HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٦

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْبٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ. فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ. فَدَعَا بِمَاءٍ. فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص163
ج ١ ص ٢٣٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٢٣٧
وقوله: (إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ﷿، وَالصَّلَاة، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) قال القرطبيّ ﵀: فيه حجة لمالك في أن المساجد لا يُفعل فيها شيء من أمور الدنيا، إلا أن تدعو ضرورة، أو حاجة إلى ذلك، فيتقدّر بقدر الحاجة فقط، كنوم الغريب فيه، وأكله. انتهى . وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)، «أو» هنا للشكّ من الراوي، وهذا هو الذي ينبغي للراوي بالمعنى، أو لمن شكّ في اللفظ المرويّ أن يأتي به؛ احتياطًا في الرواية، وخشية أن يكون الحديث مرويًّا بالمعنى، دون اللفظ، وإليه أشار السيوطيّ في «ألفية الحديث» حيث قال: وَقُلْ أَخِيرًا «أَوْ كَمَا قَالَ» وَمَا … أَشْبَهَهُ كَالشَّكِّ فِيمَا أَبْهَمَا وقوله: (قَالَ: فَأَمَرَ إلخ) فاعل «قال» ضمير أنس - ﵁ -. وقوله: (فَشَنَّهُ عَلَيْهِ) يُرْوَى بالشين المعجمة، وبالمهملة، وهو في أكثر الأصول والروايات بالمعجمة، ومعناه: صَبّه، وفَرّق بعض العلماء بينهما، فقال: هو بالمهملة الصبّ في سهولة، وبالمعجمة التفريقُ في صبّه، قاله النوويّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣١) - (بَابُ حُكْمِ بَوْلِ الطِّفْلِ الرَّضِيع، وَكَيْفِيَّةِ تَطْهِيرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٦٨] (٢٨٦) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْج النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَان، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَنِّكُّهُمْ، فَأَتِيَ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَيْه، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م دس ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٤ - (هِشَام) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) عن (٨٧) سنة (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، ماتت سنة (٥٧) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستّة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من هشام، والباقون كلهم كوفيّون. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: هشام، عن أبيه، ورواية الراوي عن خالته: عروة عن عائشة - ﵂ -. ٦ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة. ٧ - (ومنها): أن عائشة - ﵂ - أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبيّ - ﷺ - إلا خديجة، ففيها خلاف مشهور، وهي من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - (زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) بالجرّ بدلٌ مما قبله، واستعمال الزوج للمرأة بلا هاء لغة فصيحة، قال الفيّوميّ ﵀: الرجل زوج المرأة، وهي زوجه أيضًا، هي اللغة العالية، وبها جاء القرآن، نحو قوله ﷿: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، والجمع فيهما أزواج، قال أبو حاتم: وأهل نجد يقولون في المرأة: زوجةٌ بالهاء، وأهل الحرم يتكلّمون بها، وعَكَسَ ابن السّكّيت، فقال: وأهل الحجاز يقولون للمرأة: زوج بغير هاء، وسائر العرب: زوجة بالهاء، وجمعها زوجات، والفقهاء يقتصرون في الاستعمال عليها؛ للإيضاح، وخوف لبس الذكر بالأنثى؛ إذ لو قيل: تَرِكةٌ فيها زوج وابن، لم يُعلَم أذكرٌ هو أم أنثى؟. انتهى . (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ) بكسر الصاد، ويجوز ضمّها، كما في «الفتح» ، جمع صبيّ، وهو: من لم يُفْطَم بَعْدُ، وفي «المحكم»: من لدن يولد إلى الفطام، وجمعه أَصْبِيَةٌ، وأَصْبٍ، وصِبْوَةٌ - بالكسر، وصَبْيَةٌ - بالفتح - وصِبْيةٌ، وصِبْوانٌ، وصِبْيَانٌ، بكسر الثلاثة، وتُضمّ، أفاده في «القاموس»، و«شرحه» . (فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ)، وفي نسخة: «فيبارك عليهم»: أي يدعو لهم بالبركة، قال في «القاموس»: البركة محرَّكةً: النماءُ، والزيادة، والسعادة، والتبريك: الدعاء بها، وبَرِيكٌ: مبارَكٌ فيه، وبارك الله لك، وفيك، وعليك، وبارَكَكَ، وبارِكْ على محمد، وعلى آل محمد: أَدِم ما أعطيته من التشريف والكرامة، وتبارك الله: تقدّس، وتَنَزّه، صفةٌ خاصّةٌ بالله تعالى، وتبارك بالشيء: تفاءل به. انتهى . وخَصَّ الصبيان بهذه الدعوة؛ لمناسبتها لأحوالهم، حيث إنهم في أول الأمر قابلون للزيادة، من حيث الجسم، والعقل، والحياة، وغير ذلك، والله تعالى أعلم. (وَيُحَنِّكُهُمْ) بتشديد النون، من التحنيك، قال النوويّ ﵀: قال أهل اللغة: التحنيك: أن يَمْضَغَ التمر، أو نحوه، ثم يَدْلُك به حَنَكَ الصغير، وفيه لغتان مشهورتان: حَنَكَهُ، وحَنَّكَهُ بالتخفيف والتشديد، والرواية هنا «فَيُحَنِّكُهم» بالتشديد، وهي أشهر اللغتين. انتهى . وقال المجد ﵀: الْحَنَك محرّكَةً: باطن أعلى الفم من داخل، أو الأسفل من طرف مُقَدَّم اللَّحْيَيْن، جمعه أَحْنَاك. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: الْحَنَك من الإنسان وغيره مذكّرٌ، وجمعه أَحْناك، مثلُ سَبَب وأَسباب، حنكتُ الصبيَّ تحنيكًا: إذا مَضَغْتَ تمرًا ونحوه، ودَلَكت به حَنَكَهُ، وحَنَكْتهُ حَنْكًا، من بأبي ضرب وقَتَلَ كذلك، فهو مُحَنَّكٌ من المشدّد، ومَحْنُوكٌ من المخفّف . (فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول، أي جيء إلى النبيّ - ﷺ - (بِصَبِيٍّ) قال الحافظ ﵀: يظهر لي أن المراد به ابنُ أم قيس المذكور بعده، ويحتمل أن يكون الحسن بن عليّ، أو الحسين - ﵃ -، فقد رَوَى الطبرانيّ في «الأوسط» من حديث أم سلمة - ﵂ - بإسناد حسن، قالت: «بال الحسن، أو الحسين على بطن رسول الله - ﷺ -، فتركه حتى قَضَى بوله، ثم دعا بماء، فصبَّه عليه»، ولأحمد عن أبي ليلى نحوه، ورواه الطحاويّ من طريقه، قال: «فجيء بالحسن»، ولم يتردد، وكذا للطبرانيّ عن أبي أُمامة. قال: وإنما رجحت أنه غيره؛ لأن عند البخاريّ في «كتاب العقيقة» من طريق يحيى القطان، عن هشام بن عروة، أُتِي النبيّ - ﷺ - بصبي يحنكه، وفي قصته أنه بال على ثوبه، وأما في قصة الحسن، ففي حديث أبي ليلى، وأم سلمة أنه بال على بطنه - ﷺ -، وفي حديث زينب بنت جحش، عند الطبرانيّ أنه جاء، وهو يحبو، والنبيّ - ﷺ - نائم، فصَعِدَ على بطنه، ووضع ذكره في سُرّته، فبال. . .، فذكر الحديث بتمامه، فظهرت التفرقة بينهما. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي استظهره الحافظ حسن، إلا أن العينيّ اعترضه ، على عادته المستمرّة، واستظهر ما جاء عند الدارقطنيّ من رواية الحجاج بن أرطاة أنه عبد الله بن الزبير - ﵁ -، وهذا منه عجيب، كيف يعترض عليه برواية الحجاج المشهور بالضعف؟ وعلى تقدير صحّته فما وجه ترجيحه على ما ذكره الحافظ؟ إلا أن جملة الأمر أنه مغرم بالتعقّب البارد، والاعتراض الكاسد، والله تعالى المستعان. (فَبَالَ) ذلك الصبيّ (عَلَيْهِ)، أي على النبيّ - ﷺ - (فَدَعَا) - ﷺ - (بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ) بقطع الهمزة، من الإتباع، أي أتبع النبيّ - ﷺ - (بَوْلَهُ) أي بول ذلك الصبيّ الذي على ثوبه، وفي رواية ابن المنذر من طريق الثوريّ، عن هشام: «فصَبّ عليه الماء»، وللطحاويّ، من طريق زائدة المقفيّ، عن هشام: «فنضحه عليه» (وَلَمْ يَغْسِلْهُ) فيه أن بول الصبيّ يكفي فيه النضح، ولا يجب غسله، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٣١/ ٦٦٨ و٦٦٩ و٦٧٠] (٢٨٦)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (٢٢٢)، و«العقيقة» (٥٤٦٨)، و«الأدب» (٦٠٠٢)، و«الدعوات» (٦٣٥٥)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٥٧)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٥٢٣)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٦٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٤٨٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٦٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٢٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٥٢ و٢١٠ و٢١٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣٧٢)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٤٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥١٥ و٥١٦ و٥١٧ و٥١٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٥٥ و٦٥٦)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٩ و٩٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان نجاسة بول الصبيّ، وأنه يجب إزالته كسائر النجاسات. قال في «الفتح»: قال الخطّابيّ ﵀: ليس تجويز مَن جَوّز النضح من أجل أن بول الصبيّ غير نجس، ولكنه لتخفيف نجاسته. انتهى. وأثبت الطحاويّ الخلاف، فقال: قال قوم بطهارة بول الصبي قبل الطعام، وكذا جزم به ابن عبد البر، وابن بطال، ومن تبعهما عن الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما، ولم يَعْرِف ذلك الشافعية، ولا الحنابلة، وقال النوويّ: هذه حكاية باطلة. انتهى. قال الحافظ: وكأنهم أخذوا ذلك من طريق اللازم، وأصحاب صاحب المذهب أعلم بمراده من غيرهم. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان كيفيّة طهارة بوله، وهو صبّ الماء عليه، ولا يجب غسله. ٣ - (ومنها): بيان سهولة الشرع، وسماحته، حيث خفّف في تطهير بول الصبيّ بالنضح دون إيجاب غسله. ٤ - (ومنها): الندب إلى حسن المعاشرة واللين والتواضع، والرفق بالصغار وغيرهم. ٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من كمال الشفقة والرأفة، حيث كان يحمل الطفل، ويجعله على جسده الشريف، ويتلطّف به، حتى إن منهم من يبول عليه، فلا يتأثّر، ولا يتأذّى بذلك، بل يصبر عليه، وهذا ما بيّنه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]- ﷺ -. ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من محبّتهم لرسول الله - ﷺ -، حيث يأتون بأطفالهم، رجاء بركته، ودعوته المباركة. ٧ - (ومنها): استحباب تحنيك الأطفال. ٨ - (ومنها): استحباب حمل الأطفال إلى أهل العلم والصلاح؛ ليدعوا لهم بالبركة والصلاح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كيفيّة تطهير بول الغلام والجارية: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختَلَفَ أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة: يُنضَح بولُ الغلام ما لم يأكل الطعام، ويُغسَل بول الجارية، رُوي هذا القول عن عليّ وأم سلمة، وعطاء، والحسن، وبه قال أحمد، وإسحاق. وقالت طائفة: لا فرق بين بول الغلام والجارية في ذلك، هذا قول النخعيّ، وكان يرى أن يغسل ذلك، وبه قال سفيان في بول الغلام والجارية، قال: يُصَبّ عليه الماء، وكان أبو ثور يقول: يُغسَل بول الغلام والجارية، وإن ثبت حديث الرشّ عن النبيّ - ﷺ - كان الرشّ جائزًا في بول الغلام. وقد رَوَينا عن الحسن، والنخعيّ قولًا ثالثًا، وهو أن الغلام والجارية يُنضَحان جميعًا ما لم يَطْعَما. قال ابن المنذر: يجب رَشّ بول الغلام بحديث أم قيس، وغَسلُ بول الجارية. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قد اختَلَف العلماء في كيفية طهارة بول الصبيّ والجارية على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا: الصحيح المشهور المختار أنه يكفي النضح في بول الصبيّ، ولا يكفي في بول الجارية، بل لا بُدّ من غسله كسائر النجاسات. والثاني: أنه يكفي النضح فيهما. والثالث: لا يكفي النضح فيهما، وهذان الوجهان حكاهما صاحب «التَّتِمّة» من أصحابنا وغيره، وهما شاذّان ضعيفان. وممن قال بالفرق عليّ بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رَبَاح، والحسن البصريّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وجماعة من السلف، وأصحاب الحديث، وابن وهب من أصحاب مالك - ﵃ -، ورُوي عن أبي حنيفة. وممن قال بوجوب غسلهما أبو حنيفة، ومالك في المشهور عنهما، وأهل الكوفة، قال ابن دقيق العيد: اتبعوا في ذلك القياس، وقالوا: المراد بقولها: «ولم يغسله» أي غسلًا مبالغًا فيه، وهو خلاف الظاهر، ويُبعِده ما ورد في الأحاديث الأُخَرِ - يعني التي قدمناها من التفرقة بين بول الصبي والصبية - فإنهم لا يفرقون بينهما. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال العلماء، وأدلّتهم أن أرجح الأقوال هو القول بالفرق بين بول الغلام والجارية، فيرشّ بوله، ويُغسل بولها، لقوّة أدلّته. واحتجّوا بحديثي عائشة، وأم قيس - ﵄ - المذكورين في الباب. وبما أخرجه أصحاب السنن إلا الترمذيّ بإسناد صحيح، عن أبي السمح - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: «يُغسَلُ من بول الجارية، ويُرَشّ من بول الغلام». ولفظه قال: كنت أخدُم النبيّ - ﷺ -، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: «وَلِّني قفاك»، فأوليه قفاي، فأستره به، فأتِي بحسن أو حسين - ﵄ -، فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: «يُغْسَل من بول الجارية، ويُرَشّ من بول الغلام». فهذا الحديث الصحيح قد فرّق بين الغلام والجارية، فحكم على أن بوله يُرشّ، وبولها يُغسل، فتبيّن به أن الفرق بين بوليهما هو الحقّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيهات]: (الأول): قال النوويّ ﵀: هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبيّ، ولا خلاف في نجاسته، وقد نَقَل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبيّ، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهريّ، قال الخطابيّ وغيره: وليس تجويز مَن جَوّز النضح في الصبيّ من أجل أن بوله ليس بنجس، ولكنه من أجل التخفيف في إزالته، فهذا هو الصواب، وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال، ثم القاضي عياض، عن الشافعيّ وغيره أنهم قالوا: بول الصبيّ طاهر، فيُنضَح فحكاية باطلة قطعًا. انتهى . (التنبيه الثاني): قال النوويّ ﵀ أيضًا: قد اختَلَف أصحابنا في حقيقة النّضح هنا: فذهب الشيخ أبو محمد الجوينيّ، والقاضي حسين، والبغويّ إلى أن معناه أن الشيء الذي أصابه البول يُغْمَر بالماء كسائر النجاسات، بحيث لو عُصِر لا يُعْصَر، قالوا: وإنما يخالف هذا غيره في أن غيره يُشتَرَط عصره على أحد الوجهين، وهذا لا يشترط بالاتفاق. وذهب إمام الحرمين، والمحققون إلى أن النَّضْحَ أن يُغْمَر، ويُكاثَر بالماء مكاثرةً لا يَبلُغ جريان الماء وتردده وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنه يُشتَرط فيها أن يكون بحيث يَجري بعضُ الماء، ويتقاطر من المحلّ، وإن لم يُشتَرط عصره، وهذا هو الصحيح المختار، ويدل عليه قولها: «فنضح، ولم يغسله»، وقوله: «فرَشَّه»، أي نَضَحه. قال: ثم إن النضح إنما يُجزئ ما دام الصبيّ يَقتصر به على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية، فإنه يجب الغسل بلا خلاف. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (التنبيه الثالث): قد تكلّم العلماء في الحكمة التي من أجلها حصل التفريق بين بول الغلام والجارية: فقال بعضهم: إن بول الغلام يَخرُج من ثُقب ضيّق من قضيب ممتدّ، فيخرج بقوّة وشدّة دفع، فينتشر بوله، وتكثر الإصابة منه، فاقتضت الحكمة التخفيف من حكم نجاسته، وأما الجارية فيخرج بولها من ثقب فيه سعة، وبدون قضيب، فيستقرّ في مكان واحد، فيثبت على أصل نجاسة البول. وقال بعضهم: إن الغلام فيه حرارة طبيعيّة زائدة على حرارة الجارية، وهو معلوم، وهذه الحرارة تخفّف فضلات الطعام، فإذا صادف أن الطعام خفيف أيضًا، وهو اللبن حصل من مجموع الأمرين خفّة النجاسة، بخلاف الجارية، فليس لديها هذه الحرارة الملطّفة، فتبقى على الأصل . وقال بعضهم: سبب الفرق كثرة حمل الرجال والنساء للذكر، فتعمّ البلوى ببوله، فيشقّ غسله، لذلك. وقال ابن دقيق العيد: وقد ذُكر في الفرق بينهما أوجهٌ، منها ما هو ركيك، وأقوى ذلك ما قيل: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، يعني فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقّة، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: ركاكة هذه الأوجه كلها مما لا يخفى على بصير، فالأولى أن نكل علم الحكمة إلى الشارع الحكيم، فإننا نعلم بيقين أنه ما فرّق بين النوعين في الحكم المذكور إلا لحكمة تقتضي التفريق بينهما، ولا يلزمنا أن نعرف تلك الحكمة بالتعيين، فأحكام الله تعالى لا تكون إلا وفق مصلحة العباد، ولكن ربما تظهر، وربّما لا تظهر، فتنبّه، ولا تتكلّف ما لم تُكلَّف مما لا يَعنيك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُتيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بصَبِيٍّ يَرْضَعُ، فَبَالَ فِي حِجْرِه، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَصَبَّهُ عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد المذكور قبل باب. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (يَرْضَعُ) بفتح أوله، قال المجد ﵀: رَضَعَ الصبيّ أمَّهُ، كسَمِعَ، وضَرَبَ، ومنَعَ رَضْعًا، ويُحرَّك، ورَضَاعًا، ورَضَاعةً، ويُكسران، ورَضِعًا، ككَتِفٍ، فهو راضعٌ، جمعه كرُكَّعٍ، ورَضِعٌ، ككَتِفٍ، جمعه كعُنُقٍ: امْتَصَّ ثَدْيَهَا. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: رَضِعَ الصبيُّ رَضَعًا، من باب تَعِبَ في لغة نَجْد، ورَضَعَ رَضْعًا، من باب ضَرَبَ لغة لأهل تِهَامة، وأهلُ مكة يتكلّمون بها، وبعضهم يقول: أصل المصدر من هذه اللغة كسرُ الضاد، وإنما السكون تخفيف، مثلُ الْحَلِفِ والْحَلْف، ورَضَعَ يَرْضَعُ بفتحتين لغة ثالثة رَضَاعًا ورَضَاعةً بفتح الراء. انتهى . وقوله: (فِي حِجْرِهِ) حِجْرُ الإنسان: بفتح الحاء المهملة، وقد تُكسَر، حِضْنُهُ، وهو ما دون إبطه إلى الْكَشْح، وهو في حِجْره: أي كَنَفه، وحِمَايته، والجمع حُجُورٌ، قاله الفيّوميّ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٢١)

١. «المفهم» ١/ ٥٤٥.

٢. وفي نسخة: «فيبارك».

٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٥٩.

٤. واعتراض العينيّ في: «عمدته» (٣/ ١٩٢) على الحافظ في قوله: ويجوز ضمّها، غير صحيح، فالصواب مع الحافظ، كما أثبته في: «القاموس»، فتنبّه.

٥. «القاموس المحيط» ص ١١٧١، و«تاج العروس» ١٠/ ٢٠٦.

٦. «القاموس المحيط» ص ٨٣٩.

٧. «شرح النوويّ» ٣/ ١٩٤.

٨. «القاموس المحيط» ص ٨٤٣.

٩. «المصباح المنير» ١/ ١٥٤.

١٠. «الفتح» ١/ ٣٨٩.

١١. راجع: «عمدته» ٣/ ١٩٢ - ١٩٣.

١٢. «الفتح» ١/ ٣٩١.

١٣. «الأوسط» ٢/ ١٤٢ - ١٤٥.

١٤. «شرح النوويّ» ٣/ ١٩٥، و«الفتح» ١/ ٣٩١.

١٥. «شرح النوويّ» ٣/ ١٩٥.

١٦. راجع: «توضيح الأحكام» للشيخ البسّام ١/ ١٨٤ - ١٨٥.

١٧. «الفتح» ١/ ٣٩١.

١٨. هذه زيادة من «المصباح المنير» ١/ ٢٢٩.

١٩. «القاموس المحيط» ص ٦٥٠.

٢٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٢٩.

٢١. «المصباح المنير» ١/ ١٢٢.