HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٠٧

وحدثني قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِي الْجَنَابَةِ؟ أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ قَالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ. رُبَّمَا اغْتَسَلَ فَنَامَ. وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ. قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سعة.
ج ١ ص ٢٤٩

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٤٦٤
ذكرك، ثم توضأ، ثم نَمْ«، وهو يَرُدّ على مَن حمله على ظاهره، فقال: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر؛ لأنه ليس بوضوء يرفع الحدث، وإنما هو للتعبد؛ إذ الجنابة أشدّ من مسّ الذكر، فتبين من رواية أبي نوح أن غسله مُقَدَّم على الوضوء، ويُمكِن أن يؤخر عنه بشرط أن لا يمسه على القول بأن مسه ينقض . وقوله: (ثُمَّ نَمْ») بفتح النون ؛ لأنه أمر من نام ينام، كخاف يخاف، وأصله انْوَمْ، كاعْلَمْ، نُقلت فتحة الواو إلى النون الساكنة قبلها عملًا بقول بعضهم: حَرَكَةٌ لِيَا كَوَاوٍ إِنْ عَقِبْ … مَا صَحَّ سَاكِنًا فَنَقْلُهَا يَجِبْ وبقول ابن مالك في «الخلاصة»: لِسَاكِنٍ صَحَّ انْقُلِ التَّحْرِيكَ … مِنْ ذِي لِينٍ اتٍ عَيْنَ فِعْلٍ كَـ «أَبنْ» مَا لَمْ يَكُنْ فِعْلَ تَعَجُّبٍ وَلَا … كَـ «ابْيَضَّ» أَوْ «أَهْوَى» بِلَامٍ عُلِّلَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١١] (٣٠٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِي الْجَنَابَةِ؟ أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ قَالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، رُبَّمَا اغْتَسَلَ فَنَامَ، وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ، قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الْحَضْرميّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الْحِمْصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] (ت ١٥٨) (م ٤) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَيْسٍ) ويقال: ابن قيس، ويقال: ابن أبي موسى، والأول أصحّ، أبو الأسود النصريّ - بالنون - الحمصيّ - مولى عطية بن عازب، ويقال: ابن عفيف، وقيل: كان اسمه عازبًا، فسمّاه رسول الله - ﷺ - عَفيفًا - ثقةٌ مخضرم [٢]. رَوَى عن مولاه، وابن عمر، وابن الزبير، وغُضَيف بن الحارث، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه محمد بن زياد الألهانيّ، وعتبة بن ضمرة بن حبيب، وأبو ضَمْرة، محمد بن سليمان الحمصيّ، وزيد بن عمير الرَّحَبِيّ، ومعاوية بن صالح، وغيرهم. قال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: من قال عبد الله بن قيس فقد وَهِمَ، وقال سيف بن عمر: كان عبد الله بن قيس على كُردُوس يوم اليرموك. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، فقط. والباقون تقدّموا في هذا الباب. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ) النَّصْريّ الْحِمْصيّ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - (عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)، أي عن وقت صلاة الوتر (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) الظاهر أن الضمير لعبد الله بن أبي قيس، وَيحْتَمِل أن يكون من دونه. [تنبيه]: أشار المصنّف - ﵀ - بقوله: «فذكر الحديث» إلى أن هذا الحديث مطوّل، وهذا المذكور هنا مختصره، وقد ساقه الإمام الترمذيّ - ﵀ - في «جامعه» بسند المصنّف - ﵀ -، فقال: (٢٨٤٨) حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، هو رجل بصريّ ، قال: سألت عائشة عن وتر رسول الله - ﷺ -، كيف كان يوتر، من أول الليل، أو من آخره؛ فقالت: كل ذلك قد كان يصنع، ربما أوتر من أول الليل، وربما أوتر من آخره، فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً، فقلت: كيف كانت قراءته، أكان يُسِرّ بالقراءة، أم يجهر؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، قد كان ربما أسرّ، وربما جهر، قال: فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً، قلت: فكيف كان يصنع في الجنابة، أكان يغتسل قبل أن ينام، أو ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، فربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. قال أبو عيسى - ﵀ -: هذا حديث حسن غريب، من هذا الوجه. انتهى. قال عبد الله بن أبي قيس (قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِي الْجَنَابَةِ؟)، أي في اغتساله من الجنابة، و«كيف» مفعول مقدّم لـ «يصنع»، و«في» سببيّة، أو بمعنى «من»، والتقدير: أيَّ شيء يَصنع بسبب الجنابة، أو من إصابة الجنابة له، والله أعلم. (أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (كُلُّ ذَلِكَ) برفع «كلُّ» على الابتداء، أي كلٌّ من الاغتسال أولَ الليل، والاغتسال آخره، وخبره قوله: (قَدْ كَانَ يَفْعَلُ) والرابط مقدّر، أي يفعله، ويَحْتَمل أن يكون بنصب «كلّ» مفعولًا مقدّمًا لـ «يفعل» (رُبَّمَا اغْتَسَلَ فَنَامَ) «ربّما» كافّة ومكفوفة، فـ «ما» كفّت «ربّ» عن عمل الجرّ، وهيّئتها للدخول على الجملة الفعليّة، وهي تفيد التقليل، والتكثير، والظاهر أنها للتكثير للمقابلة في قولها: «ربما …» و«ربما …»، أي كثيرًا ما كان يفعل هذا، وكثيرًا ما كان يفعل هذا (وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ، قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ)، أي في أمر الشريعة، أو أمر الجنابة (سَعَةً)، أي سهولةً ويُسرًا، و«السَّعَةُ» بفتح السين والعين المهملتين، ويجوز كسر السين، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وَسِعَ الإناءُ المتاعَ يَسَعُهُ سَعَةً بفتح السين، وقرأ به السبعة في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وكَسْرُها لغةٌ، وقرأ بها بعض التابعين. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [٦/ ٧١١ و٧١٢] (٣٠٧)، و(أبو داود) في «الطهارة» (١٤٣٧ و٢٢٦)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٢٥)، و«الغسل» (١/ ١٩٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٧ و٧٣ - ٧٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٠٨١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٤٤٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٧٩٠ و٧٩١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٠١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز تأخير الغسل عن الجنابة. ٢ - (منها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص على السؤال في أمور دينهم. ٣ - (ومنها): بيان ما كانوا عليه من تتبّع أفعال النبيّ - ﷺ -، وأقواله، وأحواله حتى يقتدوا به فيها، وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون حريصًا على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ٤ - (ومنها): سماحة الشريعة، وسهولتها، حيث لم تضيّق على أهلها بإيجاب الغسل كلّما أجنب الإنسان؛ إذ فيه حرج شديد، والحرج مرفوع بالنصّ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذه نعمة عظمى ينبغي أن تقابل بالشكر، كما فعل عبد الله بن قيس هنا، حيث قال: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، أي حيث أباح لنا الأمرين: تقديم الغسل على النوم وتأخيره، وبيّن ذلك لنا النبيّ - ﷺ -. ٥ - (ومنها): جواز استفتاء النساء إذا كنّ من أهل العلم، ولا خلاف في ذلك، فان السلف مجمعون على استفتاء أمهات المؤمنين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٢] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا اَبْنُ وَهْبٍ، جَمِيعًا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا، فعبد الرحمن تقدّم قبل بابين، وهارون وابن وهب قبل باب، والباقيان في هذا الباب. وقوله: (بِهَذَا الإسْنَاد، مِثْلَهُ) أي بإسناد معاوية السابق، عن عبد الله بن قيس، عن عائشة - ﵂ -. [تنبيه]: أما رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح، فقد ساقها النسائيّ في «سننه»، فقال: (٤٠١) أخبرنا شعيب بن يوسف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة، كيف كان نوم رسول الله - ﷺ - في الجنابة، أيغتسل قبل أن ينام، أو ينام قبل أن يغتسل؟، قالت: كلُّ ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام. انتهى. وأما رواية ابن وهب، عن معاوية، فقد ساقها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٢٧٨) فقال: (٧٩٠) حدثنا بحر بن نصر الخولانيّ، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، أن عبد الله بن أبي قيس حدثه، أنه سأل عائشة: هل كان
مصادر المؤلف (٤)

١. «الفتح» ١/ ٤٦٨.

٢. فما اشتهر على ألسنة الناس من قولهم: «نُمْ» من لحن الجهال، فتفطّن.

٣. هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف عن «نَصْريّ» بالنون؛ لأنه نصريّ، حمصيّ، لا بصريّ، كما سبق في ترجمته، فتأمّل.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٩.