HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٢

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيبة. حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش. ح وحدثنا يحيى بن يحيى (واللفظ له) أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ؛ قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ. حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ، فَقَالَ: أَجَلْ. لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ. أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ. أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص154
ج ١ ص ٢٢٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٤٩٧
رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمدانيّ الكوفيّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) عن (٩٣) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢١. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بالإسناد السابق، فـ«في» بمعنى الباء، يعني أن يحيى بن زكريا روى الحديث بسند أبيه مثل حديث وكيع عنه. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ) أي يحيى بن أبي زائدة (قَالَ: قَالَ أَبُوهُ) أي زكريا بن أبي زائدة (وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ) تقدّم أن الذي نسيها هو مصعب، ولعله سقط هنا قوله: «قال مصعبٌ»، وأما حمله على أنه أيضًا نسيها، فبعيد جدًّا، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية يحيى بن أبي زائدة هذه لم أجد من أخرجها تامّة، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. [(١٧) - (بَابُ آدَابِ التَّخَلِّي، وَالاسْتِنْجَاءِ) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦١٢] (٢٦٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ - ﷺ - كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِين، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاَثةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يُرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) وهو ابن (٥٠) أو نحوها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٥. ٣ - (سَلْمَانُ) هو: سلمان الخير، أبو عبد الله، ابن الإسلام أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أسلم عند قدوم النبيّ - ﷺ - المدينة، وأول مشاهده الخندق، وشَهِد بقية المشاهد، وفتوح العراق، وولي المدائن. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه أنس، وكعب بن عُجْرة، وابن عباس، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو الطُّفيل، وأم الدرداء الصغرى، وأبو عثمان النَّهْديّ، وزاذان أبو عمر، وسعيد بن وهب الْهَمْدانيّ، وطارق بن شهاب، وعبد الله بن وديعة، وعبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، وشَهْر بن حَوْشَب، وفي سماعه منه نظر، وجماعة. يقال: إنه أدرك وصيّ عيسى ابن مريم - ﵇ - وقيل: عاش مائتين وخمسين سنة، أو أكثر، ورُويت قصةُ إسلامه من وجوه كثيرة، وقال أبو ربيعة الإياديّ، عن ابن بريدة، عن أبيه، رفعه: «إن الله يحب من أصحابي أربعة …»، فذكره فيهم، وقال سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال: آخى النبيّ - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء، قال الواقديّ، وغير واحد: مات بالمدائن في خلافة عثمان، وقال أبو عبيد، وغيره: مات سنة (٣٦)، وقال خليفة في موضع آخر: مات سنة (٣٧)، وقيل: مات سنة (٣٣)، قال الحافظ: وهو أشبه؛ لما رَوَى عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس - ﵁ - قال: دخل ابن مسعود على سلمان عند الموت، وقد مات ابن مسعود قبل سنة (٣٤) باتفاق، وقال أبو الشيخ: سمعت جعفر بن أحمد بن فارس، يقول: سمعت العباس بن يزيد، يقول لمحمد بن النعمان: أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة، فأما مائتين وخمسين فلا يشكّون فيه. وقال ابن حبان: هو سلمان الخير، ومن زعم أنهما اثنان، فقد وَهِمَ. وذكر العسكريّ أن اسم المرأة التي اشترته حُليسة، وقال ابن عبد البر: يقال: إنه شَهِد بدرًا. وروى البخاريّ في «صحيحه» عن سلمان أنه قال: أنا من رامَهُرْمُز، وفيه أيضًا عن سلمان، أنه تداوله بضعة عشر من ربّ إلى ربّ. وأخرج ابن حبان، والحاكم في «صحيحيهما» قصة إسلام سلمان، من رواية حاتم بن أبي صَغِيرة، عن سماك بن حرب، عن زيد بن صُوحان، عنه، ورُوي من طُرُق أَخرى، من حديث بُريدة بن الحصيب وغيره. قال الحافظ: وقد قرأت بخط أبي عبد الله الذهبيّ: رَجَعتُ عن القول بأنه قارب الثلاثمائة، أو زاد عليها، وتَبَيَّن لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك، والعلم عند الله تعالى. انتهى . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٢٦٢) وأعاده بعده، و(١٩١٣) و(٢٤٥١) (٢٧٥٣) وأعاده بعده. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والذي قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (منها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، فله فيه سندان، يلتقيان في الأعمش. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه يحيى بن يحيى التميميّ، فنيسابوريّ، والصحابيّ مدنيّ، وَلي المدائن. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الرجل عن خاله، وهو إبراهيم، فإن عبد الرحمن خاله، وكذا أخوه الأسود بن يزيد، فأمه مُليكة بنت يزيد بن قيس أخت لهما. ٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن. ٧ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - من المعمّرين، لا يشاركه في مدّة عمره على بعض الأقوال غيره، كما أسلفت الخلاف في ذلك آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَلْمَانَ) الفارسيّ - ﵁ -، وقوله: (قَالَ: قِيلَ لَهُ) يحتمل أن يكون فاعل «قال» ضمير عبد الرحمن، وقوله: «عن سلمان» حال منه، أي قال عبد الرحمن حال كونه راويًا عن سلمان - ﵁ -. ويحتمل أن يكون الفاعل ضمير سلمان، ويكون الكلام من باب التجريد؛ إذ الأصل أن يقول: قيل لي، لكنه جرّد من نفسه شخصًا حَكَى عنه. وقد بيّن القائل في الرواية التالية، حيث قال: «عن سلمان، قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يُعلّمكم .. إلخ»، وفي رواية ابن ماجه: «قال: قال بعض المشركين، وهم يستهزئون به: إني أرى صاحبكم .. إلخ»، والحاصل أنهم قالوا ذلك استهزاءً، ومقول «قيل» جملة قوله: (قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ - ﷺ - كُلَّ شَيْءٍ) أي أيَّ شيء كان، خطيرًا، أو حقيرًا (حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟) بكسر الخاء المعجمة، والمدّ: هو التخلّي، والقعود للحاجة؛ قاله ابن الأثير - ﵀ -. وقال القرطبيّ - ﵀ -: هو بكسر الخاء، ممدود، مهموزٌ، وهو اسم فعل الحدث، وأما الحدث نفسه فبغير تاء ممدودٌ، وتُفتح خاؤه، وتُكسر، ويقال: بفتحها، وسكون الراء والقصر، من غير مدّ. انتهى . وقال الخطّابيّ - ﵀ -: وأكثر الرواة يفتحون الخاء، قال: وقد يَحْتَمل أن يكون بالفتح مصدرًا، وبالكسر اسمًا، يقال: خَرِيءَ خَرَاءَةً، وخُرءَةً، وخَرْءًا: سَلَحَ، مثلُ كَرِهَ كَرَاهَةً، وكَرْهًا، والاسم: الْخِرَاءُ، والْخُرْءُ بالضمّ: الْعَذِرَةُ؛ أفاده في «اللسان». وقال الفيّوميّ - ﵀ -: خَرِيءَ يَخْرَأُ، من باب تَعِبَ: إذا تغَوّط، واسم الخارج خَرْءٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس. انتهى. وقال السنديّ - ﵀ -: الْخِرَاءةُ - بكسر الخاء، وفتح الراء، بعدها ألفٌ ممدودة، ثمّ هاءٌ -: هو القعود عند الحاجة، وقيل: هو فعلُ الحدث، وأنكر بعضهم فتح الخاء، لكن في «الصحاح»: خَرِيءَ خَرَاءةً، ككره كَرَاهَةً، وهو يفيد صحّة الفتح، وقيل: لعلّه بالفتح مصدرٌ، وبالكسر اسم، وقيل: المراد هيئة القعود للحدث. قال السنديّ: وهذا المعنى يقتضي أن يكون بكسر الحاء، وسكون الراء، وهمزة، كجِلْسَةٍ لهيئة الجلوس. انتهى. والمراد هنا أن نبيّكم - ﷺ - يعلّمكم آداب التخلّي، وكيفية القعود عند قضاء الحاجة، والله تعالى أعلم. (قَالَ) عبد الرحمن، أو سلمان على الاحتمال الماضي (فَقَالَ: أَجَلْ) - بفتحتين، وسكون اللام - كنعَمْ وزنًا ومعنًى، قال في «اللسان»: وقولهم: «أَجَلْ» إنما هو جواب مثلُ «نَعَمْ»، قال الأخفش: إلا أنه أحسنُ من «نَعَمْ» في التصديق، و«نعم» أحسن منه في الاستفهام، فماذا قال: أنت سوف تذهب، قلت: أجل، وكان أحسن من نعم، وإذا قال: أتذهب؛ قلت: نعم، وكان أحسن من أجل، و«أجل» تصديق لخببر يُخبِرُك به صاحبك، فيقول: فَعَلَ ذلك، فتُصدّقه بقولك له: أجل، وأما «نعَمْ» فهو جواب المستفهم بكلام لا جَحْدَ فيه، تقول له: هل صلّيتَ؟ فيقول: نعم، فهو جواب المستفهم. انتهى. يقول سلمان - ﵁ -: نعم عَلَّمنا نبيّنا - ﷺ - كلّ شيء نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرتها أيها المستهزئ، فإنه علّمنا آدابها. قال الطيبيّ - ﵀ -: جواب سلمان هذا من باب أسلوب الحكيم؛ لأن المشرك لَمّا استهزأ كان من حقّه أن يُهَدَّد، أو يُسكَت عن جوابه، لكن ما التفت سلمان إلى استهزائه، وأجاب جواب المرشد للسائل المجِدّ. انتهى. وقال بعضهم: يحتمل أنه ردٌّ له بأن ما زعمه سببًا للاستهزاء ليس بسبب له، بل المسلم يصرِّح به عند الأعداء؛ لأنه أمرٌ يُحسّنه العقل عند معرفة تفصيله، فلا عبرة بالاستهزاء به؛ لإضافته إلى أمر مستقبح ذكرُهُ، والجواب بالردّ لا يُسمّى أسلوب الحكيم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أسلوب الحكيم نوعٌ من أنواع الْمُحَسِّنات البديعيّة المعنويّة، وهو تَلَقِّي المخاطب بغير ما يترقّبه، إما بترك سؤاله، والإجابة عن سؤال لم يسأله، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصد؛ إشارةً إلى أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال، أو يَقصِد هذا المعنى. إذا تقرّر هذا، فقد اتّضح أن ما قاله الطيبيّ - ﵀ - من أن جواب سلمان - ﵁ - من أسلوب الحكيم هو الحقّ، لا الاحتمال الذي ذكره البعض، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (لَقَدْ نَهَانَا) اللام واقعة في جواب قسم مقدَّر؛ لتأكيد الجملة؛ لمناسبة إنكار السائل، أي: والله لقد نهانا نبيّنا - ﷺ - (أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) و«أن» مصدريّة، والمؤوّل بالمصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر قياسًا، أي عن استقبال القبلة، والمراد الاستقبال بالفروج، كما هو في رواية «الموطّأ»: «لا تستقبلوا القبلة بفروجكم»، و«أل» في «القبلة» للعهد، والمعهود الكعبة، كما فُسِّر بذلك في حديث أبي أيوب الآتي، حيث قال: «فقدمنا الشامَ، فوجدنا مَراحيضَ قد بُنِيت نحو الكعبة» الحديث (لِغَائِطٍ) قال النوويّ - ﵀ -: كذا ضبطناه في مسلم: «لغائط» باللام، ورُوي في غيره: «بغائط»، ورُوي: «للغائط» باللام، والباء، وهما بمعنى. انتهى. وقال وليّ الدين - ﵀ -: ضبطناه في «سنن أبي داود» بالباء الموحّدة، وفي مسلم باللام. انتهى. أي لأجل غائط، أو بسببه. و«الغائط» في الأصل: المكان المنخفض من الأرض، ثم صار اسمًا للخارج المعروف من دبر الآدميّ؛ قاله النوويّ . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: «الغائط»: الْمُطْمَئِنّ الواسع من الأرض، والجمع غِيطان، وأَغْواط، وغُوْطٌ، ثم أُطلق الغائط على الخارج الْمُسْتَقذَر من الإنسان؛ كراهةً لتسميته باسمه الخاصّ؛ لأنهم كانوا يَقضُون حوائجهم في المواضع الْمُطْمَئِنّة، فهو من مجاز المجاورة، ثم توسّعوا فيه، حتى اشتقّوا منه، وقالوا: تَغَوّط الإنسان، قال ابن الْقُوطيّة: غاط في الماء غَوْطًا: دخل فيه، ومنه الغائط. انتهى . (أَوْ بَوْلٍ) - بفتح الموحّدة، وسكون الواو - هو: في الأصل مصدر بالَ يبول بولًا، من باب قال، ومَبَالًا، فهو بائلٌ، ثم استُعمل البول في العين - أي الماء الخارج من الْقُبُل - وجُمِع على أبوال . قال الإمام ابن دقيق العيد - ﵀ -: دلّ الحديث على المنع من استقبال القبلة ببول، أو غائط، وهذه الحالة تتضمّن أمرين: أحدهما خروج الخارج المستقذر، والثاني كشف العورة، فمن الناس من قال: المنع لكشف العورة، وَيَنبني على هذا الخلاف في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن علّل بالخارج أباحه؛ إذ لا خارج، ومن علّل بالعورة منعه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الظاهر؛ لظاهر قوله: «بغائط، أو بول»، وسيأتي تمام البحث قريبًا - إن شاء الله تعالى -. (أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ) «أو» للتنويع، وليست للشكّ، والمصدر المؤوّل معطوف على المجرور السابق، أي: ونهانا أيضًا عن الاستنجاء باليد اليمنى، ومعنى «نستنجي»: أي نغسل موضع النَّجْو - بفتح، فسكون -: أي الخِراءة بالماء، أو نمسحه بالحجر ونحوه. وقال ابن الأثير - ﵀ -: الاستنجاء: استخراجِ النَّجْو من البطن، وقيل: هو إزالته عن بدنه بالغسل والمسح، وقيل: هو مِن نجَوْتُ الشجرةَ، وأنجيتها: إذا قطعتها، كأنه قَطَعَ الأذى عن نفسه، وقيل: هو من النَّجْوَة، وهو ما ارتفع من الأرض، كأنه يَطلُبها ليجلس تحتها. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: واستنجيتُ: غسلتُ موضعَ النّجْو، أو مسحته بحجر، أو مَدَرٍ، والأول مأخوذ من استنجيتُ الشجرَ: إذا قطعته من أصله؛ لأن الغسل يُزيل الأثر، والثاني من استنجيتُ النَّخْلةَ: إذا التقطتَ رُطَبَهَا؛ لأن المسح لا يقطع النجاسة، بل يُبقي أثرها. انتهى . [تنبيه]: يُسمّى الاستنجاءُ الاستطابةَ أيضًا، وهى إزالة الأذى عن المَخرجين بحجر، أو نحوه، أو هي مأخوذة من الطيب؛ لأن إزالة الفضلة تُطَيِّب المحلَّ، وتذهب عنه القَذَر، يقال: استطاب الرجل، فهو مستطيبٌ، وأطاب، فهو مُطِيب؛ قاله ابن الملقّن . وقال الفيّوميّ: الاستطابة: الاستنجاء، يقال: استطاب، وأطاب إطابةً أيضًا؛ لأن المستنجي تطيب نفسه بإزالة الْخَبَث عن المخرج. انتهى . (بِالْيَمِينِ) قال ابن سِيدهْ: اليمين: نقيض اليسار، جمعه أيمان، وأيمُن، ويَمَان؛ قاله في «اللسان» ، ويقال لها: الْيُمنى، وهي مؤنّثة؛ قاله في «المصباح» . والنهي عن الاستنجاء باليمين يدلّ على إكرامها، وصيانتها عن الأقذار، ونحوها؛ لأن اليمين للأكل والشرب، والأخذ، والإعطاء، وهي مصونة عن مباشرة الثُّفْل ، وعن ممارسة الأعضاء التي هي مجاري الأثفال والنجاسات، خلاف الشمال، فإنها لخدمة أسفل البدن بإماطة ما هناك من الْقَذَارَات، وتنظيف ما يحدث من الإنسان وغيره، وسيأتي تحقيق المسألة قريبًا - إن شاء الله تعالى -. (أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاَثةِ أَحْجَارٍ) أي نهانا أيضًا عن الاستنجاء بأقلّ من ثلاثة أحجار، وهذا نصّ صريح صحيحٌ في أن استيفاء ثلاث مسحات واجبٌ لا بدّ منه، وهو الصواب، والمسألة فيها خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. وقال الخطّابيّ - ﵀ -: فيه بيان أن الاستنجاء بالأحجار أحد المطهِّرين، وأنه إذا لم يستعمل الماء لم يكن بُدّ من الحجارة، أو ما يقوم مقامها، وهو قول سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل. انتهى. (أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ) - بفتح الراء، وكسر الجيم -: فعيلٌ بمعنى فاعل، وهو الروث، والْعَذِرَةُ؛ سُمّي به؛ لأنه رَجَعَ عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا، أو عَلَفًا، وكذلك كلُّ فعلٍ، أو قولٍ يُرَدّ فهو رَجِيعٌ، فَعِيلٌ بمعنى مفعول بالتخفيف؛ أفاده الفيّوميّ . (أَوْ) ليست للشكّ، بل للتنويع، كما سبق قريبًا، أي: ونهانا أيضًا أن نستنجي (بِعَظْمٍ) - بفتح، فسكون -: جمعه عِظَامٌ، وأعظُمٌ، مثلُ سِهَام، وأَسْهُم؛ قاله الفيّوميّ . وقال المجد - ﵀ -: الْعَظْمُ: قَصَبُ الْحَيَوان الذي عليه اللحمُ، جمعه: أَعظُمٌ، وعِظَامٌ، وعِظَامةٌ، والهاء لتأنيث الجمع. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: «برجيع، أو بعظم» الرَّجِيع: الْعَذِرة، والأرواث، ولا يُستنجى بها؛ لنجاستها، ولذلك قال - ﷺ - لعبد الله بن مسعود - ﵁ - حين أتاه بالحجرين والروثة: «إنها رجسٌ»، رواه البخاريّ. وقد أخرج أبو داود في «سننه» بسند صحيح، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قَدِم وَفْدُ الجن على رسول الله - ﷺ -: فقالوا: يا محمد انْهَ أُمّتك أن يستنجوا بعظمٍ، أو روثة، أو حُمَمة، فإن الله تعالى جَعَلَ لنا فيها رزقًا . وأخرج البخاريّ في «المناقب» من «صحيحه»، عن أبي هريرة - ﵁ - أنه كان يَحْمِل مع النبيَّ - ﷺ - إداوةً لوضوئه، وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: «مَنْ هذا؟» فقال: أنا أبو هريرة، فقال: «ابغني أحجارًا، أستنفض بها، ولا تأتني بعظم، ولا بروثة»، فأتيته بأحجار، أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟، قال: «هما من طعام الجنّ، وإنه أتاني وَفْدُ جنّ نَصِيبين - ونعم الجنُّ - فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يَمُرُّوا بعظم، ولا بروثة، إلا وَجَدُوا عليها طعامًا» . وأخرج المصنّف - ﵀ - في «الصلاة» حديث ابن مسعود - ﵁ - بطوله، وفيه: وسألوه الزاد، فقال: لكم كلُّ عظم ذُكِر اسمُ الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة عَلَفٌ لدوابكم، فقال رسول الله - ﷺ -: «فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم» . وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمان - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [١٧/ ٦١٢] (٢٦٢)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٧)، و(الترمذيّ) في «الطهارة» (١٦)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (٤١ و٤٩) وفي «الكبرى» (٤٠)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٣١٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٤٣٧ و٤٣٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥٧٩ و٥٨٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٠٦ و٦٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): شدّة اهتمام النبيّ - ﷺ - بتعليم أمته كلّ ما تحتاج إليه من أمر دينها. ٢ - (ومنها): شدّة اهتمام أعداء الإسلام من المشركين، وأهل الكتاب في البحث عما يعيبون به الإسلام، ويجادلون في ذلك بالباطل، وليس مرادهم إلا إغواء ضعفاء الإيمان، فلا ينبغي الاستماع إليهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ٣ - (ومنها): بيان فضل فقه الصحابيّ الجليل سلمان - ﵁ -، حيث أجاب المشركين المعاندين ببيان الأحكام الشرعيّة التي لو فكّر أيّ عاقل لاستحسنها، ولعمل بها، فكلّ التعليمات النبويّة ليس فيها شيء يأباه القلب، ويعرض عنه، إلا من كتب الله - ﷿ - عليه الشقاء المؤبّد، فإنه الذي لا يدرك محاسنها، ولكنه لا يضرّ الإسلام شيئًا، كما قال الشاعر [من البسيط]: مَا ضَرَّ شَمْسَ الضُّحَى فِي الأُفْقِ طَالِعَةً … أَنْ لَا يَرَى ضَوْأَهَا مَنْ لَيْسَ ذَا بَصَرِ ٤ - (ومنها): بيان النهي عن استقبال القبلة بغائط، أو بول، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٥ - (ومنها): بيان النهي عن الاستنجاء باليمين، وسيأتي الكلام عليه في شرح حديث أبي قتادة - ﵁ - في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (ومنها): بيان مشروعيّة الاستنجاء بالحجارة، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٧ - (ومنها): بيان النهي عن الاستنجاء بأقلّ من ثلاثة أحجار، وأن ما دونها لا يجزئ؛ لأن قوله: «أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» نصّ صريحٌ صحيحٌ في أن استيفاء ثلاث مسحات واجبٌ، لا بد منه، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، وهذا هو المذهبُ الحقّ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم استقبال القبلة، واستدبارها حال قضاء الحاجة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر - ﵀ -: قد اختَلَف أهل العلم في هذا الباب: فذهبت طائفة إلى ظاهر هذه الأخبار، فقالت: لا يجوز استقبال القبلة، ولا استدبارها بغائط، ولا بول، في البراري والمنازل، هذا قول سفيان الثوريّ، وقال أحمد بن حنبل: يعجبني أن يتوقى في الصحراء والبيوت، وكره مجاهد، والنخعي ذلك. وحجة هذه الفرقة ظاهر هذه الأخبار التي فيها النهي عن العموم. ورَخَّصت طائفة في استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول، هذا قول عروة بن الزبير، وكان يقول: وأين أنت منها؟ وقد حُكِيَ هذا القول عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، واحتَجَّ بعض من يوافق هذا القول بما رواه خالد بن أبي الصَّلت، قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا استقبال القبلة بالفروج، فقال عراك بن مالك: قالت عائشة: إن النبيّ - ﷺ - ذُكِر عنده أن ناسًا يَكرَهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال النبيّ - ﷺ -: «أوَ قد فعلوها، استقبِلُوا بمقعدي إلى القبلة». رواه أحمد بن حنبل في «مسنده»، وابن ماجه، وهو حديث ضعيف، قد استوفى علله في «تهذيب التهذيب» في ترجمة خالد بن أبي الصلت، فتحسين النوويّ له في «شرحه» غير مقبول، فتنبّه. وذهب بعضهم إلى الإباحة، قالوا: جاءت الأخبار في هذا الباب مختلفةً، ولا يُعْرَف ناسخها من منسوخها، فوجب إيقاف الخبرين، وحَمْلُ الأشياء على الإباحة التي كانت؛ لِعدم معرفة الناسخ من الخبرين. وفَرَّقت فرقة بين استقبال القبلة، واستدبارها في الصحاري والمنازل، فنَهَت عن ذلك في الصحاري، ورَخَّصَت فيه في المنازل، رُوي هذا القول عن الشعبيّ، وبه قال الشافعيّ، وإسحاق بن راهويه، وحُكِي عن مالك هذا المعنى، حَكَى ابن القاسم عن مالك، أنه سئل عن استقبال القبلة للغائط: أترى البيوت مثل الصحاري؟ قال: لا، ولا أرى في البيوت شيئًا، وحَكَى عنه ابن وهب أنه قال: في البيوت أَحَبّ عندي. واحتج من قال بهذا القول في النهي عن ذلك في الصحاري بخبر أبي أيوب الأنصاريّ - ﵁ - الآتي، واحتج في الرخصة في ذلك في المنازل بحديث ابن عمر رضي - ﵄ - الآتي أيضًا. قال ابن المنذر - ﵀ - بعد نقل هذه المذاهب: وأصح هذه المذاهب مذهبُ مَنْ فَرَّق بين الصحاري والمنازل في هذا الباب، وذلك أن يكون ظاهر نهي النبيّ - ﷺ - على العموم إلا ما خصته السنة، فيكون ما خصته السنة مُسْتَثنًى من جملة النهي، وإنما تكمن الأخبار متضادّةً إذا جاءت جملةٌ فيها ذِكرُ النهي يقابل جملةً فيها ذكر الإباحة، فلا يمكن استعمال شيء منها، إلا بطرح ما ضادّها، وسبيل هذا كسبيل نهي النبيّ - ﷺ - عن بيع الثمر بالثمر جملةً، ثم رَخَّصَ في بيع الْعَرَايا بِخَرْصِها، فبيع العرية مستثنى من جملة نهي النبيّ - ﷺ - عن بيع الثمر، وكذلك نهيه عن بيع ما ليس عند المرء وإذنه في السلم، وهذا الوجه موجود في كثير من السنن، والله أعلم. فلما نَهَى رسول الله - ﷺ - عن استقبال القبلة بالغائط والبول نهيًا عامًّا، واستَقْبَل بيت المقدس، مستدبرًا الكعبة، كان إباحةُ ذلك في المنازل مخصوصًا من جملة النهي. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - . وقال النووي - ﵀ - في «شرحه»: وأما النهي عن استقبال القبلة بالبول والغائط، فقد اختَلَف العلماء فيه على مذاهب: [أحدهما]: مذهب مالك، والشافعيّ - رحمهما الله تعالى - أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء بالبول والغائط، ولا يحرم ذلك في البنيان، وهذا مرويّ عن العباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عمر - ﵄ -، والشعبيّ، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين - رحمهم الله تعالى -. [والمذهب الثاني]: أنه لا يجوز ذلك، لا في البنيان، ولا في الصحراء، وهو قول أبي أيوب الأنصاريّ الصحابيّ - ﵁ -، ومجاهد، وإبراهيم النخعيّ، وسفيان الثوريّ، وأبي ثور، وأحمد في رواية. [والمذهب الثالث]: جواز ذلك في البنيان والصحراء جميعًا، وهو مذهب عروة بن الزبير، وربيعة، شيخ مالك، وداود الظاهريّ - رحمهم الله تعالى -. [والمذهب الرابع]: لا يجوز الاستقبال، لا في الصحراء، ولا في البنيان، ويجوز الاستدبار فيهما، وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وأحمد - رحمهما الله تعالى -. واحتج المانعون مطلقًا بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقًا، كحديث سلمان المذكور هنا، وحديث أبي أيوب، وأبي هريرة، وغيرهما، قالوا: ولأنه إنما منع لحرمة القبلة، وهذا المعنى موجود في البنيان والصحراء، ولأنه لو كان الحائل كافيًا لجاز في الصحراء؛ لأن بيننا وبين الكعبة جبالًا، وأوديةً، وغير ذلك من أنواع الحائل. واحتج من أباح مطلقًا بحديث ابن عمر - ﵄ - الآتي ذكره: «أنه رأى النبيّ - ﷺ - مستقبلًا بيت المقدس، مستدبر القبلة»، وبحديث عائشة - ﵂ - المذكور آنفًا، وقد عرفت أنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به. واحتج مَن أباح الاستدبار دون الاستقبال، بحديث سلمان - ﵁ -. واحتج من حَرَّم الاستقبال والاستدبار في الصحراء، وأباحهما في البنيان، بحديث ابن عمر - ﵄ - المذكور في هذا الكتاب، وبحديث عائشة - ﵂ - الذي مرّ ذكره، وقد عرفت ما فيه. وبحديث جابر - ﵁ - قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يُقْبَض بعام يستقبلها، رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما، وإسناده حسن. وبحديث مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر - ﵄ - أناخ راحلته، مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن: أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ فقال: بلى، إنما نُهِيَ عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس، رواه أبو داود وغيره، وهو حديث حسن. قال النوويّ - ﵀ -: فهذه أحاديث صحيحةٌ مصرحةٌ بالجواز في البنيان، وحديث أبي أيوب، وسلمان، وأبي هريرة، وغيرهم وردت بالنهي، فيُحْمَل على الصحراء؛ لِيُجْمَع بين الأحاديث، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها، والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه، فوجب المصير إليه، وفرقوا بين الصحراء والبنيان من حيث المعنى، بأنه يلحقه المشقة في البنيان في تكليفه ترك القبلة، بخلاف الصحراء. وأما من أباح الاستدبار، فيُحْتَجّ على ردّ مذهبه بالأحاديث الصحيحة المصرحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار جميعًا، كحديث أبي أيوب، وغيره. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب المختار هو ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ، وكثير من أهل العلم، وهو الفرق بين البنيان، والصحراء، فيجوز في البيان، ويحرم في الصحراء، وهذا هو الذي اختاره ابن المنذر - ﵀ -، كما سبق في كلامه، وهو مذهب الإمام البخاريّ - ﵀ - حيث قال في «صحيحه»: «باب لا تُستقبَلُ القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء، جدارٍ، أو نحوه»، ومذهب النسائيّ أيضًا، حيث قال في «المجتبى» بعد ذكر أحاديث النهي: «الرخصة في ذلك في البيوت»، وهو أعدل المذاهب؛ لجمعه بين الأدلّة - كما قال النوويّ، والحافظ - رحمهما الله تعالى -. والحاصل أنه يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان، لا في الصحراء؛ لحديث ابن عمر - ﵄ - الآتي، وقد استوفيت مباحث هذه المسألة في «شرح النسائيّ»، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فوائد]: ذكرها النوويّ - ﵀ - في «شرحه» : (الأولى): قال - ﵀ -: المختار عند الشافعيّة: أنه إنما يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان إذا كان قريبًا من ساتر، من جُدْران ونحوها، بحيث يكون بينه وبينه ثلاثة أذرع فما دونها، وأن يكون الحائل مرتفعًا بحيث يَستُر أسافل الإنسان، وقدَّروه بآخرة الرَّحْل، وهي نحو ثلثي ذراع، فإن زاد ما بينه وبينه على ثلاثة أذرع، أو قصر الحائل عن آخرة الرحل، فهو حرام كالصحراء، إلا إذا كان في بيت بُنِي لذلك، فلا حجْر فيه كيف كان، قالوا: ولو كان في الصحراء، وتستر بشيء على الشرط المذكور زال التحريم، فالاعتبار بوجود الساتر المذكور وعدمه، فيحلّ في الصحراء والبنيان بوجوده، ويحرم فيهما لعدمه، هذا هو الصحيح المشهور عند أصحابنا، ومنهم من اعتبر الصحراء والبنيان مطلقًا، ولم يعتبر الحائل، فأباح في البنيان بكل حال، وحَرَّم في الصحراء بكل حال، والصحيح الأول، وفرَّعوا عليه، فقالوا: لا فرق بين أن يكون الساتر دابةً، أو جدارًا، أو وَهْدةً، أو كثيب رمل، أو جبلًا، ولو أرخى ذيله في قُبالة القبلة، ففي حصول السَّتر وجهان لأصحابنا، أصحهما عندهم، وأشهرهما أنه ساتر؛ لحصول الحائل. انتهى، وهو بحثٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. (الثانية): حيث جَوَّزنا الاستقبال والاستدبار، قال جماعة من أصحابنا: هو مكروه، ولم يذكر الجمهور الكراهة، والمختار أنه لو كان عليه مشقة في تكلُّف التحرف عن القبلة، فلا كراهة، وإن لم تكن مشقة، فالأولى تجنبه؛ للخروج من خلاف العلماء، ولا تُطلَق عليه الكراهة؛ للأحاديث الصحيحة فيه. انتهى. (الثالثة): أنه يجوز الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وداود الظاهريّ، واختَلَف فيه أصحاب مالك، فجوَّزه ابن القاسم، وكرهه ابن حبيب، والصواب الجواز، فإن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يَرِد فيه نَهْيٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. (الرابعة): أنه لا يحرم استقبال بيت المقدس، ولا استدباره بالبول والغائط، لكن يكره. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أطلق النوويّ الكراهة، وهو محلّ نظر؛ لأنه ليس عليها دليلٌ، والله تعالى أعلم بالصواب. (الخامسة): إذا تجنب استقبال القبلة، واستدبارها حال خروج البول والغائط، ثم أراد الاستقبال، أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز. انتهت هذه الفوائد منقولة عن النوويّ - ﵀ -، وهي فوائد حسان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستنجاء بالحجارة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر - ﵀ -: ثبتت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه أمرهم بثلاثة أحجار، وقد اختَلَف أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومَن بعدهم في الاستنجاء، فرأت طائفة منهم الاستنجاء بالأحجار، وممن كان يستنجي بثلاثة أحجار: ابنُ عمر، ورُوي ذلك عن خزيمة بن ثابت، وهو قول الحسن، وسعيد بن المسيب، ورَوَينا عن عمر بن الخطاب أنه بال، ثم أَخَذ حجرًا، فمسح به ذكره. قال: وممن رُوي عنه أنه أنكر الاستنجاء بالماء حذيفةُ، وسعد بن مالك، وابن الزبير، ثم أخرج بسنده أن حذيفة - ﵁ - سئل عن الاستنجاء بالماء؟ فقال: إذن لا يزال في يدي نَتْنٌ، وأخرج بسنده عن عبد الله بن الزبير أنه قال: لعن الله غاسل استه، وعن سعد بن أبي وقّاص - ﵁ - أنه مرّ برجل يبول، فغسل أثر البول، فقال سعد: لِمَ تزيدون في دينكم ما ليس منه؟، وقال سعيد بن المسيب: أوَ يفعل ذلك - يعني الغسل بالماء - إلا النساء؟ وكان الحسن البصريّ لا يغسل بالماء، ورَوَينا عن عطاء أنه قال: غسلُ الدبر مُحْدَث. قال: وممن كان يرى الاستنجاء بالحجارة: سفيانُ الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وسئل مالك عمن استنجى بالأحجار، ولم يستنج بالماء، وصَلَّى؟ قال: لا يُعيد. قال: ورأت طائفة الاستنجاء بالماء، فممن كان يَرَى ذلك ابنُ عمر بعد أن لم يكن يراه، ورافع بن خَدِيج، وحُذيفة - ﵃ -. ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: بلغ ابنَ عمر أن معاوية يغسل عنه أثر الغائط والبول، فكان ابن عمر يَعجَب منه، ثم غسله بعدُ، فقال: يا نافع جرّبناه، فوجدناه صالحًا. وأخرج من طريق الأوزاعيّ قال: حدثني أبو النجاشيّ، قال: صحبت رافع بن خَدِيج سبع سنين، فكان يستنجي بالماء. ومن طريق حُصين بن عبد الرحمن، عن زِرّ، عن حنظلة، قال: كان حذيفة يستنجي بالماء إذا خرج من الخلاء. انتهى المقصود من كلام ابن المنذر - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الصحيح هو القول بجواز الاستنجاء بالحجارة، والماء، كما صحّ عن رسول الله - ﷺ -، وأما الذين أنكروا الاستنجاء بالماء، فيُعتذر عنهم بأنه لم يثبت عندهم عن النبيّ - ﷺ - فيه شيء، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. والحاصل أن الاستنجاء بالماء جائز، بل هو الأولى إن تيسّر، وسنعود إلى تحقيق المسألة في «باب الاستنجاء بالماء» - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاستنجاء بأقلّ من ثلاثة أحجار: قال الإمام أبو بكر بن المنذر - ﵀ -: دلت الأخبار الثابتة عن النبيّ - ﷺ - على أن ثلاثة أحجار تجزي من الاستنجاء، وبذلك قال كلُّ من نَحفَظ عنه من أهل العلم، إذا أنقي، ودلّ حديث رسول الله - ﷺ - على أن الاستنجاء لا يجزي بأقل من ثلاثة أحجار. ثم أخرج حديث سلمان - ﵁ - المذكور في الباب، بلفظ: قال: قال المشركون: لقد علَّمكم صاحبكم حتى يوشك أن يعلمكم الخرأة، قال: أجل نهانا أن نستنجي بالعظام، وبالرجيع، وقال: «لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار»، قال: فقوله: «لا يجزي أحدكم دون ثلاثة أحجار» يدلُّ على إغفال مَن زَعَم أن المعنى منه إزالة النجاسة، وأن أقلّ من ثلاثة أحجار تجزي إذا نَقّي، ويلزم قائل هذا القول طَرْحُ الاستنجاء إذا لَمْ يكن للغائط أثرٌ، وذلك موجود في بعض الناس، وحديث ابن مسعود ، مع حديث سلمان يدلّ أن أقلّ من ثلاثة أحجار لا تجزي. قال أبو بكر: وثبت أن نبي الله - ﷺ - قال: «وإذا استجمر فليوتر». قال: فإن قال قائل: فإن اسم الوتر يقع على واحد، ففي حديث سلمان حيث قال: «لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار» دليلٌ على أنه أراد بقوله: «مَن استجمر فليوتر» ثلاثة أحجار، وفي حديث جابر - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: «إذا استجمر أحدكم، فليستجمر ثلاثًا»، دليل على ذلك، وأخبار رسول الله - ﷺ - يُفَسِّر بعضها بعضًا، ويدُلّ بعضها على معنى بعض. وهذا على مذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. انتهى المقصود من كلام ابن المنذر - ﵀ - . وقال النوويّ - ﵀ - ما حاصله: ذهب الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وأبو ثور إلى أنه لا بدّ في الاستنجاء بالحجر من إزالة عين النجاسة، واستيفاء ثلاث مسحات، فلو مسح مرةً، أو مرتين، فزالت عين النجاسة وجب مسحه ثالثة. وذهب مالك، وداود إلى أن الواجب الإنقاء، فإن حصل بحجر أجزأه، وهو وجه لبعض الشافعيّة، قال: ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف، مَسَحَ بكل حرف مسحة أجزأه؛ لأن المراد المسحات، والأحجار الثلاثة أفضل من حجر له ثلاثة أحرف. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أصحّ المذاهب مذهب من قال: إنه لا يُجزئ أقلّ من ثلاثة أحجار؛ لأنه نصّ الحديث الصحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال ابن المنذر - ﵀ -: لا نَحْفَظ عن رسول الله - ﷺ - شيئًا من الأخبار أنه أمر بالاستنجاء بغير حجارة، ومن استنجى بالحجارة، كما أمر به رسول الله - ﷺ -، فقد أتى بما عليه، وإن استنجى بغير الحجارة، فالذي نَحفَظ عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا: ذلك جائزٌ، والاستنجاء بالحجارة أحوط، كان عطاء يقول: إني لأستنجي بالإذخر، وقال طاوس: ثلاثة أحجار، أو ثلاثة حثيات من تراب، أو ثلاثة أعواد، ويجزي كلّ ذلك عند الشافعيّ، وكذلك إن كانت آجُرّات، أو مقابس، أو خَزَفٌ، وهو على مذهب إسحاق، وأبي ثور، وأجاز مالك الاستنجاء بالمدر. قال ابن المنذر - ﵀ -: وأرجو أن يَجزِي ما قالوا، وليس في النفس شيء إذا استنجى بالأحجار وأنقي، فإن استنجى بثلاثة أحجار، ولم يُنْقِ زاد حتى يُنْقِي، وكان الشافعي يقول: لا يجزيه إلَّا أن يأتي من الامتساح بما يَعْلَم أنه لَمْ يُبقِ أثرًا قائمًا، فأما أثر لاصقٌ لا يُخرجه إلَّا الماء، فليس عليه إنقاؤه؛ لأنه لو جَهَد لَمْ يُنقِه بغير ماء، قال ابن المنذر: وكذلك نقول. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ -، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه آخر]: كان الشافعيّ - ﵀ - يقول: وإن وَجَد حجرًا له ثلاثة وجوه، فامتسح بكل واحد امتساحةً كانت كثلاثة أحجار، وكذلك قال أبو ثور، وإسحاق. وقد عارض بعض الناس الشافعيّ، وقال: ليس يخلو الأمر بثلاثة أحجار من أحد أمرين: إما أن يكون أُريد بها إزالة نجاسة، فإن كان هكذا، فبأيّ شيء أُزيلت النجاسة يجزي، بحجر، وغير حجر، ولو أزيلت بحجر واحد، أو يكون عبادةً، فلا يجزي أقلّ من العدد، أو معنى ثالثًا، فيقال: أريد بها إزالة نجاسة وعبادة، فلما بَطَلَ المعنى الأول، لَمْ يَبْقَ إلَّا هذان المعنيان، ولا يجزي في واحد من المعنيين إلَّا بثلاثة أحجار؛ لأن العبادات لا يجوز أن ينتقص عددها. قال ابن المنذر: والخبر يدلّ على صحة ما قاله هذا القائل، وذلك موجود في حديث سلمان - ﵁ -: «لا يكفي أحدَكم دون ثلاثة أحجار»، وكُلَّما أُمر الناسُ بعدد شيء لَمْ يجز أقلّ منه، فلا يجزي أن تُرمَى الجمرةُ بأقلَّ من سبع حصيات، مع أن قول رسول الله - ﷺ - مُسْتَغْنًى به عن غيره، ولا تأويل لما قال: «لا يَكفِي أحدكم دون ثلاثة أحجار» لمتأوّل معه. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ -. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر - ﵀ -، سيأتي الجواب عنه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. وقال النوويّ - ﵀ -: وأما نصه - ﷺ - على الأحجار، فقد تعلق به بعض أهل الظاهر، وقالوا: الحجر متعين، لا يجزئ غيره، وذهب العلماء كافّة من الطوائف كلها إلى أن الحجر ليس متعينًا، بل تقوم الْخِرَف والخشب وغير ذلك مقامه، وأن المعنى فيه كونه مزيلًا، وهذا يحصل بغير الحجر، وإنما قال - ﷺ -: «ثلاثة أحجار»؛ لكونها الغالب المتيسر، فلا يكون له مفهوم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ونظائره، ويدلّ على عدم تعيين الحجر نهيه - ﷺ - عن العظام والبعر والرجيع، ولو كان الحجر متعينًا لنهى عما سواه مطلقًا. قال: قال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: والذي يقوم مقام الحجر كلُّ جامدٍ طاهرٍ مزيلٍ للعين، ليس له حرمة، ولا هو جزء من حيوان. قالوا: ولا يشترط اتحاد جنسه، فيجوز في القبل أحجار، وفي المدبر خِرَق، ويجوز في أحدهما حجر مع خرقتين، أو مع خرقة وخشبة، ونحو ذلك. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره النوويّ - ﵀ - تحقيقٌ حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الأولى كون الاستنجاء بثلاثة أحجار، ولا يُشترط ذلك؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، حيث قال له النبيّ - ﷺ -: «ائتني بثلاثة أحجار، ولا تأتني بعظم، ولا روث»، رواه البخاريّ، فإن نهيه - ﷺ - عن إتيانه بعظمٍ، وروث، يدلّ على جواز إتيانه بغيرهما، فدلّ على أن الأحجار ليست متعيّنة، ولولا هذا لكان الحقّ مع من اشترط الأحجار؛ لظاهر قوله - ﷺ -: «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار»، رواه مسلم. وهذا هو الجواب الذي أشرت إليه في تعقّب كلام ابن المنذر السابق، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في أقوال أهل العلم في الاستنجاء بالرَّجِيع، والعظم: قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: ثبتت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنه نهى عن الاستنجاء بالروث والعظام، قال: فلا يجوز الاستنجاء بشيء مما نَهَى عنه رسول الله - ﷺ -، ولا بما قد استنجى به مرّةً، إلَّا أن يُطهَّر بالماء، ويرجع إلى حالة الطهارة، وقال سفيان الثوريّ: لا يستنجي بعظم، ولا رجيع، ويُكره أن يستنجي بماء قد استنجى به، وقال إسحاق، وأبو ثور: لا يجوز الاستنجاء بعظم، وغيره، مما نَهَى عنه النبيّ - ﷺ -، وقال الشافعيّ: لا يستنجي بعظمِ ذَكيّ، ولا ميتٍ؛ للنهي عن العظم مطلقًا، ولا بحُمَمَة . انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - . وقال النوويّ - ﵀ -: فيه النهيُ عن الاستنجاء بالنجاسة، ونَبَّهَ - ﷺ - بالرجيع على جنس النجس، فإن الرجيع هو الروث، وأما العظم فلكونه طعامًا للجنّ، فنبه على جميع المطعومات، وتلتحق به المحترمات، كأجزاء الحيوان، وأوراق كتب العلم، وغير ذلك، ولا فرق في النجس بين المائع والجامد، فإن استنجى بنجس لَمْ يصحّ استنجاؤه، ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء، ولا يجزئه الحجر؛ لأن الموضع صار نجسًا بنجاسة أجنبية، ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات، فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه، ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لَمْ يكن نقل النجاسة من موضعها، وقيل: إن استنجاءه الأول يجزئه مع المعصية. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦١٣] (…) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَش، وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ : إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ، حَتَّى يُعَلِّمَكُمُ الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ: أَجَلْ، إِنَّهُ نَهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِه، أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْث، وَالْعِظَام، وَقَالَ: «لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثةِ أَحْجَارٍ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ إمام حجة [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٣٨٨. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حافظ حجة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ١ ص ٢٩٦. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في الأصل، وهو صحيح، وتقديره: قال لنا قائل المشركين، أو أنه أراد واحدًا من المشركين، وجمَعه لكون باقيهم يوافقونه. انتهى . وفي نسخة: «قال له المشركون». وقوله: (إِنِّي أَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ) مفعول «يُعلِّمكم» الثاني محذوف، تقديره: يعلّمكم كلَّ شيء، كما سبق في الرواية الماضية، وجملة «يُعلِّمكم» في محلّ المفعول الثاني لـ «أرى» على أنَّها علميّة، والتقدير: إني أرى صاحبكم معلّمًا إياكم كلَّ شيء. وقوله: (أَوْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) في الكلام محذوف، يُفهم من المقام، تقديره: أي ونهانا عن أن يستقبل أحدنا القبلة عند قضاء الحاجة، وقد أوضحت هذا المقدّر الرواية الماضية، حيث قال فيها: «لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول». وقوله: (وَنَهَى عَنِ الرَّوْث، وَالْعِظَامِ) فيه محذوف أيضًا، أي ونهانا أيضًا عن استعمال الروث والعظام عند الاستجمار.
مصادر المؤلف (٣٤)

١. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢. وفي نسخة: «بغائط».

٣. راجع «تهذيب التهذيب» ٢/ ٦٨ - ٦٩، و«الإصابة» ٣/ ١١٨ - ١٢٠.

٤. «المفهم» ١/ ٥١٦.

٥. راجع «المنهل العذب المورود» ١/ ٣٨.

٦. «شرح النوويّ» ٣/ ١٥٤.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٧.

٨. راجع «المصباح» ١/ ٦٦.

٩. «إحكام الأحكام» ١/ ٥٣.

١٠. «النهاية» ٥/ ٢٦.

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٥.

١٢. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٢٠.

١٣. «المصباح» ٢/ ٣٨٢.

١٤. «لسان العرب» ١٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩.

١٥. ٢/ ٦٨٢.

١٦. «الثُّفْلُ» بضم، فسكون، جمعه أثفال، كقُفْل وأققال: حُثَالة الشيء، وهو الثخين الذي يبقى أسفل الصافي، أفاده في «المصباح» ١/ ٨٢.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٠.

١٨. المصدر السابق ٢/ ٤١٧.

١٩. «القاموس المحيط» ص ١٠٢٧.

٢٠. حديث صحيح، رواه أبو داود في «سننه» برقم (٣٩).

٢١. أخرجه البخاريّ في «صحيحه» «كتاب المناقب» رقم (٣٨٦٠).

٢٢. سيأتي للمصنّف - ﵀ - في «كتاب الصلاة» مطوّلًا برقم (٤٥٠).

٢٣. راجع «تهذيب التهذيب» ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣.

٢٤. «الأوسط» ١/ ٣٢٤ - ٣٢٨.

٢٥. راجع «شرح النوويّ على صحيح مسلم» ٣/ ١٥٥ - ١٥٦.

٢٦. «الأوسط» ١/ ٣٤٤ - ٣٤٩.

٢٧. أراد بحديث ابن مسعود - ﵁ - ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» (١٥٦) عن عبد الرَّحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه سمع عبد الله يقول: أتى النبيُّ - ﷺ - الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث، فلم أجده، فأخذت روثةً فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: «هذا ركس».

٢٨. «الأوسط» ١/ ٣٤٩ - ٣٥١.

٢٩. «شرح النوويّ» ٣/ ١٥٦.

٣٠. «شرح النوويّ» ٣/ ١٥٧.

٣١. «الْحُمَمَةُ» وزانُ رُطَبَة: ما أُحرق من خشب، ونحوه، والجمع بحذف الهاء. اهـ. «المصباح» ١/ ١٥٢.

٣٢. «الأوسط» ١/ ٣٥٦ - ٣٥٧.

٣٣. وفي نسخة: «قال: قال له المشركون».

٣٤. «شرح النوويّ» ٣/ ١٥٧.