HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٨

وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ؛ أن رجلا نزل بعائشة. فأصبح يغسل ثوبه. فقالت عائشة: إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ، إِنْ رَأَيْتَهُ، أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ. فَإِنْ لَمْ تَرَ، نَضَحْتَ حَوْلَهُ. وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا. فيصلي فيه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص164
ج ١ ص ٢٣٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٢٥٦
وقد قالها مع مالك الليث، وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، كلهم عن ابن شهاب، أخرجه ابن خزيمة، والإسماعيليّ، وغيرهما، من طريق ابن وهب، عنهم، وهو لمسلم عن يونس وحده. نعم زاد معمر في روايته: قال: قال ابن شهاب: فمضت السنة أن يُرَشَّ بول الصبيّ، ويُغْسَل بولُ الجارية، فلو كانت هذه الزيادة هي التي زادها مالك، ومن تبعه، لأمكن دعوى الإدراج، لكنها غيرها، فلا إدراج، وأما ما ذكره عن ابن أبي شيبة فلا اختصاص له بذلك، فإن ذلك لفظ رواية ابن عيينة، عن ابن شهاب، وقد ذكرناها عن مسلم وغيره، وبَيّنّا أنها غير مخالفة لرواية مالك. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٢) - (بَابُ غَسْلِ الْمَنيِّ مِنَ الثَّوْب، وَفَرْكِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٧٤] (٢٨٨) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَد، أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ بِعَائِشَةَ، فَأَصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ، إِنْ رَأَيْتَهُ أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ، فَإنْ لَمْ تَرَ نَضَحْتَ حَوْلَهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أفرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. ٢ - (خَالِد) بن مِهْرَان، أبو الْمَنَازِل البصريّ الْحَذّاء، ثقةٌ يُرسل، وتغير حفظه آخرًا [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. ٣ - (أَبُو مَعْشَرٍ) زياد بن كُلَيب التّمِيميّ الْحَنْظليّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن إبراهيم النخعيّ، والشعبيّ، وسعيد بن جبير، وفضيل بن عمرو الْفُقَيميّ. ورَوَى عنه قتادة، وخالد الحذّاء، وسعيد بن أبي عروبة، ومنصور، ومغيرة، وهشام بن حسان، ويونس بن عبيد، وشعبة، وغيرهم من أقرانه، ومن دونه. قال العجليّ: كان ثقةً في الحديث، قديمَ الموت، وقال أبو حاتم: صالح من قدماء أصحاب إبراهيم، ليس بالمتين في حفظه، وهو أحبّ إلي من حماد بن أبي سليمان، وقال النسائيّ: ثقة، وقال ابن المدينيّ، وأبو جعفر السّبتيّ: ثقة، نقله ابن خَلْفُون، وقال ابن حبّان: وكان من الحفاظ المتقنين، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. قال ابن أبي عاصم: مات سنة عشرين ومائة، وقال ابن حبان: مات سنة تسع عشرة ومائة، وقال ابن سعد: تُوُفّي في ولاية يوسف بن عمر على العراق، وهذا يرجح أنه مات سنة عشرين. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (٢٨٨) وأعاده بعده، وحديث (٤٣٢): «ليلني منكم أولو الأحلام …»، و(٤٥٠): «لم أكن ليلة الجنّ مع رسول الله - ﷺ - …» الحديث. ٤ - (إِبْرَاهِيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٥ - (عَلْقَمَة) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابدٌ [٢] مات بعد الستّين، وقيل: بعد السبعين، تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٦ - (الْأَسْوَد) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الرحمن، مخضرمٌ، ثقةٌ مكثرٌ، فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥). رَوَى عن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وحذيفة، وبلال، وعائشة، وأبي محذورة، وأبي موسى، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، وأخوه عبد الرحمن، وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعيّ، وعمارة بن عمير، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو بردة بن أبي موسى، ومُحارب بن دِثَار، وأشعث بن أبي الشَّعْثاء، وجماعة. قال أبو طالب، عن أحمد: ثقةٌ من أهل الخير، وقال إسحاق، عن يحيى: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وذكر ابن أبي خيثمة أنه حَجّ مع أبي بكر، وعمر، وعثمان، وقال الحكم: كان الأسود يصوم الدهر، وذهبت إحدى عينيه من الصوم، وذكره جماعة ممن صنف في الصحابة لإدراكه، وقال ابن سعد: سمع من معاذ بن جبل باليمن قبل أن يهاجر، ولم يرو عن عثمان شيئًا، وقال العجليّ: كوفيّ جاهليّ ثقةٌ رجل صالح، وذكره إبراهيم النخعيّ فيمن كان يفتي من أصحاب ابن مسعود، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان فقيهًا زاهدًا. وقال أبو إسحاق: تُوُفي الأسود بن يزيد بالكوفة، سنة خمس وسبعين، وقال غيره: مات سنة (٧٤)، كذا قال ابن أبي شيبة في «تاريخه». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٢) حديثًا. والباقيان تقدّما في الباب الماضي، و«يحيى بن يحيى» هو: التميميّ النيسابوريّ، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنّف - ﵀ -، فهو من جملة الأسانيد النازلة له. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبو معشر، فما أخرج له البخاريّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أبي معشر، سوى عائشة، فمدنيّة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين مخضرمين: إبراهيم، عن علقمة، والأسود، والأسود خاله، فإن أمه مُليكة بنت يزيد، أخت الأسود، وعلقمة عمّ أمه؛ لأنها بنت يزيد بن قيس أخي علقمة بن قيس، وتقدّم الكلام في عائشة - ﵂ - قريبًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس (وَالْأَسْوَدِ) بن يزيد بن قيس، وهو ابن أخي علقمة، كما أسلفته آنفًا (أَنَّ رَجُلًا) هو الأسود نفسه؛ كما في رواية أبي عوانة في «مسنده»، قال: رأتني عائشة أغسل أثر جنابة أصابت ثوبي، قالت: «لقد رأيتني …». ويَحتمل أن يكون همّامَ بن الحارث؛ لما أخرجه أحمد في «مسنده» عن عفّان بن مسلم، وبهز بن أسد، عن شعبة بسنده، عن همام بن الحارث، أنه كان نازلًا على عائشة، قال بهز: إن رجلًا من النَّخَع كان نازلًا على عائشة، فاحتلم، فأبصرته جارية لعائشة، وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه … الحديث. ويحتمل أن يكون عبدَ الله بن شهاب الْخَوْلانيّ، كما يأتي التصريح به عند المصنّف آخر الباب (نزَلَ بِعَائِشَةَ) أي حلّ عندها ضيفًا، قال المجد - ﵀ -: النُّزول: الْحُلُول، نَزَلَهُم، وبهم، وعليهم يَنْزِل نُزُولًا ومَنْزِلًا: حَلَّ. انتهى . (فَأَصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ) قال المجد - ﵀ -: «أصبح»: دخل في الصباح، وبمعنى صار. انتهى . فجملة «يغسل» على الأول في محلّ نصب على الحال، وعلى الثاني خبر لـ«أصبح»؛ لأنها من أخوات «كان» ترفع الاسم، وتنصب الخبر (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ) أي يَكفيك، وهو بضمّ أوله وكسر ثالثه، من أجْزَأ الرباعيّ، ويجوز أن يكون بفتح أوله، من جَزَى ثلاثيًّا، لكن النسخ على الضبط الأول، ونصّ عليه النوويّ في «شرحه»، فيتعيّن، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَنْ رَأَيْتَهُ) يَحْتَمِل أن تكون أن بفتح الهمزة، مصدريّة، وأن تكون بكسرها شرطيّة، وهذا هو الذيّ نصّ عليه القرطبيّ - ﵀ -، بأنه الرواية، فيتعيّن، ودونك عبارته: «أن رأيته» بفتح الهمزة روايتنا، ووجهها أنها مفعولة بإسقاط حرف الجرّ، تقديره: لأن رأيته، أو من أجل، وهو مع الفعل بتأويل المصدر، وكذلك قوله: (أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ) مفتوحة أيضًا على تأويل المصدر، وهو الفاعل بـ «يُجزئك». انتهى . والضمير في «إن رأيته»، و«مكانه» يرجع إلى المنيّ الناشئ عن رؤيا النائم، كما بينته الروايات الأخرى. (فَإنْ لَمْ تَرَ) بحذف المفعول؛ لكونه فضلةً، كما قال في «الخلاصة»: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ ووقع في نسخة: «فإن لِم تره»، أي إن لم تر المنيّ الذي أصاب ثوبك (نَضَحْتَ) من بابي ضرب، ونَفعَ، كما مضى قريبًا: أي رَشَشت الماء (حَوْلَهُ) أي في مكان الإصابة، وما في جوانبه، (وَلَقَدْ) وفي نسخة بحذف الواو (رَأَيْتُنِي)، أي رأيت نفسي (أفرُكُهُ) بضم الراء، يقال: فَرَكتُهُ عن الثوب فَرْكًا، من باب قَتَلَ، مثلُ حَتَتُّهُ، وهو أن تَحُكّه بيدك حتى يَتَفَتَّتَ، ويَتَقَشَّر، قاله الفيّوميّ . وجملة «أفرُكه» حال من الفاعل. (مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَرْكًا) منصوب على أنه مصدر مؤكّد، وفائدته - كما قيل - رفع احتمال المجاز (فَيُصَلِّي فِيهِ) الضمير للثوب الذي أصابه المنيّ، ونُظّف بالفرك، أي يصلّي النبيّ - صلي الله عليه وسلم - في ذلك الثوب الذي فَرَكت منه المنيّ، وقد اختَلَف العلماء في طهارة المنيّ، ونجاسته، وسيأتي بيان ذلك في المسألة الرابعة، مع ترجيح القول بطهارته - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا بلفظ الفرك من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الطهارة» [٣٢/ ٦٧٤ و٦٧٥ و٦٧٦ و٦٧٧] (٢٨٨)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٣٧٢)، و(الترمذيّ) في «الطهارة» (١١٦)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٥٦ و١٥٧)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٥٣٧ و٥٣٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٨٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٥ و٩٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٨٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣٧٩ و١٧٨٠)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٣٦ و١٣٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٨ و٥٠ و٥١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤١٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥٢٤ و٥٢٥ و٥٢٦ و٥٢٧)، و(أبو عوانة) في «مستخرجه» (٦٦٠ و٦٦١ و٦٦٢ و٦٦٣ و٦٦٤ و٦٦٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): أنه استَدَلّ به من قال بطهارة المنيّ، وهو الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): أن السنّة هي الاقتصار على فرك يابس المنيّ، وغسل رطبه، كما بيّنَتْهُ روايات حديث الباب. قال الإمام ابن حبّان في «صحيحه» بعد إخراج الحديث ما انصّه: كانت عائشة - ﵂ - تغسل المنيّ من ثوب رسول الله - ﷺ - إذا كان رطبًا؛ لأن فيه استطابةً للنفس، وتفرُكُهُ إذا كان يابسًا، فيُصلّي - ﷺ - فيه، فهكذا نقول، ونختار أن الرطب منه يُغسل لطيب النفس، لا أنه نجسٌ، وأن اليابس منه يُكتفى منه بالفرك اتّباعًا للسنّة. انتهى . ٣ - (ومنها): أن فيه خدمة المرأة زوجها في غسل ثيابه وشبهه، خصوصًا إذا كان يتعلّق بها، وهو من حسن العِشْرة، وجميل الصحبة. ٤ - (ومنها): أن المرأة الصالحة المتحبّبة إلى زوجها لا تأنَف، ولا تترفّع عن مثل هذه الأعمال من إزالة الأوساخ والفضلات من ثوب، أو بدن زوجها لما تعلمه من عِظَم قدر حقّه عليها. ٥ - (ومنها): أنه ينبغي نقلُ أحوال الشخص المقتدى به، وإن كان يُستحيى من ذكره في العادة للناس؛ ليقتدوا به. ٦ - (ومنها): العناية بإزالة المنيّ من الثوب، ونحوه، وسيأتي الخلاف هل هو للوجوب، أو للاستحباب، وهو الراجح - إن شاء الله تعالى -. ٧ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - صلي الله عليه وسلم - من التقلّل من الحياة الدنيا ومتاعهما؛ إذ ثوب نومه هو ثوب صلاته، وخروجِه، وذلك كلُّه إرشاد منه - ﷺ - لأمته بعدم الرفاهية فيها والرغبة فيما عند الله تعالى من نعيم الجنة. ٨ - (ومنها): أن الخروج على الناس مع وجود آثار الأمور العاديّة من الأكل والشرب والجماع لا يُعتبر إخلالًا بفضيلة خصلة الحياء. ٩ - (ومنها): أنه استَدَلّ به جماعة على طهارة رطوبة فرج المرأة، وهو الأصحّ عند الشافعيّة؛ لأن الاحتلام مستحيل في حقّه - ﷺ - على الأشبه، فتعيّن أن يكون المنيّ من جماع. وتُعُقّب بأنه قد يكون خرج بمقدّمات الجماع، فسقط منه شيء على الثوب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في طهارة المنيّ، ونجاسته: قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: اختلفوا في طهارة المنيّ، فأوجب طائفة غسله من الثوب، فممن غسله من ثوبه: عمر بن الخطاب، وأمر بغسله: جابر بن سمرة، وابن عمر، وعائشة، وابن المسيب. وقال مالك: غَسْلُ الاحتلام من الثوب أمر واجب، مجمع عليه عندنا، وهذا على مذهب الأوزاعيّ، وهو قول الثوريّ، غير أنه يقول بمقدار الدرهم. واحتجّ هؤلاء بحديث عائشة - ﵂ - قالت: كنت أغسل المني من ثوب رسول الله - ﷺ -. وبما أخرجه أبو داود وغيره عن معاوية بن أبي سفيان قال: سألت أم حبيبة، زوج النبيّ - صلي الله عليه وسلم -: هل كان رسول الله - ﷺ - يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ قالت: نعم إذا لم يَرَ فيه أذى. وقالت طائفة: المني طاهر: لا يجب غسل الثوب منه، وقال بعضهم: يُفْرَك من الثوب، فممن كان يَرَى أنه يَفْرُك المنيّ من ثوبه سعد، وابن عمر، وقال ابن عباس: امسحه بإذخرة، أو خرقة، ولا تغسله إن شئت، ورُوي عنه أنه قال: هو كهيئة النخام، أو البزاق، أو المخاط، فَحُتَّه، أو امسحه بخرقة، وقال عطاء: أَمِطه بإذخرة، وقال ابن المسيب: إذا صليت، وفي ثوبك جنابة، فلا إعادة عليك. وكان الشافعيّ يقول: المنيّ ليس بنجس، وبه قال أبو ثور، وقال أحمد: يُجزيه أن يفرُكه، وقال أصحاب الرأي في المنيّ يكون في الثوب، فيجفّ، فحَتَّه الرجل يُجزيه ذلك، وفي العَذِرة والدم لا يجزيه الْحَتّ، وهما في القياس سواءٌ، غير أنه جاء في المني أثرٌ، فأخذنا به. واحتج الذين قالوا بالفرك بحديث عائشة - ﵂ - المذكور في الباب. قال ابن المنذر - ﵀ -: المنيّ طاهرٌ، ولا أعلم دلالةً من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، يوجب غسله. انتهى . وقال في «الفتح»: ليس بين حديث الغسل، وحديث الفرك تعارض؛ لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المنيّ بأن يُحْمَل الغسل على الاستحباب للتنظيف، لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعيّ، وأحمد، وأصحاب الحديث. وكذا الجمع ممكنًا على القول بنجاسته، بأن يُحمَل الغسل على ما كان رَطْبًا، والفرك على ما كان يابسًا، وهذه طريقة الحنفية. والطريقة الأولى أرجح؛ لأن فيها العمل بالخبر والقياس معًا؛ لأنه لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله، دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره، وهم لا يَكتفون فيما لا يُعْفَى عنه من الدم بالفرك. ويرد الطريقة الثانية أيضًا ما في رواية ابن خزيمة، من طريق أخرى عن عائشة - ﵂ -: «كانت تَسْلُت المنيّ من ثوبه بعِرْق الإذخر، ثم يصلي فيه، وتَحُكّه من ثوبه يابسًا، ثم يصلي فيه»، فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين. وأما مالك فلم يَعْرِف الفرك، وقال: إن العمل عندهم على وجوب الغسل كسائر النجاسات، وحديث الفرك حجةٌ عليهم، وحمل بعض أصحابه الفرك على الدلك بالماء. وهو مردود بما في إحدى روايات مسلم عن عائشة: «لقد رأيتني، وإني لأُحكّه من ثوب رسول الله - ﷺ - يابسًا بظفري»، وبما صححه الترمذيّ من حديث هَمّام بن الحارث أن عائشة أنكرت على ضيفها غسله الثوب، فقالت: لِمَ أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، فربما فركته من ثوب رسول الله - ﷺ - بأصابعي. وقال بعضهم: الثوب الذي اكتَفَت فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة. وهو مردود أيضًا بما في إحدى روايات مسلم من حديثها أيضًا: «لقد رأيتني أفرُكه من ثوب رسول الله - ﷺ - فَرْكًا، فيصلي فيه». وهذا التعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة، وأصرح منه رواية ابن خزيمة: «أنها كانت تحكه من ثوبه - ﷺ -، وهو يصلي». وعلى تقدير عدم ورود شيء من ذلك، فليس في حديث الباب ما يدلّ على نجاسة المنيّ؛ لأن غسلها فعلٌ، وهو لا يدل على الوجوب بمجرده. قال: وطَعَن بعضهم في الاستدلال بحديث الفرك على طهارة المنيّ بأن منيّ النبيّ - صلي الله عليه وسلم - طاهر دون غيره، كسائر فضلاته. والجواب على تقدير صحة كونه من الخصائص أن منيّه كان عن جماع، فيخالط منيّ المرأة، فلو كان مَنِيُّهًا نجسًا، لم يكتف فيه بالفرك. وبهذا احتَجَّ الشيخ الموفق وغيره على طهارة رطوبة فرجها، قال: ومن قال: إن المنيّ لا يَسْلَم من المذي، فيتنجس به لم يصب؛ لأن الشهوة إذا اشتدّت خرج المني دون المذي والبول، كحالة الاحتلام. انتهى . وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ -: الصحيح أن المنيّ طاهر، كما هو مذهب الشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه، وأما كون عائشة - ﵂ - تغسله تارةً من ثوب رسول الله - ﷺ -، وتفركه تارةً، فهذا لا يقتضي تنجيسه، فإن الثوب يُغسل من المخاط، والبصاق، والوسخ، وهذا قاله غير واحد من الصحابة، كسعد بن أبي وقّاص، وابن عبّاس، وغيرهما - ﵃ -: إنما هو بمنزلة البصاق، والمخاط، أَمِطه عنك ولو بإذخِرَة، وسواء كان الرجل مستنجيًا، أو مستجمرًا، فإن منيّه طاهرٌ، ومن قال: إن منيّ المستجمر نجسٌ؛ لملاقاته رأس الذكر، فقوله ضعيفٌ، فإن الصحابة - ﵃ - كان عامّتهم يستجمرون، ولم يكن يستنجي بالماء منهم إلا القليل جدًّا، بل الكثير منهم لا يَعرِف الاستنجاء، بل أنكروه، والحقّ ما هو عليه، ومع هذا فلم يأمر النبيّ - صلي الله عليه وسلم - أحدًا منهم بغسل المنيّ، ولا فركه. انتهى كلام شيخ الإسلام - ﵀ -. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان المذاهب، وأدلّتها في حكم المنيّ أن الصحيح مذهب من قال بطهارته؛ لقوّة حججه. ومن الأدلّة على طهارته عدم مبادرة النبيّ - صلي الله عليه وسلم - إلى إزالته، وتركه حتى ييبس، وما ذلك إلا لطهارته؛ لأن المعروف من هديه - ﷺ - المبادرة في إزالة النجاسة، فقد أمر الصحابة - ﵃ - فور فراغ الأعرابيّ من بوله بصبّ الماء عليه، وبادر بنضح الماء على ثوبه فور بول الغلام الذي بال في حجره، وغير ذلك. وقد أطلت البحث في تحقيقه في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيهان]: (الأول): أخرج البزّار، وأبو يعلى الموصليّ في «مسنديهما»، وابن عديّ في «الكامل»، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، والعقيليّ في «الضعفاء»، وأبو نعيم في «الحلية» من حديث عمار بن ياسر - ﵁ - أن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - مرّ بعمّار، فذكر قصّةً، وفيها: «إنما تغسل ثوبك من الغائط، والبول، والمنيّ، والمذيّ، والدم، والقيء، يا عمّار ما نُخامتك، ودموع عينيك، والماء الذي في ركوتك إلا سواء»، وفيه ثابت بن حمّاد، عن عليّ بن زيد بن جُدْعان، وضعّفه الجماعة المذكورون كلهم إلا أبا يعلى بثابت بن حماد، واتّهمه بعضهم بالوضع، وقال اللالكائيّ: أجمعوا على ترك حديثه، وقال البزّار: لا نعلم لثابت إلا هذا الحديث، وقال الطبرانيّ: تفرّد به ثابتُ بن حماد، ولا يُروَى عن عمار إلا بهذا السند، وقال البيهقيّ: هذا حديث باطلٌ، إنما رواه ثابت بن حماد، وهو متّهمٌ بالوضع. قال الحافظ: رواه البزّار، والطبرانيّ من طريق إبراهيم بن زكريّا العجليّ، عن حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، لكن إبراهيم ضعيفٌ، وقد غَلِط فيه، إنما يرويه ثابت بن حماد. قال الجامع عفا الله عنه: وعليّ بن زيد أيضًا ضعيف. (التنبيه الثاني): رُوي أنه - ﷺ - قال لعائشة - ﵂ - في المنيّ: «اغسليه رطبًا، وافرُكيه يابسًا»، قال ابن الجوزيّ في «التحقيق»: هذا حديث لا يُعرَف بهذا السياق، وإنما نُقل أنها كانت تفعل ذلك، ورواه الدارقطنيّ، وأبو عوانة في «صحيحه»، وأبو بكر البزّار كلهم من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: «كنت أفرك المنيّ من ثوب رسول الله - ﷺ - إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا»، وأعلّه البزّار بالإرسال عن عمرة . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا أن الأمر بغسل المنيّ لا أصل له، وكذا الأمر بحتّه، ضعيفٌ ؛ لأنه مما تفرّد به أبو حذيفة، موسى بن مسعود النَّهْديّ، عن الثوريّ مخالفًا لرواية الحفّاظ عنه، فإنهم رووه من فعل عائشة - ﵂ -، وليس أمرًا من النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وأبو حذيفة ضعيفٌ، فقد قال عنه أحمد: هو شبه لا شيء، كأن سفيان الذي يحدّث عنه أبو حذيفة ليس سفيان الذي يحدّث عنه الناس، وقال في «التقريب»: صدوقٌ سيئ الحفظ، وكان يصحّف. انتهى . ولا يقال: إنه من رجال البخاريّ؛ لأن البخاريّ ما أخرج له إلا أربعة أحاديث كلها متابعة ، فمثله إذا خالف الحفّاظ لا يُلتفت إليه. والحاصل أنه في هذا الحديث تبيّن ضعفه، فلا يصحّ الاحتجاج به، فتبصّر، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٧٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، وَهَمَّام، عَنْ عَائِشَةَ، فِي الْمَنيّ، قَالَتْ: كُنْتُ أفرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) النخعيّ، أبو حفص الكوفيّ، ثقة ربّما وَهِمَ [١٠]. رَوَى عن أبيه، وابن إدريس، وأبي بكر بن عياش، وعَثّام بن عليّ، ومسكين بن بكير. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، ثم رويا، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ له بواسطة محمد بن أبي الحسين السُّمْنانيّ، وأحمد بن يوسف السُّلَميّ، وهارون الحمال، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وسليمان بن عبد الجبار، وعبد الله الدارميّ، وغيرهم. قال أبو حاتم، والعجليّ، وأبو زرعة: ثقة، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال أحمد: صدوق، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: ربما أخطأ، وقال أبو داود: تبعته إلى منزله، ولم أسمع منه شيئًا. قال البخاريّ، وابن سعد: مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وزاد ابن سعد: في ربيع الأول. أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٢ - (أَبُوهُ) هو: حفص بن غياث بن طَلْق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيهٌ تغيّر في الآخر قليلًا [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة المشهور، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٤ - (هَمَّام) بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٢] (ت ٦٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٧/ ٢٩٨. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فِي الْمَنيِّ) أي بيان حكم المنيّ، وهو بفتح الميم، وكسر النون، وتشديد الياء: ماء خاثرٌ أبيض، يتولّد منه الولد، ويتكسّر الذكر بخروجه، ورائحته رائحة الطلع . وقال في «القاموس»: الْمَنِيّ كغَنِيّ، ويُخَفّف، والْمَنْيَةُ، كرَمْيَةٍ: ماءُ الرجل والمرأة، جمعه: مُنْيٌ، كقُفْلٍ، ومَنَى، وأَمْنَى، ومَنَّى: بمعنًى، واستمنى: طلب خروجه. انتهى . وقال في «المصباح»: المنيّ معروفٌ، ومَنَى يَمْنِي، من باب رَمَى، والْمَنِيّ فَعِيلٌ بمعنى مفعول، والتخفيف لغةٌ، فيُعرَبُ إعراب المنقوص، وجمع المنيّ مُنْيٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُد، لكنه أُلزِم الإسكان للتخفيف. انتهى . وقال بعضهم: سُمّي منيًّا؛ لأنه يُمنى، يقال: أمنى، ومَنَى بالتخفيف، ومنَّى بالتشديد، والأُولى أفصح، وبها جاء القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧]، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨]. وللمنيّ صفات يتميّز بها عن غيره، مما يخرج من القُبُل، قال النوويّ - ﵀ -: فمنيّ الرجل في حال صحّته أبيض ثخين، يتدفّق في خروجه دفعة بعد دفعة، وَيَخرُج بشهوة، ويتلذّذ بخروجه، ثم إذا خرج يَعقُبه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخل، قريبة من رائحة العجين، وإذا يبس كانت رائحته كرائحة البيض، هذه صفاته، وقد يُفقد بعضها مع أنه منيّ موجب للغسل، بأن يَرِقّ، ويَصفَرّ لمرض، أو يخرُج بغير شهوة، ولا لذّة لاسترخاء وعائه، أو يحمرّ لكثرة جماعه، ويصير كماء اللحم، وربما خرج دمًا عَبِيطًا، ويكون طاهرًا موجبًا للغسل. وأما منيّ المرأة، فأصفر رقيقٌ، ولا خاصيّة له إلا التلذّذ، وفتور شهوتها عقب خروجه. انتهى . وقال الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»: (٢٤٤٣٤) حدثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، قال: حدثنا إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عائشة، قالت: «كنت أراه على ثوب رسول الله - ﷺ - المنيّ، فأَحُكّه»، وقال يحيى مرة: فأفركه. وقال أيضًا: (٢٣٧٩٢) حدثنا عفان، وبَهْز، قالا: حدثنا شعبة، قال: الحكم أخبرني عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، أنه كان نازلًا على عائشة، قال بهز: إن رجلًا من النَّخَع كان نازلًا على عائشة، فاحتلم، فأبصرته جارية لعائشة، وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه، أو يغسل ثوبه، قال بهز: هكذا قال شعبة، فقالت: لقد رأيتني، وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل الى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٧٦] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّاد - يَعْنِي ابْنَ زيدٍ - عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ (ح)، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ (ح)، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ (ح)، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ (ح)، وَحَدَّثَنِي ابْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَمُغِيرَةَ، كُلُّ هَؤُلَاَءِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ، فِي حَتِّ الْمَنِيِّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نَحْوَ حَدِيثِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ). قال الجامع عفا الله عنه: جمع المصنّف - ﵀ - بالتحويلات خمسة أسانيد، كلها تلتقي على إبراهيم النخعيّ - ﵀ -. فأما الإسناد الأول: ففيه ثلاثة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) المذكور قبل باب. ٢ - (حَمَّادُ بْنَ زَيْدٍ) المذكور قبل بابين. ٣ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الْقُرْدوسيّ المذكور قريبًا. [تنبيه]: رواية حسّان هذه أخرجها النسائيّ في «سننه» بسند المصنّف، فقال: (٢٩٨) أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: «لقد رأيتني أفرُك الجنابة من ثوب رسول الله - ﷺ -». وأخرجه ابن حبّان في «صحيحه» (٤/ ٢١٩) فقال: (١٣٨٠) أخبرنا محمد بن علان بأَذَنَةَ، قال: حدثنا لُوَين، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: «لقد رأيتني أفرك المنيّ من ثوب رسول الله - ﷺ - فَرْكًا، وهو يصلي فيه». انتهى. وأما الإسناد الثاني: ففيه أربعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٩. ٣ - (ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) هو: سعيد بن أبي عَرُوبة اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظ، مدلّس، واختلط [٦] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ) يعني أن كلًّا من هشام بن حسّان، وسعيد بن أبي عروبة رويا هذا الحديث عن أبي معشر زياد بن كُليب المذكور في السند الأول. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة هذه أخرجها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٢٣٥٤٤) حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النَّخَعيّ، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ -، فإذا رأيتَهُ فاغسله، وإلا فَرُشَّهُ. وقال أيضًا: (٢٤١٣٨) حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن أبي معشر، عن النخعيّ، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، أنها قالت: كنت أفرُكه من ثوب رسول الله - ﷺ - بيدي، فإذا رأيتَهُ فاغسله، فإن خَفِيَ عليك فارْشُشْه. وأما الإسناد الثالث: ففيه ثلاثة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور في الباب الماضي. ٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٣ - (مُغِيرَة) بن مِقْسَم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، يدلّس [٦] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. [تنبيه]: رواية مغيرة هذه أخرجها الإمام ابن ماجه في «سننه»، بسند المصنّف، فقال: (٥٣٢) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: «لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله - ﷺ -، فأَحُتُّه عنه». وأخرجها الحافظ أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده» (١/ ١٧٥) فقال: (٥٣٠) حدّثنا ابن مسعود المقدسيّ، قال: حدّثنا الهيثم بن جميل (ح)، وحدّثنا أبو أميّة، قال: ثنا مُعَلَّى قالا: ثنا هُشيم، قال: أنبأ مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: «لقد رأيتني أَحُكّ المنيّ من ثوب رسول الله - ﷺ -، فأحتّه عنه». انتهى. وأما الإسناد الرابع: ففيه أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبت حافظ إمام [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٧/ ٢٩٧. ٤ - (وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) هو: واصل بن حيّان الأحدب الأسديّ الكوفيّ، بيّاع السابِريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٢/ ٢٧٩. [تنبيه]: رواية واصل هذه أخرجها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ١٧٣) فقال: (٥٢٤) حدثنا هلال بن العلاء، قال: ثنا عارم (ح)، وحدثنا أبو أمية، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قالا: ثنا مهدي بن ميمون، عن واصل الأحدب، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: رأتني أم المؤمنين، قد غسلتُ أثر جنابة، أصابت ثوبي، فقالت: «لقد رأيتني، وإنه لفي ثوب رسول الله - ﷺ -، فما أزيد على أن أفرُك به هكذا، فأدلُكَه». (٥٢٥) حدثنا الزعفرانيّ، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا مهدي بن ميمون، قال: ثنا واصل الأحدب، عن إبراهيم النخعيّ، عن الأسود بن يزيد، قال: رأتني عائشة أغسل أثر جنابة أصابت ثوبي، قالت: «لقد رأيتني، وإنه ليصيب ثوب رسول الله - ﷺ -، وما أزيد على أن أفرُك به هكذا». وأما الإسناد الخامس: ففيه خمسة: ١ - (ابْنُ حَاتِمٍ) هو محمد بن حاتم المذكور قبله. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) السَّلُوليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ تُكُلّم فيه للتشيّع [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٢/ ٦٣٨. ٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الْهَمدانيّ، أبو يوسف الكوفيّ، ثقةٌ تُكُلّم فيه بلا حجة [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢/ ٥٤٢. ٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. ٥ - (وَمُغِيرَة) هو ابن مقسم المذكور قبله. [تنبيه]: رواية إسرائيل عن منصور وحده أخرجها أبو نعيم في «مستخرجه» (١/ ٣٤٨) فقال: (٦٦٤) وحدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا مِهْران بن هارون، ثنا عباس الدُّوريّ، ثنا الحسن بن عطية، ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: «كنت أفرك المنيّ من ثوب رسول الله - ﷺ -، ثم يصلي فيه». وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ إلخ) يعني أبا معشر، ومغيرة، وواصلًا الأحدب، ومنصورًا أربعتهم رووه عن إبراهيم النخعيّ إلخ. وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ) يعني لفظ حديث هؤلاء الأربعة بمعنى حديث خالد الحذّاء، عن أبي معشر الذي ساقه في أول الباب، وقد عرفت أحاديثهم بما ذكرته في التنبيهات التي ذكرتها عقب كلّ سند، من الأسانيد المحوّلة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٢٦)

١. «الفتح» ١/ ٣٩٠ - ٣٩١.

٢. وفي نسخة: «فإن لم تره».

٣. وفي نسخة: «لقد» بحذف الواو.

٤. بضم الميم، وفتحها.

٥. «القاموس المحيط» ص ٩٥٧.

٦. «القاموس» ص ٢٠٧.

٧. «المفهم» ١/ ٥٤٨.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧١.

٩. وأما بلفظ الغسل فإنه متّفق عليه، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.

١٠. المراد فوائد حديث عائشة - ﵂ - بجميع طرقه، وألفاظه المختلفة المذكورة عند المصنّف، وفي شرحي هذا، لا خصوص السياق الماضي، فتنبّه.

١١. «تقريب الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٤/ ٢٢١.

١٢. راجع: «الأوسط» ٢/ ١٥٧ - ١٦١.

١٣. «الفتح» ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨.

١٤. راجع: «التلخيص الحبير» ١/ ٣٢ - ٣٣.

١٥. فمحاولة الشيخ أحمد شاكر تصحيحه فيما علّقه على «المحلَّى» فيها نظر لا يخفى، فتبصّر.

١٦. «التقريب» ص ٣٥٢.

١٧. راجع: «تهذيب التهذيب» ٤/ ١٨٩.

١٨. وفي نسخة: «حدّثني».

١٩. «عمدة القاري» ٣/ ٢١٤.

٢٠. «القاموس المحيط» ص ١٢٠٢

٢١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٨٢.

٢٢. «فتح المنعم» ٢/ ٢٥٤.

٢٣. وفي نسخة: «وحدّثنا» بالواو.

٢٤. وفي نسخة: «أخبرنا».

٢٥. وفي نسخة: «وحدّثني محمد بن حاتم».

٢٦. أما روايته عن منصور، ومغيرة كليهما فلم أجد من أخرجها، والله تعالى أعلم.