HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٤

وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح قَالَ: وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتَ الزُّهْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ. وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». قَالَ [أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ. فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ. فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا ونستغفر الله؟ قال: نعم.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص154
ج ١ ص ٢٢٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٥٢٣
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦١٥] (٢٦٤) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، (ع) قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: سَمِعْتَ الزُّهْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا»، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ، قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَة، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ؟، قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور في السند الماضي. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير المذكور قبل باب. ٣ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ٥ أو ١٠٧) وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ج ٢ ص ٤٨٦. ٤ - (أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريّ خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة - ﵃ -، مات غازيًا بالروم سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٣. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بين اثنين منهما، وأفرد الثالث، وسبب ذلك اتفاق الأولين في صيغة الأداء، حيث قالا: «حدّثنا سفيان بن عيينة»، بخلاف الثالث، فإنه لَمْ يقل مثل ما قالا، بل قال: قلت لسفيان .. إلخ، وهذا من دقائق علم الإسناد، ومما يشهد للمصنّف - ﵀ - بشدّة تحرّيه في كيفية صيغ التحمّل، وإن كان معظمه لا يختلف به المعنى غالبًا، فلله درّه، ما أدقّ معرفته بالصناعة الحديثية، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: زهير، ويحيي، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له أبو داود، وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الزهريّ، عن عطاء. ٥ - (ومنها): أن فيه قوله: «واللفظ له»، يعني أن اللفظ الذي ساقه لفظ شيخه يحيى بن يحيى، وأما الآخران فروياه بالمعني، وقد تقدّم البحث عنه غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه من كبار الصحابة - ﵃ -، شهِد بدرًا، وما بعدها، ونزل عليه النبيّ - ﷺ - أول ما قَدِمَ المدينة - ﵁ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي أَيُّوب، أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ) قال عبد الغنيّ المقدسيّ - ﵀ -: الغائط الموضع المطمئنّ من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، فَكَنَوْا به عن نفس الحدث كراهة لذكره بخاصّ اسمه. انتهى. وقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: الغائط في الأصل: المطمئنّ من الأرض، كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثم استُعمل في الخارج، وغَلَب على الحقيقة الوضعيّة، فصار حقيقةً عرفيّة. والحديث يقتضي أن اسم الغائط لا ينطلق على البول؛ لتفرقته بينهما، وقد تكلّموا في أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، هل يتناول الريح مثلًا، أو البول، أو لا؟ بناءً على أنه يُخصّص لفظ «الغائط» لِمَا كانت العادة أن يُقْصَد لأجله، وهو الخارج من المدبر، ولم يكونوا يقصدون الغائط للريح مثلًا، أو يقال: إنه مستعمل فيما كان يقع عند قصدهم الغائط من الخارج من القبل والدبر كيف كان. انتهى . واستظهر الصنعانيّ - ﵀ - في «حاشيته» عدم تناوله للريح والبول، قال: فإنهم كانوا لا يقصدون الغائط للبول والريح، فإطلاقه على مطلق الخارج كما أفاده الآخر من الترديد غير واضح. نعم، الحكم في الآية عامّ؛ لأدلّة أخرى. انتهى . (فَلَا) ناهية، فلذا جُزم الفعل بعدها (تَسْتَقْبِلُوا) أي تواجهوا بفروجكم (الْقِبْلَةَ) أي الكعبة؛ لأنَّها المرادة عند الإطلاق (وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَما) أي لا تجعلوها خلفكم، والاستدبار خلاف الاستقبال (بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ) متعلّق بالفعل قبله، وقيل: متعلّق بحال محذوف من ضمير «لا تستقبلوا»، أي لا تستقبلوا القبلة حال كونكم مقترنين ببول، ولا غائط (وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا») أي توجّهوا إلى جهة المشرق، أو المغرب. وقال البغويّ - ﵀ -: هذا خطاب لأهل المدينة، ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق، أو المغرب، فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال . وقال الإمام ابن حبّان - ﵀ - في«صحيحه»: قوله:«شرِّقوا أو غرِّبوا» لفظة أمر تُستعمل على عمومه في بعض الأعمال، وقد يخُصّه خبر ابن عمر بأن هذا الأمر قُصد به الصحارَى دون الكُنُف، والمواضع المستورة، والتخصيص الثاني الذي هو من الإجماع أن من كانت قبلته في المشرق، أو في المغرب عليه أن لا يستقبلها، ولا يستدبرها بغائط أو بول؛ لأنَّها قبلته، وإنما أُمر أن يستقبل، أو يستدبر ضدّ القبلة عند الحاجة. انتهى . وقال السنديّ - ﵀ -: والمقصود الإرشاد إلى جهة أخرى لا يكون فيها استقبال القبلة، ولا استدبارها، وهذا مختلف بحسب البلاد، فلكلِّ أن يأخذ بهذا الحديث بالنظر إلى المعنى، لا بالنظر إلى اللفظ. انتهى . (قَالَ أَبُو أَيُّوبَ) الأنصاريّ - ﵁ - (فَقَدِمْنَا) بكسر الدال المهملة، يقال: قَدِمَ الرجلُ البلدَ يَقْدَمُهُ، من باب تَعِبَ، قُدُومًا، ومَقْدَمًا: إذا دخله. (الشَّامَ) منصوب على الظرفيّة، لا على المفعوليّة، و«الشأم»: بهمزة ساكنة، ويجوز تخفيفها، والنسبة: شَأْميّ على الأصل، ويجوز شَآمٍ بالمدّ من غير ياء، مثلُ يَمَنيّ، ويَمَانٍ. قاله الفيّوميّ - ﵀ - . وقال المجد - ﵀ -: الشّأْم: بلاد عن مَشْأمة القبلة، وسُمِّيت لذلك، أو لأن قومًا من بني كنعان تشاءموا إليها: أي تياسروا، أو سُمّي بِسام بن نوح، فإنه بالشين بالسريانيّة، أو لأن أرضها شاماتٌ بيضٌ وحُمْر، وسُودٌ، وعلى هذا لا تُهْمَز، وقد تُذكَّرُ، وهو شاميّ، وشآميّ، وشآمٍ. وأشأمَ: أتاها. انتهى . وحدّه في الطول من الْعَرِيش إلى الفرات، وفي العرض بين الجزيرة والغور إلى الساحل . (فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ) بفتح الميم: جمع مِرْحاض - بكسر الميم، وسكون الراء -: وهو البيت المتّخَذ لقضاء حاجة الإنسان: أي للتغوّط؛ قاله النوويّ - ﵀ - . وقال ابن الأثير - ﵀ -: أراد المواضع التي بُنِيت للغائط، واحدها مِرْحاضٌ: أي مواضع الاغتسال. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: رَحَضتُ الثوبَ رَحْضًا، من باب نَفَعَ: غسلته، فهو رَحِيضٌ، والْمِرْحَاضُ - بكسر الميم -: موضع الرَّحْض، ثم كُنِي به عن الْمُسْتَرَاح؛ لأنه موضع غسل النَّجْوِ. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: رَحَضَهُ، كمنعه: غَسَله، كأرحضه، فهو رَحِيضٌ، ومَرْحُوضٌ، والْمِرْحَاضُ - بالكسر -: خَشَبَةٌ يُضْرَب بها الثوب، والْمُغْتَسَلُ، وقد يُكْنَى به عن مَطْرَحِ الْعَذِرَة، وكَمِكْنسة: شيءٌ يُتوضّأ فيه، مثلُ الكنيف. انتهى . (قَدْ بُنِيَتْ) بالبناء للمفعول (قِبَلَ الْقِبْلَةِ) أي جهة القبلة، قال ابن الملقّن - ﵀ -؛ يعني أنَّها بُنيت في الجاهليّة، وبناؤها نحو الكعبة ليس قصدًا لها، ولا لقبلة أهل الشام إذ ذاك، وهي بيت المقدس، وإنما هو مجرّد جهل ومصادفة. انتهى . (فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا) بالنونين: معناه: نحرِص على اجتنابها بالميل عنها بحسب قدرتنا (وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ؟) قال الصنعانيّ - ﵀ -: المراد نستغفره بالذكر القلبيّ، لا اللسانيّ؛ لأنه عند كشف العورة، وفي محلّ قضاء الحاجة؛ لأن الانحراف يُشعر بأنه بعد كشف العورة، والقعود لقضاء الحاجة، والانحراف لا يُخرجه عن تلك الهيئة. انتهى . وقال الإمام ابن دقيق العيد - ﵀ -: قيل: يراد به: ونستغفر الله لباني الكنف على هذه الصورة الممنوعة عنده، وإنما حملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لَمْ يفعل ممنوعًا، فلا يحتاج إلى الاستغفار، والأقرب أنه استغفار لنفسه، ولعلّ ذلك لأنه استَقْبَلَ، واستدبر بسبب موافقته لمقتضى النهي غلطًا أو سهوًا، فيتذكّر، فينحرف، ويستغفر الله تعالى. [فإن قلت]: فالغالط والساهي لَمْ يفعلا إثمًا، فلا حاجة إلى الاستغفار. [قلت]: أهل الورع والمناصب العليّة في التقوى قد يفعلون مثل هذا؛ بناءً على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في عدم التحفّظ ابتداء، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن دقيق العيد - ﵀ - . وقال غيره: استغفار أبي أيوب؛ لأن مذهبه تحريم الاستقبال في البنيان كما سلف، ولا يتأتى له الانحراف الكامل في قعوده إلَّا بحسب إمكانه، فاستغفر احتياطًا، ولا يُظنّ به أنه كان يفعل ما يعتقد تحريمه. ومن قال: إن استغفاره لبانيها ففيه بُعْد لوجهين: [أحدهما]: أن تعقيب الوصف بالفاء، والعطف عليه يشعر بالعلّيّة، فالحكم: المنع من الجلوس إلى القبلة، والوصف: الانحراف المتعقّب بالفاء، والمعطوف عليه: الاستغفار. [ثانيهما]: أن الظاهر أن المراحيض بناء الكفّار في الجاهليّة، فكيف يجوز الاستغفار لهم؟. ويَحْتَمِل أن استغفاره لمن بناها من المسلمين جاهلًا على اعتقاده؛ قاله ابن الملقّن - ﵀ - . وقوله: (قَالَ: نَعَمْ) هو جواب لقول يحيى بن يحيى أَوّلًا: قلت لسفيان بن عيينة: سمعتَ الزهريَّ يذكره عن عطاء .. إلخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أيوب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [١٧/ ٦١٥] (٢٦٤)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٤٤) و«الصلاة» (٣٩٥)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٩)، و(الترمذيّ) في «الطهارة» (٨)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (٢١)، و(ابن ماجة) في «الطهارة» (٣١٨)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٢٥)، و(الحميديّ) في «مسنده»، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٥٥) (٣٧٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٤١٦ و٤٢١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٥٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤١٦ و١٤١٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٣٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٩١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣٩٣٦ و٣٩٣٨ و٣٩٣٩ و٣٩٤٠ و٣٩٤١ و٣٩٤٢ و٣٩٤٣ و٣٩٤٤ و٣٩٤٥ و٣٩٤٦ و٣٩٤٧ و٣٩٤٨ و٣٩٧٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥٠٥ و٥٠٦ و٥٠٧ و٥٠٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٠٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧٤)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تعظيم جهة القبلة، وتكريمها، والنهي عما يلزم منه عدم ذلك. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من القيام ببيان الإحكام وإيضاحه لأمته. ٣ - (ومنها): ابتداء العالم أصحابه بالعلم، خصوصًا إذا عَلِمَ أن بهم حاجةً إلى العمل به. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم التنبيه على الوقائع المخالفة للشرع، والرجوع عنها، والاستغفار منها، والتوبة إن كان تلبّس بها متلبّسٌ. ٥ - (ومنها): استحباب الكناية عن المستقذرات بألفاظ غير شنيعة النطق بها. ٦ - (ومنها): أن في قول أبي أيوب - ﵁ -: «فقدمنا الشام .. إلخ» دلالةً على أن للعموم صيغةً عند العرب، وأهل الشرع، على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين، والمعنى به استعمال صيغة العموم في بعض أفراده، كما فعله الجمهور في حديث أبي أيوب - ﵁ - هذا . ٧ - (ومنها): أن فيه القراءة على العالم، وأن قوله: نعم يقوم مقام إخباره، قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: وكذلك الإقرار يجري عندنا هذا المجري، وإن كان غيرنا قد خالفنا فيه، وهو أن يقال للرجل: الفلان عندك كذا؟ فيقول: نعم، فيلزمه، كما لو قال: لفلان عندي كذا. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال الإمام ابن دقيق العيد - ﵀ -: اختلفوا في علّة هذا النهي من حيث المعنى، والظاهر أنه لإظهار الاحترام، والتعظيم للقبلة؛ لأنه معنى مناسبٌ وَرَد الحكم على وفقه، فيكون علّةً له، وأقوى من هذا في الدلالة على هذا التعليل ما رُوي من حديث سَلَمَة بن وَهْرَام، عن سُراقة بن مالك، عن رسول الله - ﷺ -: «إذا أتى أحدكم البراز، فليُكرم قبلة الله - ﷿ -، ولا يستقبل القبلة»، وهذا ظاهر قويّ في التعليل بما ذكرناه. قال الجامع عفا الله عنه: حديث سراقة بن مالك - ﵁ - هذا ضعيف جدًّا؛ لأن في سنده مبشّر بن عبيد، وقد تفرّد به، وهو متروك الحديث، كما بيّنه الدارقطنّيّ، وأخرجه الدارقطنيّ في «سننه» ، والبيهقيّ من طريقه، في «المعرفة» من مرسل طاوس، وفي سنده زمعة بن صالح ضعيف، وسلمة بن وهرام، وهو مختلف فيه. والحاصل أن الحديث لا يثبُت، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: ومنهم من علّل بأمر آخر، فذكر عيسى بن أبي عيسى قال: قلت للشعبيّ: عجبتُ لقول أبي هريرة، ونافع عن ابن عمر، قال: وما قالا؟ قلتُ: قال أبو هريرة: «لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها»، وقال نافع، عن ابن عمر: رأيت النبيّ - ﷺ - ذهب مذهبًا مواجه القبلة، قال: أما قول أبي هريرة ففي الصحراء؛ لأن لله خلقًا من عباده يصلّون في الصحراء، فلا تستقبلوهم، ولا تستدبروهم، وأما بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن، فإنه لا قبلة لها. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث أيضًا ضعيف؛ لأن في سنده عيسى بن أبي عيسى الحناط، وضعّفه أحمد، وغيره، بل قال الفلاس، والنسائيّ: متروك . قال: وينبني على هذا الخلاف في التعليل اختلافهم فيما إذا كان في الصحراء فاستتر بشيء، هل يجوز الاستقبال والاستدبار أم لا؟ فالتعليل باحترام القبلة يقتضي المنع، والتعليل برؤية المصلّين يقتضي الجواز. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن حديث رؤية المصلّين غير صحيح، فلا يصحّ التعليل به، فالأولى التعليل باحترام القبلة، ولا يقال: إن حديث سَلَمة بن وَهْرام أيضًا ضعيف؛ لأنا نقول: لا نحتجّ به، وإنما نحتجّ بظاهر حديث أبي أيوب - ﵁ - الصحيح: «فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها»، فإن ظاهره يدلّ على أن العلّة هو احترامها، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قوله - ﷺ -: «إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة …» الحديث يقتضي - كما قال ابن دقيق العيد - ﵀ - أمرين؛ أحدهما: ممنوع منه، والثاني علّة لذلك المنع، وقد تقدّم الكلام في علّة المنع في المسألة السابقة، ولنتكلّم هنا على محلّ العلّة، فالحديث دل على المنع من استقبال القبلة بغائط أو بول، وهذه الحالة تتضمّن أمرين؛ أحدهما: خروج الخارج المستقذر، والثاني: كشف العورة، فمن الناس من قال: المنع للخارج؛ لمناسبته لتعظيم القبلة، ومنهم من قال: المنع لكشف العورة. وينبني على هذا الخلاف خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة، فمن عَلَّل بالخارج أباحه؛ إذ لا خارج، ومن علّل بكشف العورة منعه . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر هذا البحث ابن دقيق العيد - ﵀ -، ولم يرجّح، والذي يظهر لي أن التعليل بالخارج هو الأقرب؛ لظاهر قوله «بغائط أو بول»، ولم يقل: بالعورة، وأما الوطء مستقبل القبلة، مع كشف العورة، فيحتاج إلى ثبوت النهي عنه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [فائدة]: وردت أحاديث في النهي عن الجماع متجرّدًا، ولكنها أحاديث ضعيفة، فمنها ما أخرجه النسائيّ، والطبرانيّ عن عبد الله بن سَرْجِس - ﵁ -، مرفوعًا: «إذا أتى أحدكم أهله، فليستتر، ولا يتجرّدا تجرّد الْعَيْرَيْن»، وهو حديث ضعيف ، وأخرجه ابن ماجة بسند ضعيف، عن عتبة بن عبد السُّلَميّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجرد تجرد الْعَيْرَيْنِ» ، وأخرجه الطبرانيّ من حديث أبي أمامة - ﵁ -، وهو أيضًا ضعيف. والحاصل أن الأحاديث الواردة في هذا غير صحيحة، لكن التستر أفضل، لحديث: «إن الله حَيِيّ سَتِير، يحبّ الحياء والسَّتر …» الحديث، أخرجه أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الإمام ابن دقيق العيد - ﵀ - أيضًا: أُولِعَ بعض أهل العصر، وما يَقرُب منه بأن قالوا: إن صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلًا، أو على الأفعال، كانت عامّةً في ذللث، مطلقةً في الزمان والمكان، والأحوال، والمتعلّقات، ثم يقولون: المطلق يكفي في العمل به سورة واحدة، فلا يكون حجةً فيما عداها، وأكثروا من هذا السؤال فيما لا يُحصى من ألفاظ الكتاب والسنّة، وصار ذلك ديدنًا لهم في الجدال. فمثلًا يقولون: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ الآية [النور: ٢] قد حصل الامتثال بجلده - ﷺ - لمن أتى ذلك في عصره، فلا حجة فيه على جلد من أتى هذه الفاحشة بعده، وكذلك ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣٨]، وفي الأحاديث، كحديث أبي أيوب - ﵁ - هذا يقولون مثل ذلك. قال: وهذا عندنا باطلٌ، بل الواجب أن ما دلّ على العموم في الذوات مثلًا يكون دالّا على ثبوت الحكم في كلّ ذات تناولها اللفظ، ولا تخرج عنها ذات إلَّا بدليل يخصّه، فمن أخرج شيئًا من تلك الذوات، فقد خالف مقتضى العموم. نعم المطلق يكفي العمل به مرّةً كما قالوه، ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث الإطلاق، وإنما قلنا به من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كلّ ذات، فإن كان المطلق مما لا يقتضي العملُ به مرّة واحدةً مخالفةً لمقتضى صيغة العموم اكتفينا في العمل به مرّةً واحدةً، وإن كان العمل به مرّةً واحدةً مما يُخالف مقتضى صيغة العموم قلنا بالعموم؛ محافظةً على مقتضى صيغته، لا من حيث إن المطلق يعمّ. مثالُ ذلك إذا قال: من دخل داري، فأعطه درهمًا، فمقتضى الصيغة العموم في كلّ ذات صدق عليها أنَّها داخلة. فإن قال قائلٌ: هو مُطلقٌ في الأزمان، فأعمل به في الذوات الداخلة الدارَ في أول النهار مثلًا، ولا أعمل به في غير ذلك الوقت؛ لأنه مطلقٌ في الزمان، وقد عَمِلتُ به مرّةً، فلا يلزم أن أعمل به مرّةً أخرى؛ لعدم عموم المطلق. قلنا له: لَمّا دلّت الصيغة على العموم في كلّ ذات دخلت الدار، ومن جملتها الذوات الداخلة في آخر النهار، فإذا أخرجت تلك الذوات، فقد أخرجت ما دلّت الصيغة على دخوله، وهي كلُّ ذات. وهذا الحديث أحدُ ما يُستدلّ به على ما قلناه، فإن أبا أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله: «لا تستقبلوا، ولا تستدبروا» عامًّا في الأماكن، وهو مطلقٌ فيها، وعلى ما قال هؤلاء المتأخّرون لا يلزم منه العموم، وعلى ما قلناه يعمّ؛ لأنه إذا أُخرج عنه بعض الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار. انتهى كلام ابن دقيق العيد - ﵀ - ببعض زيادة . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره ابن دقيق العيد بحث نفيسٌ، وحاصله أن العامّ يُحْمَل على عمومه، ولا يُنظر إلى كونه مطلقًا؛ إذ المحافظة
مصادر المؤلف (٢٧)

١. وفي نسخة: «ولا بغائط».

٢. «إحكام الإحكام» ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠.

٣. «العدّة» ١/ ٢٣٨.

٤. راجع «شرح السنّة» رقم (١٧٧).

٥. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٤/ ٢٦٦.

٦. «شرح السندي على النسائيّ» ١/ ٢٣.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٨.

٨. «القاموس المحيط» ص ١٠١٤.

٩. راجع «الإعلام بفوائد عمدة الإحكام» ١/ ٤٥١.

١٠. «شرح النوويّ» ٣/ ١٥٨.

١١. «النهاية» ٢/ ٢٠٨.

١٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٢.

١٣. «القاموس المحيط» ص ٥٧٨.

١٤. «الإعلام» ١/ ٤٥١.

١٥. «العدّة حاشية العمدة» ١/ ٢٤٧.

١٦. «إحكام الأحكام» ١/ ٢٤٧.

١٧. «الإعلام بفوائد عمدة الإحكام» ١/ ٤٥٧.

١٨. «الإعلام بفوائد عمدة الإحكام» ١/ ٤٥٢.

١٩. «التمهيد» ١/ ٤٠٢.

٢٠. «سنن الدارقطنيّ» ١/ ٥٦ - ٥٨.

٢١. «معرفة السنن والآثار» ١/ ١٩٤ - ١٩٥.

٢٢. راجع «التعليق المغني على الدارقطني» ١/ ٦١.

٢٣. «إحكام الإحكام» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٦.

٢٤. «إحكام الإحكام» ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨.

٢٥. ضعيف. راجع «ضعيف الجامع الصغير» للشيخ الألبانيّ - ﵀ - رقم (٢٧٨).

٢٦. حديث ضعيف. أخرجه ابن ماجة برقم (١٩١١).

٢٧. «إحكام الإحكام» ١/ ٢٤٠ - ٢٤٦ بنسخة الحاشية.