالقهنّ، وبقوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢]، يعني خلقني، وبقوله: ﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾، يعني خلقهن، قالوا: فالفطرة الخلقة، والفاطر الخالق، وأنكروا أن يكون المولود يُفْطَر على كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار، قالوا: وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقةً، وطبعًا، وبنيةً، ليس معها إيمان ولا كفر، ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا. واحتجُّوا بقوله في الحديث: «كما تُنْتَج البهيمة بهيمةً جمعاء - يعني سالمة - هل تحسون فيها من جدعاء؟»، يعني مقطوعة الأذن، فَمَثَّل قلوب بني آدم بالبهائم؛ لأنها تولد كاملة الخلق، ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعدُ، وأنوفها، فيقال: هذه بَحائر، وهذه سوائب، يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم، ليس لهم كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، كالبهائم السائمة، فلما بَلَغُوا استهوتهم الشياطين، فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلَّهم، قالوا: ولو كان الأطفال قد فُطِروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية أمورهم، ما انتقلوا عنه أبدًا، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون، قالوا: ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرًا أو إيمانًا؛ لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئًا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ الآية [النحل: ٧٨]، فمن لا يعلم شيئًا استحال منه كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار. قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: هذا أصحّ ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها. ومن الحجة أيضًا في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثّر: ٣٨]، ومن لم يبلغ وقت العمل لم يُرْتَهَن بشيء، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولَمّا أجمعوا على دفع القَوَد والقصاص، والحدود، والآثام عنهم في دار الدنيا، كانت الآخرة أولى بذلك، والله تعالى أعلم. ويستحيل أن تكون الفطرة المذكورة الإسلامَ، كما قال ابن شهاب؛ لأن الإسلام والإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل، لا يجهل ذلك ذو عقل. وأما قول الأوزاعيّ: سألت الزهريّ عن رجل عليه رقبة، أيجزي عنه الصبيّ أن يُعْتِقه وهو رضيع؟ قال: نعم؛ لأنه وُلد على الفطرة، يعني الإسلام، فإنما أجزأ عتقه عند من أجازه؛ لأن حكمه حكم أبويه، وخالفهم آخرون، فقالوا: لا يجزي في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى. وليس في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، ولا في أن يَختم الله للعبد بما قضاه له، وقدَّره عليه دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنًا أو كافرًا؛ لِمَا شَهِدت له العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يَعقِل إيمانًا ولا كفرًا. والحديث الذي جاء فيه أن الناس خُلِقوا على طبقات ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها؛ لأنه انفرد به عليّ بن زيد بن جُدْعان، وقد كان شعبة يتكلم فيه، على أنه يَحْتَمِل قوله: «يولد مؤمنًا»، أي يولد ليكون مؤمنًا، ويولد ليكون كافرًا على سابق علم الله فيه، وليس في قوله في الحديث: «خَلَقتُ هؤلاء للجنة، وخلقت هؤلاء للنار» أكثر من مراعاة ما يُختَم به لهم، لا أنهم في حين طفولتهم ممن يَستحقّ جنةً أو نارًا، أو يعقل كفرًا أو إيمانًا. قال القرطبيّ ﵀: وإلى ما اختاره أبو عمر، واحتجّ له ذهب غير واحد من المحققين، منهم ابن عطية في «تفسيره» في معنى الفطرة، وشيخنا أبو العباس . قال ابن عطية: والذي يُعْتَمَد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة، والهيئة التي في نفس الطفل التي هي مُعَدَّةٌ، ومُهَيَّأَةٌ لأن يُمَيّز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدلّ بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فَطَرَ البشر، لكن تَعرِضهم العوارض، ومنه قول النبيّ - ﷺ -: «كلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه»، فذِكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. وقال شيخنا في عبارته: إن الله تعالى خَلَق قلوب بني آدم مُؤَهَّلَةً لقبول الحق، كما خَلَق أعينهم وأسماعهم قابلةً للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحقّ، ودين الإسلام، وهو الدين الحقُّ، وقد دلّ على صحة هذا المعنى قوله: «كما تُنْتَجُ البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء»، يعني أن البهيمة تَلِد ولدها كامل الخلقة، سليمًا من الآفات، فلو تُرِك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملًا بريئًا من العيوب، لكن يُتَصرَّف فيه، فيُجْدَع أذنه، ويوسم وجهه، فتطرأ عليه الآفات، والنقائص، فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقعٌ، وجهه واضح. قال القرطبيّ: وهذا القول مع القول الأول، موافق له في المعنى، وأن ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا، وتأكدت حجة الله عليهم، بما نَصَب من الآيات الظاهرة، من خلق السماوات والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، واختلاف الليل والنهار، فلما عَمِلَت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين، فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية، فذهبت بأهوائهم يمينًا وشمالًا، وأنهم إن ماتوا صغارًا فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال؛ لأن الله تعالى لَمّا أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذّرّ أقروا له بالربوبية، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية، وأنه الله لا إله غيره، ثم يُكْتَب العبد في بطن أمه شقيًّا أو سعيدًا على الكتاب الأول، فمن كان في الكتاب الأول شقيًّا، عُمّر حتى يجري عليه القلم، فينقض الميثاق الذي أُخِذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأول سعيدًا عُمِّر حتى يجري عليه القلم، فيصير سعيدًا، ومن مات صغيرًا من أولاد المسلمين قَبْلَ أن يجري عليه القلم، فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان من أولاد المشركين، فمات قبل أن يجري عليه القلم، فليس يكونون مع آبائهم؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأول، الذي أُخِذ عليهم في صلب آدم، ولم ينقضوا الميثاق. وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يجمع بين الأحاديث، ويكون معنى قوله - ﷺ - لَمّا سئل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يعني لو بلغوا، ودَلّ على هذا التأويل أيضًا حديث البخاريّ عن سمرة بن جندب - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - الحديث الطويل حديث الرؤيا، وفيه قوله - ﷺ -: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله، فكل مولود يولد على الفطرة»، قال: فقيل يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «وأولاد المشركين»، وهذا نَصّ، يرفع الخلاف، وهو أصحّ شيء رُوي في هذا الباب، وغيرُهُ من الأحاديث فيها عِلَلٌ، وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء، قاله أبو عمر بن عبد البر ﵀. وقد رُوِي من حديث أنس - ﵁ - قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن أولاد المشركين، فقال: «لم تكن لهم حسنات، فيُجْزَوا بها فيكونوا من ملوك الجنة، ولم تكن لهم سيئات، فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار، فهم خَدَم لأهل الجنة»، ذكره يحيى بن سلام في «التفسير» له. انتهى كلام القرطبيّ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس - ﵁ - الذي فيه أن أولاد المشركين خَدَم أهل الجنّة قال الحافظ في «الفتح»: حديث ضعيف، أخرجه أبو داود الطيالسيّ، وأبو يعلى، قال: وللطبرانيّ، والبزّار من حديث سمُرة - ﵁ - مرفوعًا: «أولاد المشركين خَدَمُ أهل الجنّة»، وإسناده ضعيف. انتهى . وهذا الذي قاله في «الفتح» من تضعيف هذا الحديث هو الذي يظهر لي، وأما محاولة الشيخ الألبانيّ ﵀ في «السلسلة الصحيحة» في تصحيحه بمجموع طرقه، فعندي فيه نظر، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. قال الجامع: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن القول بكون أولاد المشركين في الجنّة هو المذهب الصحيح المختار الذي عليه المحقّقون - كما قال النوويّ ﵀ -. وقد ذكروا في هذه المسألة نحو عشرة أقوال، وليس هذا محلّ استيفائها، وإنما ذكرت هذا القدر بسبب تمْسير الفطرة الواردة في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، وسأستوفي هذا البحث في «كتاب القدر» حيث يذكر المصنّف ﵀ حديث: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في الكلام على قوله - ﷺ -: «الفطرة خمس»، أو «خمس من الفطرة»: كذا وقع عند الشيخين، وأبي داود، والنسائيّ بالشك، من طريق سفيان بن عيينة، ووقع في رواية أحمد: «خمس من الفطرة»، ولم يشكّ، وكذا في رواية معمر، عن الزهري عند الترمذيّ، والنسائيّ، ووقع في رواية يونس بن يزيد التالية بلفظ: «الفطرة خمس»، وهي محمولة على الأولى. قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قوله في هذه الرواية: «الفطرة خمس»، وقد ورد في رواية أخرى: «خمسٌ من الفطرة»، وبين اللفظين تفاوتٌ ظاهرٌ، فإن الأول ظاهره الحصر، كما يقال: العالم في البلد زيدٌ، إلا أن الحصر في مثل هذا تارةً يكون حقيقيًّا، وتارة يكون مجازيًّا، والحقيقيّ مثاله ما ذكرناه من قولنا: «العالم في البلد زيد» إذا لم يكن فيها غيره، ومن المجاز: «الدين النصيحة»، كأنه بولغ في النصيحة إلى أن جُعل الدين إياها، وإن كان في الدين خصالٌ أخرى غيرها. قال الجامع عفا الله عنه: تمثيله للمجازيّ بحديث «الدين النصيحة» فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه لا يخرج منه شيء من أمور الدين، حيث استوعب جميع شعبه فيه بقوله: «لله، ولكتا به، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامّتهم»، فأي شيء من أمور الدين خرج عن هذا؟، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: وإذا ثبت في الرواية الأخرى عدم الحصر - أعني قوله - ﷺ -: «خمس من الفطرة» - وجب صرف هذه الرواية عن ظاهرها المقتضي للحصر، وقد ورد في بعض الروايات الصحيحة أيضًا - يعني رواية مسلم الآتية -: «عشر من الفطرة»، وذلك أصرح في عدم الحصر، وأنصّ على ذلك. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ . وذكر ابن العربي أن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلةً، قال الحافظ: فإن أراد خصوص ما ورد بلفظ الفطرة، فليس كذلك، وإن أراد أعمّ من ذلك، فلا تنحصر في الثلاثين، بل تزيد كثيرًا، وأقلّ ما ورد في خصال الفطرة حديث ابن عمر - ﵁ -: «من الفطرة حلقُ العانة، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب»، رواه البخاريّ. وأخرج الإسماعيليّ في رواية له بلفظ: «ثلاثٌ من الفطرة»، وأخرجه في رواية أخرى، بلفظ: «من الفطرة»، فذكر الثلاث، وزاد الختان. ويأتي للمصنّف حديثُ عائشة - ﵂ - بلفظ: «عشرٌ من الفطرة …»، فذكر الخمسة التي في حديث أبي هريرة، إلا الختان، وزاد إعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وغسل البراجم، والاستنجاء، أخرجه من رواية مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عنها، لكن قال في آخره: إن الراوي نسي العاشرة، إلا أن تكون المضمضة. وقد أخرجه أبو عوانة في «مستخرجه» بلفظ: «عشرةٌ من السنة»، وذكر الاستنثار بدل الاستنشاق. وأخرج النسائي من طريق سليمان التيميّ، قال: سمعت طلق بن حبيب يذكر «عشرة من الفطرة»، فذكر مثله، إلا أنه قال: «وشككت في المضمضة»، وأخرجه أيضًا من طريق أبي بشر، عن طلق، قال: «من السنة عشر»، فذكر مثله، إلا أنه ذكر الختان بدل غسل البراجم. ورجّح النسائي الرواية المقطوعة على الموصولة المرفوعة، قال الحافظ: والذي يظهر لي أنها ليست بعلة قادحة، فإن راويها مصعب بن شيبة وثقه ابن معين، والعجليّ، وغيرهما، وليّنه أحمد، وأبو حاتم، وغيرهما، فحديثه حسنٌ، وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغٌ، وقول سليمان التيميّ: سمعت طلق بن حبيب يذكر عشرًا من الفطرة، يحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها من قبل نفسه على ظاهر ما فهمه النسائيّ، ويحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرُها وسندَها، فحذف سليمان السند. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ في ترجيح الرواية الموصولة المرفوعة حسن، والله تعالى أعلم. وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث عمار بن ياسر مرفوعًا، نحو حديث عائشة، قال: «من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وغسل البراجم، والانتضاح»، وذكر الخمس التي في حديث أبي هريرة، ساقه ابن ماجه، وأما أبو داود، فأحال به على حديث عائشة، ثم قال: ورُوي نحوه عن ابن عباس، وقال: «خمس في الرأس»، وذكر منها الفَرْقَ، ولم يذكر إعفاء اللحية. قال الحافظ: كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره»، والطبريّ من طريقه بسند صحيح، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٢٤]، قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فذكر مثل حديث عائشة، كما في الرواية التي تقدمت عن أبي عوانة، سواءً، ولم يشكّ في المضمضة، وذكر أيضًا الفرق، بدل إعفاء اللحية. وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس، فذَكَر غسل الجمعة، بدل الاستنجاء، فصار مجموع الخصال التي وردت في هذه الأحاديث خمس عشرة خصلةً، اقتصر أبو شامة في «كتاب السواك، وما أشبه ذلك» منها على اثني عشر، وزاد النووي واحدة في «شرح مسلم»، ذكره في «الفتح» . [تنبيه]: أخرج الإمام الترمذيّ ﵀ من حديث أبي أيوب - ﵁ -، رفعه: «أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطير، والسواك، والنكاح»، حديث ضعيف . واختُلِف في ضبط «الحياء»، فقيل: بفتح المهملة، والتحتانية الخفيفة، وقد ثبت في «الصحيحين» أن الحياء من الإيمان، وقيل: هي بكسر المهملة، وتشديد النون، فعلى الأول خصلة معنوية، تتعلق بتحسين الْخُلُق، وعلى الثاني هي خصلة حِسّية، تتعلق بتحسين البدن. وأخرج البزار، والبغويّ، في «معجم الصحابة»، والحكيم الترمذيّ في «نوادر الأصول» من طريق فُليح بن عبد الله الخطميّ، عن أبيه، عن جدّه، رفعه: «خمس من سنن المرسلين …»، فذكر الأربعة المذكورة إلا النكاح، وزاد الحلم، والحجامة، والحلم بكسر المهملة، وسكون اللام، وهو أيضًا حديث ضعيف ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الختان: قال الحافظ العراقيّ ﵀: اختَلَف العلماء، هل هو واجبٌ؟ فذهب أكثر العلماء إلى أنه سنّة، وليس بواجب، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعيّ. وذهب الشافعيّ إلى وجوبه، وهو مقتضى قول سحنون من المالكيّة. وذهب بعض أصحاب الشافعيّ إلى أنه واجب في حقّ الرجال، سنّة في حقّ النساء. واحتجّ من قال: إنه سنّة بحديث أبي المليح بن أُسامة، عن أبيه - ﵁ -، أن النبيّ - ﷺ - قال: «الختان سنّة للرجال، مكرمة للنساء»، رواه أحمد في «مسنده»، والبيهقيّ، ورواه البيهقيّ من رواية أبي أيوب، وابن عبّاس، قال ابن عبد البرّ: إنه يدور على الحجاج بن أرطاة، وليس ممن يُحتجّ به. وأشار العراقيّ إلى تعقّبه، فقال: قد رواه الطبرانيّ في «مسند الشاميين» من غير طريق الحجاج، من رواية سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التعقّب فيه نظرٌ؛ لأن هذا الطريق أيضًا ضعيف، لأن سعيد بن بشير الأزديّ الشاميّ، ضعيفٌ . قال العلامة ابن الْمُلقّن في «البدر المنير»: هذا الحديث ضعيف بمرّة، وهو مرويّ من طرق: [أحدها]: من حديث أبي المليح بن أسامة، عن أبيه، رفعه: «الختان سنّة للرجال، مَكْرَمة للنساء»، رواه أحمد في «مسنده» ، والبيهقيّ في «سننه» من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي المليح، به، وضعْفه لائحٌ بسبب الحجاج هذا، قال البيهقيّ في «سننه»: لا يُحتجّ به، وقال ابن الجوزيّ في «تحقيقه»: ضعيف. [ثانيها]: من حديث أبي أيوب، مرفوعًا، به، رواه البيهقيّ في «سننه» من حديث الحجاج، عن مكحول، عن أبي أيوب، به، وهو ضعيفٌ منقطع، كما قاله البيهقيّ، وقال ابن أبي حاتم في «علله» : سألت أبي عنه، فقال: الذي أتوهّم أنه خطأ، إنما أراد حديث حجاج ما قد رواه مكحول، عن أبي الشمال، عن أبي أيوب، مرفوعًا: «خمس من سنن المرسلين: التعطّر، والحنّاء، والسواك …» الحديث، فترك أبا الشمال، فلا أدري هذا من الحجاج، أو من عبد الواحد بن زياد الراوي عنه؟، قال: وقد رواه النعمان بن المنذر، عن مكحول مرسلًا. [ثالثها]: من حديث ابن عباس، مرفوعًا، به، رواه الطبرانيّ في أكبر معاجمه والبيهقيّ في «سننه» من حديث الوليد بن الوليد، عن ابن ثوبان، عن محمد بن عجلان، عن عكرمة، عنه، به، قال البيهقيّ: هذا إسناد ضعيف، والمحفوظ أنه موقوف عليه، وكذا قال ابن الرفعة: لا يصحّ، وقال في «المعرفة» : إنه لا يثبتُ رفعه. [رابعها]: من حديث شدّاد بن أوس، مرفوعًا، به، رواه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم في «علله» ، والطبرانيّ في «الكبير» من حديث حجاج بن أرطاة، عن أبي المليح، عن أبيه، عن شدّاد، به. قال ابن عبد البرّ في «تمهيده» بعد أن رواه: هذا الحديث يدور على حجاج بن أرطاة، وليس ممن يُحتجّ به، وقال ابن القطّان في كتاب «أحكام النظر»: هذا حديث منقطع الإسناد. انتهى كلام ابن الملقّن ﵀ . قال العراقيّ ﵀: وأجاب من أوجبه بأنه ليس المراد بالسنّة خلاف الواجب، بل المراد به الطريقة. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن الحديث لا يصلح للاحتجاج به؛ لضعفه، فلا حاجة إلى تأويله، فتنبّه، والله تعالى أعلم. واحتجّوا على وجوبه بقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية [النحل: ١٢٣]، وثبت في «الصحيح» من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اختتن إبراهيم النبيّ - ﷺ -، وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم» . واستَدَلَّ ابنُ سُريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العورة، فلولا أن الختان فرضٌ لَمَا أُبيح النظر إليها من المختون. ووقع عند أبي الشيخ من طريق أخرى أن إبراهيم؛ لَمّا اختتن كان ابن مائة وعشرين سنة، وأنه عاش بعد ذلك إلى أن أكمل مائتي سنة، والأشهر أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة، وعاش بعدها أربعين سنة، ذكره في «الفتح» ١٠/ ٣٥٥. ونقضه ابن عبد البرّ بجواز نظر الطبيب، وليس الطبّ واجبًا إجماعًا. واحتجّ القفّال لوجوبه بأن بقاء الْقُلْفَة تَحبس النجاسة، وتَمنع صحّة الصلاة، فتجب إزالتها، وشبّهه بالنجاسة في باطن الفم. وقاسه بعض الشافعيّة على وجوب القطع في السرقة، فقال: هو قطع جزء من البدن، لا يستخلف؛ تعبّدًا، فوجب كالقطع في السرقة، واحترز بعدم الاستخلاف عن الشعر، والظفر، وبالتعبّد عن القطع للآكلة، فإنه لا يجب. انتهى كلام الحافظ العراقيّ ﵀ . وقال في «الفتح»: وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخصال الخمس المذكورة في الباب: الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وقال به من القدماء عطاءٌ، حتى قال: لو أسلم الكبير لم يَتِمّ إسلامه حتى يَختتن، وعن أحمد، وبعض المالكيّة: يجب، وعن أبي حنيفة: واجبٌ، وليس بفرض، وعنه سنّة يأثم بتركه، وفي وجه للشافعيّة: لا يجب في حقّ النساء، وهو الذي أورده صاحب «المغني» عن أحمد. وذهب أكثر العلماء، وبعض الشافعيّة إلى أنه ليس بواجب. ومن حجتهم حديث شدّاد بن أوس - ﵁ - رفعه: «الختان سنّة للرجال، مكرمة للنساء»، وهذا لا حجة فيه؛ لما تقرّر أن لفظ السنّة إذا ورد في الحديث لا يُراد به التي تقابل الواجب، لكن لَمّا وقعت التفرقة بين الرجال والنساء في ذلك دلّ على أن المراد افتراق الحكم. وتُعُقّب بأنه لم ينحصر في الوجوب، فقد يكون في حقّ النساء للإباحة، على أن الحديث لا يَثبتُ؛ لأنه من رواية حجاج بن أرطاة، ولا يُحتجّ به، أخرجه أحمد، والبيهقيّ، لكن له شاهد، أخرجه الطبرانيّ في «مسند الشاميين» من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس، وسعيد مختلف فيه، وأخرجه أبو الشيخ، والبيهقيّ من وجه آخر عن ابن عبّاس، وأخرجه البيهقيّ أيضًا من حديث أبي أيوب. قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن هذه الروايات كلّها ضعاف، لا تصلح للاحتجاج بها، فلا تغفل، والله تعالى أعلم. واحتجّوا أيضًا بأن الخصال المنتظمة مع الختان ليست بواجبة، إلا عند بعض من شذّ، فلا يكون الختان واجبًا. وأجيب بأنه لا مانع أن يراد بالفطرة، وبالسنّة في الحديث القدرُ المشترك الذي يَجمع الوجوب والندب، والطلب المؤكّد، فلا يدلّ ذلك على عدم الوجوب، ولا ثبوته، فيُطلب الدليل من غيره. وأيضًا فلا مانع من جمع مختلفي الحكم بلفظ واحد كما في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فإيتاء الحقّ واجبٌ، والأكل مباح. هكذا تمسّك به جماعة، وتعقّبه الفاكهانيّ في «شرح العمدة»، فقال: الفرق بين الآية والحديث أن الحديث تضمّن لفظة واحدة، استُعمِلت في الجميع، فتعيّن أن يُحمَل على أحد الأمرين: الوجوب، أو الندب، بخلاف الآية، فإن صيغة الأمر تكرّرت فيها، والظاهر الوجوب، فصُرِف في أحد الأمرين بدليلٍ، وفي الآخر على الأصل. وهذا التعقّب إنما يتمّ على طريقة من يمنع استعمال اللفظ الواحد في معنيين، وأما من يُجيزه كالشافعيّة، فلا يَرِد عليهم. ثم ذكر أدلّة من أوجب الاختتان، وهي التي تقدّمت في كلام العراقيّ. ثم قال بعد أن ناقش الاستدلال على الوجوب بفعل إبراهيم ﵇ ما حاصله: إن الاستدلال بذلك متوقّف على أنه كان في حقّ إبراهيم ﵇ واجبًا، فإن ثبت ذلك استقام الاستدلال به، وإلا فالنظر باقٍ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ - كما قال العلامة الشوكانيّ ﵀ - أنه لم يقم دليلٌ صحيحٌ يدلّ على وجوب الختان، والمتيقّن الندب، كما في حديث: «خمسٌ من الفطرة»، ونحوه، والواجب الوقوف على المتيقّن إلى أن يقوم ما يوجب الانتقال منه. والحاصل أن الأرجح هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من أن الختان مستحبّ، لا واجبٌ؛ لعدم دليل الوجوب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: في كيفية الختان: قال الماورديّ ﵀: ختان الذكر: قطعُ الجلدة التي تُغطّي الحشفة، والمستحبّ أن تُستَوعَب من أصلها عند أول الحشفة، وأقلُّ ما يُجزئ أن لا يبقى منها ما يُغشَى به شيء من الْحَشَفة. وقال إمام الحرمين: المستحبّ في الرجال قطع الْقُلْفَة ، وهي الجلدة التي تُغطّي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء مُتَدَلٍّ، وقال ابن الصبّاغ: حتى تنكشف جميع الحشفة، وقال ابن كجّ فيما نقله الرافعيّ: يتأدّى الواجب بقطع شيء مما فوق الحشفة، وإن قل، بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها، قال النوويّ: وهو شاذّ، والأول هو المعتمد. قال الإمام: والمستحقّ من ختان المرأة ما يُطلق عليه الاسم، قال الماورديّ: ختانها قطع جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مدخل الذكر، كالنواة، أو كَعُرْف الديك، والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دون استئصاله. وقد أخرج أبو داود في «سننه» من حديث أم عطيّة - ﵂ -: أن امرأةً كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبيّ - ﷺ -: «لا تُنهكي، فإن ذلك أحظى للمرأة»، وقال: إنه ليس بقويّ. قال الحافظ: وله شاهد من حديث أنس، ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في «كتاب العقيقة»، وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقيّ. وقد استحبّ العلماء من الشافعيّة فيمن يولد مختونًا أن يُمرّ الموسَى على موضع الختان من غير قطع، قال أبو شامة: وغالب من يولد كذلك لا يكون ختانه تامًّا، بل يظهر طرف الحشفة، فإن كان كذلك وجب تكميله. وأفاد الشيخ أبو عبد الله ابن الحاجّ في كتابه «المدخل» أنه اختُلف في النساء، هل يُخفضن عمومًا، أو يفرّق بين نساء المشرق، فيُخفضن، ونساء المغرب، فلا يُخفضن؛ لعدم الفضلة المشروع قطعها منهنّ، بخلاف نساء المشرق؟ قال: فمن قال: إن من وُلد مختونًا استُحبّ إمرار الموسى على الموضع؟ امتثالًا، قال في حقّ النساء كذلك، ومن لا فلا، ذكره في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في بيان الخلاف في الوقت الذي يُشرَع فيه الختان: نقل ابن المنذر عن الحسن ومالك كراهة الختان يوم السابع؛ لأنه فعل اليهود ، وقال مالك: يَحسُن إذا أثغر: أي ألقى ثَغْره، وهو مقدّم أسنانه، وذلك يكون في سبع سنين وما حولها، وعن الليث: يُستحبّ ما بين سبع سنين إلى عشر سنين، وعن أحمد: لم أسمع فيه شيئًا. وأخرج الطبرانيّ في «الأوسط» عن ابن عبّاس - ﵄ - قال: «سبع من السنّة في الصبيّ: يُسمَّى في السابع، ويُختن …» الحديث، وهو ضعيفٌ. وأخرج أبو الشيخ من طريق الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن ابن المنكدر، أو غيره، عن جابر - ﵁ -: «أن النبيّ - ﷺ - ختن حسنًا وحُسينًا لسبعة أيام»، قال الوليد: فسألت مالكًا عنه، فقال: لا أدري، ولكن الختان طهرةٌ، فكلّما قدّمها كان أحبّ إليّ. وأخرج البيهقيّ من طريق موسى بن عليّ، عن أبيه، أن إبراهيم؛ خَتَنَ إسحاق، وهو ابن سبعة أيام، ذكر ذلك كله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح ما تقدّم عن مالك ﵀، حيث قال: الختان طهرة، فكلما قُدّم كان أحبّ، فالأحسن تقديمه قبل سنّ البلوغ، وكلما تقدّم كان أفضل، ولا يتقيّد ذلك بوقت مخصوص؛ لعدم صحّة الدليل على ذلك، والآثار المذكورة كلها ضعيفة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستحداد، وهو حلق العانة: قال النوويّ ﵀: المراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل، وحواليه، وكذا الشعر الذي حوالي فرج المرأة، ونُقل عن أبي العبّاس بن سُريج أنه الشعر النابت حول حَلَق الدبر، فتحصّل من مجموع هذا استحبابُ حلق جميع ما على القبل والدبر، وحولهما، قال: وذكر الحلق لكونه هو الأغلب، وإلا فيجوز الإزالة بالنورة، والنتف، وغيرهما. وقال أبو شامة: العانة الشعر النابت على الرَّكَب - بفتح الراء، والكاف - وهو ما انحدر من البطن، فكان تحت الثنيّة، وفوق الفرج، وقيل: لكلّ فخذ رَكَبٌ، وقيل: ظاهر الفرج، وقيل: الفرج بنفسه، سواء كان من رجل أو امرأة، قال: ويُستحبّ إماطة الشعر عن القبل والدبر، بل من الدبر أولى؛ خوفًا من أن يعلق شيء من الغائط، فلا يُزيله المستنجي إلا بالماء، ولا يتمكّن من إزالته بالاستجمار، قال: ويقوم التّنَوُّر مكان الحلق، وكذا النتف، والقصّ. وسئل أحمد عن أخذ العانة بالمقراض؟ فقال: أرجو أن يُجزئ، قيل: فالنتف؟ قال: وهل يقوى على هذا أحدٌ؟. وقال ابن دقيق العيد: قال أهل اللغة: العانة الشعر النابت على الفرج، وقيل: هو منبت الشعر، قال: وهو المراد في الخبر. وقال أبو بكر بن العربيّ: شعر العانة أولى الشعور بالإزالة؛ لأنه يتكثّف، ويتلبّد فيه الوسخ، بخلاف شعر الإبط، قال: وأما حلق ما حول الدبر فلا يُشرَع، وكذا قال الفاكهيّ في «شرح العمدة»: إنه لا يجوز، كذا قال، ولم يذكر للمنع مستندًا، والذي استند إليه أبو شامة قويّ، بل ربّما تُصُوِّر الوجوب في حقّ من تعيّن ذلك عليه، كمن لم يجد من الماء إلا القليل، وأمكنه أن لو حَلَقَ الشعر أن لا يعلق به شيء من الغائط يحتاج معه إلى غسله، وليس معه ماء زائد على قدر الاستنجاء. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر المسألة في «الفتح»، وفيه نظر لا يخفى؛ إذ لا دليل على مشروعية حلق شعر الدبر، فضلًا عن وجوبه، وأما ما ذكره في حقّ من لم يجد الماء، فليس كذلك؛ فإن الشارع شرع الاستنجاء بالأحجار مطلقًا، سواء كان على دبره شعر أو لا، ولم يأمر أحدًا بالغسل بالماء زيادة على الأحجار إذا كان له شعر، ولقد أجاد الشوكانيّ ﵀، حيث قال بعد نقل ما تقدّم ما نصّه: وأقول: الاستحداد إن كان في اللغة حلق العانة كما ذكره النوويّ، فلا دليل على سنّيّة حلق الشعر النابت حول الدبر، وإن كان الاحتلاق بالحديد كما في «القاموس»، فلا شكّ أنه أعمّ من حلق العانة، ولكنّه وقع في «صحيح مسلم» وغيره بدل الاستحداد في حديث: «عشرٌ من الفطرة» «حلق العانة»، فيكون مبيّنًا لإطلاق الاستحداد في حديث: «خمس من الفطرة»، فلا يتمّ دعوى سنّيّة حلق شعر الدبر، أو استحبابه إلا بدليل، ولم نقف على حلق شعر الدبر من فعله - ﷺ -، ولا من فعل أحد من أصحابه - ﵃ -. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في كيفيّة إزالة شعر العانة: قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: الأولى في إزالة الشعر هنا الحلق؛ اتّباعًا، ويجوز النتف بخلاف الإبط، فإنه بالعكس؛ لأنه تحتبس تحته الأبخرة بخلاف العانة، والشعر من الإبط يَضْعُفُ بالنتف، ويقوى بالحلق، فجاء الحكم في كلّ من الموضعين بالمناسب. وقال النوويّ ﵀: السنّة في إزالة شعر العانة الحلقُ بالموسَى في حقّ الرجل والمرأة معًا، وقد ثبت الحديث في «الصحيحين» حديثُ جابر - ﵁ - في النهي عن طَرْق النساء ليلًا حتى تمتشط الشَّعِثَة، وتَستَحِدَّ الْمُغِيبة، لكن يتأدّى أصل السنّة بالإزالة بكلّ مزيل. وقال أيضًا: والأولى في حقّ الرجل الحلق، وفي حقّ المرأة النتف، واستُشكِل بأن فيه ضررًا على المرأة بالألم، وعلى الزوج باسترخاء المحلّ، فإن النتف يُرخي المحلّ باتّفاق الأطبّاء، ومن ثَمَّ قال ابن دقيق العيد: إن بعضهم مال إلى ترجيح الحلق في حقّ المرأة؛ لأن النتف يُرخي المحلّ، لكن قال ابن العربيّ: إن كانت شابّةً فالنتف في حقّها أولى؛ لأنه يربو مكان النتف، وإن كانت كهلة فالأولى في حقّها الحلق؛ لأن النتف يُرخي المحلّ، ولو قيل: الأولى في حقّها التنور مطلقًا لما كان بعيدًا. وحكى النوويّ في وجوب الإزالة عليها إذا طلب ذلك الزوج منها وجهين، أصحّهما الوجوب ذكره في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ في التفريق بين الرجل والمرأة، وكذا ما قاله ابن العربيّ في الشابّة والكهلة، كلُّ ذلك مما لا دليل عليه، فالحقّ أن الرجل والمرأة مطلقًا في ذلك سواء، فالسنّة في حقّ الكلّ الحلق، كما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة، لكن من شقّ عليه ذلك، فله الإزالة بغيره؛ دفعًا للمشقّة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): قال في «الفتح»: يفترق الحكم في نتف الإبط وحلق العانة بأن نتف الإبط وحلقه يجوز أن يتعاطاه الأجنبي، بخلاف حلق العانة، فيحرم إلا في حقّ من يباح له المسّ والنظر، كالزوج والزوجة. ونقل العراقيّ عن النوويّ أنه سوّى بين الإبط والعانة في أنه يتوئى ذلك بنفسه، ولا يتخيّر بين ذلك، وبين مباشرة غيره؛ لما فيه من هتك المروءة والحرمة، بخلاف قصّ الشارب . قال العراقيّ: وهو مسلّم فيما إذا أتى بالأفضل من النتف في الإبط، وأما إذا أتى بالحلق فلا بأس بمباشرة غيره له؛ لعسر تمكنه، كما نُقل عن الشافعيّ ﵀ أن المزيّن حلق له. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: المنع لا دليل عليه، وما ذُكر من هتك المروءة غير صحيح، يردّه ما نُقل عن الشافعيّ ﵀، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وأما التنَوُّر، فسئل عنه أحمد ﵀ فأجازه، وذكر أنه يفعله، وفيه حديث أم سلمة - ﵂ -، أخرجه ابن ماجه، والبيهقيّ، ورجاله ثقات، ولكنه أعلّه بالإرسال، وأنكر أحمد صحّته، ولفظه: «أن النبيّ - ﷺ - اطّلى، ووَليَ عانته بيده»، وفي لفظ: «كان إذا اطَّلَى بدأ بعورته، فطلاها بالنُّورة، وسائرَ جسده أهلُهُ» . ومقابله حديث أنس - ﵁ -: «أن النبيّ - ﷺ - كان لا يتنوّر، وكان إذا كثُر شعره حلقه»، ولكن سنده ضعيف جدًّا، قاله في «الفتح» . [تنبيه]: قال الحافظ العراقيّ ﵀: الحكمة في اختصاص الإبط بالنتف، والعانة بالحلق على وجه الأفضليّة أن الإبط محلّ الرائحة الكريهة، والنتفُ يُضعف الشعر، فتخفّ الرائحة الكريهة، والحلق يكثّف الشعر، فتكثر فيه الرائحة الكريهة. انتهى . [تنبيه آخر]: قال الحافظ العراقيّ ﵀ أيضًا: [فإن قيل]: قد قدّمتم الاتّفاق على أن حلق العانة، وتقليم الأظفار سنّة، وليست بواجبة، فما وجه قوله - ﷺ - فيما رواه أحمد في «مسنده» من حديث رجل من بني غفار: «من لم يَحلق عانته، ويقلّم أظفاره، ويَجُزّ شاربه، فليس منّا»، وهذا يدلّ على وجوب هذه الأشياء؟. [أُجيب عنه]: بوجهين: [أحدهما]: أن هذا لا يثبُت؛ لأن في سنده ابن لَهِيعة، والكلام فيه معروفٌ، وإنما يثبُت منه الأخذ من الشارب فقط، كما رواه الترمذيّ، وصحّحه ، والنسائيّ من حديث زيد بن أرقم، قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «من لم يأخذ من شاربه، فليس منّا». [والثاني]: أن المراد على تقدير ثبوته ليس على سنّتنا، وطريقتنا، كقوله - ﷺ -: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن»، فهذا هو المراد قطعًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أما الحديث الأول، فهو ضعيف، لا يحتاج إلى التأويل، وأما الحديث الثاني فهو صحيح، كما مرّ آنفًا، وهذا التأويل لا ينافي الوجوب، فالقول بوجوب إحفاء الشوارب، كما هو مذهب ابن حزم، وبعض طائفة هو الظاهر؛ لظاهر الأمر؛ إذ لا صارف له، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في الكلام على تقليم الأظفار: (اعلم): أن الحديث دلّ على العناية بإزالة ما طال من الظفر؛ لئلا يمنع من تكميل الطهارة، وتحسينًا للهيئة؛ لأنه إذا طال ظفره يكون مشوّه الْخَلْق، مشابهًا للحيوانات، وقد خَلَق الله ﷿ الإنسان في أحسن صورة، وأجمل تركيب، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]، فينبغي المحافظة على هذه الصورة التي أحسن الله تعالى خلقها بإزالة ما أمر الشارع بإزالته، وإبقاء ما أمر الله بإبقائه. ولقد استحوذ الشيطان على بعض الناس، فزيّن لهم مخالفة أمر الله تعالى، فيُطيلون أظفارهم، ويَحلقون لحاهم، ويوفّرون شواربهم، وهذا هو طاعة الشيطان، ومخالفة هدي النبيّ - ﷺ -، ومشابهة لأعداء الإسلام. نسأل الله ﷿ أن يهدينا الصراط المستقيم، ويأخذ بأيدينا، وأيدي إخواننا، ويردّنا إليه ردًّا جميلًا؛ بمنّه وكرمه آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية عشرة): في كيفيّة قصّ الأصابع: قال في «الفتح»: لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القصّ شيء من الأحاديث، لكن جزم النوويّ في «شرح مسلم» بأنه يُستحبّ البداءة بمسبّحة اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام، وفي اليُسرى البداءة بخنصرها إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ولم يذكر للاستحباب مُستندًا، وقال في «شرح المهذّب» بعد أن نَقَل عن الغزاليّ، وأن المازريّ اشتدّ إنكاره عليه فيه: لا بأس بما قاله الغزاليّ إلا في تأخير إبهام اليمنى، فالأولى تقديم اليمنى بكمالها على اليسرى، قال: وأما الحديث الذي ذكره الغزاليّ، فلا أصل له. وقال ابن دقيق العيد ﵀: يَحتاج من ادّعى استحباب تقديم اليد على الرجل في القصّ إلى دليل، فإن الإطلاق يأبى ذلك. قال الحافظ: يمكن أن يؤخذ بالقياس على الوضوء، والجامع التنظيف، وتوجيه البداء باليمنى؛ لحديث عائشة - ﵂ -: «كان يُعجبه التيمّن في طهوره وترجّله، وفي شأنه كلّه»، والبداءة بالمسبّحة منها، لكونها أشرف الأصابع، لأنها آلة التشهّد، وأما إتباعها بالوسطى، فلأن غالب من يُقلّم أظفاره يقلمها من قِبَل ظهر الكفّ، فتكون الوسطى جهةً يمينه، فيستمرّ إلى أن يَختِم بالخنصر، ثم يكمّل اليد بقصّ الإبهام، وأما في اليسرى، فإذا بدأ بالخنصر لزم أن يستمرّ على جهة اليمين إلى الإبهام … إلى آخر ما قاله الحافظ في «الفتح» . قال: وقد أنكر ابن دقيق العيد الهيئة التي ذكرها الغزاليّ، ومن تبعه، وقال: كلُّ ذلك لا أصل له، وإحداث استحباب لا دليل عليه، وهو قبيح عندي بالعالم، ولو تخيّل متخيّل أن البداءة بمسبّحة اليمنى من أجل شرفها، فبقيّة الهيئة لا يُتخيّل فيه ذلك. نعم، البداءة بيمنى اليدين، ويمنى الرجلين له أصل، وهو «كان يُعجبه التيامن». قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن دقيق العيد ﵀ هو التحقيق الذي لا يقتضي الدليل سواه؛ لأن الشارع لَمَّا أمر بتقليم الأظفار أطلق فيه، فتقييد إطلاقه بما لا يقتضيه نصّ آخر مما لا ينبغي؛ لأن للشارع في إطلاق الأمر أحيانًا حكمةً كما له في تقييدها في بعض الأحيان حكمةً، فالإنسان مخيّر في فعل ما يسهل عليه، إلا أن اليمين له شرفٌ، كما دلّ عليه حديث عائشة - ﵂ - وغيره، فبداءته بيُمنى اليدين والرجلين مستحبّ، وما عدا ذلك من الكيفيّات التي ذكرها الغزاليّ، وتبعه النوويّ، والعراقيّ، وأيّده صاحب «الفتح»، فمما لا ينبغي الالتفات إليه، حيث لا مستند لهم في ذلك من النصوص. وكذلك ما ذكره الدمياطيّ أنه تلقَّى عن بعض المشايخ أن من قصّ أظفاره مخالفًا لم يُصبه رَمَدٌ، وأنه جرّب ذلك مدّةً طويلةً، وأن أحمد نصّ على استحباب قصّها مخالفًا، كما نقل. ذلك كله في «الفتح»، فمما لا يُلتفت إليه أيضًا؛ لأنه لا أثارة عليه من النصوص، فالتجربة لا تكون مستندًا لتشريع الأحكام، بل العمدة في ذلك كلّه هو النقل عمن لا يَنطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]، نسأل الله تعالى أن يسلك بنا مسلك الاتّباع، ويُجنّبنا الابتداع، إنه وليّ ذلك آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيهات]: (الأول): قال في «الفتح»: لم يثبت في استحباب قصّ الظفر يوم الخميس حديث، وقد أخرجه المستغفريّ بسند مجهول، ورويناه في «مسلسلات التيميّ» من طريقه، قال: وأقرب ما وقفت عليه في ذلك ما أخرجه البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يستحبّ أن يأخذ من أظفاره، وشاربه يوم الجمعة»، وله شاهد موصول عن أبي هريرة - ﵁ -، لكن سنده ضعيف، أخرجه البيهقيّ أيضًا في «الشعب». وسئل أحمد عنه، فقال: يُسنّ في يوم الجمعة قبل الزوال، وعنه يوم الخميس، وعنه يتخيّر، وهذا هو المعتمد، فيستحبّ كيفما احتاج إليه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اعتمده في «الفتح» من أن المستحبّ كونه مخيّرًا في ذلك هو الحقّ، فله أن يأخذ من أظفاره، وشاربه إذا احتاج إلى ذلك؛ لعدم صحّة الدليل على تعيين وقت لذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (التنبيه الثاني): أنه استَحَبّ بعض أهل العلم دفن شعره وأظفاره؛ لكونها أجزاء آدميّ، وفي سؤالات مُهنّا عن أحمد: قلت له: يأخذ من شعره وأظفاره، أيدفنه أم يُلقيه؟ قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيء؟ قال: كان ابن عمر يَدفِنه، ورُوي أن النبيّ - ﷺ - أمر بدفن الشعر والأظفار، وقال: لا يتلعب به سَحَرة بني آدم . وروى الخلّال عن أحمد أنه قال: يدفن الشعر والأظفار، وإن لم يفعل لم نر به بأسًا . قال الجامع عفا الله عنه: الحديث المذكور ضعيف، أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» ، والبيهقيّ في «الشعب» ، قال البيهقيّ ﵀ بعد إخراجه بسنده: هذا إسناد ضعيف، وروي من أوجه كلّها ضعيفة. انتهى، وقد أجاد الشيخ الألبانيّ ﵀ البحث فيه في «الضعيفة» ، فراجعها تستفد. والحاصل أنه لم يثبت في دفن الشعر والأظفار شيء، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (التنبيه الثالث): قال الحافظ العراقيّ ﵀: يخيّر الذي يقلم أظفاره بين أن يباشر ذلك بنفسه، وبين أن يقصّ له غيره، كقصّ الشارب سواءً، إذ لا هتك حرمة في ذلك، ولا ترك مروءة، ولا سيّما من لا يُحسن قصّ أظفار يده اليمنى، فإن كثيرًا من الناس لا يتمكّن من قصّها؛ لعسر استعمال اليسار، فالأولى في حقّه أن يتولّى له ذلك غيره، لئلا يجرح يده، أو يؤذيها. انتهى كلام العراقيّ ﵀، وهو بحث جيّدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة عشرة): في اختلاف أهل العلم في نتف الإبط: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن نتف الإبط سنّة، وادّعى بعضهم الاتّفاق عليه، لكن يَرِد عليه خلاف أبي بكر بن العربيّ، فإنه أوجب الخصال الخمسة، حيث قال في «شرح الموطّأ»: والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين!، واستغربه الحافظ في «الفتح»، وقال: وتعقّبه أبو شامة بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الْخَلْق، وهي النظافة، لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها، اكتفاءً بدواعي الأنفس، فمجرّد الندب إليها كاف. انتهى . قال الحافظ العراقيّ ﵀: ويتأدّى أصل السنّة بإزالته بأيّ وجه كان من الحلق، والقصّ، والنورة. قال في «الفتح»: ولا سيّما من يؤلمه النتف، وقد أخرج ابن أبي حاتم في «مناقب الشافعيّ» ﵀، عن يونس بن عبد الأعلى، قال: دخلتُ على الشافعيّ، ورجلٌ يحلق إبطه، فقال: إني علمت أن السنّة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع، قال الغزاليّ: هو في الابتداء مُوجعٌ، ولكن يسهل على من اعتاده، قال: والحلق كافٍ؛ لأن المقصود النظافة. وتُعُقِّب بأن الحكمة في نتفه أنه محلّ للرائحة الكريهة، وإنما ينشأ ذلك من الوسخ يجتمع بالعرق فيه، فيتلبّد، ويهيج، فشُرِع فيه النتف الذي يُضعفه، فتخفّ الرائحة به، بخلاف الحلق، فإنه يقوّي الشعر، ويهيجه، فتكثر الرائحة لذلك. وقال ابن دقيق العيد ﵀: من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إلى المعنى أجازه بكلّ مزيل، لكن بُيِّنَ أن النتف مقصود من جهة المعنى، فذكر نحو ما تقدّم، قال: وهو معنى ظاهر، لا يُهْمَلُ؛ فإن مَوْرِد النصّ إذا احتَمَل معنى مناسبًا يحتمل أن يكون مقصودًا في الحكم لا يُترَكُ، والذي يقوم مقام النتف في ذلك النورة، لكنه يُرِقّ الجلد، فقد يتأذّى صاحبه به، ولا سيّما إن كان جلده رقيقًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مراعاة مورد النصّ هو الحقّ، كما أشار إليه ابن دقيق العيد ﵀، فلا ينبغي استعمال غير النتف إلا عند الحاجة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: يُستحبّ الابتداء بالإبط الأيمن؛ لحديث: «كان يُعجبه التيمّن في تنعّله، وترجّله، وطهوره، وفي شأنه كلّه»، متّفقٌ عليه، وكذلك يستحبّ أن يبدأ في قصّ الشارب بالجانب الأيمن، للحديث المذكور . وقد ذكرت في «شرح النسائيّ» فوائد أُخر، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة عشرة): في اختلاف أهل العلم في حكم قصّ الشارب: (اعلم): أنه اختَلَف العلماء في الشارب هل يُحلق، أو يُقصّ؟، فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه؛ لظاهر قوله: «أحفوا، وأنهكوا»، وهو قول الكوفيين. وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال، وإليه ذهب مالك، وكان يرى تأديب من حلقه، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: إحفاء الشارب مُثلة. وقال في «الفتح»: وأما القصّ فهو الذي في أكثر الأحاديث، قال: وورد الخبر بلفظ الحلق، وهي رواية النسائيّ، عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، ورواه جمهور أصحاب ابن عيينة بلفظ القصّ، وكذا سائر الروايات عن شيخه الزهريّ، ووقع عند النسائيّ، من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ تقصير الشارب. نعم وقع الأمر بما يُشعِر بأن رواية الحلق محفوظة، كحديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ: «جُزُّوا الشوارب»، وحديث ابن عمر بلفظ: «أحفوا الشوارب»، وبلفظ: «أنهكوا الشوارب». فكلُّ هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن الْجَزّ، وهو بالجيم والزاي الثقيلة: قصّ الشعر، والصوف إلى أن يبلغ الجلد، والإحفاء بالمهملة والفاء: الاستقصاء، ومنه: «حتى أحفوه بالمسألة». قال أبو عبيد الهرويّ: معناه: أَلْزِقُوا الْجَزَّ بالبشرة. وقال الخطابيّ: هو بمعنى الاستقصاء، والنهكُ بالنون والكاف: المبالغة في الإزالة، ومنه قوله - ﷺ - للخافضة: «أَشِمِّي، ولا تُنْهِكي»: أي لا تبالغي في ختان المرأة، وجرى على ذلك أهل اللغة. وقال ابن بطال: النهك التأثير في الشيء، وهو غير الاستئصال. قال النوويّ: المختار في قصّ الشارب، أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة، ولا يُحْفِه من أصله، وأما رواية: «أحفوا»، فمعناها: أزيلوا ما طال على الشفتين. قال ابن دقيق العيد: ما أدري، هل نقله عن المذهب، أو قاله اختيارًا منه لمذهب مالك؟. قال الحافظ: قلت: صَرَّح في «شرح المهذَّب» بأن هذا مذهبنا. وقال الطحاويّ: لم أَرَ عن الشافعيّ في ذلك شيئًا منصوصًا، وأصحابه الذين رأيناهم، كالْمُزَنيّ، والربيع، كانوا يُحفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلا عنه. وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإحفاء أفضل من التقصير. وقال ابن القاسم عن مالك: إحفاء الشارب عندي مثلة، والمراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو حرف الشفتين، وقال أشهب: سألت مالكًا عمن يحفي شاربه؟ فقال: أرى أن يوجع ضربًا، وقال لمن يحلق شاربه: هذه بدعة ظهرت في الناس. انتهى. وأغرب ابن العربيّ، فنقل عن الشافعي أنه يَستَحِبّ حلق الشارب، وليس ذلك معروفًا عند أصحابه. قال الطحاويّ: الحلق هو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد. انتهى. وقال الأثرم: كان أحمد يُحفي شاربه إحفاء شديدًا، ونصَّ على أنه أولى من القصّ. وقال القرطبيّ: وقصُّ الشارب أن يأخذ ما طال على الشفة، بحيث لا يؤذي الآكل، ولا يجتمع فيه الوسخ، قال: والْجَزّ، والإحفاء هو القص المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك، قال: وذهب الكوفيون إلى أنه الاستئصال، وبعض العلماء إلى التخيير في ذلك. قال الحافظ: هو الطبريّ، فإنه حَكَى قول مالك، وقول الكوفيين، ونقل عن أهل اللغة أن الإحفاء الاستئصال، ثم قال: دلّت السنة على الأمرين، ولا تعارض، فإن القصّ يدل على أخذ البعض، والإحفاء يدل على أخذ الكل، وكلاهما ثابت، فيتخير فيما شاء. وقال ابن عبد البرّ: الإحفاء مُحْتَمِل لأخذ الكل، والقصّ مفسَّرُ المراد، والمفسَّر مُقَدَّم على المُجْمَل. انتهى . قال الحافظ: ويرجح قول الطبري ثبوت الأمرين معًا في الأحاديث المرفوعة، فأما الاقتصار على القصّ، ففي حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: ضِفْتُ النبيّ - ﷺ -، وكان شاربي وَفَى، فقصّه على سواك، أخرجه أبو داود. واختُلِف في المراد بقوله: «على سواك»، فالراجح أنه وَضَعَ سواكًا عند الشفة تحت الشعر، وأخذ الشعر بالمقصّ، وقيل: المعنى قصَّه على أثر سواك، أي بعدما تسوك، ويؤيد الأول ما أخرجه البيهقيّ في هذا الحديث، قال فيه: فوضع السواك تحت الشارب، وقَصَّ عليه. وأخرج البزار، من حديث عائشة - ﵂ - أن النبيّ - ﷺ - أبصر رجلًا، فقال: «ائتوني بِمِقَصّ وسواك» فجعل السواك على طرفه، ثم أخذ ما جاوزه. وأخرج الترمذيّ، من حديث ابن عباس - ﵁ -، وحسّنه: «كان النبيّ - ﷺ - يقُصّ شاربه». وأخرج البيهقيّ، والطبرانيّ من طريق شُرَحبيل بن مسلم الخولانيّ، قال: رأيت خمسة من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقُصّون شواربهم: أبو أمامة الباهليّ، والمقدام بن معدي كرب الكِنْديّ، وعتبة بن عوف السّلَميّ، والحجاج بن عامر الثُّمَاليّ، وعبد الله بن بُسْر. وأما الإحفاء، ففي رواية ميمون بن مهران، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -، قال: ذَكَرَ رسول الله - ﷺ - المجوسَ، فقال: «إنهم يُوفُون سِبَالهم، ويَحلِقون لحاهم، فخالفوهم»، قال: فكان ابن عمر يستقرض سَبَلته، فيجزُّها كما يجز الشاة، أو البعير، أخرجه الطبريّ، والبيهقيّ، وأخرجا من طريق عبد الله بن أبي رافع، قال: رأيت أبا سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ورافع بن خديج، وأبا أسيد الأنصاريّ، وسلمة بن الأكوع، وأبا رافع: يُنهِكون شواربهم، كالحلق، لفظ الطبريّ، وفي رواية البيهقيّ: يقصون شواربهم، مع طرف الشفة، وأخرج الطبريّ من طرق، عن عروة، وسالم، والقاسم، وأبي سلمة، أنهم كانوا يَحلِقون شواربهم. وعلّق البخاريّ أثر ابن عمر - ﵄ - أنه كان يُحفي شاربه، حتى يُنظر إلى بياض الجلد، ويأخذ هذين - يعني بين الشارب واللحية -. انتهى. قال الحافظ: لكن كلُّ ذلك محتمل لأن يراد استئصال جميع الشعر النابت على الشفة العليا، ومحتمل لأن يراد استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها، ولا يستوعب بقيتها، نظرًا إلى المعنى في مشروعية ذلك، وهو مخالفة المجوس، والأمن من التشويش على الآكل، وبقاء زُهومة المأكول فيه، وكل ذلك يحصل بما ذكرنا، وهو الذي يجمع مفترق الأخبار الواردة في ذلك، وبذلك جزم الداوديّ في شرح أثر ابن عمر المذكور، وهو مقتضى تصرف البخاريّ، لأنه أورد أثر ابن عمر، وأورد بعده حديثه، وحديث أبي هريرة، في قص الشارب، فكأنه أشار إلى أن ذلك هو المراد من الحديث. وعن الشعبي أنه كان يقصّ شاربه حتى يَظهر حرف الشفة العلياء، وما قاربه من أعلاه، وبأخذ ما يزيد مما فوق ذلك، وينزع ما قارب الشفة من جانبي الفم، ولا يزيد على ذلك، وهذا أعدل ما وقفت عليه من الآثار. وقد أبدى ابن العربيّ لتخفيف شعر الشارب معنى لطيفًا، فقال: إن الماء النازل من الأنف، يتلبد به الشعر؛ لما فيه من اللزوجة، ويعسر تنقيته عند غسله، وهو بإزاء حاسّة شريفة، وهي الشمّ، فشُرع تخفيفه؛ ليتم الجمال، والمنفعة به. قال الحافظ: وذلك يحصل بتخفيفه، ولا يستلزم إحفاءه، وإن كان أبلغ. وقد رجّح الطحاويّ الحلق على القصّ بتفضيله - ﷺ - الحلق على التقصير في النسك، ووهَّى ابن التين الحلق بقوله - ﷺ -: «ليس منا من حَلَق»، وكلاهما احتجاج بالخبر في غير ما ورد فيه، ولا سيما الثاني. ويؤخذ مما أشار إليه ابن العربيّ مشروعية تنظيف داخل الأنف، وأخذ شعره إذا طال، والله أعلم. وقد رَوَى مالك عن زيد بن أسلم، أن عمر - ﵁ - كان إذا غَضِب فَتَل شاربه، فدل على أنه كان يوفِّره، وحَكَى ابن دقيق العيد عن بعض الحنفية أنه قال: لا بأس بإبقاء الشوارب في الحرب إرهابًا للعدوّ، وزَيَّفَه. انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصّل من مجموع ما سبق من أقوال أهل العلم، وعمل السلف، من الصحابة، والتابعين، واستعراض أدلتهم أن أرجح الأقوال قول من قال بالتخيير، لثبوت الأحاديث في الأمرين، فيختار المكلّف أيهما شاء، ولذا قال بعض المحقّقين: ينبغي لمن يريد المحافظة على السنن أن
مصادر المؤلف (٧٧)

١. ١٠/ ٣٥٢.

٢. «الفتح» ١٠/ ٣٤٩.

٣. «الْقُلْفة»: الجِلدة التي تُقطع في الختان، وجمعها قُلَفٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، والْقَلَفَة مثلها، والجمع قَلَفٌ، وقَلَفَاتٌ، مثلُ قَصَبَة وقَصَب وقَصَبَات؛ قاله في «المصباح» ٢/ ٥١٤.

٤. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٢/ ٧٥.

٥. «القاموس المحيط» ص ١٠٧٥.

٦. «الفتح» ١٠/ ٣٥٢.

٧. «شرح النوويّ» ٣/ ١٤٨.

٨. راجع النسائيّ ١/ ١٥ رقم (١١).

٩. «إحكام الأحكام» ١/ ٣٤٢ - ٣٤٥ بنسخة «الحاشية».

١٠. «المصباح المنير» ٢/ ٥١٥.

١١. «الفتح» ١٠/ ٣٥٧.

١٢. «المصباح المنير» ٢/ ٣٨٥.

١٣. «المصباح» ٢/ ٥٩٢.

١٤. «المصباح المنير» ١/ ١ - ٢.

١٥. «القاموس المحيط» ص ٥٩٢.

١٦. «المصباح» ٢/ ٥٠٥.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٠٨.

١٨. راجع «تاج العروس من جواهر القاموس» في مادّة «شرب».

١٩. «طرح التثريب» ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨.

٢٠. «المفهم» ١/ ٥١١ - ٥١٢.

٢١. «الفتح» ١٠/ ٣٥١.

٢٢. راجع «الفتح» ١٠/ ٣٥٠.

٢٣. رواه ابن جرير الطبريّ (١٩١٠)، و«الحاكم» في «المستدرك» ٢/ ٢٦٦.

٢٤. قال العلامة أحمد شاكر ﵀ في «مختصر تفسير ابن كثير» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢: إسناد ابن أبي حاتم في هذا إلى ابن عباس إسناد صحيح.

٢٥. راجع «الفتح» ١٠/ ٣٥١ - ٣٥٢ «كتاب اللباس» رقم (٥٨٨٩).

٢٦. حديث عياض بن حمار - ﵁ - أخرجه مسلم مطوّلًا في «كتاب الجنة، وصفة نعيمها»، برقم (٢٨٦٥).

٢٧. حديث ضعيف، أخرجه الترمذيّ، في «الجامع» برقم (٤/ ٤٨٣) وفي سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.

٢٨. هو صاحب «المفهم».

٢٩. يعني به أبا العباس القرطبيّ، صاحب «المفهم» ﵀.

٣٠. راجع «الفتح» ٣/ ٢٩٠.

٣١. راجع «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣) رقم (١٤٦٨).

٣٢. سيأتي - إن شاء الله تعالى - في «كتاب القدر» برقم (٢٦٥٨) برقم محمد فؤد عبد الباقي ﵀.

٣٣. «إحكام الأحكام» ١/ ٣٤٠ - ٣٤٢ بنسخة «الحاشية».

٣٤. راجع «الفتح» ١٠/ ٣٤٩ - ٣٥٢.

٣٥. حديث ضعيف؛ لأن في سنده سفيان بن وكيع، وحجاج بن أرطاة، ضعيفان، وأبو الشمال مجهول.

٣٦. حديث ضعيف. انظر: «ضعيف الجامع» للشيخ الألبانيّ ﵀ رقم (٢٨٥٨).

٣٧. راجع ترجمته في «تهذيب التهذيب» ٢/ ٩، و«التقريب» ص ١٢٠.

٣٨. ٥/ ٧٥.

٣٩. ٨/ ٣٢٥.

٤٠. ٨/ ٣٢٥.

٤١. ٢/ ٢٤٧ رقم (٢٢٣١).

٤٢. «المعجم الكبير» ١١/ ٢٣٣ رقم (١١٥٩٠).

٤٣. ٨/ ٣٢٤ - ٣٢٥.

٤٤. ٦/ ٤٦٦.

٤٥. «المصنّف» ٦/ ٢٣٣.

٤٦. «العلل» ٢/ ٢٤٧.

٤٧. «المعجم الكبير» ٧/ ٢٧٣ - ٢٧٤ رقم (٧١١٢ و٧١١٣).

٤٨. «التمهيد» ٢١/ ٥٩.

٤٩. راجع «البدر المنير» ٦/ ٧٤٣ - ٧٤٥.

٥٠. قال الماورديّ ﵀: «القدوم» بفتح القاف، وتخفيف الدال، وتشديدها: هو الفأس الذي اختتن به إبراهيم ﵇، وذهب غيره إلى أن المراد به مكانٌ يُسمّى القدوم، قال أبو عبيد الهرويّ في «الغريبين»: يقال: هو مكان مقيله، وقيل: اسم قرية بالشام، وقال أبو شامة: هو موضع بالقرب من القرية التي فيها قبره، وقيل: بقرب جبل حَلَب، وجزم غير واحد أن الآلة بالتخفيف، وصرّح ابن السكّيت بأنه لا يُشدَّد، وأثبت بعضهم الوجهين في كلّ منهما.

٥١. راجع «طرح التثريب» ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.

٥٢. هذا فيه نظر؛ لأنه تقدّم أنه من رواية أبي المليح، عن أبيه، لا من رواية شدّاد بن أوس، كما هو عند الإمام أحمد في «مسنده»، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.

٥٣. «الفتح» ١٠/ ٣٥٢ - ٣٥٤.

٥٤. بوزن غُرْفَةٍ، وقَصَبَة، كما أسلفناه.

٥٥. ١٠/ ٣٥٣.

٥٦. هكذا قالوا، ويحتاج إلى ثبوت ذلك، والله أعلم.

٥٧. ١٠/ ٣٥٣.

٥٨. «نيل الأوطار» ١/ ١٦٧ - ١٦٨.

٥٩. «الفتح» ١٠/ ٣٥٥ - ٣٥٦.

٦٠. «الفتح» ١٠/ ٣٥٦.

٦١. حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه في «سننه» رقم (٣٧٥١ و٣٧٥٢).

٦٢. ١٠/ ٣٥٦.

٦٣. «طرح التثريب» ٢/ ٨٠.

٦٤. حديث صححيح، أخرجه الترمذي في «جامعه» ٥/ ٩٣، والنسائيّ رقم (١٣) و(٤٦٩١).

٦٥. «طرح التثريب» ٢/ ٨١ - ٨٢.

٦٦. «الفتح» ١٠/ ٣٥٧ - ٣٥٨.

٦٧. «الفتح» ١٠/ ٣٥٨.

٦٨. راجع «الفتح» ١٠/ ٣٥٨.

٦٩. «الترجل» ص ١٩.

٧٠. «المعجم الكبير» ٢٢/ ٧٣.

٧١. «شعب الإيمان» ٢/ ٢٦٩.

٧٢. «السلسلة الضعيفة» ٥/ ٣٨٠ - ٣٨٣.

٧٣. «الفتح» ١٠/ ٣٥٢.

٧٤. راجع «الفتح» ١٠/ ٣٥٦ - ٣٥٧.

٧٥. راجع «نيل الأوطار» ١/ ١٦٨.

٧٦. واعترضه الصنعانيّ في «العدّة» (١/ ٣٤٦) بأن هذا ترجيح لمذهب مالك، وأن قوله: «إن الإحفاء محتمل لأخذ الكلّ» عبارة غير جيّدة؛ إذ هو ظاهر في أخذ الكلّ. انتهى.

٧٧. «الفتح» ١٠/ ٣٦٠.