HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٦

وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ، عن الحكم ابن عُتَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ؛ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ: فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَلْهُ. فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ. وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. قَالَ وَكَانَ سُفْيَانُ إِذَا ذَكَرَ عَمْرًا أَثْنَى عليه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص159
ج ١ ص ٢٣٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص١٢١
(٢٤) - (بَابُ التَّوْقِيتِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) [٦٤٥] (٢٧٦) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، أَسْأَلُهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْن، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلَاثَةَ أَيَّامِ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِر، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ»، قَالَ: وَكَانَ سُفْيَانُ إِذَا ذَكَرَ عَمْرًا أَثْنَىَ عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، إلا أنه عمي، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ١١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (الثَّوْرِيُّ) هو: سفيان بن سعيد، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الثقة الثبت الحجة المشهور، رأس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ) هو: عمرو بن قيس الْمُلائيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٦]. روَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وعكرمة، والمنهال بن عمرو، والحكم بن عتيبة، وعاصم بن أبي النَّجُود، وعون بن أبي جُحيفة، وعُمارة بن غَزِيّة، وجماعة. ورَوَى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وهو أكبر منه، والثوريّ، وإسماعيل بن زكريا، وأبو خالد الأحمر، وأسباط بن محمد القرشيّ، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون، وقال العجليّ: ثقة، من كبار الكوفيين، متعبد، وكان الثوريّ يتبرك به، وكان يبيع الْمُلاء، وكان إذا كسد أهل السوق قال: إني لأرحم هؤلاء المساكين، لو أن أحدهم إذا كسدت الدنيا ذكر الله، تَمَنَّى يوم القيامة أنه كان أكبر أهل الدنيا كسادًا، وقال عبد الرزاق: كان الثوريّ إذا ذكره قال: حسبك به شيخًا، وعن عمرو بن قيس قال: ما سمعت شيئًا من الحديث إلا وأنا أحفظه، وما كتبت قط، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان من ثقات أهل الكوفة، ومتقنيهم، وعباد أهل بلده وقرائهم، ثم رَوَى عن الثوريّ أنه قال لحماد بن سلمة: يا أبا سلمة أُشَبِّهك بشيخ صالح، قال: من هو؟ قال: عمرو بن قيس الملائيّ، ووثَّقه يعقوب بن سفيان، والترمذيّ، وابن خِرَاش، وابن نمير، وغيرهم، وفي «صحيح مسلم» عن عبد الرزاق: كان الثوريّ إذا ذكر عمرو بن قيس أثنى عليه، وقال ابن عديّ: كان من ثقات أهل العلم وأفاضلهم. قال أبو داود: مات بسجستان، وأرّخه بعضهم سنة (١٤٦). روى له البخاري في «الأدب المفرد» والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (٢٧٦) و(٥٩٦). [تنبيه]: قوله: «الْمُلائيّ» - بضمّ الميم، وتخفيف اللام، وبالمدّ - كان يبيع الملاء، وهو نوع من الثياب، معروفٌ، الواحدة ملاءة بالمدّ . ٤ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ) - بضمّ الميم، مصغّرًا - أبو عروة الْهَمْدانيّ الكوفيّ، نزيل الشام، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٠) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٤. ٥ - (شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ) بن يزيد الحارثيّ الْمَذْحِجيّ، أبو الْمِقْدام الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم، قُتل مع ابن أبي بكرة بسجستان (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة» ١٥/ ٥٩٦. ٦ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ، أبو الحسن الخليفة الراشد - ﵁ -، مات سنة (٤٠) وله (٦٣) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. والباقيان تقدّما في الباب الماضي، وإسحاق هو: ابن راهويه، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف ﵀. ٢ - (منها): أن فيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من الثوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين رَوى بعضهم عن بعض: الحكم، عن القاسم، عن شُريح، وفي السند التالي يكون فيه أربعة تابعيين؛ لأن فيه الأعمش. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - ذو مناقب جمّة؛ إذ هو ابن عمّ رسول الله - ﷺ -، وزوج ابنته فاطمة - ﵂ -، وهو أحد السابقين الأولين، بل هو أول من أسلم، وهو أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد الخلفاء الراشدين الأربعة، ومات وهو يومئذ أفضل أهل الأرض من بني آدم بإجماع أهل السنّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ شُرَيْح) بصيغة التصغير (ابْنِ هَانِئٍ) الحارثيّ الكوفيّ أنه (قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - (أَسْأَلُهَا) جملة في محل نصب على الحال، أي حال كوني سائلًا إياها (عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ) أي عن حكمه، أو مدّته (فَقَالَتْ) مرشدةً إلى الأعلم بالحكم منها (عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ) أي عليًّا - ﵁ -، و«عليك» اسم فعل بمعنى «الزم»، وفي الرواية التالية: «فقَالت: ائت عليًّا» (فَسَلْهُ) أمر من سال يسأل، كخاف يخاف، ويقال في المثنّى: سَلا، وفي المجموع: سَلُوا على غير قياس؛ لأن القياس أن يقال: سالا، وسالوا، كخافا، وخافوا، وفي نسخة: «فاسأله»، وهو أمر سأل يسأل، قال الفيّومي ﵀: والأمر من سأل اسأل، بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو «واسألوا»، و«سَلُوا». انتهى . (فَإنَّهُ) الفاء تعليليّة، أي لأن عليًّا - ﵁ - (كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي فيكون أعَلم بالحكم منّي؛ لملازمته سفرًا وحضرًا، ومن لازم شخصًا فيهما يكون أعلم بشؤونه كلها ممن لا يلازمه إلا في الحضر. [فإن قلت]: كانت عائشة - ﵂ - ممن لا يسافر معه، فكيف قالت: «كان يسافر معه»؟. [أجيب]: بأنها ما كانت تسافر معه مثل عليّ - ﵁ -، بدليل قولها: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فمن خرجت قرعتها، فأيّتُهُنّ خرج سهمها، خرج بها معه … الحديث، متّفقٌ عليه، ففيه دلالة على أنها ما كانت تسافر معه - ﷺ - إلا إذا خرجت قرعتها، مثل غزوة بني الْمُصْطَلِق، التي وقعت فيها قصّة الإفك المشهورة، والله تعالى أعلم. وفي الرواية التالية: «فإنه أعلم بذلك منّي». (فَسَأَلْنَاهُ) عطف على محذوف، أي أتيناه، فسألناه، وفي رواية النسائيّ: «فأتيت عليًّا، فسألته عن المسح» (فَقَالَ) عليّ - ﵁ - مجيبًا عن المسألة (جَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية النسائيّ: «كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا أن يمسح المقيم يومًا وليلةً، والمسافر ثلاثًا» (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ) بالنصب بالفتحة الظاهرة على الياء عطفًا على «ثلاثة» (لِلْمُسَافِرِ) متعلّق بـ «جَعَلَ»، أي حدّد مدّة مسحِ المسافر بثلاثة أيام ولياليهنّ، بحيث لا يجوز أن يتجاوزها وقوله: (وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ) معطوف على ما قبله عطف معمولين على معمولي عامل واحد؛ لأن «يومًا» عطف على «ثلاثة»، وهو ظرف لـ «جَعَل»، و«للمقيم» عطف على «للمسافر»، وهو متعلّق بـ «جَعَل» أيضًا، فالعامل واحد، وهذا جائز باتّفاق النحاة، كما هو موضّح في محلّه. (قَالَ) القائل عبد الرزّاق (وَكَانَ سُفْيَانُ) أي الثوريّ الراوي عن عمرو هنا (إِذَا ذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير سفيان، وقوله: (عَمْرًا) منصوب على المفعوليّة، وفي بعض النسخ: «إذا ذُكر عمرو» ببناء الفعل للمفعول، ورفع عمرو على أنه نائب فاعله (أَثْنَى عَلَيْهِ) أي مدحه، قال الفيّوميّ ﵀: أثنيتُ على زيد بالألف، والاسم: الثناء - بالفتح والمدّ -، يقال: أثنيتُ عليه خيرًا وبخير، وأثنيتُ عليه شرًّا، وبشرّ؛ لأنه بمعنى: وَصَفته، هكذا نَصَّ عليه جماعةٌ، منهم صاحب «المحكم»، وكذلك صاحب «البارع»، وعزاه إلى الخليل، واقتصر بعضهم على أنه لا يُستعمل إلا في الخير، والصواب الأول. انتهى كلام الفيّومي باختصار . والمعنى أن سفيان الثوريّ كان إذا ذَكَرَ شيخه عمرو بن قيس الملائيّ أثنى عليه بالخير، ومدحه، وكذلك أثنى عليه غيره من الحفّاظ، كما أسلفت كلامهم في ترجمته آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [٢٤/ ٦٤٥ و٦٤٦ و٦٤٧] (٢٧٦)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ٨٤)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٥٥٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٥٥)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (٧٨٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٧٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٩٦ و١٠٠ و١١٣ و١٢٠ و١٣٣ و١٤٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ١٨١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٩٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣٢٢ و١٣٣١)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (١/ ٨١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٧١٨ و٧١٩ و٧٢٠ و٧٢١ و٧٢٢ و٧٢٣ و٧٢٤)، و(أبو عوانة) في «مستخرجه» (٦٣٣ و٦٣٤ و٦٣٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٢٧٢ و٢٧٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة المسح على الخفّين، والردّ على من أنكر ذلك، وهم أهل الزيغ والضلال. ٢ - (ومنها): بيان مدّة المسح على الخفّين بأنه يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهنّ للمسافر. ٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على مالك، حيث لم ير للمقيم مسحًا، ولم يقيّد للمسافر بمدّة. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص على سؤال أهل العلم عن أحكام دينهم. ٥ - (ومنها): جواز استفتاء النساء مع وجود الرجال، إذا كنّ عالمات. ٦ - (ومنها): ما كان عليه السلف من الورع في الفتوى، فإنهم لا يجترؤون، بل إذا وجدوا من هو أعلم منهم دلُّوا عليه السائل؛ نصيحةً له؛ عملًا بمقتضى قوله - ﷺ -: «الدين النصيحة». ٧ - (ومنها): بيان ما كان عليه عليّ - ﵁ - من حفظ سنن رسول الله - ﷺ - التي تحتاج الأمة إليها. ٨ - (ومنها): ما كانت عليه عائشة - ﵂ - من الورع والدين، حيث اعترفت بفضل عليّ - ﵁ -، ووفور علمه، وأرشدت السائل إلى الاستفادة منه - ﵄ -، وعن جميع أصحاب رسول الله - ﷺ - أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في توقيت مدّة المسح: اختلفوا في المدة التي للمسافر والمقيم أن يمسح فيها على الخفين على مذاهب: (الأول): ذهبت طائفة إلى أنه يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن على خفيه، وللمقيم يوم وليلة، هكذا قال عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبو زيد الأنصاريّ، وشُريح، وعطاء بن أبي رَبَاح، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وهو آخر قولي الشافعيّ، وكان قوله الأول كقول مالك. (الثاني): ذهبت طائفة: إلى أنه يمسح على الخفين ما لم يخلعهما، ليس لذلك وقت، رُوي هذا عن الشعبيّ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن. وقد اختلفت الأخبار عن ابن عمر، والحسن البصريّ في هذا الباب، فرُوي عن كل واحد منهما قولان: أحدهما كالقول الأول، والقول الآخر كالقول الثاني، وكان مالك بن أنس لا يؤقت في المسح على الخفين وقتًا، لم يَخْتَلف قوله في ذلك، وإنما اختلفت الروايات عنه في المسح في الحضر، وقد أخبر ابنُ بكير مذهبه الأول والآخر، قال ابن بكير: كان مالك يقول بالمسح على الخفين إلى العام الذي قال فيه غير ذلك، قيل له: وما قال؟ قال: كان يقول: أقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة عشر سنين، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فلم يبلغنا أن أحدًا منهم يمسح على الخفين بالمدينة. وحُكِي عن الليث بن سعد أنه كان يَرَى المسح، ويقول: يمسح المقيم والمسافر ما بدا له. قال ابن المنذر ﵀: وأكثر من بلغني عنه من أصحاب مالك يرون أن يمسح المقيم والمسافر كما يشاء. وسئل الأوزاعي عن غَازٍ صَلَّى في خفيه أكثر من خمس عشرة صلاةً لثلاث ليال وأيامهن لم ينزع خفيه؟ قال: مضت صلاته، وقد حُكي عن ربيعة أنه قال: لم أسمع في المسح على الخفين وقتًا. قال ابن المنذر ﵀: وقد احتج بعض من هذا مذهبه بحديث رُوِي عن عقبة بن عامر - ﵁ - أنه قال: خرجت من الشام إلى المدينة، فخرجت يوم الجمعة، ودخلت المدينة يوم الجمعة، فدخلت على عمر بن الخطاب - ﵁ -، فقال: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: وهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: أصبت السنة، ومنهم مَن رَوَى أنه قال: أصبت، ولم يقل السنة. وعن ابن عمر - ﵄ - قال: امسح على الخفين ما لم تخلعهما. (الثالث): قال سعيد بن جبير: المسح على الخفين من غدوة إلى الليل، وعن الشعبي أنه قال: لا أستتم خمس صلوات يمسح عليهما. قال ابن المنذر بعد ذكره هذه الأقوال: وبالقول الأول أقول؛ إذ ثابت عن رسول الله - ﷺ - أن أَذِن أن يمسح المقيم يومًا والمسافر ثلاثًا، ثم أخرج بسنده عن عمرو بن ميمون الأوديّ، عن أبي عبد الله الْجَدَليّ، عن خزيمة بن ثابت - ﵁ - قال: جعل رسول الله - ﷺ - المسح على الخفين ثلاثة أيام للمسافر، ويومًا للمقيم، ولو مَضَى السائل في مسألته لجعله خمسًا، وقد رَوَى هذا الحديث عن النبيّ - ﷺ - عليّ بن أبي طالب، وصفوان بن عَسّال، وأبو بكرة، وعوف بن مالك، وأبو هريرة، وغيرهم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الجمهور من أن المسح موقّت للمقيم بيوم وليلة، وللمسافر بثلاثة أيام ولياليهنّ هو الحقّ؛ لثبوته بأحاديث صحيحة: [فمنها]: حديث عليّ - ﵁ المذكور في الباب بلفظ: «جعل رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيام ولياليهنّ للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم»، فإنه نصّ صريح في التوقيت. [ومنها]: حديث صفوان بن عسّال - ﵁ - قال: «رخّص لنا النبيّ - ﷺ - إذا كنّا مسافرين أن لا ننزِعَ خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنّ»، وهو حديث صحيح أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه. [ومنها]: حديث أبي بكرة - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - سُئل عن المسح على الخفّين؟ فقال: «للمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ، وللمقيم يوم وليلةٌ»، وهو حديث حسن. [ومنها]: حديث خزيمة بن ثابت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - في المسح على الخفين: «للمسافر ثلاث، وللمقيم يوم»، وهو حديث صحيح، رواه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما. [ومنها]: حديث عوف بن مالك الأشجعيّ - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - أمر في غزوة تبوك بالمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهنّ للمسافر، وللمقيم يوم وليلة»، قال الترمذيّ: قال البخاريّ: هذا الحديث حسنٌ، وغير ذلك من الأحاديث. والحاصل أن القول بتوقيت المسح هو المذهب الحقّ؛ لصحّة الأدلة عليه، وأما ما احتجّ به القائلون بعدم التوقيت، فأدلّة ضعيفة، لا تعارض أدلّة الجمهور، وقد استوفيت الكلام عليها في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد علمًا جَمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٤٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِيِ أُنَيْسَةَ، عَنِ الْحَكَم، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، نزيل بغداد، وهو أخو يوسف، ثقةٌ جليلٌ حافظ، من كبار [١٠] (ت ١ أو ٢١٢) (بخ م مد ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٨. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرو) بن أبي الوليد الرَّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٨٠) إلا سنة (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٩٦. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) الْجَزَريّ، أبو أُسامة، أصله من الكوفة، ثم سكن الرُّهَا، ثقةٌ له أفراد [٦] (ت ١١٩ أو ١٢٤) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٩٦. و«إسحاق»، وهو ابن راهويه، و«الحكم»، وهو ابن عتيبة تقدّما في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) يعني إسناد الحكم، عن القاسم بن مُخَيمِرة، عن شُريح بن هانئ، عن عليّ - ﵁ -، مثل حديث قيس بن عمرو الملائيّ، عن الحكم بن عتيبة السابق. [تنبيه]: رواية زيد بن أبي أُنيسة هذه لم أجد من ساقها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
مصادر المؤلف (٧)

١. وفي نسخة: «فاسأله».

٢. وفي نسخة: «إذا ذُكِرَ عَمْرٌو».

٣. «شرح النوويّ» ٣/ ١٧٥ - ١٧٦.

٤. راجع «المصباح المنير» ١/ ٢٩٧.

٥. راجع «المصباح المنير» ١/ ٨٥ - ٨٦.

٦. «الأوسط» ١/ ٤٣٤ - ٤٣٩.

٧. وفي نسخة: «حدّثنا».