HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٠٩

وحدثنا الحسن بن أحمد بن أبي أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ. حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ (يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ الْحَذَّاءَ) عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. بَاب وُجُوبِ الْغَسْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْهَا
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص171
ج ١ ص ٢٤٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٤٧٥
هو وضوء الصلاة، لا مطلق النظافة من غسل الفرج ونحوه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم هذا الوضوء: ذهب ابن حبيب المالكيّ، والظاهريّة إلى وجوبه؛ أخذًا بظاهر الحديث. وذهب الجمهور إلى استحبابه، وذهب أبو يوسف من الحنفيّة إلى أنه ليس بواجب، ولا مندوب، ورُدّ عليه بحديث الباب وغيره. قال الجامع عفا الله عنه: عندي القول باستحبابه هو الأرجح؛ لما سبق من رواية ابن خزيمة، حيث علّله بكونه أنشط للعود، فإنه يدلّ هذا التعليل على الندبيّة والإرشاد، يؤيّد ذلك ما رواه الطحاوقي بسنده عن عائشة قالت: «كان النبيّ - ﷺ - يجامع، ثم يعود، ولا يتوضّأ»، وحديث: «إنما أُمرتُ بالوضوء إذا قُمتُ إلى الصلاة». والحاصل أن الأمر بالوضوء للندب، لا للوجوب، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٤] (٣٠٩) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ - يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ الْحَذَّاءَ - عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أنسٍ : «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ) هو: الحسن بن أحمد بن أبي شعيب عبد الله بن مسلم الأمويّ مولاهم، أبو مسلم الحزانيّ، سَكَن بغداد، ثقةٌ يُغْرِبُ [١١]. وحَدّث عن أبيه، وجدّه، ومحمد بن سَلَمة، ومسكين بن بُكير. ورَوَى عنه مسلم، وابنه أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحرّانيّ، وأحمد بن شبابان، وعبد الله بن جعفر بن خُشَيش، وابن أبي الدنيا، ويزيد بن محمد بن عبد الصمد، والدارميّ، وابن أبي داود، وابن صاعد، والسراج، والمحامليّ. ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: يُغْرِب، وقال عليّ بن الحسن بن عَلّان الحرّانيّ: ثقةٌ مأمونٌ، وقال الخطيب: كان ثقة، ووثَّقه البزار، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال موسى بن هارون: مات سنة (٢٥٠) بِسُرَّ مَنْ رَأَى، وقال السرّاج: مات بالعسكر سنة (٢٥٢) أو نحوه. روى عنه المصنّف - ﵀ -، وأبو داود في «المراسيل»، و«الزهدُ»، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٠٩)، وحديث رقم (١٦٧١): «ألا تخرُجون مع راعينا في إبله …» الحديث. ٢ - (مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ الْحَذاءُ) أبو عبد الرحمن الْحَرَّانيّ، صدوقٌ، يُخطئ، صاحب حديث [٩]. رَوَى عن سعيد بن عبد العزيز، وجعفر بن بُرْقان، والأوزاعيّ، ومالك، ومحمد بن مهاجر، وثابت بن عَجْلان، والمسعوديّ، وشعبة، وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، والنُّفَيليّ، والمغيرة بن عبد الرحمن الحرّانيّ، وعمرو بن خالد، وأحمد بن أبي شعيب، وابنه الحسن بن أحمد، ومحمد بن وهب بن أبي كريمة الْحَرّانيّون، ومحمد بن عبيد بن ميمون المدنيّ، وأحمد بن سليمان الرُّهَاويّ، وآخرون. قال الأثرم: سمعت أحمد يُحَسِّن أمره، وقال مرةً: قدّمه أبو عبد الله على مَخْلد بن يزيد، وقال: حدَّث عن شعبة بأحاديث لم يروها أحدٌ، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ، وقال ابن معين: لا بأس به، وكذا قال أبو حاتم، وزاد: كان صالح الحديث، يَحْفَظ الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة ثمان وتسعين ومائة. وقال أبو أحمد الحاكم في كتابه «الكنى»: كان كثير الوهم والخطأ، وقال في موضع آخر: ومن أين كان مسكين يَضْبِط عن سعيد؟، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال ابن عمار: يقولون: إنه ثقةٌ، لم أسمع منه شيئًا. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في الترجمة التي قبله. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم في هذا الباب. ٤ - (هِشَامُ بْنُ زيدِ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن جدِّه، وعنه ابن عون، وشعبة، وعروة بن ثابت، وحماد بن سلمة. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. ٥ - (أَنس) بن مالك - ﵁ -، تقدّم قبل بابين. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) - ﵁ -، وفي نسخة: «عن أنس بن مالك» - ﵁ - (: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ)، أي يدور عليهنّ، وهو كناية عن الجماع، بدليل قوله: (بِغُسْلٍ وَاحِدٍ«) هو على حذف مضاف، أي بنيّة غسل واحد، أي يجامعهنّ ملتبسا، ومصاحبًا لنيّة غسل واحد آخر الأمر، وإنما احتجنا إلى هذا التقدير؛ لأن الغسل الواحد لا يكون إلا بعد الفراغ من جماعهنّ، لا قبله، فتأمل. ولفظ النسائيّ:«أن رسول الله - ﷺ - طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد»، وعند أبي داود:«طاف ذات يوم»، ولفظ البخاريّ، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنس بن مالك حدَّثهم:«أن نبيّ الله - ﷺ - كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة»، وفي رواية عن أنس:«كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهنّ إحدى عشرة، قال: قلت لأنس: أوَ كان يطيقه؟ قال: كنّا نتحدّث أنه أُعطي قوّة ثلاثين رجلًا»، وفي رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن أنسًا حدّثهم تسع نسوة، وجُمع بينهما بأن ذلك كان في حالتين، فمرّةً طاف عليهنّ، وهنّ إحدى عشرة، وأخرى، وهنّ تسع، أو بأنه كان تحته من الزوجات تسع، وسُرّيّتان: مارية، ورَيحانة، على أنها أمة، وقيل: هي زوجة . وقال النوويّ - ﵀ - ﵀: يحتمل أنه - ﷺ - كان يتوضأ بينهما، أو يكون المراد بيان جواز ترك الوضوء، وقد جاء في«سنن أبي داود»أنه - ﷺ - طاف على نسائه ذات يوم، يغتسل عند هذه، وعند هذه، فقيل: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ فقال:«هذا أزكى، وأطيب، وأطهر»، قال أبو داود: والحديث الأول أصحّ، قلت: وعلى تقدير صحته يكون هذا في وقت، وذاك في وقت. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: احتمال الوضوء بعيد، بل الأقرب أنه فعله لبيان الجواز، ولهذا قال البخاريّ - ﵀ - في«صحيحه»:«باب الجنُب يخرُج، ويمشي في السوق، وغيره، وقال عطاء: يحتجم الجنب، ويُقلّم أظفاره، ويَحلق رأسه، وإن لم يتوضّأ». انتهى، ثم أورد حديث أنس - ﵁ - هذا محتجًّا به لما قاله عطاء من جواز الأشياء المذكورة، وإن لم يتوضّأ، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا«في الحيض»[٦/ ٧١٤] (٣٠٩)، و(البخاريّ) في«الغسل»(٢٦٨ و٢٨٤ و٥٠٦٨ و٥٢١٥)، و(أبو داود) في«الطهارة»(٢١٨)، و(الترمذيّ) في«الطهارة»(١٤)، و(النسائيّ) في«الطهارة»(١/ ١٤٣ و١٤٤)، و(ابن ماجه) في«الطهارة»(٥٨٨)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٢٢٥ و٢٢٩)، و(الدارميّ) في«سننه»(١/ ١٩٢)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٢٢٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١٢٠٨ و١٢٠٩)، و(الطحاويّ) في«شرح معاني الآثار»(١/ ١٢٩)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١/ ٢٠٤)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٢٦٩)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٧٩٨ و٨٠٠)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٧٠٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدم وجوب الاغتسال بين الجماعين، سواء كان الجماع الثاني للأولى، أو لغيرها، وهذا لا ينافي استحباب الاغتسال بينهما؛ لما تقدّم من حديث أبي رافع - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - طاف على نسائه، واغتسل عند كلّ واحدة، وقال:«هذا أزكى، وأطيب، وأطهر»، أخرجه أبو داود. ٢ - (ومنها): بيان ما اختصّ الله - ﷿ - نبيّه - ﷺ - من القوّة في النكاح، وذلك يدلّ على كمال البنية، وصحّة الذكوريّة. والحكمة في كثرة أزواجه - ﷺ - أن الأحكام التي ليست ظاهرة يَطَّلِعن عليها، فينقلنها، وقد جاء عن عائشة - ﵂ - من ذلك الكثير الطيِّب، ومن ثَمَّ فضّلها بعضهم على بقية أمهات المؤمنين - ﵅ -. ٣ - (ومنها): بيان عدم وجوب الوضوء بين الجماعين أيضًا، لأنه لم يُذكَر في الحديث، والأصل عدمه. ٤ - (ومنها): جواز طواف الرجل على نسائه في الليلة الواحدة، لكن بإذن صاحبة النوبة، وهذا في غير النبيّ - ﷺ -، وأما في حقّه فالصحيح أنه يجوز له ذلك دون استئذان؛ لأنه لا يجب عليه الْقَسْمُ بين الزوجات؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، لكنه من كريم أخلاقه وحسن عِشرته كان يَقسم بينهنّ، فعلى هذا لا إشكال في الحديث أصلًا. قال في «الفتح»: عدم وجوب القسم عليه - ﷺ - قولُ طوائف من أهل العلم، وبه جزم الإصطخريّ من الشافعية، والمشهور عندهم، وعند الأكثرين الوجوب، ويَحتاج من قال به إلى الجواب عن هذا الحديث، فقيل: كان ذلك برضا صاحبة النوبة، كما استأذنهنّ أن يُمَرَّض في بيت عائشة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك كان يَحصُل عند استيفاء القسمة، ثم يستأنف القسمة، وقيل: كان ذلك عند إقباله من سفر؛ لأنه كان إذا سافر أقرع بينهنّ، فيسافر بمن يخرج سهمها، فإذا انصرف استأنف، وهو أخص من الاحتمال الثاني، والأول أليق بحديث عائشة، وكذا الثاني، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك كان يقع قبل وجوب القسمة، ثم تَرَك بعدها. وأغرب ابن العربيّ، فقال: إن الله خَصّ نبيه - ﷺ - بأشياء، منها أنه أعطاه ساعةً في كل يوم لا يكون لأزواجه فيها حقّ، يدخل فيها على جميعهنّ فيفعل ما يريد، ثم يستقرّ عند من لها النوبة، وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتَغَل عنها كانت بعد المغرب، وهذا التفصيل الذي ذكره يَحتاج إلى ثبوت نقلًا، والظاهر عدمه، فلا ينبغي الالتفات إليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): بيان أن الاغتسال لا يجب على الفور، بل عند إرادة الصلاة، وقد تقدّم تمام البحث فيه. ٦ - (ومنها): استحباب الاستكثار من النساء، وقد أخرج البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه» عن سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس - ﵄ -: هل تزوجتَ؟ قلت: لا، قال: تَزَوَّجْ، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء. انتهى. وفي رواية الطبراني من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ -: «تزوَّجُوا، فإن خيرنا كان أكثرنا نساء». قال في «الفتح: قيل: المعنى خير أمة محمد - ﷺ - مَن كان أكثر نساءً من غيره، ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل، والذي يظهر أن مراد ابن عباس - ﵄ - بالخير النبيّ - ﷺ -، وبالأمة أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزولج مرجوح؛ إذ لو كان راجحًا ما آثر النبيّ - ﷺ - غيره، وكان مع كونه أخشى الناس لله، وأعلمهم به، يُكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يَطَّلِع عليها الرجال، ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة؛ لكونه كان لا يَجِد ما يَشبَع به من القوت غالبًا، وإن وجد كان يؤثر بأكثره، ويصوم كثيرًا، ويواصل، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، ولا يطاق ذلك إلا مع قوة البدن، وقوةُ البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقوِّيات من مأكول ومشروب، وهي عنده نادرة، أو معدومة. ووقع في «الشفاء»: أن العرب كانت تَمْدَحُ بكثرة النكاح؛ لدلالته على الرجولية، إلى أن قال: ولم تَشْغَله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادةً لتحصينهنّ، وقيامه بحقوقهنّ، واكتسابه لهنّ، وهدايته إياهنّ، وكأنه أراد بالتحصين قَصْر طَرْفهنّ عليه، فلا يَتَطَلَّعن إلى غيره، بخلاف العُزْبة، فإن العفيفة تتطلع بالطبع البشري إلى التزويج، وذلك هو الوصف اللائق بهنّ. والذي تَحَصَّل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره - ﷺ - من النساء عشرةُ أوجه: [أحدها]: أن يَكثُر مَن يُشاهِد أحواله الباطنة، فينتفي عنه ما يَظُنّ به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك. [ثانيها]: لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم. [ثالثها]: للزيادة في تألفهم لذلك. [رابعها]: للزيادة في التكليف، حيث كُلِّف أن لا يَشْغَله ما حُبِّب إليه منهنّ عن المبالغة في التبليغ. [خامسها]: لتكثر عشيرته من جهة نسائه، فتزداد أعوانه على من يُحاربه. [سادسها]: نقل الأحكام الشرعية التي لا يَطَّلِع عليها الرجال؛ لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يُخْفَى مثله. [سابعها]: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوج أم حبيبة، وأبوها إذ ذاك يعاديه، وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خُلُقه لنَفَرْنَ منه، بل الذي وَقَع أنه كان أحب إليهنّ من جميع أهلهنّ. [ثامنها]: ما تقدم مبسوطًا من خرق العادة له في كثرة الجماع، مع التقلُّل من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام والوصال، وقد أَمَرَ مَن لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته، فانخرقت هذه العادة في حقه - ﷺ -. [تاسعها، وعاشرها]: ما تقدم نقله عن صاحب الشفاء من تحصينهنّ، والقيام بحقوقهنّ. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): لم يقع في رواية المصنّف - ﵀ - ذكر عدد نسائه - ﷺ - اللاتي جمعهنّ في ذلك الوقت، وقد وقع عند البخاريّ: من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس - ﵁ - قال: «كان النبيّ - ﷺ - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهنّ إحدى عشرة»، ومن طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنسًا - ﵁ - حدّثهم: «تسع نسوة». انتهى. قال في «الفتح»: وقد جمع ابنُ حبان: في «صحيحه» بين الروايتين بأَنْ حَمَل ذلك على حالتين، لكنه وَهِمَ في قوله: إن الأولى كانت في أول قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع نسوة، والحالة الثانية في آخر الأمر، حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة، وموضع الْوَهَمِ منه، أنه - ﷺ - لَمّا قَدِمَ المدينة لم يكن تحته امرأة سوى سودة، ثم دخل على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أم سلمة، وحفصة، وزينب بنت خزيمة في السنة الثالثة، أو الرابعة، ثم تزوج زينب بنت جَحْش في الخامسة، ثم جويرية في السادسة، ثم صفية وأم حبيبة وميمونة في السابعة، وهؤلاء جميعُ من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور. واختُلِف في رَيحانة، وكانت من سبي بني قريظة، فجزم ابن إسحاق بأنه عَرَض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب فاختارت البقاء في ملكه، والأكثر على أنها ماتت قبله في سنة عشر، وكذا ماتت زينب بنت خزيمة بعد دخولها عليه بقليل، قال ابن عبد البر: مكثت عنده شهرين أو ثلاثة، فعلى هذا لم يجتمع عنده من الزوجات أكثر من تسع، مع أن سودة كانت وهبت يومها لعائشة، كما سيأتي في مكانه، فرَجَحت رواية سعيد بن أبي عروبة، لكن تُحْمَل رواية هشام الدستوائيّ على أنه ضَمّ مارية وريحانة إليهنّ، وأطلق عليهن لفظ نسائه تغليبًا. وقد سَرَد الدمياطي في السيرة التي جمعها مَن اطَّلَع عليه من أزواجه، ممن دخل بها، أو عَقَد عليها فقط، أو طلَّقها قبل الدخول، أو خطبها ولم يعقد عليها، فبلغت ثلاثين، وفي «المختارة» من وجه آخر، عن أنس: «تزوج خمس عشرة، دخل منهن بإحدى عشرة، ومات عن تسع»، وسرد أسماءهنّ أيضًا أبو الفتح اليعمريّ، ثم مغلطاي، فزدن على العدد الذي ذكره الدمياطي، وأنكر ابن القيم ذلك، والحقّ أن الكثرة المذكورة محمولة على اختلاف في
مصادر المؤلف (٥)

١. وفي نسخة: «عن أنس بن مالك».

٢. راجع:«الفتح»١/ ٤٤٩ - ٤٥٠.

٣. أخرجه أبو داود في:«سننه»١/ ٥٦ وفي سنده سلمى عمة عبد الرحمن بن أبي رافع، قال ابن القطان: لا تُعرف، وذكرها ابن حبان في:«الثقات»، وحسّن الحديث الشيخ الألباني، انظر:«آداب الزفاف»ص ٣٥.

٤. «شرح النوويّ»٣/ ٢١٨ - ٢١٩.

٥. «الفتح» - «كتاب النكاح» ٩/ ١٧ رقم الحديث (٥٠٦٩).