HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٦

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ؛ قَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّي. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَقُولُ نَاسٌ: إِذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ، فَلَا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ.، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِحَاجَتِهِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص155
ج ١ ص ٢٢٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٦ ص٥٣٨
[٦١٧] (٢٦٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمِّه، وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِد، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَة، فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاِتي، انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَقُولُ نَاسٌ: إِذَا قَعَدْتَ لِلْحَاجَةِ تَكُونُ لَكَ، فَلَا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَة، وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَقَدْ رَقِيتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْن، مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقَعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ نزيل البصرة، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩]. رَوَى عن أبيه، وأفلح بن حميد، وسلمة بن وَرْدان، ومالك، وشعبة، والليث، وداود بن قيس، وسليمان بن بلال، وزيد بن أسلم، ويزيد بن إبراهيم، وجماعة. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وأخرج له مسلم أيضًا، والترمذيّ، والنسائيّ بواسطة أحمد بن الحسن الترمذيّ، وعبد بن حميد، وعمرو بن منصور النسائيّ، وموسى بن حِزَام، وهلال بن العلاء، والميمونيّ، ومحمد بن عبد الله بن الحكم، ومحمد بن علي بن ميمون، وأبو مسعود الرازيّ، ومحمد بن سهل بن عسكر، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذُّهْليّ ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وآخرون، وحدَّث عنه عبد الله بن داود الْخُرَيبيّ، وهو أكبر منه. وقال أبو الحسن ابن القطان، عن الحسن بن منصور: سمعت عبد الله بن داود الْخُريبي يقول: حدَّثني القعنبيّ عن مالك، وهو - والله عندي - خير من مالك، وقال ابن سعد: كان عابدًا فاضلًا قرأ على مالك كتبه، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ رجل صالحٌ، قرأ مالك عليه نصف «الموطأ»، وقرأ هو على مالك النصف الباقي، وقال أبو زرعة: ما كتبتُ عن أحد أجلّ في عيني منه، وقال أبو حاتم: ثقةٌ حجةٌ، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: القعنبيّ أحبّ إليك في «الموطأ»، أو ابن أبي أويس؟ قال: القعنبيّ أحبّ إليّ، لَمْ أر أخشع منه، وقال عبد الصمد بن المفضل البلخيّ: ما رأت عيناي مثل أربعة، فذكره فيهم، وقال ابن معين: ما رأيت رجلًا يحدث لله، إلَّا وكيعًا، والقعنبيّ، وقال الْحُنَينيّ: كنا عند مالك، فقيل: قَدِمَ القعنبيّ، فقال مالك: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان من الْمُتَقَشِّفة الْخُشْن، وكان لا يحدِّث إلَّا بالليل، وربما خرج وعليه باريَةٌ اتَّشَحَ بها، وكان من المتقنين في الحديث، وكان يحيى بن معين لا يقدِّم عليه في مالك أحدًا، وقال الدارقطنيّ: قال النسائيّ: القعنبيّ فوق عبد الله بن يوسف في «الموطأ»، وقال الحاكم: سئل ابن المدينيّ عنه؟ فقال: لا أُقَدِّم من رواة «الموطأ» أحدًا على القعنبيّ، وقال ابن قانع: بصريّ ثقة، وقال عمرو بن عليّ: كان مجاب الدعوة. قال البخاريّ: مات سنة إحدى وعشرين ومائتين، أو سنة (٢٢٠)، وقال أبو داود وغيره: مات في محرم سنة (٢٢١)، زاد غيره: بمكة، هكذا ذكره أبو موسى الزَّمِنُ في «تاريخه»، وقال مُطَيَّن في «تاريخه»: مات بطريق مكة، ولكن قال ابن عديّ، وابن حبان: إنه مات بالبصرة. والله أعلم. روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثًا . ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في الإيمان ١٤/ ١٦٠. ٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس بن عمرو الأنصاري القاضي المدني، ثقة ثبت [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «شرح المقدمة» ج ٢ ص ٩٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) بن حَبَّان بن مُنقِذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت ١٢١) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. ٥ - (عَمُّهُ، وَاسِعُ بْنُ حَبَّانَ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة - ابن مُنقِذ بن عمرو الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، صحابيّ ابن صحابيّ، وقيل: بل هو تابعيّ ثقةٌ [٢]، وهو الصحيح (ع) تقدم في «الطهارة» ٧/ ٥٦٥. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ -، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين، وعبد الله بن مسلمة، وإن كان بصريًّا، إلَّا أنه مدنيّ الأصل، وسكنها مدّةً. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، عن محمد بن يحيى، عن عمّه، وهذا هو الأصحّ، وعلى قول من قال: إن لواسع رؤيةً، ولذا عُدَّ في الصحابة، ففيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوي، وقد تقدّم غير مرّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى) بن حَبّان (عَنْ عَمِّه، وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ) بالفتح، أنه (قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ، فـ «أل» فيه للعهد (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ -، وهو مبتدأ، خبره قوله: (مُسْنَدٌ) اسم فاعل من أسند رباعيًّا، قال الفيّوميّ - ﵀ -: السَّنَدُ - بفتحتين -: ما استندتَ إليه من حائط وغيره، وسَنَدتُ إلى الشيء سُنُودًا، من باب قَعَدَ، وسَنِدتُ أَسْنَدُ، من باب تَعِبَ لغةٌ، واستندتُ إليه بمعنًى، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: أسندته إلى الشيء، فَسَنَد هو. انتهى . وقوله: (ظَهْرَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ) منصوب على المفعوليّة، وجملة «وعبد الله .. إلخ» في محلّ نصب على الحال، رُبط بالواو، كما قال في «الخلاصة»: وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا (فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاِتي) أي انتهيت من أفعالها (انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ) أي إلى عبد الله بن عمر - ﵄ - (مِنْ شِقِّي) - بكسر الشين، وتشديد القاف -: أي جانبي، وفي رواية أبي عوانة من طريق خالد بن مخلد الْقَطوانيّ، عن سليمان بن بلال: «فلما قضيت صلاتي، انصرفتُ إليه من شقّي الأيسر» (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر - ﵄ - (يَقُولُ نَاسٌ) تقدّم أنه اسمٌ وُضِع للجمع، كالقوم والرهط، وواحده إنسان من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تحرّك، فيشمل الإنس والجنّ، قال الله - ﷿ -: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ ثم فسَّر الناس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ . قال في «الفتح»: يشير بقوله: «ناسٌ» إلى من كان يقول بعموم النهي، كما سبق، وهو مرويّ عن أبي أيوب، وأبي هريرة، ومَعْقِل الأسديّ، وغيرهم. انتهى . (اِذَا قَعَدْتَ) ذكر القعود لكونه الغالب، وإلا فحال القيام كذلك (لِلْحَاجَةِ) أي لقضاء الحاجة، من البول والغائط، وجملة قوله: (تَكُونُ لَكَ) صفة لـ «الحاجة»، أو منصوب على الحال؛ إذ المعرّف بـ «أل» الجنسيّة كالنكرة، على حدّ قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّةَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي (فَلَا تَقْعُدْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) أي الكعبة (وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ) فيه لغتان: فتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال مخفَّفةً، وهو إما مصدر، أو مكان، والثانية: ضمّ الميم، وفتح القاف والدال المهملة المشدّدة، من التقديس، وهو التطهير، سُمي به لأنه موضعٌ يُتقدَّس، أي يُتطَهَّر فيه من الذنوب، وقد تقدّم البحث فيه في أول «باب الإسراء». (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر - ﵄ - (وَلَقَدْ) اللام جواب قسم محذوف، أي والله لقد (رَقِيتُ) - بكسر القاف: أي صَعِدتُ، وهذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى صاحب «المطالع» لغتين أُخريين، إحداهما: بفتح القاف بغير همزة، والثانية: بفتحها مع الهمزة، قاله النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: هاتان اللغتان اللتان حكاهما صاحب «المطالع» لَمْ أجدهما في كتب اللغة التي بين يديّ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. وقال الفيّوميّ - ﵀ -: رَقِيتُ في السلّم وغيره أَرْقَى، من باب تَعِبَ رُقِيًّا على فُعُولٍ، ورَقْيًا، مثلُ فَلْسٍ أيضًا، وارتقيتُ، وتَرَقَّيتُ مثلُهُ، ورَقِيتُ السطح والجبلَ: عَلَوتُهُ، يتعدّى بنفسه، والْمَرْقَى، والْمُرْتَقَى: موضع الرُّقِيّ، والْمَرْقَاةُ مثلُهُ، ويجوز فتح الميم على أنه موضعُ الارتقاء، ويجوز الكسر تشبيهًا باسم الآلة، كالْمِطْهَرَة، والْمِسْقَاة، وأنكر أبو عُبيد الكسر، وقال: ليس في كلام العرب. انتهى . (عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ) هكذا في هذه الرواية متعديًا بـ «على»، والذي في «الصحاح»، و«القاموس»، و«المصباح»، و«اللسان» تعديته بـ «إلى»، وبـ «في»، أو بنفسه، والله تعالى أعلم. (عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية التالية: «رقيتُ على بيت أختي حفصة»، وفي رواية للبخاريّ: «على ظهر بيتٍ لنا»، وفي رواية له: «على ظهر بيتنا»، وفي رواية ابن خزيمة: «دخلت على حفصة بنت عمر، فصعِدتُ ظهر البيت»، وفي رواية أبي عوانة: «على ظهر منزلنا». وطريق الجمع أن يقال: إضافته البيت إليه على سبيل المجاز؛ لكونها أخته، فله منه سبب، وحيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الذي أسكنها النبيّ - ﷺ - فيه، واستمرّ في يدها إلى أن ماتت، فورثه عنها، وحيث أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنه وَرِث حفصة دون إخوته؛ لكونها كانت شقيقته، ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب، قاله في «الفتح» . (فَرَأَيْتُ) عطف على «رَقِيتُ»، وهو بمعنى أبصرتُ، فلا يقتضي إلَّا مفعولًا واحدًا، وهو قوله: (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) [فإن قلت]: كيف نظر ابن عمر - ﵄ - إلى النبيّ - ﷺ -، وهو في تلك الحالة، ولا يجوز له ذلك؟. [أجيب]: بأنه لَمْ يقصد الإشراف عليه - ﷺ - في تلك الحالة، وإنما صَعِد السطح لضرورة له، كما قال في رواية للبيهقيّ، من طريق نافع، عن ابن عمر: «فحانت منه التفاتة»، نعم لَما اتّفَقَت له رؤيته في تلك الحالة من غير قصد أَحَبَّ أن لا يُخْلِي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعيّ، وكأنه إنما رآه من جهة ظهره حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور، ودَلّ ذلك على شدّة حرص الصحابيّ - ﵁ - على تتبع أحوال النبيّ - ﷺ -؛ ليتبعها، وكذا كان - ﵁ -، أفاده في «الفتح» . وقال في «العمدة»: وقعت منه تلك الرؤية اتّفاقًا من غير قصد لذلك، فنَقَلَ ما رآه، وقصده ذلك لا يجوز، كما لا يتعمّد الشهود النظر إلى الزنا، ثم يجوز أن تقع أبصارهم عليه، ويتحضلوا الشهادة بعد ذلك. وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون ابن عمر - ﵄ - قَصَدَ ذلك، ورأى رأسه دون ما عداه من بدنه، ثم تأمّل قعوده، فعرف كيف هو جالس ليستفيد فعله، فنقل ما شاهد. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا الرُّقيّ من ابن عمر - ﵄ - الظاهر منه أنه لَمْ يكن عن قصد الاستكشاف، وإنما كان لحاجةٍ غير ذلك، ويَحْتَمِلُ أن يكون ليطّلع على كيفيّة جلوس النبيّ - ﷺ - للحدث، على تقدير أن يكون قد استَشعَرَ ذلك، وأنه تحفّظ من أن يطّلع على ما لا يجوز له، وفي هذا الثاني بُعْدٌ. انتهى . (قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ) حال من الفاعل، ولابن خزيمة: «فأشرفت على رسول الله - ﷺ -، وهو على خلائه»، وفي رواية له: «فرأيته يقضي حاجته، محجوبًا عليه بلبن»، وللحكيم الترمذيّ بسند صحيح: «فرأيته في كَنِيف»، وهو بفتح الكاف، وكسر النون، بعدها ياء تحتانية، ثم فاء، وانتَفَى بهذا إيراد مَن قال ممن يرى الجواز مطلقًا: يَحْتَمِل أن يكون رآه في الفضاء، وكونه رآه على لبنتين لا يدلّ على البناء؛ لاحتمال أن يكون جَلَس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، وَيرُدُّ هذا الاحتمال أيضًا أن ابن عمر - ﵄ - كان يَرَى المنعَ من الاستقبال في الفضاء إلَّا بساتر، كما رواه أبو داود، والحاكم بسند لا بأس به . [تنبيه]: قوله: «لَبِنتين»: تثنية لَبِنَةٍ، واحد اللَّبِن، وهو ما يُعْمَل من الطين، ويُبْنَى به، وهو بفتح اللام، وكسر الباء، ويجوز إسكان الباء، مع فتح اللام، ومع كسرها، وكذا كلُّ ما كان على هذا الوزن، أعني مفتوح الأول، مكسور الثاني يجوز فيه الأوجه الثلاثة، كَكَتِفٍ، فإن كان ثانيه، أو ثالثه حرف حلق، جاز فيه وجهٌ رابعٌ، وهو كسر الأول والثاني، كَفَخِذٍ ، والله تعالى أعلم. (مُسْتَقْبِلًا) منصوبٌ على الحال كسابقه، إما على الترادف، أو التداخل، وقوله: (بَيْتَ الْمَقْدِسِ) منصوب على المفعوليّة لـ «مستقبلًا»، وقوله: (لِحَاجَتِهِ) متعلّق بـ«قاعدًا»، أو بخبر لمبتدأ محذوف، أي وذلك كائن لحاجته، واللام فيه للتعليل؛ أي لأجل قضاء حاجته، ويحتمل أن تكون للتوقيت، أي وقت قضاء حاجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والمستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [١٧/ ٦١٧ و٦١٨] (٢٦٦)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٤٥ و١٤٨ و١٤٩) وفي «فرض الخمس» (٣١٠٢)، و(أبو داود) في «الطهارة» (١٢)، و(الترمذيّ) في «الطهارة» (١١)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (٢٣)، و(ابن ماجة) في «الطهارة» (٣٢٢)، و(مالك) في «الموطأ» (١/ ١٩٣ - ١٩٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٥١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤١ و٩٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ١٧١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٥٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤١٨ و١٤٢١)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٦١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٣٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٣٠)، و(الطبرانيُّ) في «الكبير» (١٣٣١٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥١٢ و٥١٣ و٥١٤)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٦١١ و٦١٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٩٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان، قال الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ -: دلّ الحديث على أن النهي إنما أُريد به الصحاري، لا البيوت؛ لما في ذلك من الضِّيق والحرج، وما جعل الله في الدين من حرج. انتهى . ٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: واستقباله بيت المقدس يدلّ على خلاف ما ذَهَبَ إليه النخعيّ، وابن سيرين، فإنهما منعا ذلك، وما رُوي من النهي عن استقبال شيء من القبلتين بالغائط لا يصحّ؛ لأنه من رواية عبد الله بن نافع، مولى ابن عمر - ﵄ -، وهو ضعيفٌ، وقد ذهب من منع استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا إلى أن حديث ابن عمر - ﵄ - لا يصلَحُ تخصيص حديث أبي أيوب - ﵁ - به؛ لأنه فعلٌ في خلوة، وهو محتمِلٌ للخصوص، وحديث أبي أيوب قولٌ قُعِّدت به القاعدة، فبقاؤه على عمومه أولى. والجواب عن ذلك أن نقول: أما فعله - ﷺ -، فأقلّ مراتبه أن يُحْمَل على الجواز بدليل مطلق اقتداء الصحابة بفعله، وبدليل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وبدليل قوله - ﷺ - لأم سلمة - ﵂ - حين سألتها المرأة عن قبلة الصائم: «ألا أخبرتها أني أفعل ذلك؟» وقالت عائشة رمنها: «فعلته أنا ورسول الله - ﷺ -، فاغتسلنا» ، تعني التقاء الختانين، وقَبِلَ ذلك الصحابة، وعَمِلُوا عليه. وأما كون هذا الفعل في خلوة، فلا يصلح مانعًا من الاقتداء؛ لأن الحدث كلّه كذلك يُفعَلُ، ويمنَعُ أن يُفعَلَ في الملإ، ومع ذلك فقد نُقِلَ، وتُحُدّث به، سيّما وأهل بيته كانوا ينقلون ما يفعله في بيته، من الأمور المشروعة. وأما دعوى الخصوص، فلو سمعها النبيّ - ﷺ - لغضب على مدّعيها، وأنكر ذلك، كما قد غَضِبَ على من ادّعى تخصيصه بجواز القُبْلة، فإنه غَضِب عليه، وأنكر ذلك، وقال: «إني لأخشاكم، وأعلمكم بحدوده»، وكيف يجوز توهّم هذا؟ وقد تبيّن أن ذلك إنما شُرعَ إكرامًا للقِبلة، وهو أعلم بحرمتها، وأحقّ بتعظيمها، وكيف يَستَهين بحرمة ما حرّم الله؟ هذا ما لا يصدُر توهّمه إلَّا من جاهل بما يقول، أو غافل عما كان يحترمه الرسول - ﷺ -. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي الوقوف على هدي النبيِّ - ﷺ - حتى فيما يُطلَب إخفاؤه؛ ليُقتدى به، ويُهتدى بضوئه. ٤ - (ومنها): ما كان عليه ابن عمر - ﵄ - من شدّة الحرص على تتبّع آثار النبيّ - ﷺ -، وهو معروف بذلك. ٥ - (ومنها): جواز الإخبار عن مثل هذا الفعل عن النبيّ - ﷺ -، وإن كان عادة مما يُخفى؛ لأجل الاقتداء، والعمل به. ٦ - (ومنها): بيان أن أفعال النبيّ - ﷺ - كلّها للتشريع، إلَّا ما خُصّ به، وهو معنى قوله - ﷿ -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١]. ٧ - (ومنها): استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط. ٨ - (ومنها): أن في قوله: «يقول ناس .. إلخ» دليلًا على أن الصحابة - ﵃ - يختلفون في معاني السنن، وكان كلّ واحد منهم يستعمل ما سمع على عمومه، فمن هنا وقع بينهم الاختلاف. قال الخطابيّ - ﵀ -: قد يتوهّم السامع من قول ابن عمر - ﵄ -: «يقول ناس .. إلخ» أنه يريد إنكار ما رُوي في النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة نسخًا لما حكاه من رؤيته - ﷺ - يقضي حاجته مستدبر القبلة، وليس الأمر في ذلك على ما يُتوهّم؛ لأن المشهور من مذهبه أنه لا يجيز الاستقبال والاستدبار في الصحراء، ويُجيزهما في البنيان، وإنما أنكر قول من يزعم أن الاستقبال في البنيان غير جائز، ولذلك مثّل لما شاهد من قعوده في الأبنية. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: يؤيّد ما ذكره الخطابيّ - ﵀ - ما أخرجه أبو داود في «سننه» بسند حسن، عن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر، أناخ راحلته، مستقبل القبلة، ثم جَلَس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرَّحمن، أليس قد نُهِي عن هذا؟ قال: بلي، إنما نُهِي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يستُرُك فلا بأس. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦١٨] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَقِيتُ عَلَى بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَاعِدًا لِحَاجَتِه، مُسْتَقْبِلَ الشَّام، مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور أول الباب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٧. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٥] (ت سنة بضع و١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢.
مصادر المؤلف (١٩)

١. وله في «صحيح البخاريّ» (١٣٩) حديثًا، هكذا في برنامج الحديث (صخر)، وقال في «تهذيب التهذيب» (٢/ ٤٣٤) نقلًا عن «الزهرة»: رَوَى عنه البخاريّ مائة وثلاثة وعشرين حديثًا، ومسلم سبعين حديثًا. انتهى. والظاهر أن الاختلاف بالتكرار، والله تعالى أعلم.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٩١.

٣. راجع «المصباح» ٢/ ٦٣٠.

٤. «الفتح» ١/ ٢٩٨.

٥. «الفتح» ١/ ٢٩٨.

٦. «شرح النوويّ» ٣/ ١٥٨.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٦.

٨. ١/ ٢٩٨.

٩. ١/ ٢٩٨.

١٠. «عمدة القاري» ٢/ ٤٢٧.

١١. «المفهم» ١/ ٥٢٢.

١٢. «الفتح» ١/ ٢٩٨.

١٣. راجع «المصباح المنير» ٢/ ٥٤٨، و«شرح النوويّ» ٣/ ١٥٤.

١٤. «الاستذكار» ٧/ ١٧٤.

١٥. كان في نسخة «المفهم» عائشة بدل أم سلمة، وهو غلطٌ، والإصلاح من «الموطأ»، فتنبّه.

١٦. رواه الإمام مالك - ﵀ - في «الموطأ» ١/ ٢٩١، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رجلًا قَبّل امرأته، وهو صائم في رمضان، فوَجَد من ذلك وجدًا شديدًا، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة، زوج النبيّ - ﷺ -، فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - يقبّل وهو صائم، فرجعت فأخبرت زوجها بذلك، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله - ﷺ -، الله يُحِلّ لرسول الله - ﷺ - ما شاء، ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما لهذه المرأة؟» فأخبرته أم سلمة، فقال رسول الله - ﷺ -: «ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟»، فقالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله - ﷺ -، الله يحل لرسوله - ﷺ - ما شاء، فغضب رسول الله - ﷺ -، وقال: «والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده». انتهى.

١٧. حديث صحيح، أخرجه أحمد في «مسنده» ٦/ ٢٣٩، والترمذيّ ١/ ١٨٠ وابن ماجة ١/ ١٩٩.

١٨. «المفهم» ١/ ٥٢٣ - ٥٢٤.

١٩. حديث حسن، أخرجه أبو داود في «سننه» برقم (١١).