HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣١٦

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبيه، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله ﷺ، إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ. ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ. فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ. ثم يتوضأ وضوئه لِلصَّلَاةِ. ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ. فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ. حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ، حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ. ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص174
ج ١ ص ٢٥٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٥٤٣
ذهب، فقال نبيّ الله - ﷺ -: «لقد سألني حين سألني، وما عندي علمٌ، حتى أنبأني الله به». انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابُ صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٢٤] (٣١٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ، فَيَغْسِلُ يَدَيْه، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِه، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاة، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْر، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأ ، حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِه، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ«). رجال هذا الإسناد: خمسة كلهم تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - أنها (قَالَتْ:»كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) لفظة «كان» تدلّ على الملازمة والتكرار، كقول ابن عبّاس - ﵂ -: «كان رسول الله - ﷺ - أجود الناس بالخير»، متّفقٌ عليه، ويقال: كان فلانٌ يَقْري الضيف، وقد تُستَعمل «كان» لإفادة مجرّد الفعل ووقوعه، دون الدلالة على التكرار، والأول أكثر في الاستعمال، قاله ابن الملقّن - ﵀ - . (إِذَا اغْتَسَلَ) أي أراد الاغتسال، أو شرع في الاغتسال، قال ابن الملقّن - ﵀ -: قولها: «إذا اغتسل» يَحْتَمل أن يكون من باب قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، أي إذا أراد الاغتسال، ويَحْتَمِل أن يكون اغتسل بمعنى شَرَعَ فيه، فإنه يقال: فَعَلَ كذا: إذا فرغ منها، وفعل: إذا شرع فيه، فإذا حملنا «اغتسل» على معنى شرع صحّ؛ لأنه يُمكن أن يكون الشروع وقت الابتداء بغسل اليدين، وهذا بخلاف الآية، فإنه لا يمكن أن يكون وقتُ الشروع في القراءة وقتَ الاستعاذة، فلهذا تعيّن حمله على الإرادة فقط. انتهى . (مِنَ الْجَنَابَةِ)، أي بسبب حدوث الجنابة له، فـ «من» سببيّة مجازًا عن ابتداء الغاية، من حيث إن السبب مصدر المسبّب، ومنشأ له، فتكون الجنابة هنا بمعنى الأمر الحكميّ الذي يتسبّب عن التقاء الختانين، أو الإنزال . (يَبْدَأُ، فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ) هذا الغسل يَحْتَمِل أن يكون للتنظيف مما بهما من مستقذر، ويَحْتَمِل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، قال الحافظ - ﵀ -: ويدلّ عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام: «قبل أن يُدخلهما الإناء»، رواه الشافعيّ، والترمذيّ. (ثُمَّ يُفْرغُ) بضم أوله، من الإفراغ، بمعنى الصبّ، يقال: أفرغت الشيءَ: إذا صببته، إذا كان يسيل، أو من جوهر ذائب، قاله الفيّوميّ . (بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ)، أي يصبّ بيده اليمنى على يده اليسرى (فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ) هكذا في رواية أبي معاوية عن هشام ذكر غسل الفرج، وليست هذه الزيادة في رواية مالك، قال الحافظ - ﵀ -: وهي زيادة جليلة؛ لأن بتقديم غسله يَحصُل الأمن من مس فرجه في أثناء الغسل. (ثمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) احترز به عن الوضوء اللغويّ، وَيحْتَمِل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنةً مستقلةً، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد في الغسل. وَيحْتَمل أن يُكتَفَى بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قُدِّم غسل أعضاء الوضوء تشريفًا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، وإلى هذا جَنَح الداوديّ، شارح «المختصر» من الشافعية، فقال: يُقَدِّم غسل أعضاء وضوئه على ترتيب الوضوء، لكن بنية غسل الجنابة. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الداوديّ هو الظاهر، والله تعالى أعلم. ونقل ابنُ بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل، وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور، وداود، وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تحقيق هذا الخلاف في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. (ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ)، وفي رواية البخاريّ: «ثم يُدخل أصابعه في الماء» (فَيُدْخِلُ) بضم حرف المضارعة، من الإدخال (أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ)، ولفظ البخاريّ: «ثم يُدخل أصابعه في الماء، فيُخلّل بها أصول شعره»، وفي رواية الترمذيّ من طريق ابن عيينة، عن هشام: «ثم يُشَرِّبُ شعره الماء». والمراد بأصول الشعر شعر الرأس، بدليل رواية النسائيّ من طريق يحيى القطّان، عن هشام: «ويخلّل رأسه حتى يَصِلَ إلى شعره»، ويدل عليه رواية حماد بن سلمة، عن هشام عند البيهقيّ: «يُخَلِّل بها شِقَّ رأسه الأيمن، فَيَتَّبعُ بها أصول الشعر، ثم يفعل بشِقّ رأسه الأيسر كذلك». وقال القاضي عياض: احتَجَّ به بعضهم على تخليل شعر الجسد في الغسل، إما لعموم قوله: «أصول الشعر»، وإما بالقياس على شعر الرأس. قال الجامع عفا الله عنه: القول بعموم أصول الشعر فيه نظر لا يَخفى؛ لأن الرواية الأخرى تردّه، حيث بيّنت أنه شعر الرأس، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وفائدة التخليل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد؛ ليحصل تعميمه بالماء، وتأنيس البشرة؛ لئلا يصيبها بالصبّ ما تتأذى به. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قيل: إنما فعل ذلك - أي إدخال الأصابع في أصول الشعر - ليسهل دخول الماء إلى أصول الشعر، وقيل: ليستأنس بذلك حتى لا يَجِد بعده من صبّ الماء الكثير نفرة. انتهى . وقال ابن الملقّن - ﵀ -: للتخليل ثلاث فوائد: [الأولى]: تسهيل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة. [ثانيها]: مباشرة الشعر باليد؛ ليحصل تعميمه. [ثالثها]: تأنيس البشرة؛ خشيةَ أن يُصيب صبّه دَفْعَةً آفة في رأسه. انتهى . ثم هذا التخليل غير واجب اتفاقًا إلا إن كان الشعر مُلَبَّدًا بشيء، يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الاتّفاق غير صحيحة، إلا إذا أراد الاتّفاق في مذهبه خاصّةً، وإلا فقد قال العينيّ: إن مذهب الحنفيّة وجوبه في غسل الجنابة، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. ثم إن هذا التخليل يكون بأصابع اليدين العشر؛ لظاهر قولها: «أصابعه»، وفي رواية: «ثم يُخلّل بيديه شعره». وقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: التخليل هنا إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر، قال: ورأيت في كلام بعضهم إشارة إلى أن التخليل هل يكون بنقل الماء، أو بإدخال الأصابع مبلولةً بغير نقل الماء؟، وأشار إلى ترجيح نقل الماء؛ لما وقع في بعض الروايات الصحيحة في مسلم: «ثم يأخذ الماء، فيُدخل أصابعه في أصول الشعر»، فقال هذا القائل: نقل الماء لتخليل الشعر هو ردٌّ على من يقول: يُخلِّل بأصابعه مبلولة بغير نقل الماء، قال: وذكر النسائيّ في «السنن» ما يُبيّن هذا، فقال: «باب تخليل الجنب رأسه»، وأدخل حديث عائشة هذا فيه، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يُشرِّب رأسه، ثم يَحثي عليه ثلاثًا»، قال: فهذا بَيِّنٌ في التخليل بالماء. انتهى كلامه ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. (حَتَّى إِذَا رَأَى)، أي علم، فـ «رأى» هنا علميّة، لا بصريّة، وفي رواية البخاريّ: «حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته» (أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأ) «أن» بفتح الهمزة، مخفّفة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي أنه، وخبرها الجملة الفعليّة بعدها، وقد فُصِلت بـ «قد»، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ تُخَفَّفْ «أَنَّ» فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ «أَنْ» وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ «قَدْ» أَوْ نَفْيٍ أَوْ … تَنْفِيسٍ أَوْ «لَوْ» وَقَلِيلٌ ذِكْرُ «لَوْ» ووقع في بعض النسخ: «أَنَّهُ قَدِ اسْتَبْرَأ»، يقال: استبرأت الشيءَ: إذا طلبتَ آخره؛ لقطع الشبهة، قاله الفيّوميّ - ﵀ - ، فالمعنى هنا: أنه بالغ في إيصال البلل إلى جميع أصول شعره، حتى تأكّد لديه أنه أرواه بالماء، وقال القرطبيّ - ﵀ -: معنى «استبرأ»: أي استقصى، وبالغ، من قولهم: استبرأ الخبر. انتهى . (حَفَنَ)، أي أخذ الماء بيديه جميعًا، ثم صبّه (عَلَى رَأْسِهِ) قال المجد - ﵀ -: «الْحَفْنُ»: أخذك الشيءَ براحتيك، والأصابع مضمومة، أو الْجَرْفُ بكلتا اليدين. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: حَفَنْتُ له حَفْنًا، من باب ضَرَبَ، وحَفْنَةً، وهي مِلْءُ الكفّين، والجمع حَفَنَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. انتهى . وقوله: (ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ) منصوب على أنه مفعول مطلق لـ «حَفَنَ». قال في «الفتح»: وفيه استحباب التثليث في الغسل، قال النوويّ: ولا نعلم فيه خلافًا إلا ما انفرد به الماورديّ، فإنه قال: لا يُستحبّ التكرار في الغسل، قال الحافظ: وكذا قال الشيخ أبو عليّ السنجيّ في «شرح الفروع»، وكذا قال القرطبيّ، وحَمَل التثليث في هذه الرواية على رواية القاسم، عن عائشة الآتية قريبًا - يعني قولها: «كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة، دعا بشيء نحو الْحِلاب، فأخذ بكفه، بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه» - فإن مقتضاها أن كل غَرْفة كانت في جهة من جهات الرأس. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح القول باستحباب التثليث، ويُحمل حديث القاسم عن عائشة - ﵂ - على بعض الأحيان، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَفَاضَ) أي أسال الماء، وإفاضة الماء على الشيء: إفراغه عليه، يقال: فاض الماء: إذا جرى، وفاض الدمع: إذا سال، قاله ابن دقيق العيد ، وقال الصنعانيّ: في «القاموس»: أفاض الماء على نفسه: أفرغه، والإفراغ الصبّ، وفيه دليل على أنه يُكتَفى بذلك، ولا يشترط الدلك. انتهى . (عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ)، أي بقيّة جسمه، فـ «السائر» بمعنى الباقي، على ما عليه الجمهور، كما قال الشنفري [من الطويل]: إِذَا احْتَمَلُوا رَأْسِي وَفِي الرَّأْسِ أَكْثَرِي … وَغُودِرَ عِنْدَ الْمُلْتَقَى ثُمَّ سَائِرِي أي بقيّتي، «والجسد» بفتحتين: الجسم، قال في «القاموس»: «الْجَسَدُ» محرَّكةً: جسم الإنسان، والجنّ، والملائكة، والزعفرانُ، كالْجِسَاد، ككِتَاب. انتهى . [تنبيه]: قال الفيّوميّ - ﵀ -: سَئِرَ الشيءُ سُؤْرًا بالهمزة، من باب شَرِبَ: بَقِيَ، فهو سائرٌ، قاله الأزهريّ، واتَّفَقَ أهل اللغة أن سائرَ الشيءِ باقيه قليلًا كان أو كثيرًا، قال الصغانيّ: سائر الناس باقيهم، وليس معناه جميعهم، كما زَعَمَ من قَصُرَ في اللغة باعه، وجَعْلُهُ بمعنى الجميع من لَحْن العوامّ، ولا يجوز أن يكون مشتقًّا من سُورِ البلد؛ لاختلاف المادّتين. انتهى . وقال المجد: السائر: الباقي، لا الجميع، كما توهّم جماعاتٌ، أو قد يُستعمل له، ومنه قول الأحوص [من الخفيف]: فَجَلَتْهَا لَنَا لُبَابَةُ لَمَّا … وَقَذَ النَّوْمُ سَائِرَ الْحُرَّاسِ قال الشارح المرتضى - ﵀ -: في قوله: «أو يُستعمل له» إشارة إلى أن في السائر قولين: [الأول]: وهو قول الجمهور من أئمة اللغة، وأرباب الاشتقاق أنه بمعنى الباقي، ولا نزاع فيه بينهم، واشتقاقه من السؤر، وهو البقيّة. [والثاني]: أنه بمعنى الجميع، وقد أثبته جماعة، وصوّبوه، وإليه ذهب الجوهريّ، والجواليقيّ، وحقّقه ابن برّيّ في «حواشي الدرّة»، وأنشد عليه شواهد كثيرة، وأدلّةً ظاهرةً، وانتصر لهم الشيخ النوويّ في مواضع من مصنّفاته، وسبقهم إمام العربيّة أبو عليّ الفارسيّ، ونقله بعضٌ عن تلميذه ابن جنّي، واختلفوا في الاشتقاق، فقيل: من السير، وهو مذهب الجوهريّ، والفارسيّ، ومن وافقهما، أو من السُّور المحيط بالبلد، كما قاله آخرون. انتهى كلام المرتضى - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن إطلاق «سائر» بمعنى الجميع، صحيح، وإن كان الغالب إطلاقه بمعنى الباقي، وذلك لوروده في أشعار العرب، وغيرها، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فدعوى بعضهم كما سبق آنفًا أنه من لحن العوامّ، فيه نظر لا يخفى، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) هكذا رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة بزيادة غسل الرجلين بعد الاغتسال، قال في «الفتح»: وهذه الزيادة تفرَّد بها أبو معاوية، دون أصحاب هشام، قال البيهقيّ: هي غريبة صحيحة، قال الحافظ: لكن في رواية أبي معاوية عن هشام مقالٌ، نعم له شاهدٌ من رواية أبي سلمة، عن عائشة، أخرجه أبو داود الطيالسيّ، فذكر حديث الغسل، وزاد في آخره: «فإذا فَرَغَ غَسَلَ رجليه»، فإما أن تُحْمَل الروايات عن عائشة على أن المراد بقولها: «وضوءه للصلاة»، أي أكثرَه، وهو ما سوى الرجلين، أو يُحْمَل على ظاهره، ويستَدَلُّ برواية أبي معاوية على جواز تفريق الوضوء، ويَحْتَمِل أن يكون قوله في رواية أبي معاوية: «ثم غَسَل رجليه»، أي أعاد غسلهما؛ لاستيعاب الغسل بعد أن كان غَسَلَهما في الوضوء، فيوافق قوله في حديث الباب - يعني رواية البخاريّ -: «ثم يُفيض على جلده كله». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أولى هذه الاحتمالات، وأقربها هو الاحتمال الأول؛ لأن غيره فيه نوع تكلّف، فيكون المراد أكثر وضوء الصلاة، فتكون روايات عائشة - ﵂ - موافقةً لروايات ميمونة - ﵂ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [٨/ ٧٢٤ و٧٢٥ و٧٢٦ و٧٢٧] (٣١٦)، و(البخاريّ) في «الغسل» (٢٤٨ و٢٦٢ و٢٧٢)، (وأبو داود) في «الطهارة» (٢٤٢)، و(الترمذيّ) في «الطهارة» (١٠٤)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٣٤ و١٣٥ و٢٠٠)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٤٤)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٣٦ و٣٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٩٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٦٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٠١)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ١٩١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٤٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١١٩١ و١١٩٦ و١١٩٧) و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٧٢ و١٧٣ و١٧٤ و١٧٥ و١٧٦ و١٩٣)، وفي «المعرفة» (١/ ٤٢٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٥٩ و٨٦٠ و٨٦١ و٨٦٢ و٨٦٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧١١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): تكلّم الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد - ﵀ - في هذا الحديث، فقال: هذا الحديث رواه جماعة من الأئمة عن هشام، منهم زائدة، وحماد بن زيد، وجرير، ووكيع، وعليّ بن مسهر، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم غسل الرجلين، إلا أبو معاوية، ولم يذكر غسل اليدين في ابتداء الوضوء غير وكيع، وليست زيادتهما عندنا بالمحفوظة، وسمعت أبا جعفر الحضرميّ يقول: سمعت ابن نُمير يقول: كان أبو معاوية يضطرب فيما كان من غير الأعمش، وسمعت الحسين بن إدريس يقول: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أبو معاوية في حديث الأعمش حجّةٌ، وفي غيره لا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي في هذا الإعلال نظر؛ لأن لرواية أبي معاوية شاهدًا من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة - ﵂ - عند أبي داود الطيالسيّ، فقد ذكر حديث الغسل، وزاد في آخره: «فإذا فرغ غَسَل رجليه»، كحديث أبي معاوية، ويؤيّد هذا حديث ميمونة - ﵂ - الآتي، ففيه أنه أخّر غسل رجليه، ولذا قال البيهقيّ - ﵀ -: قوله في آخر هذا الحديث: «ثم غسل رجليه» غريبٌ صحيحٌ حَفِظه أبو معاوية، دون غيره من أصحاب هشام من الثقات، وذلك للتنظيف - إن شاء الله تعالى -. انتهى . والحاصل أن زيادة غسل الرجلين في رواية أبي معاوية صحيحة، فيكون حديث عائشة - ﵂ - بمعنى حديث ميمونة - ﵂ -، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة غسل اليدين قبل الشروع في الوضوء والغسل، وقد تقدّم تمام البحث فيه. ٢ - (منها): أن قولها: «غسل يديه» هذا الغسل قبل إدخال اليدين الإناء، وقد تبيّن ذلك مصرّحًا به في رواية زائدة الآتية، بلفظ: «كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فغسل يديه قبل أن يُدخل يده في الإناء». ٣ - (ومنها): استحباب تقديم الوضوء على الغسل، وقد اختُلف فيه، فذهب الجمهور إلى استحبابه، وذهب بعضهم إلى وجوبه، وأن الغسل لا ينوب عنه، والراجح قول الجمهور، وقد حقّقت المسألة بأدلتها في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): ما قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: لا شكّ في استحباب تقديم الوضوء على الغسل، نعم يقع البحث في أن هذا الغسل لأعضاء الوضوء، هل هو وضوء حقيقةً، فيُكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة، فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، أو يقال: إن غسل هذه الأعضاء إنما هو عن الجنابة، وإنما قُدّمت على بقيّة الجسد تكريمًا لها وتشريفًا، ويَسقُط غسلها عن الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى، فقد يقول قائلٌ: قولها: «وضوءَ الصلاة» مصدرٌ مشبّهٌ به، وتقديره: وُضوءًا مثل وضوئه للصلاة، فيلزم أن تكون هذه الأعضاء المغسولة مغسولة عن الجنابة، لأنها لو كانت مغسولة عن الوضوء حقيقةً، لكان قد توضّأ عين الوضوء للصلاة، فلا يصحّ التشبيه؛ لأنه يقتضي تغاير المشبّه والمشبّه به، فإذا جعلناها مغسولة للجنابة صحّ التغاير، وكان التشبيه في الصورة الظاهرة. وجوابه بعد تسليم كونه مصدرًا مشبّهًا به من وجهين: [أحدهما]: أن يكون شُبّه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة، والوضوءْ بقيد كونه في غسل الجنابة مغايرٌ للوضوء بقيد كونه خارجًا عن غسل الجنابة، فيحصُلُ التغاير الذي يقتضي صحّة التشبيه، ولا يلزم منه عدم كونه وضوءًا للصلاة حقيقةً. [الثاني]: لما كان وضوء الصلاة له صورة معنويّة ذهنيّة، شُبّه هذا الفرد الذي وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: أوقع في الخارج ما يُطابق الصورة الذهنيّة لوضوء الصلاة. انتهى . ٥ - (ومنها): استحباب تخليل الشعر، ويكون ذلك بمجموع الأصابع العشر؛ لظاهر قولها: «فيُدخل أصابعه في أصول الشعر»، وفي رواية: «ثم يُخلّل شعره بيديه». ٦ - (ومنها): استحباب صبّ الماء على الرأس. ٧ - (ومنها): ما قال في «الفتح»: واستَدَلّ بقوله: «ثمّ أفاض … إلخ» مَن لم يشترط الدَّلْك، وهو ظاهرٌ، وقال المازريّ: لا حجة فيه؛ لأن أفاض بمعنى غَسَلَ، والخلاف في الغسل قائمٌ، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه، والله أعلم. وقال ابن الملقّن - ﵀ -: فرّق في الحديث بين إفاضة الماء، وبين الغسل، فذكرت إفاضة الماء مجرّدةً بعد حصول التخليل، ثم الغسل ، فاستدل به المالكيّة على أن الغسل لا يكون إلا مع الدلك، وإلا فلا فائدة للتفرقة، وأنصف المازريّ المالكيّ، فقال: الحديث حخة للشافعيّة على عدم وجوب الدلك؛ لأن إفاضة الماء تكون مع الدلك ودونه، بخلاف الغسل، فيُحمل المطلق على المقيّد. انتهى . ٨ - (ومنها): أن القاضي عياضًا قال: لم يأت في شيء من الروايات في وضوء الغسل ذِكْرُ التكرار. فتعقّبه الحافظ، وأجاد فيه، فقال: بل ورد ذلك من طريق صحيحة، أخرجها النسائيّ، والبيهقيّ، من رواية أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -، أنها وَصَفَت غسل رسول الله - ﷺ - من الجنابة، وفيه: «ثم يتمضمض ثلاثًا، وششنشق ثلاثًا، ويغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ثم يُفيض على رأسه ثلاثًا». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا استحباب التثليث في وضوء الغسل؛ لهذا النصّ الصريح، ولظاهر قولها: «توضّأ وضوءه للصلاة»، فإنكار القاضي عياض، والقرطبيّ، وغيرهما لاستحباب التثليث في الوضوء المذكور لا ينبغي أن يُلتفت إليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٩ - (ومنها): بيان أن أفعال النبيّ - ﷺ - كلّها حجةٌ كأقواله، إلا ما كان خصوصيّةً له، وهي لا تثبت إلا بدليل خاصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١٠ - (ومنها): أن النوويّ - ﵀ - لخّص في «شرحه» كيفيّة غسل الجنابة، فأجاد، وأفاد، فقال - ﵀ -: قال أصحابنا: كمال غسل الجنابة أن يبدأ المغتسل، فيغسل كفيه ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء، ثم يغسل ما على فرجه، وسائر بدنه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة بكماله، ثم يُدخل أصابعه كلها في الماء، فيغرف غرفة يُخَلِّل بها أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يَحْثِي على رأسه ثلاث حثيات، ويتعاهد معاطف بدنه، كالإبطين، وداخل الأذنين، والسُّرَّة، وما بين الأليتين، وأصابع الرجلين، وعُكَن البطن، وغير ذلك، فيوصل الماء إلى جميع ذلك، ثم يُفِيض على رأسه ثلاث حثيات، ثم يُفيض الماء على سائر جسده ثلاث مرات، يَدلُك في كل مرّة ما تصل إليه يداه من بدنه، وإن كان يغتسل في نهر أو بِرْكةٍ انغمس فيها ثلاث مرّات، ويوصل الماء إلى جميع بشرته، والشعورِ الكثيفة والخفيفة، وَيعُمّ بالغسل ظاهر الشعر وباطنه، وأصول منابته. والمستحب أن يبدأ بميامنه، وأعالي بدنه، وأن يكون مستقبل القبلة. قال الجامع عفا الله عنه: يدلّ على استحباب استقبال القبلة في حالة الوضوء، ما أخرجه الطبرانيّ بإسناد حسن، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن لكل شيء سيِّدًا، وإن سيد المجالس قُبَالةُ القبلة» ، والله تعالى أعلم. قال: وأن يقول بعد الفراغ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وينوي الغسل من أول شروعه فيما ذكرناه، ويَستصحب النية إلى أن يفرغ من غسله، فهذا كمال الغسل. والواجب من هذا كله النية في أول ملاقاة أول جزء من البدن للماء، وتعميم البدن شعره وبشره بالماء، ومن شرطه أن يكون البدن طاهرًا من النجاسة، وما زاد على هذا مما ذكرناه سنة. وينبغي من اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه، أن يتفطن لدقيقة قد يَغفُل عنها، وهي أنه إذا استنجى، وطَهَّر محل الاستنجاء بالماء، فينبغي أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية غسل الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسله الآن رُبَّما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصحّ غسله لترك ذلك، وإن ذكره احتاج إلى مسّ فرجه، فينتقض وضوؤه، أو يحتاج إلى كُلْفة في لَفّ خِرْقة على يده، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: غسل محلّ الاستنجاء مرّة ثانيةً محلّ نظر، بل الذي يظهر لي أنه حينما يسنتجي أوّلًا ينوي به إزالة الجنابة أيضًا، فلا يحتاج لغسله مرّةً ثانيةً، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. قال: هذا مذهبنا، ومذهب كثيرين من الأئمة، ولم يوجب أحد من العلماء الدلك في الغسل، ولا في الوضوء إلا مالك، والمزنيّ، ومن سواهما يقول: هو سنة، لو تركه صحت طهارته في الوضوء والغسل، ولم يوجب أيضًا الوضوء في غسل الجنابة إلا داود الظاهريّ، ومن سواه يقولون: هو سنة، فلو أفاض الماء على جميع بدنه من غير وضوء، صَحّ غسله، واستباح به الصلاة وغيرها، ولكن الأفضل أن يتوضأ كما ذكرنا، وتحصل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل أو بعده. قال الجامع عفا الله عنه: حصول الفضيلة بالوضوء بعد الغسل فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه خلاف السنّة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: وإذا توضأ أوّلًا لا يأتي به ثانيًا، فقد اتَّفَقَ العلماء على أنه لا يُستحب وضوءان، فهذا مختصر ما يتعلق بصفة الغسل، وأحاديث الباب تدل على معظم ما ذكرناه، وما بقي فله دلائل مشهورة، والله تعالى أعلم. (واعلم): أنه جاء في روايات عائشة - ﵂ -، في صحيح البخاري ومسلم: أنه - ﷺ - توضأ وضوءه للصلاة قبل إفاضة الماء عليه، فظاهر هذا أنه - ﷺ - أكمل الوضوء بغسل الرجلين، وقد جاء في أكثر روايات ميمونة - ﵂ -: توضأ، ثم أفاض الماء عليه، ثم تنحى فغسل رجليه، وفي رواية من حديثها، رواها البخاريّ: توضأ وضوءه للصلاة غير قدميه، ثم أفاض الماء عليه، ثم نَحَّى قدميه، فغسلهما، وهذا تصريح بتأخير القدمين. وللشافعي ﵀ قولان، أصحهما وأشهرهما، والمختار منهما أنه يُكَمّل وضوءه بغسل القدمين، والثاني أنه يؤخر غسل القدمين، فعلى القول الضعيف، يتأول روايات عائشة، وأكثر روايات ميمونة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره، وهو ما سوى الرجلين، كما بيّنته ميمونة في رواية البخاريّ، فهذه الرواية صريحة، وتلك الرواية محتملة للتأويل، فيُجْمَع بينهما بما ذكرناه. وأما على المشهور الصحيح، فيُعْمَل بظاهر الروايات المشهورة المستفيضة عن عائشة وميمونة - ﵄ - جميعًا في تقديم وضوء الصلاة، فإن ظاهره كمال الوضوء، فهذا كان الغالب والعادة المعروفة له - ﷺ -، وكان يعيد غسل القدمين بعد الفراغ؛ لإزالة الطين، لا لأجل الجنابة، فتكون الرجل مغسولة مرتين، وهذا هو الأكمل الأفضل، فكان - ﷺ - يواظب عليه، وأما رواية البخاريّ، عن ميمونة - ﵂ -، فجرى ذلك مرةً، أو نحوها؛ بيانًا للجواز، وهذا كما ثبت أنه - ﷺ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومرةً مرةً، فكان الثلاث في معظم الأوقات؛ لكونه الأفضل، والمرة في نادر من الأوقات؛ لبيان الجواز، ونظائر هذا كثيرةٌ. وأما نية هذا الوضوء، فينوى به رفع الحدث الأصغر إلا أن يكون جنبًا، غير محدث، فإنه ينوي به سنة الغسل. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - ، وهو تحقيق جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٢٥] (…) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح)، وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح)، وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْر، كلُهُمْ عَن هِشَامٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَاد، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) عن (٧٤) سنة (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) عن (٧١) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٥ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرِ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصِل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٦ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ الستّة بلا واسطة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٧ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٨٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٨ - (هِشَام) بن عروة المذكور في السند الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ)، يعني أن كلَّ هؤلاء الثلاثة: جرير، وعليّ بن مسهر، وعبد الله بن نُمير رووه عن هشام بن عروة بسنده الماضي، وهو عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -. وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ)، يعني أن هؤلاء الثلاثة لم يذكروا غسل الرجلين في آخر الحديث، كما ذكره أبو معاوية، في روايته السابقة، وقد تقدّم البحث عنه في الحديث الماضي، فلا تنس، والله تعالى وليّ التوفيق. [تنبيه]: رواية عليّ بن مُسهِر التي أحالها المصنّف على رواية أبي معاوية، أخرجها النسائيّ - ﵀ - في «سننه»، فقال: (٤٢٠) أخبرنا عليّ بن حجر، قال: حدثنا عليّ بن مُسهِر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل رأسه بأصابعه، حتى إذا خُيّل إليه أنه قد استبرأ البشرة، غَرَفَ على رأسه ثلاثًا، ثم غسل سائر جسده». انتهى. وأما رواية عبد الله بن نمير، فأخرجها الإمام الدارقطنيّ - ﵀ - في «سننه» (١/ ١١٣)، فقال: (١١) حدثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا محمد بن عثمان بن كرامة، نا عبد الله بن نمير، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فغسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم يُدخل يده في الإناء، فيخلل بها أصول شعره، حتى إذا خُيِّل إليه أنه قد استبرأ البشرة، غَرَف بيديه ملء كفيه ثلاثًا، فصَبَّها على رأسه، ثم اغتسل، فأفاض الماء على جسده». انتهى. وأما رواية جرير بن عبد الحميد، فلم أجد من أخرجها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٢٦] (…) - (وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَة، فَبَدَأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوَيةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مليح الحافظ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا، وكذلك الباقون تقدّموا في الحديث الماضي. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ … إلخ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير وكيع، يعني رواية وكيع عن هشام، نحو رواية أبي معاوية عنه، إلا أنه لم يذكر غسل الرجلين في الأخير. [تنبيه]: رواية وكيع هذه التي أحالها المصنّف على رواية أبي معاوية، أخرجها الإمام أبو بكر بن أبي شيبة: في «مصنّفه» (١/ ٤٦) فقال: (٦٨٥) حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة «أن النبيّ - ﷺ - اغتَسَلَ من الجنابة، فبدأ فغسل كفيه ثلاثًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أدخل يده، فخَلَّل بها أعول الشعر، حتى يُخَيَّل إليّ أنه استبرأ البشرة، ثم صَبَّ الماء على رأسه ثلاثًا:، ثم أفاض على سائر جسده الماء». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٢٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاه عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَة، بَدَأَ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي الإِنَاء، ثُمَّ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (مُعَاوِيَة بْنُ عَمْرِو) بن الْمُهَلَّب بن عمرو الأزديّ الْمَعْنيّ، أبو عمرو البغداديّ، المعروف بابن الْكِرْمانيّ، ثقة، من صغار [٩] (ت ٢١٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٥/ ٥١١. ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سُنيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. والباقون ذُكروا في السند الماضي.
مصادر المؤلف (٣٣)

١. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٥/ ٣٣٧.

٢. وفي نسخة: «أخبرنا».

٣. وفي نسخة: «أنه قد استبرأ».

٤. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٢١ - ٢٢.

٥. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٢٢.

٦. المصدر السابق.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٠.

٨. «الفتح» ١/ ٤٣٣.

٩. »المفهم«١/ ٥٧٦.

١٠. »الإعلام بفوائد عمدة الأحكام«٢/ ٢٨.

١١. »الفتح«١/ ٤٣٠.

١٢. «إحكام الأحكام» ١/ ٣٧٥.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ٤٧.

١٤. «المفهم» ١/ ٥٧٦.

١٥. «القاموس المحيط» ص ١٠٧٣.

١٦. «المصباح المنير» ١/ ١٤٢.

١٧. «إحكام الأحكام» ١/ ٣٧٧.

١٨. «العدّة حاشية العمدة» ١/ ٣٧٧.

١٩. «القاموس المحيط» ص ٢٤٧.

٢٠. أي: معظمهم؛ لأنه سيأتي أن بعضهم خالف فيه.

٢١. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٩.

٢٢. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٣/ ٣٥١.

٢٣. «الفتح» ١/ ٣١١.

٢٤. راجع: رسالته في مقدّمة «قرّة عين المحتاج» ١/ ١٤٥.

٢٥. «السنن الكبرى» للبيهقي ١/ ١٧٤.

٢٦. راجع: «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى» ٤/ ٣١٣.

٢٧. «إحكام الأحكام» ١/ ٣٧٢ - ٣٧٤.

٢٨. هذا في رواية البخاريّ (٢٧٣) عن عائشة - ﵂ - قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلل بيده شعره، حتى إذا ظَنّ أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده …».

٢٩. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٢٩ - ٣٠.

٣٠. «الفتح» ١/ ٤٣٠.

٣١. صححه الشيخ الألبانيّ في: «السلسلة الصحيحة» ٦/ ٣٠٠.

٣٢. «شرح مسلم» ٣/ ٢٢٨ - ٢٣٠.

٣٣. وفي نسخة: «أخبرنا».