HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٢

وحدثنا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ). حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ. فَقَالَ «أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ. وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ. أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ«قَالَ فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ. ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا. ثُمَّ قَالَ»لَعَلَّهُ أَنْ يخفف عنهما. ما لم ييبسا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص166
ج ١ ص ٢٤٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٢٩٩
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ) يعني أن كلًّا من عبد الله بن نمير، ويحيى بن عبد الله، ومالك، وعمرو بن الحارث رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء - ﵂ -. [تنبيه]: مُلْتَقَى التحويل في هذا الإسناد هو هشام بن عروة، فعبد الله بن نمير مشارك ليحيى بن عبد الله، ومالك، وعمرو بن الحارث في روايتهم عن هشام، وليس مشاركًا لابن وهب في روايته عن هؤلاء الثلاثة، فإسناد أبي كريب أعلى من إسناد أبي الطاهر، فتنبّه. [تنبيه آخر]: رواية عبد الله بن نمير التي أحالها المصنّف هنا أخرجها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ١٧٥)، فقال: (٥٣٣) حدثنا أبو الأزهر، قال: ثنا عبد الله بن نمير، قال: ثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: أتت النبيّ - صلي الله عليه وسلم - امرأة، فقالت: يا رسول الله، أرأيت ثوب إحدانا، يصيب من دم الحيضة، فكيف تصنع به؟. قال: «إذا أصاب ثوب إحداكنّ من دم الحيضة، فلتحُتَّه، ثم لتقرصه بالماء، ثم لتنضحه، ثم لتصلّ فيه». انتهى. وأما رواية يحيى بن عبد الله، ومالك، وعمرو بن الحارث، فقد أخرجها أبو عوانة أيضًا (١/ ١٧٥ - ١٧٦) فقال: (٥٣٤) حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن عبد الله بن سالم، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: سئل رسول الله - ﷺ - عن الثوب يصيب الدم من الحيضة؟ فقال: «لِتَحُتَّه، ثم لتقرصه، ثم لتنضحه بالماء، ثم لتصلي فيه». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٣٤) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْل، وَوُجُوبِ الاسْتِبْرَاءِ مِنْهُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٨٣] (٢٩٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى قَبْرَيْن، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَان، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَة، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ»، قَالَ: فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْن، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا، مَا لَمْ يَيْبَسَا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) المذكور في الباب الماضي. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخلد الحنظليّ المعروف بابن راهويه، أبو محمد المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبت حافظ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٤ - (وَكيع) بن الجرّاح المذكور في الباب الماضي أيضًا. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان المذكور قبل بابين. ٦ - (مُجَاهِد) بن جَبْر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام [٣] (ت ١٠١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٧ - (طَاوُس) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع)، تقدّم في «المقدّمة» ٤/ ١٨. ٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله الحبر البحر - ﵄ -، مات سنة (٦٨) (ع) تقدّم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرَنَ بينهم. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، وفيه الإخبار، والسماع، والعنعنة من صيغ الأداء. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه. ٤ - (ومنها): أن شيخيه الأول والثاني من المشايخ التسعة الذين يروي عنهم الأئمة الستة أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى الأعمش، غير إسحاق، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ. ٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، ورواية الأخيرين من رواية الأقران، فإن كلًّا منهما من الطبقة الثالثة. ٧ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - ﵄ - حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (قَالَ) الأعمش: (سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) أي ابن جبر، قال في «الفتح»: هو صاحب ابن عباس، وقد سمع الكثير منه، واشتَهَرَ بالأخذ عنه، لكن رَوَى هذا الحديث الأعمش عن مجاهد، فأدخل بينه وبين ابن عباس طاوسًا، كما هو عند المصنّف هنا، ورواه أيضًا عن مجاهد، عن ابن عبّاس بلا واسطة، أخرجه البخاريّ على الوجهين، وهو يقتضي صحتهما عنده، فيُحْمَل على أن مجاهدًا سمعه من طاوس، عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة، أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وقد صَرَّح ابن حبان بصحة الطريقين معًا، وقال الترمذيّ: رواية الأعمش أصح، أفاده في «الفتح» . (يُحَدِّثُ) جملة حاليّة من الفاعل، أو مفعول ثان على رأي بعض النحاة من أن «سمع» من أخوات «ظنّ»، (عَنْ طَاوُس) بن كيسان، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - أنه (قَالَ: مَرَّ) أي اجتاز، يقال: مررتُ بزيد، وعليه، فيتعدّى بالباء، وبـ«على» مَرًّا ومُرُورًا ومَمَرًّا: اجتزتُ، ومرّ الدهر مرًّا ومُرورًا أيضًا: ذَهَبَ . (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) مرفوع على الفاعليّة (عَلَى قَبْرَيْنِ) تثنية قبر، وهو موضع دَفْن الموتى، وأقلّه حُفْرةٌ تُواري الميت، وأكمله اللحد ، وقال الفيّوميّ ﵀: القبر: معروف، والجمع قُبُور، والْمَقْبرة بضمّ الثالث وفتحه: موضع القبور، والجمع مقابر، وقَبَرتُ الميت قَبْرًا، من باب قتل، وضرب: دفنته، وأقبرته بالألف: أمرتُ أن يُقْبَرَ، أو جعلتُ له قبرًا. انتهى . وقال المجد ﵀: القبر: مَدْفَنُ الإنسان، جمعه قُبُور، والْمَقْبرة مثلّثة الباء، وكمِكْنَسَة: موضعها. انتهى . [تنبيه]: قال ابن الملقّن ﵀: للقبر أسماء: أحدها: الرَّمْسُ بالراء، وثانيها: الْجَدَثُ، ثالثها: الْجَدَف، رابعها: البيت، خامسها: الضريح، سادسها: الرَّيْمُ، سابعها: الرجم، ثامنها: البلد، قال الشاعر: كُلُّ امْرِئٍ تَارِكٌ أَحِبَّتَهُ … وَمُسْلِمٌ نَفْسَهُ إَلَى الْبَلَدِ ذكرهنّ صاحب «المخصّص». التاسع: الْخِتَانُ، ذكره ابن السّكِّيت والعسكريّ، والعاشر: الجامور، ذكره الهنائيّ في «المنتخب»، الحادي عشر: الدمس بالدال، الثاني عشر: المِنْهَال، ذكرهما ابن السكّيت والعسكريّ. انتهى . ونظمت ذلك بقولي: لِلْقَبْرِ أَسْمَاءٌ ضَرِيحٌ جَدَفُ … وَالرَّجْمُ وَالرَّمْسُ وَبَيْتٌ يُعْرَفُ وَالْجَدَثُ الْخِتَانُ وَالْمِنْهَالُ مَعْ … بَلَدٍ الدَّمْسِ وَجَامُورٌ تَبَعْ وفي رواية ابن ماجه: «بقبرين جديدين». وفي رواية البخاريّ من طريق منصور، عن مجاهد: «مَرَ النبيّ - ﷺ - بحائط من حِيطان المدينة، أو مكة»، أي بستان، وله في «كتاب الأدب»: «خَرَجَ النبيّ - ﷺ - من بعض حِيطان المدينة». قال في «الفتح»: فيحمل على أن الحائط الذي خَرَج منه غير الحائط الذي مَرَّ به، وفي الأفراد للدارقطنيّ من حديث جابر - ﵁ - أن الحائط كان لأمّ مبشر الأنصارية، وهو يُقَوِّي رواية «الأدب»؛ لجزمها بالمدينة، من غير شك، والشك في قوله: «أو مكة» من جرير . انتهى . [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ: «فسمع صوت إنسانين يُعَذَّبان في قبورهما»، قال ابن مالك في قوله: «صوت إنسانين» شاهد على جواز إفراد المضاف المثنى مَعْنًى، إذا كان جزء ما أضيف إليه من دليل اثنين، نحو: أكلتُ رأس شاتين، وجمعه أجود، نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، والتثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال، وقد اجتمع التثنية والجمع في قول الراجز: وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْن … ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ فإن لم يكن المضاف جزء ما أضيف إليه فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية، نحو سَلَّ الزيدان سيفيهما، فإن أُمِن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، وفي «يُعذّبان في قبورهما» شاهد على ذلك. انتهى كلام ابن مالك ﵀ . (فَقَالَ) - ﷺ - لَمّا سمع صوتًا من داخلهما («أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كـ»أَلَا«(إِنَّهُمَا) أي من فيهما من المقبور (لَيُعَذَّبَانِ) أي يعاقبان، يقال: عَذّبته تعذيبًا: إذا عاقبته، والاسم العذاب، وأصله في كلام العرب: الضرب، ثم استُعمل في كلّ عقوبة مؤلمة، واستُعير للأمور الشاقّة، فقيل: السفرُ قطعةٌ من العذاب . و«المهمه»: القفر، و«الْقَذَف»: البعيد، و«الْمَرْتُط: التي لا تُنبِت. وأسند التعذيب إلى القبرين مجازًا، من إطلاق المحلّ على الحالّ؛ لأن المعذّب في الحقيقة مَن فيهما، كما قدّرته آنفًا. وقال ابن الملقّن ﵀: هو من الضمير الذي يُفسّره سياق الكلام؛ إذ ليس في اللفظ ما يعود إليه، فهو من باب قوله تعالى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وأشباه ذلك، وورد مصرّحًا به عند ابن أبي شيبة، لكن من حديث يعلى بن سيابة: «مرّ ﵇ بقبر يُعذّب صاحبه في غير كبيرة». قال: «وإنّ» يجوز أن تكون مبتدأ ، ويجوز أن تكون جوابًا لقسم محذوف: أي والله إنهما ليُعذّبان. انتهى . (وَمَا) (يُعَذَّبَانِ فِي كَبيرٍ) زاد في رواية البخاريّ من طريق منصور، عن مجاهد: «ثم قال: بلى»، أَي إنه لكبير، وصَرّح بذلك في «كتاب الأدب» من طريق عبد بن حُميد، عن منصور: «فقال: وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير»، قال في «الفتح»: وهذا من زيادات رواية منصور على الأعمش، ولم يخرجها مسلم. [تنبيه]: قد تبيّن بهذه الزيادة أن فعل هذين المقبورين من الكبائر، فلا بدّ من تأويل قوله: «وما يعذبان في كبير»، وقد ذكر العلماء فيه تأويلات كثيرة: فقال أبو عبد الملك الْبُونيّ: يَحْتَمِل أنه - ﷺ - ظَنّ أن ذلك غير كبير، فأُوحِي إليه في الحال بأنه كبير، فاستَدرَك. وتُعُقّب بأنه يستلزم أن يكون نسخًا، والنسخ لا يدخل الخبر. وأُجيب بأن الحكم بالخبر يجوز نسخه، فقوله: «وما يعذبان في كبير» إخبار بالحكم، فإذا أُوحي إليه أنه كبير، فأخبر به كان نسخًا لذلك الحكم. وقيل: يَحْتَمِل أن الضمير في قوله: «وإنه» يعود على العذاب؛ لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «يعذبان عذابًا شديدًا في ذنب هَيِّن». وقيل: الضمير يعود على أحد الذنبين، وهو النميمة؛ لأنها من الكبائر، بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم؛ لأن الاستتار المنفيّ ليس المراد به كشف العورة فقط، كما سيأتي. وقال الداوديّ، وابن العربيّ: «كبير» المنفيّ بمعنى «أكبر»، والمثبت واحد الكبائر: أي ليس ذلك بأكبر الكبائر، كالقتل مثلًا، وإن كان كبيرًا في الجملة. وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة؛ لأن تعاطي ذلك يدلّ على الدناءة والحقارة، وهو كبير في الذنب. وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما، أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير، كقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز، أي كان لا يشق عليهما الاحتراز من ذلك، وهذا الأخير جزم به البغويّ، وغيره ورجحه ابن دقيق العيد، وجماعة. وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق، فإنه وَصَفَ كلًّا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه، واستمراره عليه؛ للإتيان بصيغة المضارعة بعد لفظة «كان»، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله عنه: جملة هذه الأقوال ثمانية، وأقواها عندي ما جزم به البغويّ وغيره، ورجحه ابن دقيق العيد وغيره، وحاصله أنه ليس بكبير عليهما في مشقّة الاحتراز، أي كان لا يشقّ الاحتراز منه، وهو عند الله كبير، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه آخر]: قال ابن مالك ﵀: في قوله: «في كبير» شاهد على ورود «في» للتعليل، قال: وخفي ذلك على أكثر النحويين، مع وروده في القرآن، وفي الحديث، كما تقدم، وفي الشعر القديم، فمن الوارد في القرآن العظيم قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]، ومن الوارد في الحديث قوله - ﷺ - في هذا الحديث: «وما يعذّبان في كبير»، وقوله - ﷺ -: «عُذِّبت امرأة في هرّة»، متّفق عليه، ومن الوارد في الشعر القديم قول جميل [من الطويل]: فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي … وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنَ لَقُونِي ومنه قول أبي خِرَاش [من الطويل]: لَوَى رَأْسَهُ عَنِّي وَمَالَ بِوُدِّهِ … أَغَانِيجُ خُودٍ كَانَ فِينَا يَزُورُهَا ومنه قول الآخر [من الطويل]: أَفِي قَمَلِيٍّ مِنْ كُلَيْبٍ هَجَوْتَهُ … أَبُو جَهْضَمٍ تَغْلِي عَلَيَّ مَرَاجِلُهْ انتهى كلام ابن مالك ﵀ . (أَمَّا) حرف تفصيل، نائب عن حرف الشرط وفعله، تقول لمن قال: زيد عالمٌ كريمٌ مثلًا: أما زيد فعالم، أي مهما يكن من شيء، فزيد عالم، فنابت «أما» مناب حرف الشرط، وهو «مهما»، والمجزوم، وهو «يكن»، وما تضمّنه من الفاعل، فلذلك ظهر بعده الجواب دون الشرط؛ لقيامه مقامه، وأُجيب بالفاء كما يُجاب به الشرط، وجوابه هنا قوله: (أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)، أي يسعى بالإفساد بين القوم، بأن ينقل لكلّ واحد منهم ما يقوله الآخر من الشتم والأذى. والنميمة: فَعِيلةٌ، من نمّ الرجلُ الحديث نَمًّا، من باب قَتَلَ وضَرَبَ: سَعَى به ليوقع فتنةً أو وَحْشةً، فالجل نَمٌّ، تسميةً بالمصدر، ونَمّامٌ مبالغةٌ، والاسم النَّمِيمة، والنَّمِيم أيضًا، أفاده الفيّوميّ . وقال ابن الأثير ﵀: النميمة: نَقْلُ الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشرّ. انتهى . وقال المجد ﵀: النَّمُّ: التوريش، والإغراء، ورفع الحديث إِشَاعةً له وإفسادًا، وتزيين الكلام بالكذب، ونَمّ الحديثَ يَنِمُّهُ بالكسر، وَينُمّه بالضمّ نَمًّا، فهو نَمُومٌ، ونَمّامٌ، ومِنَمٌّ، كمِجَنّ، ونَمٌّ. انتهى . وقال ابن دقيق العيد ﵀: هي نقل كلام الناس، والمراد منه هنا ما كان بقصد الإضرار، فأما ما اقتضى فِعْلَ مصلحة، أو ترك مفسدة، فهو مطلوب. انتهى. قال في«الفتح»: وهو تفسير للنميمة بالمعنى الأعم، وكلام غيره يخالفه، وقال النوويّ: وهي نقل كلام الغير بقصد الإضرار، وهي من أقبح القبائح. وتعقبه الكرمانيّ، فقال: هذا لا يصحّ على قاعدة الفقهاء، فإنهم يقولون: الكبيرة هي الموجبة للحدّ، ولا حدّ على المشي بالنميمة إلا أن يقال: الاستمرارُ هو المستفاد منه جعلَهُ كبيرةً؛ لأن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة، أو أنّ المراد بالكبيرة معنى غير المعنى الاصطلاحيّ. انتهى. قال الحافظ: وما نقله عن الفقهاء ليس هو قولَ جميعهم، لكن كلام الرافعيّ يُشعر بترجيحه، حيث حَكَى في تعريف الكبيرة وجهين: أحدهما هذا، والثاني ما فيه وعيد شديدٌ، قال: وهم إلى الأول أميل، والثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. انتهى. ولا بُدّ من حمل القول الأول على أن المراد به غير ما نُصّ عليه في الأحاديث الصحيحة، وإلا لَزِم أن لا يُعَدّ عقوق الوالدين، وشهادة الزور من الكبائر، مع أن النبيّ - ﷺ - عَدَّهما من أكبر الكبائر، وتمام البحث في هذا سيأتي في محلّه من كتاب الحدود - إن شاء الله تعالى -. (وَأمَّا الْآخَرُ) أي الرجل المعذّب الآخر (فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ»)، أي لا يجعل بينه وبين بوله سُتْرةً، حتى يتحفّظ منه، كما قال في رواية الأعمش الآتية:«لا يستنزه عن البول»، أي لا يتباعد منه، قاله القرطبيّ ﵀ . وقال النوويّ ﵀: قوله:«لَا يَسْتَتِرُ»رُوي ثلاث روايات:«يَسْتَتِرُ»بتاءين مثناتين، و«يَسْتَنْزِهُ»بالزاي والهاء، و«يستبرئ»بالباء الموحدة والهمزة، وهذه الثالثة في البخاريّ وغيره، وكلها صحيحة، ومعناها: لا يتجنبه، ويتحرز منه. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«لا يستتر»كذا في أكثر الروايات بمثناتين من فوقُ، الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة، وفي رواية ابن عساكر:«يستبرئ»بموحدة ساكنة، من الاستبراء، ولمسلم، وأبي داود في حديث الأعمش:«لا يستنزه»بنون ساكنة، بعدها زايٌ، ثم هاء، فعلى رواية الأكثر معنى الاستتار: أنه لا يجعل بينه وبين بوله سُتْرَةً، يعني أنه لا يتحفظ منه، فتوافق رواية«لا يستنزه»؛ لأنها من التنزه، وهو الإبعاد، وقد وقع عند أبي نعيم في«المستخرج»من طريق وكيع، عن الأعمش:«كان لا يَتَوَقَّى»، وهي مفسرة للمراد. وأجراه بعضهم على ظاهره، فقال: معناه: لا يستر عورته، وضُعِّفَ بأن التعذيب لو وقع على كشف العورة لاستقلّ الكشف بالسببية، واطُّرِح اعتبار البول، فيترتب العذاب على الكشف، سواء وُجِد البول أم لا، ولا يَخفَى ما فيه. وأما رواية الاستبراء، فهي أبلغ في التوقي. وقال ابن دقيق العيد: لو حُمِل الاستتار على حقيقته، للزم أن مُجَرَّد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور، وسياق الحديث يدلّ على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، يُشير إلى ما صححه ابن خزيمة، من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «أكثرُ عذاب القبر من البول»، أي بسبب ترك التحرز منه، قال: ويؤيده أن لفظ «من» في هذا الحديث لَمّا أضيف إلى البول، اقتَضَى نسبة الاستتار الذي عدمُهُ سبب العذاب إلى البول، بمعنى أن ابتداء سبب العذاب من البول، فلو حُمِل على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى، فتعيّن الحمل على المجاز؛ لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد؛ لأن مخرجه واحد، ويؤيده أن في حديث أبي بكرة - ﵁ - عند أحمد، وابن ماجه: «أما أحدهما، فيعذَّب في البول»، ومثله للطبرانيّ، عن أنس - ﵁ - . (قَالَ) ابن عبّاس - ﵄ - (فَدَعَا)، أي طلب النبيّ - ﷺ -، يقال: دعا الناس: إذا طلبهم، أفاده الفيّوميّ . ولعلّ الباء في المفعول زائدة، أو على تضمين «دعا» معنى فعلٍ يتعدّى بالباء، أي أمر بعسيب، ونحوه. وقال المجد ﵀: دَعَيتُ - بالياء - لغةٌ في دَعَوت بالواو . (بِعَسِيبٍ) - بفتح العين، وكسر السين المهملتين، بوزن كريم -: الْجَريدة التي لم يَنبُت فيها خُوص، وإن نبت فهي السَّعَفَةُ، كقَصبَة، وفي «القاموس»: «الْعَسِيب»: جريدة من النخل مستقيمة دقيقةٌ، يُكشَط خُوصُها، والذي لم يَنبُت عليه الْخُوص من السَّعَفِ. انتهى . وقال في «المصباح»: السَّعَفُ«كقَصَب: جمعُ سَعَفَة، كقَصَبة: أغصان النخل ما دامت بالخُوص، فإن زال الْخُوص عنها قيل: جَرِيدة . وقال أيضًا:«الْخُوصُ»بالضمّ: وَرَقُ النخل، الواحدةُ خُوصة. انتهى . وقال النوويّ ﵀:«العَسِيب»: الجريد، والغصن من النخل، ويقال له: الْعِثْكَال . انتهى . وقال الطيبيّ ﵀: الجريدة: السّعَفَةُ التي جَرَّدتَّ عنها الْخُوصَ، أي قشرته، وكلُّ شي قشرته عن شيء فقد جَرَدته. انتهى . (رَطْبٍ) - بفتح، فسكون -: خلاف اليابس، قيل: خَصَّ الجريد بذلك؛ لأنه بطيء الجفاف، وسيأتي ذكر الخلاف فيمن أتى بالجريد في المسائل - إن شاء الله تعالى -. (فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ) أي فأُتي به، فكسره، وجعله اثنين، فالباء زائدة للتوكيد، و«اثنين» مفعول مطلقٌ، أي شقّه شقّين اثنين، أي نصفين، أو منصوب على الحال، وزيادة الباء في الحال جائز في الكلام، كما في قول الشاعر [من الطويل]: فَمَا رَجَعَتْ بِخَائِبَةٍ رِكَابٌ … حَكِيمُ بْنُ الْمُسَيِّبِ مُنْتَهَاهَا وفي رواية للبخاريّ: «فكسرها كِسْرتين». (ثُمَّ غَرَسَ) أي غَرَزَ بالزاي، كما في رواية للبخاريّ، وفي رواية له: «فَوَضَعَ»، والأول أخصّ (عَلَى هَذَا) القبر (وَاحِدًا) من الشقّين (وَعَلَى هَذَا) القبر الثاني (وَاحِدًا) منهما، وموضع الْغَرْس كان بإزاء الرأس؛ لما وقع في «مسند عبد بن حُميد» من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش: «ثم غرز عند رأس كلّ منهما قِطْعَةً»، قاله في «الفتح» . (ثمَّ قَالَ) - ﷺ - بعد غرسه لَمّا قيل له: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ كما في رواية للبخاريّ («لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ) بضم أوله، وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول، ونائب فاعله ضمير العذاب (عَنْهُمَا) أي عن المقبورين. قال ابن مالك ﵀ : يجوز كون الهاء من«لعلّه»ضمير الشأن، وجاز تفسير ضمير الشأن بـ«أَنْ وصِلَتها»مع أنها في تقدير مصدر؛ لأنها في حكم جملةٍ؛ لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ولذلك سدّت مسدّ مطلوبي«حسب»، و«عسى»في نحو ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وفي ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦]. ويجوز في قول الأخفش أن تكون«أن»زائدةً مع كونها ناصبةً، ونظيرها زيادة الباء، و«من»مع كونهما جارّتين، ومن تفسير ضمير الشأن بـ«أن وصلتها»قول عمر - ﵁ -:«والله ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكر تلاها، فَعُقِرتُ حتى ما تُقلّني رجلاي»، متّفقٌ عليه. انتهى كلام ابن مالك ﵀ . أحدهما: أن هذا النصّ لا وجود له في كتاب ابن مالك«شواهد التوضيح»وإنما الموجود فيه ما نقلته هنا. الثاني: أن الرواية بإفراد ضمير«عنها»لا وجود له في نسخ«صحيح البخاري»، ولا أشار إليه أحد من شرّاحه، فالظاهر أنه لا صحّة له نقلًا، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال الكرمانيّ: شَبَّه«لعلّ»بـ«عَسَى»، فأتى بـ«أن»في خبره. وقال الطيبيّ ﵀: لعلّ الظاهر أن يكون الضمير مبهمًا يفسّره ما بعده، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩] قال صاحب«الكشّاف»: هذا ضمير لا يُعلم ما يُعنى به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وُضع«هي»موضع«الحياة»؛ لأن الخبر يدلّ عليها، ويُبيّنها، ومنه: هي النفس تتحمّل ما حُمّلت، والرواية بتثنية الضمير في«عنهما»لا تستدعي إلا هذا التأويل. انتهى . (مَا لَمْ يَيْبَسَا») «ما» مصدريّة ظرفيّةٌ، و«ييبسا»، أي يجفّ الشِّقّان، قال النوويّ: «يَيْبَسَا» مفتوح الباء الموحدة، قبل السين، ويجوز كسرها لغتان، وقال الفيّوميّ: يَبِسَ يَيْبَسُ، من باب تَعِبَ، وفي لغة بالكسر فيهما: إذا جفّ بعد رُطوبة، فهو يابسٌ، وشيء يَبْسٌ ساكن الباء بمعنى يابسٍ أيضًا . والمعنى: يُخفّف عنهما مدّة عدم يبس الشقّين. وفي رواية للبخاريّ: «ما لم تيبسا» قال في «الفتح»: كذا في أكثر الروايات بالمثناة الفوقانية: أي الكِسْرَتان، وللكشميهنيّ: إلا أن تيبسا«بحرف الاستثناء، وللمستملي:»إلى أن ييبسا«بـ»إلى«التي للغاية، والياء التحتانية: أي العودان. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الطهارة»[٣٤/ ٦٨٣ و٦٨٤] (٢٩٢)، و(البخاريّ) في«الوضوء»(٢١٦ و٢١٨ و١٣٦١)، و«الجنائز»(١٣٦١ و١٣٧٨)، و«الأدب»(٦٠٥٥)، و(أبو داود) في«الطهارة»(٢٠ و٢١)، و(الترمذيّ) في«الطهارة»(٧٠)، و(النسائيّ) في«الطهارة»(١/ ٢٨ و٣٠)، و(ابن ماجه) في«الطهارة»(٣٤٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في«مسنده»(٢٦٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٣/ ٣٧٥ و٣٧٦ و٣٧٧)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ٢٢٥)، و(الدارميّ) في«سننه»(١/ ١٨٨ و١٨٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٣١٢٨ و٣١٢٩)، و(الآجرّيّ) في«الشريعة»(ص ٣٦١ و٣٦٢)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٢/ ٤١٢)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(١٨٣)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤٩٥ و٤٩٦)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٦٧٤ و٦٧٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه يدلّ على نجاسة بول الإنسان؛ لقوله:«مِنْ بَوْلِهِ»بالإضافة، وروايةُ:«من البول» «أل»فيها عِوَضٌ عن المضاف إليه، وقد استَدَلّ به البخاريّ على أن نجاسة البول مقصورة على بول الناس، ولا يَعُمّ بول سائر الحيوانات، فقال: وقال النبيّ - ﷺ - لصاحب القبر:«كان لا يستتر من بوله»، ولم يذكُر سوى بول الناس. انتهى. قال ابن بطّال: أراد البخاريّ أن المراد بقوله - ﷺ -:«كان لا يستتر من البول»بول الناس، لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجةٌ لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الردّ على الخطّابيّ حيث قال: فيه دليلٌ على نجاسة الأبوال كلها، ومحصّل الردّ أن العموم في رواية«من البول»أريد به الخصوص؛ لقوله:«من بوله»، والألف واللام بدل من الضمير، لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من الناس؛ لعدم الفارق، قال: وكذا غير المأكول، وأما المأكول فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بنجاسة بوله، ولمن قال بطهارته حُجج أخرى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله:«من البول»اسم مفرد لا يقتضي العموم، ولو سُلِّمَ فهو مخصوص بالأدلّة المقتضية لطهارة بول ما يؤكل لحمه. انتهى ، وسيأتي في هذا قريبًا - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): وجوب التنزّه من البول، وعقوبة من تساهل في ذلك. ٣ - (ومنها): أن التساهل في أمر البول من الكبائر، كما صرّح به النبيّ - ﷺ -. ٤ - (ومنها): وجوب إزالة النجاسة، خلافًا لمن خص الوجوب بوقت إرادة الصلاة. ٥ - (ومنها): كون النميمة من الكبائر أيضًا، وهي محرّمة بالنصوص، والإجماع، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١]، وقال النبي - ﷺ -: «لا يدخل الجنّة نمّام»، وفي لفظ: «قتّات»، وهو النمّام، متّفق عليه. ٦ - (ومنها): أنه استَدَلّ ابن بطال بهذه الرواية على أن التعذيب، لا يختص بالكبائر، بل قد يقع على الصغائر، قال: لأن الاحتراز من البول لم يَرِدْ فيه وعيد، يعني قبل هذه القصة. وتُعُقِّب بالزيادة التي في «صحيح البخاريّ» وغيره، من قوله - ﷺ -: «بل إنه كبير»، وقد ورد مثلها من حديث أبي بكرة - ﵁ - عند أحمد، والطبرانيّ، ولفظه: «وما يعذبان في كبير، بلى»، أفاده في «الفتح» ، فهذا نصّ صريح في الوعيد، يردّ ما قاله ابن بطال، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنّة والجماعة، خلافًا لمن نفاه مطلقًا من الخوارج، وبعض المعتزلة، كضرار بن عمرو، وبشْر المريسيّ، ومن وافقهما، وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة، وجميع أهل السنّة، وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة، كالجبّائيّ إلى أنه يقع على الكفّار دون المؤمنين، وتردّه الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك . وقد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان أهلًا لذلك، وكذا سؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك، والإيمان به، ولا نتكلّم في كيفيّته؛ إذ ليس للعقل وقوف على كيفيّته؛ لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تُحيله العقول، ولكن قد يأتي بما تَحار فيه العقول، قاله شارح «العقيدة الطحاويّة» . وقد ذكرت بحثًا طويلًا في هذا في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٧ - (ومنها): شدّة رأفة النبيّ - ﷺ - بأمته، فإنه لَمّا سمع صاحبي القبرين بادر إلى الشفاعة لهما. ٨ - (ومنها): إثبات الشفاعة للنبيّ - ﷺ -، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في «كتاب الإيمان»، فلا تنس نصيبك، وبالله تعالى التوفيق. ٩ - (ومنها): إثبات المعجزة له - ﷺ - حيث أطلعه تعالى على تعذيب المقبورين، مع أن الذين كانوا معه لم يسمعوا، ولم يعلموا شيئًا من ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية [الجنّ: ٢٦ - ٢٧]. ١٠ - (ومنها): وجوب الاستنجاء؛ إذ هو المراد بعدم الاستتار من البول، فلا يجعل بينه وبين البول حجابًا من ماء، أو حجارة، ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الروايات فيمن أتى بالعسيب إلى النبيّ - ﷺ -: قال في «الفتح»: رَوَى النسائي من حديث أبي رافع، بسند ضعيف، أن الذي أتاه بالجريدة بلال - ﵁ -، ولفظه: كُنّا مع النبيّ - ﷺ - في جنازة، إذ سمع شيئًا في قبر، فقال لبلال: «ائتني بجريدة خضراء …» الحديث. وفي حديث أبي بكرة - ﵁ - عند أحمد، والطبرانيّ أنه الذي أتى بها إلى النبيّ - ﷺ -. وأما ما رواه مسلم في حديث جابر الطويل المذكور في أواخر الكتاب أنه الذي قَطَع الغصنين، فهو في قصة أخرى غير هذه، فالمغايرة بينهما من أوجه: (منها): أن هذه كانت في المدينة، وكان معه - ﷺ - جماعة، وقصة جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجته، فتبعه جابر وحده. (ومنها): أن في هذه القصة أنه - ﷺ - غَرَس الجريدة بعد أن شَقّها نصفين، وفي حديث جابر أنه - ﷺ - أمر جابرًا بقطع غصنين من شجرتين، كان النبيّ - ﷺ - استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابرًا، فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره، حيث كان النبيّ - ﷺ - جالسًا، وأن جابرًا سأله عن ذلك؟ فقال: «إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يُرْفَع عنهما ما دام الغصنان رطبين»، ولم يذكر في قصة جابر أيضًا السبب الذي كانا يعذبان به، ولا الترجي الذي في قوله هنا: «لعله»، فبان تغاير حديث ابن عباس وحديث جابر - ﵃ -، وأنهما كانا في قصتين مختلفتين، ولا يبعد تعدد ذلك. وقد رَوَى ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه - ﷺ - مَرّ بقبر، فوقف عليه، فقال: «ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه»، فيحتمل أن تكون هذه قصة ثالثة، ويؤيده أن في حديث أبي رافع: فسمع شيئًا في قبر، وفيه: فكسرها باثنين، ترك نصفها عند رأسه، ونصفها عند رجليه، وفي قصة الواحد: جعل نصفها عند رأسه، ونصفها عند رجليه، وفي قصة الاثنين: جعل على كل قبر جريدةً. انتهى ما في «الفتح»، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في معنى قوله - ﷺ -: «لعله أن يُخفّف عنهما»: قال المازريّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون أوحي إليه - ﷺ - أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة. انتهى. وعلى هذا فـ«لعلّ» هنا للتعليل، قال: ولا يظهر له وجه غير هذا. وتعقبه القرطبي بأنه لو حصل الوحي لما أتى بحرف الترجي، كذا قال، ولا يَرِد عليه ذلك إذا حملناها على التعليل. قال القرطبيّ: وقيل: إنه شفع لهما هذه المدة كما صرح به في حديث جابر؛ لأن الظاهر أن القصة واحدةٌ، وكذا رجح النوويّ كون القصة واحدةً. قال الحافظ: وفيه نظرٌ لما أوضحناه من المغايرة بينهما. وقال الخطابيّ ﵀: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة، لا أن في الجريدة معنى يخصه، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس، قال: وقد قيل: إن المعنى فيه أنه يسبِّح ما دام رطبًا، فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وعلى هذا فيطّرد في كل ما فيه رطوبة من الأشجار وغيرها، وكذلك فيما فيه بركة، كالذكر، وتلاوة القرآن، من باب أولى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وكذلك فيما فيه بركة إلخ، سيأتي الردّ عليه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. وقال الطيبيّ ﵀: الحكمة في كونهما ما دامتا رطبتين تمنعان العذاب، يَحتَمِل أن تكون غير معلومة لنا، كعدد الزبانية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قد استنكر الخطابي، ومن تبعه وَضْعَ الناس الجريد ونحوه في القبر؛ عملًا بهذا الحديث، وقال الطرطوشيّ: لأن ذلك خاص ببركة يده - ﷺ -، وقال القاضي عياض: لأنه عَلّلَ غرزهما على القبر بأمر مغيب، وهو قوله: «لَيُعَذَّبان». وتعقّب هذا صاحب «الفتح» بأنه لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا؟ أن لا نتسبب له في أمر يُخفف عنه العذاب أَنْ لو عُذِّب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أَرُحم أم لا؟ أن لا ندعو له بالرحمة، وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة، بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسى بُريدة بن الحصيب الصحابي بذلك، فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان كما ذكره البخاريّ عنه في «صحيحه»، وهو أولى أن يُتَّبَعَ من غيره. انتهى . وقد تعقّب العينيّ في «عمدته» قوله: «وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر إلخ» بأنه قد صرّح في الحديث بأنه دعا بجريدة، فكسرها، فوضع على كلّ قبر منهما كِسرةً، فهذا صريحٌ في أنه - ﷺ - وضعه بيديه الكريمتين، ودعوى احتمال الأمر لغيره به بعيدة، وهي كدعوى احتمال مجيء غلام زيد في قولك: جاء زيد، ومثل هذا الاحتمال لا يُعتدّ به. انتهى كلام العينيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: الذي قاله الخطابيّ، ومن تبعه من استنكار وضع الجريدة ونحوها على القبر هو الذي يترجح عندي؛ لأنه أمر يختصّ به النبيّ - ﷺ - من حيث كونه مغيّبًا، لا يمكن الاطّلاع عليه إلا بالوحي، ومن حيث بركة يده - ﷺ - كما علّله الخطابيّ، والقاضي عياض. وأما قول الحافظ: لا يلزم من كوننا إلخ ففيه نظر لا يخفى؛ إذ الدعاء أمرنا به اطّلعنا على التعذيب أم لا، فليس معلّلًا بالتعذيب بخلاف وضع الجريدة، ولأنه - ﷺ - دعا لكلّ ميت، وأمر به بخلاف وضعها، فإنه ما فعله إلا لأشخاص مُعَيَّنِينَ، معلِّلًا ذلك بما ذكر، ولأن الصحابة ومن بعدهم أجمعوا على الاقتداء به فيه بخلَاف الوضع، فلم يُنقل إلا عن بُريدة - ﵁ -، فهو قياس مع الفارق. والحاصل أن خصوصيّة وضع الجريد أوضح من كونه محلّ أسوة، فتأمل بالإنصاف. قال صاحب «المرعاة» ﵀ - بعد ذكر نحو ما تقدّم -: والظاهر عندي أنه مخصوص بالنبيّ - ﷺ - ليس بأعمّ، وأما ما يفعله القبريّون من وضع الرياحين على القبور، وغرس الأشجار عليها، وسترها بالثياب، وإجمارها، وتبخيرها بالعود، واتّخاذ السرج عليها، فلا شكّ في كونه بدعة وضلالةً، ومن زعم أن هذا الحديث أصل لهذه الأمور المحدثة، فقد جهل، وافترى على الرسول - ﷺ -. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله صاحب المرعاة ﵀ تحقيق نفيسٌ جدًّا، ومثل ذلك من استدلّ بهذا الحديث على مشروعيّة قراءة القرآن في القبر، فقد ابتدع في الدين، وأتى بما لم يشرعه الله تعالى، فإن النبيّ - ﷺ - مع كثرة من يموت في عهده، لم يأمر أحدًا أن يقرأ القرآن للميت، ولا فعله الخلفاء الراشدون بعده، ولا القرون المفضّلة. وأما ما أورده العينيّ محتجًّا على مشروعيّة ذلك من الأحاديث فمما يُتعجّب منه، فإنها كلها أحاديث واهية، لا يثبت منها شيء، فلا تغترّ بها، وكن من الْيَقِظِين الْحَذِرين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في ذكر ما جاء من الاختلاف في اسم المقبورَين: (اعلم): أنه لم يُعرف اسم المقبورين، ولا أحدهما، والظاهر أن ذلك كان عمدًا من الرواة قصدًا للستر، وأنه لا ينبغي الفحص عن مثل هذا. قال الحافظ: وما حكاه القرطبيّ في «التذكرة» وضعّفه عن بعضهم أن أحدهما سعد بن معاذ، فهو قول باطلٌ لا ينبغي ذكره إلا مقرونًا ببيانه، ومما يدلّ على بطلانه الحكاية المذكورة أن النبيّ - ﷺ - حضر دفن سعد بن معاذ، كما ثبت في الحديث الصحيح، وأما قصّة المقبورين ففي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه - ﷺ - قال لهم: «من دفنتم اليوم ها هنا؟»، فدلّ على أنه لم يحضرهما. قال: وإنما ذكرت هذا ذَبًّا عن هذا السيد الذي سماه النبيّ - ﷺ - سيّدًا، وقال لأصحابه: «قوموا إلى سيدكم»، وقال: «إن حكمه قد وافق حكم الله»، وقال: «إن عرش الرحمن اهتَزَّ لموته» إلى غير ذلك من مناقبه الجليلة؛ خشيةَ أن يَغْتَرّ ناقص العلم بما ذكره القرطبيّ، فيعتقد صحة ذلك، وهو باطل. وقد اختُلِفَ في المقبورَين، فقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المدينيّ، واحتجّ بما رواه من حديث جابر، بسند فيه ابن لَهِيعة: «أن النبيّ - ﷺ - مَرّ على قبرين من بني النجار، هَلَكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة»، قال أبو موسى: هذا وإن كان ليس بقويّ، لكن معناه صحيح، لأنهما لو كانا مسلمين لَمَا كان لشفاعته إلى أن تيبس الجريدتان معنًى، ولكنه لَمّا رآهما يعذبان لم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه، فشفع لهما إلى المدة المذكورة. وجزم ابن العطار في «شرح العمدة» بأنهما كانا مسلمين، وقال: لا يجوز أن يقال: إنهما كانا كافرين؛ لأنهما لو كانا كافرين لم يَدْعُ لهما بتخفيف العذاب، ولا ترجّاه لهما، ولو كان ذلك من خصائصه لبيّنه - يعني كما في قصة أبي طالب -. قال الحافظ: وما قاله أخيرًا هو الجواب، وما طالب به من البيان قد حَصَلَ، ولا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية، لكن الحديث الذي احتجَّ به أبو موسى ضعيف، كما اعتَرَف به، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح، على شرط مسلم، وليس فيه سبب التعذيب، فهو من تخليط ابن لهيعة، وهو مطابق لحديث جابر الطويل الذي قدمنا أن مسلمًا أخرجه، واحتمال كونهما كافرين فيه ظاهرٌ. وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين، ففي رواية ابن ماجه: «مَرّ بقبرين جديدين»، فانتفى كونهما في الجاهلية، وفي حديث أبي أُمامة عند أحمد: «أنه - ﷺ - مَرّ بالبقيع، فقال: من دفنتم اليوم ها هنا؟»، فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين؛ لأن البقيع مقبرة المسلمين، والخطاب للمسلمين، مع جريان العادة بأن كل فريق يتولاه من هو منهم. ويُقَوِّي كونهما كانا مسلمين روايةُ أبي بكرة، عند أحمد، والطبرانيّ، بإسناد صحيح: «يعذبان، وما يُعَذَّبان في كبير، بلى، وما يعذبان إلا في الغيبة والبول». فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين؛ لأن الكافر، وإن عُذِّب على ترك أحكام الإسلام، فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في ذكر اختلاف أهل العلم في الأبوال، والأرواث، الطاهر منها والنجس: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: دلت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - على أن أبوال بني آدم نَجِسَة، يجب غسلها من البدن، ومن الثوب الذي يُصلي فيه، إلا ما روي عنه في بول الغلام الذي لم يَطْعَم الطعام. واختلفوا في بول ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل، فقالت طائفة: بول ما يؤكل لحمه طاهرٌ، وليس كذلك عندها أبوال ما لا يؤكل لحمه، فممن قال: ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله: عطاء، والنخعيّ، والثوريّ، ورَخَّص في أبوال الإبل والغنم الزهريّ، وقال يحيى الأنصاريّ في الأبوال: لا يكره ذلك من الإبل والبقر والغنم، ورَخَّص الشعبيّ في بول التيس، وقال الحسن، وقتادة فيمن وَطِئ على الروث الرَّطْب: يمسح قدميه، ويُصلي، ورَخَّص الحكم في أبوال الشياه، قال: لا تغسله، وروي عن أبي موسى - ﵁ - أنه صَلّى على التراب والسرقين . ورخص في ذَرْقِ الطير أبو جعفر، والحكم، وحماد، وقال حماد في خرء الدجاج: إذا يبس فافرُكه، وكان الحسن لا يَرَى على من صلى وفي ثوبه خرء الدجاج إعادةً. وقالت طائفة: الأرواث، والأبوال كلها نَجِسة، ما أُكل لحمه، أو لم يؤكل، وكذلك ذَرْقُ الطير كلها نجس، هذا قول الشافعيّ، وقد حُكِي عنه أنه استثنى من ذلك بول الغلام الذي لم يَطعَم، وأَمَرَ بالرشّ عليه، وكان الشافعيّ يقول: لا يجوز بيع الْعَذِرة، ولا الروث، ولا البول، كان ذلك من الناس، أو من الدواب، وقال أبو ثور كقول الشافعيّ في الأبوال والأرواث: إنها كلها نجسة، رطبًا كان أو يابسًا، وقال الحسن: البول كله يُغْسَل، وكان يَكْرَه أبوال البهائم كلّها، يقول: اغسل ما أصابك منها، وقال حماد في بول الشاة: اغسله. وفيه قول ثالث، قاله مالك، قال: لا يَرَى أهلُ العلم أبوال ما أُكِل لحمه، وشُرِب لبنه من الأنعام نَجَسًا، وكذلك أبعارها، وهم يستحسنون مع ذلك غسلها، ولا يرون بالاستشفاء بشرب أبوالها بأسًا، ويكرهون أبوال ما لا يؤكل لحمه من الدواب، وأرواثها الرَّطْبة ويرون أن يعيد ما كان في الوقت، ويكرهون شرب أبوالها وألبانها، هذه حكاية ابن وهب عنه. وحَكَى ابنُ القاسم أن مالكًا كان لا يَرَى بأسًا بأبوال ما أُكل لحمه، مما لا يأكل الْجِيَف، وأرواثها إن وقع في الثوب، وقال في الطير التي تأكل الجيف والأذى: يعيد من كان في ثوبه منه شيء صلاته في الوقت، قال: فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليه. ووَقَفَ أحمد عن الجواب في أبوال ما يؤكل لحمه مرةً، وقال مرة: يُنَزَّه عن بول الدواب كلها أحبّ إليّ، ولكن البغل والحمار أشدّ، وقال إسحاق كذلك، وقد اختلف قول أحمد في هذا الباب. وقالت طائفة: الأبوال كلها سوى بول بني آدم طاهرٌ لا يجب غسله، ولا نضحه إلا أن يوجَب ذلك مما يجب التسليم له، قال: وليس بين بول ما أُكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه فرق؛ لأن الفرائض لا تجب إلا بحجة. وقدْ ذَكَر مغيرة بن أبي معشر أنه قال: بال بَغْلٌ قريبٌ مني، فتنحيت، فقال لي إبراهيم: ما عليك لو أصابك، وقد رَوَينا عن عطاء، والزهريّ أنهما أمرا بالرشّ على بول الإبل، وقال النعمان في روث الفرس، وروث الحمار، والروثِ كلِّهِ: سواءٌ إذا أصاب الثوبَ منه أكثر من الدرهم لم تجز الصلاة فيه، وكذلك إذا أصاب الخفّ والنعل. وقال يعقوب ومحمد: يجزيه إلا أن يكون كثيرًا فاحشًا، وقال النعمان في بول الفرس: لا يُفسِد إلا أن يكون كثيرًا فاحشًا، وبول الحمار يُفسد إذا كان أكثر من الدرهم، وهو قول النعمان ويعقوب، وقال محمد: لا يُفسد بول الفرس، وإن كان كثيرًا فاحشًا؛ لأنه بول ما يؤكل لحمه. وقال النعمان في أَخْثاء البقر، وخُرء الدجاج، مثلُ السِّرْقين: يُفسد منه أكثر من قدر الدرهم، وكذلك قال يعقوب ومحمد في خُرء الدجاج خاصةً، وقال محمد: الكثير الفاحش الربعُ فصاعدًا. قال ابن المنذر: احتَجّ مَن جَعَلَ الأبوال كلها نجسة بأن أبوال بني آدم لَمّا كانت نجسةً، فأبوال البهائم أولى بذلك؛ لأن مأكول الآدميين، ومشروبهم يدخل حلالًا، ثم يتغير في الجوف، حتى يخرج نجسًا، فكان ما كان تَعْتَلِف البهائم، وتأكل السباع أولى بهذا؛ لأنها لا تتوقأ ما تأكل. قال ابن المنذر: ويلزم مَن جعل أبوال البهائم قياسًا على أبوال بني آدم، أن يجعل شعر بني آدم قياسًا على أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار الأنعام، هذا إذا جاز أن يجعل أحد الصنفين قياسًا على الآخر، فإذا فَرَّقَ مُفَرِّق في غير هذا الباب بين بني آدم، والأنعام بفروق كثيرة، ومَنَعَ أن يُجعَل أحدهما قياسًا على الآخر، وَجَبَ كذلك في هذا الباب، أن لا يُجعَل أحد الصنفين قياسًا على الآخر، والأخبار الثابتة عن رسول الله - ﷺ - دالةٌ على طهارة أبوال الإبل، ولا فرق بين أبوال الإبل، وبين أبوال البقر والغنم. ثم أخرح بسنده عن أنس - ﵁ - أن أُناسًا من عُرَينة، قَدِموا المدينة، فأرسلهم النبيّ - ﷺ - في إبل الصدقة، وقال لهم: «اشرَبُوا من ألبانها وأبوالها»، متفقٌ عليه. قال ابن المنذر: وهذا يدل على طهارة أبوال الإبل، ولا فرق بين أبوالها وأبوال سائر الأنعام، مع أن الأشياء على الطهارة حتى تَثْبُت نجاسة شيء منها بكتاب، أو سنة، أو إجماع. فإن قال قائل بأن ذلك للعرنيين خاصّةً، قيل له: لو جاز أن يقال في شيء من الأشياء خاصّةٌ بغير حجة لجاز لكل من أراد فيما لا يوافق من السنن مذاهب أصحابه، أن يقول: ذلك خاصّ، وظاهر خبر رسول الله - ﷺ - في هذا الباب، مُسْتَغْنًى به عن كل قول. واستعمالُ الخاصة والعامة أبوال الإبل في الأدوية، وبيعُ الناس ذلك في أسواقهم، وكذلك الأَبْعَار تُباع في الأسواق، ومَرابضُ الغنم يُصَلَّى فيها، والسنن الثابتة دليل على طهارة ذلك، ولو كان بيع ذلك مُحَرَّمًا لأنكَرَ ذلك أهل العلم، وفي ترك أهل العلم إنكار بيع ذلك في القديم والحديث، واستعمال ذلك، معتمدين فيها على السنة الثابتة بيان لما ذكرناه. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّق الإمام ابن المنذر ﵀ بحث نفيسٌ، خلاصته أن الأرجح كون الأبوال والأبعار، والأخثاء طاهرة مطلقًا، من جميع الحيوانات، مأكولة اللحم، وغير مأكولته، إلا بول الآدميّ؛ لقوّة حجته، والله تعالى أعلم. وسئل شيخ الإسلام ابن تيميّة: عن بول ما يؤكل لحمه، هل هو نَجَسٌ؟. فأجاب: أما بول ما يؤكل لحمه وروثه، فإن أكثر السلف على أن ذلك ليس بنجس، وهو مذهب مالك، وأحمد، وغيرهما، ويقال: إنه لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجيس ذلك، بل القول بنجاسة ذلك قول مُحْدَثٌ، لا سلف له من الصحابة، والقائل بتنجيس ذلك ليس معه دليلٌ شرعيّ على نجاسته أصلًا، فإن غاية ما اعتَمَدوا عليه قوله - ﷺ -: «تنزّهوا من البول»، وظنّوا أن هذا عامّ في جميع الأحوال، وليس كذلك، فإن اللام لتعريف العهد، والبول المعهود هو بول الآدميّ، ودليله قوله: «تنزّهوا من البول، فإن عامّة عذاب القبر منه»، ومعلوم أن عامّة عذاب القبر إنما هو من بول الآدميّ نفسِهِ الذي يصيبه كثيرًا، لا من بول البهائم الذي لا يُصيبه إلا نادرًا. وقد ثبت في «الصحيحين» عن النبيّ - ﷺ - أنه أمر العُرَنيين الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام أن يَلْحَقُوا بإبل الصدقة، وأمر أن يشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يأمرهم مع ذلك بغسل ما يُصيب أفواههم وأيديهم، ولا بغسل الأوعية التي فيها الأبوال، مع حِدْثان عهدهم بالإسلام، ولو كان بول الأنعام كبول الإنسان لكان بيان ذلك واجبًا، ولم يجز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لا سيّما مع أنه قرنها بالألبان التي هي حلالٌ ظاهرة، مع أن التداوي بالخبائث قد ثبت فيه النهي عن النبيّ - ﷺ - من وجوه كثيرة. وأيضًا فقد ثبت في «الصحيح» أن النبيّ - ﷺ - كان يُصلّي في مَرابض الغنم، وأنه أَذِن في الصلاة في مرابض الغنم من غير اشتراط حائل، ولو كانت أبعارها نَجِسةً لكانت مرابضها كحُشُوش بني آدم، وكان ينهى عن الصلاة فيها مطلقًا، أو لا يصلى فيها إلا مع الحائل المانع، فلما جاءت السنّة بالرخصة في ذلك، كان مَن سَوَّى بين أبوال الآدميين، وأبوال الغنم مخالفًا للسنّة. وأيضًا فقد طاف النبيّ - ﷺ - بالبيت على بعيره مع إمكان أن يبول البعير. وأيضًا فما زال المسلمون يدُوسون حُبوبهم بالبقر مع كثرة ما يقع في الحبّ من البول وأخباث البقر. وأيضًا فإن الأصل في الأعيان الطهارة، فلا يجوز التنجيس إلا بدليل، ولا دليل على النجاسة؛ إذ ليس في ذلك نصّ، ولا إجماع، ولا قياس صحيح. انتهى كلام شيخ الإسلام ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، وقد ذكر في رسالة أخرى لترجيح هذا المذهب بضعة عشر دليلًا ، فأجاد، وأفاد. وقال العلامة الشوكانيّ بعد ذكر الأقوال المتقدّمة: والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان، يؤكل لحمه؛ تمسكًا بالأصل، واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة حكم شرعيّ، ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يُقْبَل قول مُدَّعِيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك، وغاية ما جاؤوا به حديث صاحب القبر، وهو مع كونه مُرادًا به الخصوص كما سلف عمومٌ ظنيُّ الدلالة، لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف. [فإن قلت]: إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبله لما تقدم حتى يَرِدَ دليلٌ، فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول، وزِبْله على العموم؟. [قلت]: قد تمسكوا بحديث: «إنها رِكْسٌ»، قاله - ﷺ - في الروثة، أخرجه البخاريّ، والترمذيّ، والنسائيّ، وبما تقدم في بول الآدميّ، وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل، وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الأكل، وهو منتَقِضٌ بالقول بنجاسة زِبْل الجلالة، والدفعُ بأن العلة في زِبل الجلالة هو الاستقذار، منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر، كالطاهر إذا صار منتنًا، إلا أن يقال: إن زبل الجلّالة هو محكوم بنجاسته، لا للاستقذار، بل لكونه عين النجاسة الأصلية التي جلتها الدابة؛ لعدم الاستحالة التامة. وأما الاستدلال بمفهوم حديث: «لا بأس ببول ما يؤكل لحمه»، فغير صالح لضعفه الذي لا يصلح معه للاستدلال به، حتى قال ابن حزم: إنه خبر باطل موضوع، قال: لأن في رجاله سَوّار بن مُصْعب، وهو متروك عند جميع أهل النقل، مُتَّفَقٌ على ترك الرواية عنه، يَرْوِي الموضوعات. قال: فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي، وزِبْله، والروثة. وقد نقل التيميّ أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير، ولكنه زاد ابن خزيمة في روايته: «إنها رِكْسٌ، إنها روثة حمار». وأما سائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، فإن وَجَدتَّ في بول بعضها أو زِبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارةً أو نجاسةً ألحقته، وإن لم تَجِد فالمتوجه البقاء على الأصل والبراءة، كما عرفت. انتهى كلام الشوكاني ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما أسلفته من بيان هذه الأقوال، والنظر في أدلّتها، أن أرجح المذاهب هو القول بأن الأبوال والأزبال طاهرةٌ مطلقًا، من مأكول اللحم وغيره، إلا الآدميّ، وكذلك الروثة؛ لحديث: «إنها ركسٌ»، وذلك للأدلة التي سبقت، وتمسّكًا بالبراءة الأصليّة؛ إذ لم يَرْدْ نصّ قاطعٌ يَنْقُل عنها، فالبقاء عليها هو الحقّ، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٨٤] (…) - (حَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِد، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَكَانَ الْآخَرُ لَا يَسْتَنْزِهُ عَنِ الْبَوْلِ - أَوْ - مِنَ الْبَوْلِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله (٨٠) سنة (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٠. ٢ - (مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ ، أبو الهيثم البصري، أخو بهز، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠]. رَوَى عن وهيب بن خالد، وعبد الواحد بن زياد، وعبد العزيز بن المختار، ويزيد بن زُريع، وعبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس، ومحمد بن حُمْران، وجماعة. ورَوَى عنه البخاريّ، وروى الباقون له بواسطة أحمد بن يوسف السلميّ، وحجاج بن الشاعر، وأحمد بن عبد الله بن عليّ بن مَنْجُوف، وأبو داود سليمان بن مَعْبد السِّنْجيّ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وعمرو بن منصور النسائيّ، ومحمد بن داود المصيصيّ، وهلال بن العلاء، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وأبو حاتم الرازيّ، وغيرهم. قال العجليّ: شيخ بصريّ ثقةٌ كَيِّس، وكان مُعَلّمًا، وأخوه بهز أسنّ منه، وهو ثبتٌ في الحديث، رجلٌ صالحٌ، وقال أبو حاتم: ثقة ما أعلم أني عثرت له على خطأ غير حديث واحد، وقال مسلمة بن قاسم: ثقةٌ، وقال مسعود بن الحكم: ثقةٌ مأمونٌ. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات في رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين، وفيها أَرَّخَه ابن قانع، والقرّاب، وقال خليفة: مات سنة تسع عشرة. روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في «القدر»، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجَهْ، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٢٩٢) و(٣٣٦) و(٧٢١) و(١٢٤٨) (١٤٣٥) و(٢٢٢٣) و(٢٣٤١). ٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبْديّ مولاهم، البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عبّاس - ﵄ -. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ إلخ) الضمير لعبد الواحد، يعني أن عبد الواحد قال في روايته: «وكان الآخر لا يستنزه من البول»، بنون ساكنة، بعدها زاي، ثم هاء، من الاستنزاه، قال ابن الأثير ﵀: أي لا يستبرئ، ولا يتطهّر، ولا يستبعد من البول ، وقال في «الفتح»: «لا يستنزه» من التنزّه، وهو الإبعاد. انتهى . وفي «المصباح»: التنزّه: التباعد عن المياه والأَرْياف، ومنه فلانٌ يَتَنَزّه عن الأقذار: أي يتباعد عنها. انتهى . وقوله: (أَوْ مِنَ الْبَوْلِ) «أو» للشكّ من الراوي. [تنبيه]: رواية عبد الواحد هذه أخرجها الإمام الدارميّ في «سننه» (١/ ٢٠٥) فقال: (٧٣٩) أخبرنا الْمُعَلَّى بن أسد، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: مَرّ رسول الله - ﷺ - بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان في قبورهما، وما يعذبان في كبير، كان أحدهما يمشي بالنميمة، وكان الآخر لا يستنزه عن البول - أو - من البول»، قال: ثم أخذ جريدة رطبةً، فكسرها، فغرَزَ عند رأس كل قبر منهما قطعةً، ثم قال: «عسى أن يُخَفَّفَ عنهما حتى يَيْبَسَا». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (كِتَابُ الْحَيْضِ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على بيان أحكام الحيض، وفيه مسائل: (المسألة الأولى): في تعريفه لغةً، وشرعًا: قال أهل اللغة: يقال: حاضت المرأة تحيض حَيْضًا ومَحِيضًا، فهي حائض بغير هاء؛ لأن هذه صفة لا تكون للمذكر، فلم يُحتج إلى إلحاق الهاء فيه للفرق، بخلاف مسلمة، وقائمة، وحَكَى الجوهريّ عن الفرّاء أنه يقال أيضًا: حائضةٌ بالهاء، وأنشد: كَحَائِضَةٍ يُزْنَى بِهَا غَيْرَ طَاهِرِ وقال أهل اللغة: عَرَكَت - بفتح العين والراء - تَعْرُك عُرُوكًا، كقَعَدَتْ تقعُد قُعُودًا: أي حاضت، قال الهرويّ في «الغريبين»: يقال: حاضت المرأةُ وتحيَّضَت، ودَرَسَت، وعَرَكَت، وطَمَثَت تَحِيض حيضًا ومَحِيضًا ومَحَاضًا: إذا سال دمها في أوانه، فإذا سال في غير أوقاته المعلومة، فهي مستحاضة. وقال أهل اللغة: يقال: نساءٌ حُيَّضٌ، وحوائض، والْحَيْضَةُ - بفتح الحاء - المرّة الواحدة من الحيض، والْحِيضة - بكسر الحاء - اسم للحالة والهيئة. وقال أبو منصور الأزهريّ في «شرح ألفاظ مختصر المزنيّ»: الحيض دمٌ يُرخيه رَحِم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة، وأصله من حاض السيل، وفاض: إذا سال، سُمّي حيضًا لسيلان الدم في الأوقات المعتادة، قال: والاستحاضة أن يسيل الدم في غير أوقاته المعتادة، قال: ودم الحيض يخرج من قعر الرحم، ويكون أسود مُحتدِمًا، أي حارًّا كأنه محترق، وأما دم رَأَيْتُ حُيُونَ الْعَامِ وَالْعَام قَبْلَهُ … ...................... الاستحاضة، فيسيل من العاذل، وهو عرقٌ فمُهُ الذي يسيل منه في أدنى الرحم دون قعره، قال: وذُكر ذلك عن ابن عبّاس - ﵄ -. انتهى ملخّصًا من «تهذيب الأسماء واللغات» للنوويّ ﵀ . وقال في «شرح مسلم»: وأما الحيض فأصله في اللغة السيلان، وحاض الوادي: إذا سال، قال الأزهريّ، والهرويّ، وغيرهما من الأئمة: الحيض جَرَيَان دم المرأة في أوقات معلومة، يُرْخيه رَحِمُ المرأة بعد بلوغها، والاستحاضةُ: جريان الدم في غير أوانه، قالوا: ودم الحيض يَخرُج من قَعْر الرحم، ودم الاستحاضة يسيل من العاذل - بالعين المهملة، وكسر الذال المعجمة - وهو عِرْقٌ فَمُهُ الذي يَسيل منه في أدنى الرحم دون قعره، قال أهل اللغة: يقال: حاضت المرأة تحيض حَيْضًا، ومَحِيضًا ومَحَاضًا، فهي حائض بلا هاء، هذه اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى الجوهريّ عن الفراء حائضةٌ بالهاء، ويقال: حاضت، وتَحَيَّضت، ودَرَسَت، وطَمَثت ، وعَرَكَت ، وضَحِكَت، ونُفِسَت، كله بمعنى واحد، وزاد بعضهم: أكبرت، وأعصرت بمعنى حاضت. انتهى . وقال ابن قُدامة ﵀: الحيض: دمٌ يُرخيه الرحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة؛ لحكمة تربية الولد، فإذا حَمَلت انصرف ذلك الدم بإذن الله إلى تغذيته، ولذلك لا تحيض الحامل، فإذا وضَعت الولدَ قلبه الله تعالى بحكمته لبنًا يتغذى به الطفل، ولذلك قلما تحيض المرضع، فإذا خلت المرأة من حمل ورضاع، بقي ذلك الدم لا مَصْرِف له، فيستقرّ في مكان، ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك ويقلّ، ويطول شهر المرأة ويقصر على حسب ما ركبه الله تعالى في الطباع. وسُمِّي حيضًا من قولهم: حاض السيل: إذا فاض، قال عمارة بن عقيل: أَجَالَتْ حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ … عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ وقوله: حَيَّضَت: أي سَيَّلَت، والذَّوَارِي، والذاريات: الرياح. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): فيما جاء في ابتداء الحيض: قال الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»: «باب كيف كان بدءُ الحيض»، وقول النبيّ - ﷺ -: «هذا شيءٌ كتبه الله علي بنات آدم» ، وقال بعضهم: كان أوّلُ ما أُرسل الحيض على بني إسرائيل، وحديث النبيّ - ﷺ - أكثر. انتهى. قوله: وقال بعضهم: «كان أول إلخ» قال في «الفتح: وكأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق، عن ابن مسعود - ﵁ - بإسناد صحيح، قال:»كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض، ومنعهن المساجد«. وقوله: وحديث النبيّ - ﷺ - أكثر، قيل: معناه: أشمل؛ لأنه عامّ في جميع بنات آدم، فيتناول الإسرائيليات، ومَن قبلهنّ، أو المراد: أكثر شواهد، أو أكثر قوّةً، وقال الداوديّ: ليس بينهما مخالفةٌ، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا فقوله:«بنات آدم»عامّ أُريد به الخصوص. قال الحافظ: ويمكن أن يُجمَع بينهما مع القول بالتعميم، بأن الذي أُرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبةً لهنّ، لا ابتداء وجوده. وقد رَوَى الطبريّ وغيره عن ابن عباس وغيره، أن قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] أي حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب. ورَوَى الحاكم، وابن المنذر بإسناد صحيح، عن ابن عباس - ﵄ - أن ابتداء الحيض كان على حواء، بعد أَن أُهبطت من الجنة، وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها. انتهى . وقال ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٢/ ٢٠١): (٧٧٩) حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا أبو الربيع، ثنا عباد بن العوام، ثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «لَمّا أكل آدم من الشجرة التي نُهِي عنها، قال آدم: رَبِّ زينته لي حواء، قال: فإني قد أَعْقبتها أن لا تَحْمِل إلا كرهًا، ولا تضع إلا كرهًا، ودَمَّيتها في الشهر مرتين، فَرَنَّت حواء عند ذلك، فقيل لها: الرنة عليك، وعلى بناتك». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أقلّ الحيض، وأكثره: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختَلَف أهل العلم في أقل الحيض وأكثره، فقالت طائفة: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، هذا قول عطاء بن أبي رَبَاح، والشافعيّ، وأحمد، وأبي ثور. وقالت طائفة: أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، كذلك قال سفيان الثوريّ، والنعمان، ويعقوب، ومحمد. ورَوَينا عن سعيد بن جبير قولًا ثالثًا، أنه قال: الحيض إلى ثلاثة عشر يومًا، فما سوى ذلك فهي مستحاضة. وقد بلغني من نساء آل الماجشون أنهن كنّ يحضن سبعة عشر، قيل لأحمد: الحيض عشرين يومًا؟ قال: لا، فإن أكثر ما سمعناه سبعة عشر يومًا. وحَكَى عبد الرحمن بن مهديّ عن رجل يثق به، ويثني عليه خيرًا أنه يَعْرِف أن امرأة تحيض سبعة عشر، قال الأوزاعيّ: عندنا امرأة تحيض وتطهر عشيةً، قال الأوزاعيّ: يرون أنه حيضٌ تَدَعُ له الصلاة. وحَكَى محمد بن كثير، عن الأوزاعيّ أنه قال: كانت امرأة تحيض يومًا، وتنفس ثلاثًا، وحَكَى الحسن الحلوانيّ، عن يزيد بن هارون أنه قال: كانت عندي امرأة تحيض يومين يومين. وقالت فرقة: ليس لأقل الحيض بالأيام حدّ، ولا لأكثره وقتٌ، والحيض إقبال الدم المنفصل من دم الاستحاضة، والطهر إدباره. قال ابن المنذر: أما أصحاب الرأي فإن حجتهم فيما وَقّتوه، وقالوا به حديث رواه الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قُرّة، عن أنس ، وقد دَفَعَ هذا الحديث جماعة من أهل العلم، ذَكَر الميمونيّ أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل: أيصح عن رسول الله - ﷺ - شيء في أقل الحيض وأكثره؟ قال: لا، قلت: أفيصح عن أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ قال: لا، قلت: فحديث أنس؟ قال: ليس بشيء، أو قال: ليس يصحّ، قلت: فأعلى شيء في هذا الباب؟ فذكر حديث مَعْقِل، عن عطاء: الحيض يومٌ وليلةٌ. وكان ابن عيينة يقول: حديث محدث لا أصل له، وقال ابن المبارك: الجلد لا يُعْرَف بالحديث، ووَهَّنَ حديثه، وقال حماد بن زيد: ما كان الجلد بن أيوب يَسْوَى في الحديث شيئًا . واحتج آخر بالحديث الذي رُوي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال لامرأة: «دَعِي الصلاة أيام أَقْرائكِ» ، وإن أقل الأيام ثلاثة. (٢٢) حدثنا محمد بن مخلد، نا الحسانيّ، ثنا وكيع، ثنا سفيان (ح) وحدثنا الحسين بن إسماعيل، نا عباس بن محمد، نا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس، قال: «أدنى الحيض ثلاثة، وأقصاه عشرة»، وقال وكيع: «الحيض ثلاث إلى عشر، فما زاد فهي مستحاضة». انتهى. قال ابن المنذر: وهو حديث لا تقوم به الحجة، ولو ثبت لم يكن لقائل هذا القول فيه حجة، وذلك أنه قال: «أيام أقرائك»، فأضاف الأيام إلى الأقراء، والأقراء جمع قُرْء، وقد يقع اسم أيام على يومين، فإذا جمعت أيام من عدة أقراء، فهي أكثر من ثلاثة، وقد يقال لرجلين: رجال، وليومين: أيام، قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ الآية [النساء: ١١]، وأكثر أهل العلم يحجبون الأم عن الثلث بأخوين. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ . سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀: عما يروى عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «الحيض للجارية البكر ثلاثة أيام ولياليهنّ، وأكثره خمسة عشر يومًا»، هل هو صحيح؟، وما تأويله على مذهب الشافعيّ، وأحمد؟. فأجاب: أما نقلُ هذا الخبر عن النبيّ - ﷺ - فهو باطلٌ، بل هو مكذوب موضوع باتّفاق علماء الحديث، ولكن هو مشهور عن أبي الخلد ، عن أنس، وقد تُكُلّم في أبي الخلد، وأما الذين يقولون: أكثر الحيض خمسة عشر كما يقوله الشافعي وأحمد، ويقولون: أقلّه يوم، كما يقوله الشافعيّ وأحمد، أو لا حدّ له، كما يقوله مالك، فهم يقولون: لم يثبُت عن النبيّ - ﷺ -، ولا عن أصحابه في هذا شيء، والمرجع في ذلك إلى العادة كما قلنا، والله ﷾ أعلم. انتهى كلامه ﵀ . وقال أبو محمد بن حزم ﵀ في كتابه «المحلى» (٢/ ١٩١): أقل الحيض دَفْعَة، فإذا رأت المرأة الدم الأسود من فرجها أمسكت عن = (٢٣٠١٦) حدثنا عليّ بن هاشم، حدثنا الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، قالت: أتت فاطمة بنت أبي حبيش النبيّ - ﷺ -، فقالت: إني استحضت، فقال: «دعي الصلاة أيام حيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي عند كل صلاة، وإن قَطَرَ على الحصير»، وهو حديث ضعيف بزيادة: «وإن قطر على الحصير»؛ لأن فيه حبيب بن أبي ثابت مدلّسٌ، وقد عنعنه، وخالف فيه غيره بهذه الزيادة. الصلاة والصوم، وحَرُم وطؤها على بعلها وسيدها، فإن رأت أثر الدم الأحمر، أو كغُسالة اللحم، أو الصفرة، أو الكدرة، أو البياض، أو الجفوف التامّ، فقد طهرت، وتغتسل، أو تتيمم إن كانت من أهل التيمم، وتصلي وتصوم، ويأتيها بعلها أو سيدها، وهكذا أبدًا متى رأت الدم الأسود فهو حيض، ومتى رأت غيره فهو طهر، وتعتد بذلك من الطلاق، فإن تمادى الأسود فهو حيض إلى تمام سبعة عشر يومًا، فإن زاد ما قل أو كثر فليس حيضًا. قال: برهان ذلك ما ذكرناه من ورود النصّ بأن دم الحيض أسود يُعرَف، وما عداه ليس حيضًا، ولم يخُصّ النبيّ - ﷺ - لذلك عدد أوقات من عدد، بل أوجب برؤيته أن لا تصلي ولا تصوم، وحَرَّم الله تعالى نكاحهن فيه، وأمر ﵇ بالصلاة عند إدباره والصوم، وأباح تعالى الوطء عند الطهر منه، فلا يجوز تخصيص وقت دون وقت بذلك، وما دام يوجد الحيض فله حكمه الذي جعله الله تعالى له، حتى يأتي نصّ أو إجماع على أنه ليس حيضًا، ولا نص ولا إجماع في أقل من سبعة عشر يومًا، فما صحّ الإجماع فيه أنه ليس حيضًا وُقِف عنده، وانتقلت عن حكم الحائض، وما اختُلِف فيه فمردود إلى النبيّ - ﷺ -، وهو ﵇ جعل للدم الأسود حكم الحيض، فهو حيض مانع مما ذكرنا، ولم يأت نصّ ولا إجماع على أن بعض الطهر المبيح للصلاة والصوم، لا يكون قرءًا في العدّة، فالمفرق بين ذلك مخطئ، متيقن الخطأ، قائلٌ ما لا قرآنٌ جاء به، ولا سنةٌ لا صحيحة ولا سقيمةٌ، ولا قياسٌ، ولا إجماع، بل القرآن والسنة كلاهما يوجب ما قلنا من امتناع الصلاة والصوم بالحيض، ووجودهما بعدم الحيض، ووجود الطهر، وكون الطهر بين الحيضتين قرءًا يحتسب به في العدّة، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فمن حدّ في أيام القرء حدًّا فهو مبطل، وقافٍ ما لا علم له به، وما لم يأت به نصّ، ولا إجماع. ثم ذكر ابن حزم اختلاف العلماء في ذلك، وأدلّتها، وناقشها بما لا تراه في كتابه، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأقوال، وأدلتها أنّ مرجع أقل الحيض، وأكثره هو العرف، فلا حدّ لأقلّه، ولا لأكثره؛ لعدم ورود نصّ قاطع، ولا إجماع على ذلك، فما حصل من المرأة بصفة الحيض في أوقاته المعلومة، فهو حيض قلّ أو كثُر إلى أن تطهر، فإن تمادى بها فلا يتجاوز سبعة عشر يومًا؛ لأن ذلك أقصى ما نُقل عن أهل العلم، ووقع عليه الإجماع، كما أشار إليه ابن حزم ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الرابعة): (اعلم): أنه قد علّق الشرع على الحيض أحكامًا: (فمنها): أنه يَحرُم وطء الحائض في الفرج؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. (ومنها): أنه يمنع فعل الصلاة والصوم، بدليل قول النبيّ - ﷺ -: «أليست إحداكُنّ إذا حاضت لا تصوم ولا تصلي؟»، رواه البخاريّ، وقالت حمنة - ﵂ - للنبيّ - ﷺ -: «إني أُستحاض حيضةً شديدةً منكرةً، وقد منعتني الصوم والصلاة …» الحديث، وقال النبيّ - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش - ﵂ -: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة …»، الحديث. (ومنها): أنه يُسقِط وجوب الصلاة دون الصيام؛ لِمَا رُوي أن معاذة قالت: سألت عائشة - ﵂ -، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ فقلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، فقالت: «كنا نحيض على عهد رسول الله - ﷺ -، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة»، متفق عليه، إنما قالت لها عائشة ذلك؛ لأن الخوارج يرون على الحائض قضاء الصلاة. (ومنها): أنه يمنع قراءة القرآن؛ لقوله - ﷺ -: «لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئًا من القرآن». قال الجامع عفا الله عنه: لكن هذا الحديث ضعيف، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، وترجيح القول بجواز قراءتها القرآن - إن شاء الله تعالى -. (ومنها): أنه يمنع اللبث في المسجد، والطواف بالبيت، لأنه في معنى الجنابة. (ومنها): أنه يُحَرِّم الطلاق؛ لقول الله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]، ولَمّا طَلَّق ابن عمر - ﵄ - امرأته، وهي حائض، أمره النبيّ - ﷺ - برجعتها، وإمساكها حتى تطهر، متفقٌ عليه. (ومنها): أنه يمنع صحة الطهارة؛ لأن حدثها مقيم. (ومنها): أنه يوجب الغسل عند انقطاعه؛ لقوله ﵇: «امكُثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وصلّي»، متفق عليه. (ومنها): أنه عَلَمٌ على البلوغ؛ لقوله - ﷺ -: «لا يَقْبَل الله صلاة حائض إلا بخمار». (ومنها): أنه لا تنقضي العدة في حقّ المطلقة وأشباهها إلا به؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، وأكثر هذه الأحكام مجمع عليها بين علماء الأمة، وإذا ثبت هذا فالحاجة داعية إلى معرفة الحيض لِيُعْلَم ما يتعلق به من الأحكام. قال أحمد ﵀: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة ﵅، وفي رواية: حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة ، والله تعالى أعلم بالصواب. [فائدتان]: (الأولى): ذكر الجاحظ في «كتاب الحيوان» أن الذي يحيض من الحيوانات أربعة: الآدميات، والأرنب، والضبع، والخفّاش، وزاد غيره أربعة أخرى، وهي الناقة، والكلبة، والوزغة، والْحِجْرُ، أي الأنثى من الخيل، وجعلها بعضهم عشرةً، ونظمها، بقوله [من الكامل]: الْحَيْضُ يَأْتِي للنِّسَاءِ وَتِسْعَةٍ … وَهِيَ النِّيَاقُ وَضَبْعُهَا وَالأَرْنَبُ وَالْوَزْغُ وَالْخُفَّاشُ حِجْرٌ كَلْبَةٌ … وَالْعِرْسُ وَالْحَيَّاتُ مِنْهَا تُحْسَبُ وَالْبَعْضُ زَادَ سُمَيْكَةً رَعَّاشَةً … فَاحْفَظْ فَفِي حِفْظِ النَّظَائِرِ يُرْغَبُ وزاد بعضهم على ذلك بنات وردان، والقردة، وزاد المناويّ الحدأة.
مصادر المؤلف (٧٨)

١. «الفتح» ١/ ٣٧٩.

٢. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٦٨.

٣. «المنهل العذب المورود» ١/ ٧٩.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٨٧.

٥. «القاموس المحيط» ص ٤١٣.

٦. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٥١٠ - ٥١١.

٧. هو جرير بن عبد الحميد الراوي عن منصور.

٨. «الفتح»١/ ٣٧٩.

٩. وصف فلاتين لا نبت فيهما، ولا شخص يُستدلّ به، فشبّههما بالترسين.

١٠. «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» ص ١٩٩ - ٢٠٠.

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٨.

١٢. أي: ابتداء كلام مستأنف.

١٣. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٥١٥ - ٥١٦.

١٤. «الْقَمَلِيّ» من الرجال: الحقير الشأن«. انتهى.»اللسان«١١/ ٥٦٨.

١٥. «شواهد التوضيح»ص ٦٧ - ٦٨.

١٦. «المصباح المنير»٢/ ٦٢٦.

١٧. «النهاية»٥/ ١٢٠.

١٨. «القاموس المحيط»ص ١٠٥٠.

١٩. «المفهم»١/ ٥٥٢.

٢٠. «شرح النوويّ»٣/ ٢٠١.

٢١. راجع: «الفتح» ١/ ٣٨٠ - ٣٨١.

٢٢. «المصباح المنير» ١/ ١٩٥.

٢٣. «القاموس المحيط» ص ١١٥٥.

٢٤. «القاموس المحيط» ص ١٠٦.

٢٥. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٧.

٢٦. «المصباح المنير» ١/ ١٨٣.

٢٧. الْعِثكال بالكسر، كقِرطاس: الْعِذق، أو الشِّمْراخ. «ق».

٢٨. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٠١.

٢٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ٧٦٩.

٣٠. ١/ ٢٨٢.

٣١. نقل الطيبيّ، ثم منه العينيّ كلام ابن مالك هذا بما نصّه: الرواية«يُخفّف عنها»على التوحيد، والتأنيث، وهو ضمير النفس، فيجوز إعادة الضمير في:«لعله»و«عنها»إلى الميت باعتبار كونه إنسانًا، وكونه نفسًا، ويجوز كون الهاء في:«لعله»ضمير الشأن، وفي:«عنها»للنفس، وجاز تفسير الشأن إلى آخر كلام ابن مالك الذي ذكرته، وفي هذا نظر من وجهين:

٣٢. «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح»ص ١٤٩ - ١٥٠.

٣٣. «الكاشف عن حقائق السنن»٣/ ٧٦٩ - ٧٧٠.

٣٤. راجع:«المصباح»٢/ ٦٧٩.

٣٥. «الفتح»١/ ٣٨٢.

٣٦. «الفتح»١/ ٣٨٤.

٣٧. «المفهم» ١/ ٥٥٢.

٣٨. «الفتح» ١/ ٣٨٠.

٣٩. راجع: «الفتح» ٣/ ٢٧٥ «كتاب الجنائز».

٤٠. ص ٣٩٩.

٤١. «الفتح»١/ ٣٨٣.

٤٢. «عمدة القاري» ٢/ ٤٣٧.

٤٣. «المرعاة» ٢/ ٥٢.

٤٤. راجع: «عمدة القاري» ٣/ ١٧٦.

٤٥. «الفتح» ١/ ٣٨٤.

٤٦. صحيح، علّقه البخاريّ في: «الصحيح»، ووصله أبو نعيم شيخ البخاريّ في: «كتاب الصلاة» له.

٤٧. ذرق الطائر، من باب ضرب، وقتل، هو منه كالتغوّط من الإنسان. اهـ. «المصباح» ١/ ٢٠٨.

٤٨. هكذا نسخة «الأوسط»، ولعل الصواب: «لا تتوقّى»، فليُحرّر.

٤٩. «الأوسط» ٢/ ١٩٥ - ١٩٩.

٥٠. «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٦١٣ - ٦١٤.

٥١. راجع: «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٥٤٢ - ٥٨٧.

٥٢. «الزِّبْل» بالكسر، والزبيل كأمير: السِّرْقين. اهـ. «ق» ص ٩٠٨.

٥٣. راجع: «نيل الأوطار» ١/ ٨٣ - ٨٦.

٥٤. وفي نسخة: «وحدّثنيه».

٥٥. بضم الميم، وفتح العين المهملة، وتشديد اللام مقصورًا.

٥٦. بفتح المهملة، وتشديد الميم: نسبة إلى بطن.

٥٧. «النهاية» ٢/ ٤٣١.

٥٨. «الفتح» ١/ ٣٨١.

٥٩. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠١.

٦٠. عجز بيت، صدره - كما في: «لسان العرب»:

٦١. «تهذيب الأسماء واللغات» للنوويّ ٣/ ٧٦ - ٧٧.

٦٢. من بابي ضَرَب وسَمِعَ.

٦٣. من باب قعد.

٦٤. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٠٤.

٦٥. راجع:«المغني»لابن قُدامة ١/ ٣١٣ - ٣١٩، و«لسان العرب»٧/ ١٤٢ - ١٤٣.

٦٦. أشار به إلى حديث عائشة - ﵂ - الآتي للمصنّف في:«كتاب الحجّ»، وللبخاريّ في:«كتاب الحيض»وغيره:«قالت: خرجنا مع النبيّ - ﷺ -، ولا نرى إلا الحج، حتى إذا كنا بِسَرِف، أو قريبًا منها، حِضْتُ، فدخل علي النبيّ - ﷺ -، وأنا أبكي، فقال: »أَنُفِستِ؟« يعني الحيضة، قالت: قلت: نعم، قال: »إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاجّ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي«. قالت: وضَحَّى رسول الله - ﷺ - عن نسائه بالبقر.

٦٧. «الفتح» ١/ ٤٧٦ - ٤٧٧.

٦٨. هذا إسناد صحيح، إلا أنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليّات.

٦٩. هكذا النسخة «عشرين»، والظاهر أنه خبر لـ«يكون» محذوفة، أي: أيكون الحيض عشرين يومًا؟، والله أعلم.

٧٠. هو ما أخرجه الدارقطنيّ في: «سننه»، (١/ ٢٠٩) قال:

٧١. جلد بن أيوب ضعفه ابن المبارك، وابن راهويه، وأحمد، وقال الدارقطنيّ: متروك. راجع: «ميزان الاعتدال» ١/ ٤٢٠ - ٤٢١.

٧٢. أخرجه أحمد في: «مسنده»، فقال: =

٧٣. «الأوسط» ٢/ ٢٢٧ - ٢٣٠.

٧٤. هكذا النسخة، ولعله مصحّف من الجلد بن أيوب، فليُحرّر، والله أعلم.

٧٥. «الفتاوى الكبرى» ١/ ٦٧.

٧٦. «المحلّى» ٢/ ١٩١ - ١٩٢.

٧٧. راجع لهذه الفوائد: «المغني» لابن قُدامة ١/ ٣١٣ - ٣١٩.

٧٨. بكسر الحاء، وسكون الجيم وراء، ولا تلحقها التاء: الأنثى من الخيل. انتهى. «تحفة الحبيب» ١/ ٣٤٠.