HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٨

وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شيبة وأبو كريب (قال يحيى: أخبرنا. وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية) عن الأعمش، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ» قَالَتْ فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ «إن حيضتك ليست في يدك».
ج ١ ص ٢٤٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٣٨١
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٤٩٦] (…) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُول اللهِ - ﷺ -، وَأَنَا حَائِضٌ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيُّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥٤. ٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثّقَفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. والباقون تقدّموا قبل باب، و«منصور» هو ابن المعتمر، و«إبراهيم»: هو ابن يزيد النخعيّ، و«الأسود»: هو ابن يزيد النخعيّ، خال إبراهيم. وقولها: (كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) هذا لا ينافي ما تقدّم من قولها: «فأرجّله»؛ لإمكان الجمع بينهما بأنها جمعت بينهما في وقت واحد، بأن غسلت رأسه، ورَجّلته، أو بكونها فعلت هذا في وقت، وهذا في وقت، وتمام شرح الحديث ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٩٥] (٢٩٨) - (وَحَدّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَاوِليني الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قريبًا. ٤ - (ثَابِتُ بْنُ عُبَيْدٍ) الأنصاريّ، مولى زيد بن ثابت الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن مولاه، وابن عمر، وأنس، والبراء، وعبد الله بن مُغَفّل، وكعب بن عُجْرة، والمغيرة بن شعبة، وعبيد بن البراء، والقاسم بن محمد، وأبي جعفر الأنصاريّ. ورَوَى عنه الأعمش، وحجاج بن أرطاة، والثوريّ، ومِسْعَر، وعبد الملك بن أبي غَنِيّة، ومحمد بن شيبة بن نَعَامة الضّبّيّ، وابن أبي ليلى، وغيرهم. قال أحمد، ويحيى، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال الحربيّ: هو من الثقات، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٢٩٨) وأعاده بعده، و(٧٠٩) و(١٩٣٨). [تنبيه]: قال في «تهذيب التهذيب»: فَرَّق أبو حاتم بين ثابت بن عبيد الأنصاريّ، وبين ثابت بن عُبيد مولى زيد بن ثابت، رَوَى عن اثني عشر رجلًا من الصحابة في الإبل، وعنه عبد ربه بن سعيد، وقال فيه: صالح. قال الحافظ: رأيت لفظة «الإبل» ها هنا بخط المؤلف - يعني الحافظ المزّيّ، صاحب «تهذيب الكمال - وهو تصحيف، وصوابه»الإيلاء«، قال البخاريّ في»تاريخه الكبير«: حدثني الأويسيّ، قال: حدثني سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن عبد ربه بن سعيد، عن ثابت بن عبيد، مولى زيد بن ثابت، عن اثني عشر رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -:»الإيلاءُ لا يكون طلاقًا حتى يوقف«. انتهى. وكذا فرّق بينهما ابن حبّان في«الثقات» كما فرّق أبو حاتم الرازيّ، ثم ذكر الذي رَوَى عن القاسم، وعنه الأعمش. انتهى . ٥ - (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت فاضلٌ، من كبار [٣]. رَوَى عن أبيه، وعمته، عائشة، وعن العبادلة، وعبد الله بن جعفر، وأبي هريرة، وعبد الله بن خباب، ومعاوية، ورافع بن خَدِيج، وصالح بن خَوّات بن جبير، وغيرهم، وأرسل عن ابن مسعود. ورَوَى عنه ابنه عبد الرحمن، والشعبي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وهما من أقرانه، ويحيى وسعد ابنا سعيد الأنصاري، وابن أبي مليكة، ونافع مولى ابن عمر، والزهري، وعبيد الله بن عمر، وسعد بن إبراهيم، وعبيد الله بن مقسم، وأيوب، وابن عون، وربيعة، وأبو الزناد، وأيمن بن نابل، وأفلح بن حميد، وثابت بن عبيد، وآخرون. قال ابن سعد: أمه أم ولد يقال لها: سودة، وذكر عن الواقديّ أنه قال: كان ثقة، رفيعًا عالمًا فقيهًا إمامًا ورعًا كثير الحديث. وقال البخاري: قُتل أبوه، وبقي القاسم يتيمًا في حجر عائشة - ﵂ -. وقال الزبير: ما رأيت أبا بكر وَلَد ولدًا أشبه من هذا الفتى. وقال عبد الله بن شَوْذَب عن يحيى بن سعيد: ما أدركنا بالمدينة أحدًا نفضله على القاسم. وقال وهيب، عن أيوب: ما رأيت أفضل منه. وقال البخاري في «الصحيح»: حدثنا علي، حدثنا ابن عيينة، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، وكان أفضل أهل زمانه، أنه سمع أباه، وكان أفضل أهل زمانه. وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أعلم بالسنة منه، ولا أَحَدَّ ذهنًا. وقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، عن ابن معين: عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، ترجمة مُشَبَّكَةٌ بالذهب. وقال ابن عون: كان القاسم، وابن سيرين، ورجاء بن حَيْوَة يحدثون بالحديث على حروفه. وقال خالد بن نزار، عن ابن عيينة: كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم، وعروة، وعمرة. وقال مالك: كان قليل الحديث والفتيا. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: رأيت القاسم يصلي، فجاء إليه أعرابي، فقال له: أيما أعلم أنت أو سالم؟ فقال: سبحان الله، فكرر عليه، فقال: ذاك سالم فاسأله، قال ابن إسحاق: كره أن يقول: أنا أعلم من سالم، فيزكيَ نفسه، وكره أن يقول: سالم أعلم مني، فيكذبَ، قال: وكان القاسم أعلمهما. وقال ابن وهب عن مالك: كان القاسم من فقهاء هذه الأمة، قال: وكان ابن سيرين يأمر من يحج أن ينظر إلى هدي القاسم، فيقتدي به. وقال مصعب الزبيري، والعجلي: كان من خيار التابعين. وقال العجلي أيضا: مدني تابعي ثقة، نَزِهٌ، رجل صالح. وقال ابن وهب: حدثني مالك أن عمر بن عبد العزيز كان يقول له: لو كان لي من هذا الأمر شيء ما عَصَّبْتُهُ إلا بالقاسم. وقال يعقوب بن سفيان: كان قليل الحديث والفتيا. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان من سادات التابعين، من أفضل أهل زمانه علمًا وأدبًا وفقهًا، وكان صَمُوتًا، فلما ولي عمر بن عبد العزيز قال أهل المدينة: اليوم تنطق العذراء أرادوا القاسم. قال ضمرة عن رجاء بن جميل: مات بعد عمر بن عبد العزيز سنة إحدى، أو اثنتين ومائة. وقال عبد الله بن عمر: مات القاسم وسالم أحدهما سنة خمس، والآخر سنة ست. وقال خليفة: مات سنة ست، أو أول سنة سبع. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين، وابن المديني: مات سنة ست ومائة. وكذا قال غير واحد، زاد بعضهم: وهو ابن سبعين سنة. وقال ابن سعد: مات سنة اثنتي عشرة ومائة. وقيل غير ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٣) حديثًا. والباقون تقدّموا فيما قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن فيه قوله: «قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدّثنا … إلخ»، ومعناه أن شيوخه اختلفوا في كيفيّة التحمل وصيغة الأداء، فيحيى سمع قراءة من يقرأ على أبي معاوية، ولهذا قال: «أخبرنا»، وأبو بكر، وأبو كريب سمعاه من لفظ أبي معاوية، ولهذا قالا: «حدّثنا». فقوله: «أبو معاوية» مرفوع على الفاعليّة، تنازعه كلّ من «أخبرنا»، و«حدّثنا». ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير يحيى، وأبي بكر، وثابت. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى القاسم، وهو وعائشة مدنيّان، ويحيى نيسابوريّ، إلا أنه دخل الكوفة. ٥ - (ومنها): أن شيخه أبو كريب أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. ٦ - (ومنها): أن القاسم أحد الفقهاء السبعة، كما تقدّم غير مرّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - أنها (قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَاوِلينِي)، أي أعطيني (الْخُمْرَةَ) بضم الخاء المعجمة، على وزن غُرْفة: هي حَصِير صغيرٌ قدر ما يُسْجَد عليه، قاله الفيّوميّ، وقال الخطّابيّ: هي السّجّادة التي يَسجُد عليها المصلّي، ويقال: سُمّيت بها لأنها تخمر وجه المصلّي عن الأرض، أي تستره. انتهى. وقال ابن الأثير - ﵀ -: الْخُمْرة: هي مقدار ما يَضَعُ الرجل عليه وجهه في سجوده، من حَصِير، أو نَسِيجةِ خُوصٍ، ونحوه من النبات، ولا تكون خُمْرة إلا في هذا المقدار، وسُمّيت خُمْرةً؛ لأن خيوطها مستورةٌ بِسَعَفها، وقد تكررت في الحديث، وهكذا فُسِّرَت، وقد جاء في «سنن أبي داود» عن ابن عباس - ﵄ - قال: «جاءت فأرةٌ، فأخذت تَجُرّ الْفَتِيلة، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله - ﷺ - على الْخُمْرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل مَوْضِع درهم …» الحديث، قال: وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. انتهى . وقال ابن منظور - ﵀ -: والْخُمْرة: حَصِيرة، أو سَجّادةٌ صغيرةٌ تُنْسَج من سَعَفِ النخل، وتُرَمَّل بالخيوط، وقيل: حَصِيرة أصغر من المصلِّي، وقيل: الْخُمْرة: الحصير الصغير، الذي يُسْجَد عليه. وفي الحديث: أن النبيّ - ﷺ - «كان يَسْجُد على الْخُمْرة»، متّفقٌ عليه، وهو حَصِيرٌ صغيرٌ قَدْرَ ما يُسْجَد عليه، يُنْسَج من السَّعَف، قال الزجاج: سُمِّيت خُمْرَةً؛ لأنها تَستُر الوجه من الأرض . وقولها: (مِنَ الْمَسْجِدِ) اختُلِف في متعلّقه، فذهب بعضهم إلى أنه متعلّق بـ «قال»، أي قال لها النبيّ - ﷺ - قولًا مبتدأ من المسجد، وإليه ذهب القاضي عياض، وقال: معناه أن النبيّ - ﷺ - قال لها من المسجد، أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبيّ - ﷺ - أمرها أن تُخْرِج الخمرة من المسجد؛ لأنه - ﷺ - كان معتكفًا في المسجد، وكانت عائشة في حُجرتها، وهي حائض؛ لقوله - ﷺ -: «إن حيضتك ليست في يدك»، فإنها خافت من إدخال يدها المسجد، ولو كان أمَرَها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنًى. وذهب بعضهم إلى أنه متعلّق بـ «ناوليني»، وبه قال الخطّابيّ والأكثرون، وهو الذي ترجم عليه الأئمّة: أبو داود، حيث قال: «باب الحائض تتَنَاول من المسجد»، والترمذيّ، حيث قال: «باب ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد»، وابن ماجه، حيث قال: «باب الحائض تتناول الشيء من المسجد»، ثم أوردوا حديث عائشة - ﵂ - هذا دليلًا على الحكم، فدلّ على أن المعنى عندهم أنها ناولته الخمرةَ التي داخل المسجد؛ لكونها قريبةً من الباب تَصِل إليها يدها، وهي في الحجرة. وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقد اختُلِفَ في هذا المجرور الذي هو «من المسجد» بماذا يتعلّق؟ فعلّقَته طائفةٌ بـ «ناوليني»، واستدلّوا به على جواز دخول الحائض المسجد للحاجة تَعْرِضُ لها؛ إذ لم يكن على جسدها نجاسةٌ، ولأنها لا تُمنَعُ من المسجد إلا مخافة ما يكون منها، وإلى هذا نحا محمد بن مسلمة من أصحابنا ، وبعض المتأخّرين إذا استثفرت، ومتى خرج منها شيء في الثَّفْر لم تدخله؛ تنزيهًا للمسجد عن النجاسة. وعلّقته طائفة أخرى بقولها: «قال لي رسول الله - ﷺ -»، أي قال من المسجد: ناوليني الخمرة، أي فهو على التقديم والتأخير، وعليه المشهور من مذاهب العلماء أنها لا تدخل المسجد، لا مُقيمةً، ولا عابرةً؛ لقوله - ﷺ -: «لا أُحل المسجد لحائض، ولا جُنُب» ، وبأن حدَثَها أفحش من حدث الجنابة، وقد اتُّفِق على أن الجنُب لا يَلْبث فيه، وإنما اختلفوا في جواز عُبُوره فيه، والمشهور من مذاهب العلماء مَنْعُهُ، والحائض أولى بالمنع. قال القرطبيّ: وَيَحتمل أن يريد بالمسجد هنا مسجد بيته الذي كان يتنفّل فيه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تعليق قوله: «من المسجد» بـ «ناوليني» هو الذي يظهر لي، كما فهمه الأئمة: أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، فترجموا عليه بـ «بابُ ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد»، ولأن تعليقه على «قال» يؤدّي إلى دعوى التقديم، والتأخير، كما تقدّم في كلام القرطبيّ، وهو خلاف الأصل، ولا ينافيه ما يأتي بعد حديث من قولها: قال لي رسول الله - ﷺ -: «بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد، فقال: يا عائشة ناوليني الثوب …» الحديث؛ لأنّ هذه واقعة أخرى، فتأمل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ)، أي لست ممن يَحِلّ له دخول المسجد، ولو بجزء منه، وذلك لظنّها أن جميع أجزائها لا يدخل فيه، (فَقَالَ) - ﷺ - ردًّا عليها هذا الظنّ («إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ») «الحَيْضة» بفتح الحاء المهملة: المرّة الواحدة من دُفَعِ الحيض، وبالكسر الهيئة من الحيض، وهي الحالة التي تلزمها الحائض، من التجنّب، والبعد عما لا يحلّ للحائض، كالْجِلْسة، والقِعْدة، من الجلوس، والقعود، والأول هو الصحيح المشهور في الرواية، كما قاله النوويّ، وهو المناسب من جهة المعنى، فإن سيلان الدم، والدُّفعة منه ليس في اليد، بخلاف الهيئة، فإنها قائمة بجميع ذاتها، بدليل أنه لا يجوز لها مسّ المصحف. وقال الخطابيّ - ﵀ -: المحدّثون يقولون بفتح الحاء، وهو خطأٌ، وصوابها بالكسر، أي الحالة والهيئة. انتهى. وأنكر القاضي عياض هذا على الخطابيّ، وقال: الصواب هنا ما قاله المحدّثون من الفتح؛ لأن المراد الدم، وهو الحيض بالفتح بلا شكّ؛ لقوله - ﷺ -: «ليست في يدك»، ومعناه أن النجاسة التي يُصان المسجد عنها، وهي دم الحيض، ليست في يدك، وهذا بخلاف حديث أم سلمة - ﵂ -، «فأخذت ثياب حِيضتي»، فإن الصواب فيه الكسر. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ -. قال صاحب «المنهل»: والوجه الذي أشار إليه النوويّ، هو أن عائشة - ﵂ - كانت تعلم أنه ليس في يدها نجاسة الحيض التي يُصان عنها المسجد، وما امتنعت عن إدخال يدها في المسجد إلا لعلمها أن الحالة العارضة لها من الحيض قد حلّت في يدها، ولذا أجابها النبيّ - ﷺ - بأن هذه الحالة التي هي كونها حائضًا إنما عَرَضَت لها باعتبار مجموعها لا باعتبار أجزائها، فلا يقال: اليد حائضة حتى يصان عنها المسجد. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن كلا الوجهين، أعني الحيضة بالفتح، والْحِيضة بالكسر جائز على التقرير الذي سبق، فلكلّ منهما وجه صحيح، أما الفتح فواضح، وأما الكسر فبالتوجيه الذي قرره صاحب «المنهل»، وهو أنها ظنّت أن الهيئة، وهي الحالة العارضة لها حلّت بيدها، وأنها تمنعها من إدخال يدها، فردّ عليها النبيّ - ﷺ - بأنها تمنع من دخول جملتها، لا دخول بعض أجزائها. والحاصل أن كلًّا من الفتح والكسر وجه صحيح، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [٣/ ٦٩٥ و٦٩٦] (٢٩٨)، و(أبو داود) في (٢٦١)، و(الترمذيّ) في (١٣٤)، و(النسائيّ) في «الحيض» (١/ ١٩٢)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (١٢٥٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٥ و١٠١ و١١٤ و١٧٣ و٢٢٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣٥٧ و١٣٥٨)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٠٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٠٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٢٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٩٠٩ و٩١٠ و٩١١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٦٨٦ و٦٨٧). وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت فيما مضى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٦٩٦] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ حَجَّاجٍ، وَابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ أُنَاوِلَهُ الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِد، فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: «تَنَاوَليهَا ، فَإنَّ الْحَيْضَةَ لَيْسَتْ في يَدِكِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢١. ٢ - (حَجَّاج) بن أرطاة - بفتح الهمزة - ابن ثور بن هُبَيرة بن شَرَاحيل النخعيّ، أبو أرطاة الكوفيّ القاضي، أحد الفقهاء، صدوقٌ، كثير الخطإ والتدليس [٧]. رَوَى عن الشعبي حديثًا واحدًا، وعن عطاء بن أبي رَبَاح، وجَبَلَة بن سُحَيم، وزيد بن جبير الطائي، وعمرو بن شعيب، وسماك بن حرب، ونافع مولى ابن عمر، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير، والزهري، ومكحول، وقيل: لم يسمع منهما، ويحيى بن أبي كثير، ولم يسمع منه، وجماعة. ورَوَى عنه شعبة، وهُشيم، وابن نمير، والحمادان، والثوري، وحفص بن غياث، وغندر، وأبو معاوية، ويزيد بن هارون، وعدة، ورَوَى عنه منصور بن المعتمر، وهو من شيوخه، ومحمد بن إسحاق، وقيس بن سعد المكي، وهما من أقرانه، وغيرهم. قال ابن عيينة: سمعت ابن أبي نَجِيح يقول: ما جاءنا منكم مثله - يعني الحجاج بن أرطاة -. وقال الثوري: عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه. وقال العجلي: كان فقيهًا، وكان أحد مفتي الكوفة، وكان فيه تِيهٌ، وكان يقول: أهلكني حب الشرف، وولي قضاء البصرة، وكان جائز الحديث، إلا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير، ومكحول، ولم يسمع منهما، وإنما يعيب الناس منه التدليس، قال: وكان حجاج راويًا عن عطاء، سمع منه. وقال أبو طالب عن أحمد: كان من الحفاظ، قيل: فلم ليس هو عند الناس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ليس يكاد له حديث إلا فيه زيادة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صدوق ليس بالقوي، يدلس عن محمد بن عُبيد الله الْعَرْزَميّ، عن عمرو بن شعيب. وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق عندي سواء، وتركت الحجاج عمدًا، ولم أكتب عنه حديثًا قط. وقال أبو زرعة: صدوق يدلس. وقال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وأما إذا قال: حدثنا فهو صالح، لا يرتاب في صدقه وحفظه، إذا بَيَّنَ السماع، ولا يحتج بحديثه، لم يسمع من الزهري، ولا من هشام بن عروة، ولا من عكرمة، وقال هشيم: قال لي الحجاج بن أرطاة: صِفْ لي الزهريّ، فإني لم أره. وقال ابن المبارك: كان الحجاج يُدَلّس، فكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب، مما يحدثه العرزمي متروك. وقال حماد بن زيد: قَدِم علينا جرير بن حازم من المدينة، فكان يقول: حدثنا قيس بن سعد، عن الحجاج بن أرطاة، فلبثنا ما شاء الله، ثم قَدِم علينا الحجاج ابن ثلاثين، أو إحدى وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان، رأيت عنده داود بن أبي هند، ويونس بن عبيد، ومطرًا الوراق جُثَاةً على أرجلهم، يقولون: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا؟ وقال هشيم: سمعته يقول: استفتيتُ وأنا ابن ست عشرة سنة. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وغيره، ربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا، وهو ممن يكتب حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: واهي الحديث، في حديثه اضطراب كثير. وقال: صدوق، وكان أحد الفقهاء. وقال ابن حبان: سمعت محمد بن نصر، سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، عن عيسى بن يونس قال: كان الحجاج بن أرطاة لا يحضر الجماعة، فقيل له في ذلك، فقال: أحضر مسجدكم حتى يزاحمني فيه الْحَمّالون والْبَقّالون؟ وقال الساجي: كان مدلسًا صدوقًا، سيئ الحفظ، ليس بحجة في الفروع والأحكام. وقال ابن خزيمة: لا أحتج به إلا فيما قال أخبرنا، وسمعت. وقال ابن سعد: كان شريفًا، وكان ضعيفًا في الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال البزار: كان حافظًا مدلسًا، وكان مُعْجَبًا بنفسه، وكان شعبة يُثني عليه، ولا أعلم أحدًا لم يرو عنه - يعني ممن لقيه - إلا عبد الله بن إدريس. وقال مسعود السِّجْزي عن الحاكم: لا يحتج به. وكذا قال الدارقطني. وقال ابن عيينة: كنا عند منصور بن المعتمر، فذكروا حديثًا، فقال: من حدثكم؟ قالوا: الحجاج بن أرطاة، قال: والحجاج يُكتب عنه؟ قالوا: نعم، قال: لو سكتم لكان خيرًا لكم. وقال ابن حبان: تركه ابن المبارك، وابن مهدي، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: هذا القول فيه مجازفة، وأكثر ما نُقِم عليه التدليس، وكان فيه تِيهٌ لا يَلِيق بأهل العلم. انتهى. وقال إسماعيل القاضي: مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه. وقال محمد بن نصر: الغالب على حديثه الإرسال، والتدليس، وتغيير الألفاظ. قال الهيثم: مات بخراسان مع المهدي. وقال خليفة: مات بالريّ، وأرّخه ابن حبان في «الثقات» سنة (١٤٥).
مصادر المؤلف (٩)

١. «تهذيب التهذيب» ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦.

٢. «النهاية» ٢/ ٧٧ - ٧٨.

٣. «لسان العرب» ٤/ ٢٥٨.

٤. يعني المالكيّة.

٥. «الثَّفْر» بفتح، فسكون: هو ما تشُدّه المرأة على فرجها لتمنع به سيلان الدم.

٦. حديث ضعيف، أخرجه أبو داود برقم (٢٣٢) من حديث عائشة - ﵂ -.

٧. «المفهم» ١/ ٥٥٨ - ٥٥٩.

٨. «المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود» ٣/ ٤١.

٩. وفي نسخة: «فقال: فناولينيها».