HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٣٢

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ: كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنَ حَيْضَتِهَا؟ قَالَ: فَذَكَرَتْ أَنَّهُ عَلَّمَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ. ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرُ بِهَا. قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ «تَطَهَّرِي بِهَا. سُبْحَانَ اللَّهِ!» وَاسْتَتَرَ (وَأَشَارَ لَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ) قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ. وَعَرَفْتُ مَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ. فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: فقلت: تتبعي بها آثار الدم.
ج ١ ص ٢٦٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٩٣
(١٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ اسْتِعْمَالِ الْمُغْتَسِلَةِ مِنَ الْحَيْضِ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فِي مَوْضِعِ الدَّمِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٤] (٣٣٢) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - ﷺ -، كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْ حَيْضَتِهَا ؟ قَالَ: فَذَكَرَتْ أَنَّهُ عَلَّمَهَا، كَيْفَ تَغْتَسِلُ: «ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ، فَتَطَهَّرُ بِهَا»، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: «تَطَهَّرِي بِهَا، سُبْحَانَ اللهِ ، وَاسْتَتَرَ»، وَأَشَارَ لَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِه، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاجْتَذَبْتُهَا إلَيَّ، وَعَرَفْتُ مَا أَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أثَرَ الدَّمِ ، وقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: فَقُلْتُ: تتَبَّعِي بِهَا آثَارَ الدَّمِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مَنْصُورُ ابْنُ صَفِيَّةَ) هو: منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث الْعَبْدَريّ الْحَجَبيّ المكيّ، ثقةٌ [٥] (ت ٧ أو ١٣٨) (خ م دس ق) تقدم في «الحيض» ٣/ ٦٩٩. ٢ - (أُمُّهُ) هي: صفيّة بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الْعَبْدريّة، لها رؤية، وقع التصريح في «صحيح البخاريّ» بسماعها من النبيّ - ﷺ -، وأنكر الدارقطنيّ إدراكها، تقدّمت في «الحيض» ٣/ ٦٩٩. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، غير شيخه عمرو، فبغداديّ، وعائشة - ﵂ -، فمدنيّة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، هي أمه. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة، عن صحابيّة، على قول من أثبت الصحبة لصفيّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) قال في «الفتح»: نُسب منصورٌ إلى أمه؛ لشهرتها، واسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة الْعَبْدريّ، وهو من رهط زوجته صفيّة، وشيبة له صحبة، ولها أيضًا، وقُتل الحارث بن طلحة بأحد، ولعبد الرحمن رؤية، ووقع التصريح بالسماع في جميع السند عند الحميديّ في «مسنده». انتهى ببعض تصرّف . [تنبيه]: القاعدة في «ابن صفيّة» أن تُكتب همزة الوصل في «ابن»؛ لأن ضابط حذفها إذا وقعت بين علمين، أن يكون الثاني أبًا للأول، فأما إذا كان أُمًّا، كهذا، وكمحمد ابن الحنفيّة، فإنها لا تُحذف، وكذلك إذا كان جدًّا، أو عمًّا، أو نحو ذلك، وراجع شروط هذه المسألة في «حاشية الخضري على شرح ابن عَقِيل» في النحو، عند قول صاحب «الخلاصة»: وَنَحْوَ «زَيْدٍ» ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ «أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ» وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا والله تعالى أعلم. (عَنْ أُمِّهِ) صفيّة بنت شيبة (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -، أنها (قَالَتْ: سَأَلتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - ﷺ -)، وفي رواية للبخاريّ: «من الأنصار»، وجاء في الرواية الرابعة من طريق أبي الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر تسميتها: «أسماء بنت شَكَل - بالشين المعجمة، والكاف المفتوحتين، ثم اللام - ولم يُسَمِّ أباها في رواية غندر، عن شعبة، عن إبراهيم، ورَوَى الخطيب البغداديّ في»المبهمات«من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة هذا الحديث، فقال: أسماء بنت يزيد بن السَّكَن - بالمهملة، والنون - الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء، وتبعه ابن الجوزيّ في«التلقيح»، والدمياطيّ وزاد: أن الذي وقع في«صحيح مسلم»تصحيف؛ لأنه ليس في الأنصار من يقال له: شَكَل. وتعقّبه الحافظ، فأجاد، قال: وهو رَدٌّ للرواية الثابتة بغير دليل، وقد يَحْتَمِل أن يكون شَكَل لقبًا لا اسمًا، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث أسماء بنت شَكَل، كما في«صحيح مسلم»، أو أسماء بغير نسب، كما في رواية غندر، عن شعبة بعد حديثٌ، ورواية أبي داود، وكذا هو في«مستخرج أبي نعيم»من الطريق التي أخرجه منها الخطيب، وحَكَى النووي في«شرح مسلم»الوجهين بغير ترجيح. انتهى كلام الحافظ ﵀ . (كَيْفَ تَغْتَسِلُ)«كيف»في محلّ النصب على الحال، أي على أيّ صفة، وأيّ حالة تغتسل، ويحتمل أن يكون«كيف»مفعولًا مطلقًا لـ«تغتسل»، والمعنى: أيَّ اغتسال تغتسل. ثم إن تعليمه - ﷺ - لها كيفيّة الاغتسال أجمله في هذه الرواية، وبيّنه في الرواية الثالثة من طريق إبراهيم بن المهاجر، عن صفيّة، حيث قال: فقال:«تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرتها، فتطهّر، فتُحْسِن الطُّهور، ثم تَصُبّ على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرصة ممسكة، فتطهر بها. . .». (مِنْ حَيْضَتِهَا؟) وفي نسخة:«من حيضها». (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه سفيان بن عيينة، بدليل ما سيأتي، (فَذَكَرَتْ) عائشة - ﵂ - (أَنَّهُ) - ﷺ - (عَلَّمَهَا، كَيْفَ تَغْتَسِلُ)، أي على أي حال تغتسل، أو أيَّ اغتسال تغتسل. [تنبيه]: أعرب صاحب«فتح المنعم»(٢/ ٣٤١)«كيف»هنا مفعولًا به لـ«عَلَّم»، وهو غير صحيح؛ لأن أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها، فالصواب أنه إما حال، أو مفعول مطلق لـ«اغتسل»، فتفطّن، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً) - بكسر الفاء، وإسكان الراء، وبالصاد المهملة -: بمعنى القِطْعة، قال في«الفتح»:«الْفِرْصة»- بكسر الفاء، وحَكَى ابن سِيدَهْ تثليثها، وبإسكان الراء، وإهمال الصاد -: قِطعةٌ من صوف، أو قُطن، أو جِلْدة عليها صوف، حكاه أبو عبيد، وغيره. انتهى . وقال ابن منظور:«الْفِرْصة»- بالكسر - و«الْفَرْصة»- بالفتح - و«الْفُرْصَة»- بالضمّ - الأخيرتان عن كُرَاع: قطعة من الصوف، أو القطن، وقيل: هي قطعة قطن، أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض، وقال ابن الأثير: الفِرْصة - بكسر الفاء -: قطعة من صوف، أو قطن، أو خرقة، يقال: فَرَصْتُ الشيءَ: إذا قطعته. انتهى بتصرّف . وقال في«الفتح»: وحَكَى أبو داود أن في رواية أبي الأحوص«قَرْصة» بفتح القاف، ووَجَّهه المنذريّ، فقال: يعني شيئًا يسيرًا، مثل القَرْصة بطرف الإصبعين. انتهى. وَوَهِمَ من عزا هذه الرواية للبخاريّ، وقال ابن قتيبة: هي قَرْضة، بفتح القاف، وبالضاد المعجمة. انتهى . (مِنْ مِسْكٍ) بكسر الميم، وهو الطيب المعروف، والمعنى: فِرْصةً مطَيَّبَةً من مِسْك، فعلى هذا فمتعلَّق الجارّ خاصّ بقرينة المقام، وأنكره بعضهم بأنهم ما كانوا أهل وُسع يجدون المسك، فالوجه فتح الميم، أي كائنة من جلد، عليه صوف، فمتعلّق الجارّ عامّ، وما جاء في الرواية الأخرى: «فرصةً ممسَّكةً» يُحمَل على الأول على أنها مطيّبةٌ بمسك، وعلى الثاني على أنها خَلَقٌ، قد مُسِّكَت كثيرًا، لا جديد، لكن الأحاديث تفيد المعنى الأول حتى قد جاء في الإحداد: «ولا تمسيّ طيبًا إلا إذا طهرت نُبْذةً من قُسْط، أو أظفار»، أفاده السنديّ في «شرح النسائيّ». وقال النوويّ ﵀: «الْمِسك» - بكسر الميم - وهو الطيب المعروف، هذا هو الصحيح المختار الذي رواه، وقاله المحققون، وعليه الفقهاء وغيرهم، من أهل العلوم، وقيل: مَسْك، بفتح الميم، وهو الْجِلْدُ، أي قطعةَ جلدٍ فيه شعر، ذكر القاضي عياض، أن فتح الميم هي رواية الأكثرين، وقال أبو عبيد، وابن قتيبة: إنما هو «قُرْضةً من مَسْك»، بقاف مضمومة، وضاد معجمة، و«مَسْك» بفتح الميم، أي قطعة من جلد، وهذا كله ضعيفٌ، والصواب ما قدمناه، وتدلّ عليه الرواية الأخرى المذكورة في الكتاب: «فِرْصة مُمَسَّكةً»، وهي بضم الميم الأولى، وفتح الثانية، وفتح السين المشدَّدة، أي قطعة من قُطْن، أو صوف، أو خرقة مُطَيَّبة بالمسك. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقد أشبعت الكلام في هذا في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَتَطَهَّرُ بِهَا)، أي تنظّفي بتلك الفِرْصة المطيّبة بالمسك، وفي رواية للنسائيّ: «فتوضئي بها»، والمعنى واحد، والمراد تنظيف المحلّ من أثر الرائحة الكريهة، فتمسح محلّ الدم بها. ولَمّا قال لها: «تطهّري» ظنّت أنه يريد التطهّر الشرعيّ، فاستغربت ذلك، واستفهمت (قَالَتْ: كَيْفَ أتطَهَّرُ بِهَا؟) «كيف» في محلّ نصب على الحال، وجملة «أتطهّر» مقول القول، ولا يجوز نصب «كيف» بـ «قال»؛ لأن اسم الاستفهام لا يَعمَل فيه ما قبله، أي قالت: على أيّ حالة أتطهّر بتلك الفرصة، (قَالَ) - ﷺ - (تَطَهَّرِي بِهَا، سُبْحَانَ اللهِ)، وفي نسخة: «وسبحان الله» بالواو، وإنما سبّح تعجّبًا من عدم فهمها معنى كلامه، قال النوويّ ﵀: قد قدَّمنا أن «سبحان الله» في هذا الموضع وأمثاله يراد بها التعجب، وكذا «لا إله إلا الله»، ومعنى التعجب هنا: كيف يَخْفَى مثل هذا الظاهر الذي لا يَحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر؟ انتهى . (وَاسْتَتَرَ) - ﷺ -، أي استحياءً من أن واجهها بذكر ما يُستحيا منه عادةً؛ لأنه - ﷺ - كان أشدّ حياءً من العذراء في خِدْرها. قال عمرو الناقد: (وَأَشَارَ لَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ) أي مبيّنًا كيفيّة استتاره - ﷺ - (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه عمرو الناقد، كما يشير إليه قوله فيما تقدّم: «قال عمرو: حدَّثنا سفيان إلخ» (قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (وَاجْتَذَبْتُهَا إلَيَّ) أي مددتها، وهو افتعال من جذب، من باب ضرب: إذا مدّ (وَعَرَفْتُ مَا أَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ -)، أي من تتبعها آثار الدم، وفي رواية للنسائيّ:«قالت: ثم إن رسول الله - ﷺ - سَبّح، وأعرض عنها، ففَطِنَت عائشة لِمَا يريد رسول الله - ﷺ -، قالت: فأخذتها، وجذبتها إليّ، فأخبرتها بما يريد رسول الله - ﷺ -»، وعند الإسماعيليّ:«فلما رأيته يستحيي علّمتها»، وزاد الدارميّ:«وهو يسمع، ولا يُنكر». (فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي) أمر من التتبّع (بِهَا)، أي بتلك الفِرصة الممسّكة، وفي نسخة بإسقاط«بها»(أثَرَ الدَّمِ) بالنصب على المفعوليّة، و«الأثر» - بفتحتين - بقيّة الشيء، أي ما بقي من الدم. وقال النوويّ ﵀: قال جمهور العلماء: يعني به الفرج، وعن المحامليّ أنه قال: تُطَيِّب كلَّ موضع أصابه الدم من بدنها، وفي ظاهر الحديث حجة له. انتهى. وقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ) يعني شيخه الثاني، محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيَّ (فِي رِوَايَتِهِ: فَقُلْتُ)، أي قالت عائشة - ﵂ -: فقلت للمرأة (تَتَبَّعِي بِهَا آثَارَ الدَّمِ) أي بمدّ الهمزة، جمعَ أَثَرٍ. وغرض المصنّف ﵀ بهذا بيان اختلاف شيخيه في لفظة «أثر» بالإفراد والجمع، فقال عمرو: «أثر الدم» بالإفراد، وقال ابن أبي عمر: «آثار الدم» بالجمع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [١٢/ ٧٥٤ و٧٥٥ و٧٥٦ و٧٥٧ و٧٥٨] (٣٣٢)، و(البخاريّ) في «الغسل» (٣١٤ و٣١٥) وفي «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة» (٧٣٥٧)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٣١٤ و٣١٥ و٣١٦)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٦٤٢)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٣١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٦٠)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٧٩ و٢٠٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٦٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٢٢ و١٤٧ و١٨٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ١٩٧ - ١١٩٨)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١١٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١١٩٩ و١٢٠٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٨٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٥٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٩٢٠ و٩٢١ و٩٢٣ و٩٢٤ و٩٢٥ و٩٢٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٣٩ و٧٤٠ و٧٤١ و٧٤٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فِرْصةً من مسك؛ تطييبًا للمحلّ. ٢ - (ومنها): مشروعيّة التسبيح عند التعجّب من الشيء، واستعظامه، وكذلك عند التثبت على الشيء، والتذكر به، ومعناه هنا: كيف يخفى هذا الظاهر الذي لا يَحتاج في فهمه إلى كثير من التفكير؟. ٣ - (ومنها): استحباب استعمال الكنايات فيما يتعلّق بالعورات. ٤ - (ومنها): مشروعيّة سؤال المرأة العالمَ عن أحوالها التي يُحْتَشَم منها، ولهذا كانت عائشة - ﵂ - تقول: «نِعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدين»، رواه مسلم ، وذكره البخاريّ تعليقًا بصيغة الجزم. ٥ - (ومنها): أن فيه الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستهجنة. ٦ - (ومنها): مشروعيّة تكرير الجواب لإفهام السائل، وإنما كرره - ﷺ - مع كونها لم تَفْهَمه أوّلًا؛ لأن الجواب به يؤخذ من إعراضه بوجهه عند قوله: «تطهّري بها»، أي في المحل الذي يُستحيَى من مواجهة المرأة بالتصريح به، فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال، وفهمت عائشة - ﵂ - ذلك عنه فتولّت تعليمها، وقد بوّب عليه الإمام البخاريّ ﵀ في «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة» من «صحيحه»، فقال: «بابُ الأحكام التي تُعْرَف بالدلائل». ٧ - (ومنها): تفسيرُ كلام العالم بحضرته لمن خَفِي عليه، إذا عَرَف أن ذلك يُعْجِبه. ٨ - (ومنها): الأخذُ عن المفضول بحضرة الفاضل. ٩ - (ومنها): صِحّةُ العرض على المحدِّث إذا أقره، ولو لم يقل عقبه: نَعَمْ. ١٠ - (ومنها): أنه لا يُشتَرط في صحة التحمل فهمُ السامع لجميع ما يسمعه. ١١ - (ومنها): الرفق بالمتعلم، وإقامة العذر لمن لا يَفْهَم. ١٢ - (ومنها): أن المرء مطلوب بستر عيوبه، وإن كانت مما جُبِل عليها، حيث أَمَرَ - ﷺ - المرأةَ بالتطيب؛ لإزالة الرائحة الكريهة. ١٣ - (ومنها): حسن خلقه - ﷺ -، وعظيم حِلْمه وحيائه، كما وصفه ﷿ بذلك، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، زاده الله ﷾ شَرَفًا وتكريمًا ، وصلى الله عليه، وسلّم تسليمًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال النوويّ ﵀: المراد في هذا الباب بيان أن السنة في حقّ المغتسلة من الحيض أن تأخذ شيئًا من مسك، فتجعله في قطنة، أو خرقة، أو نحوها، وتُدخلها في فرجها بعد اغتسالها، ويستحب هذا للنفساء أيضًا؛ لأنها في معنى الحائض، وذكر المحامليّ من أصحابنا - يعني الشافعيّة - في كتابه «المقنع» أنه يُستَحبّ للمغتسلة من الحيض والنفاس أن تُطيِّب جميع المواضع التي أصابها الدم من بدنها، وهذا الذي ذكره من تعميم مواضع الدم من البدن غريب، لا أعرفه لغيره بعد البحث عنه. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المحامليّ ﵀ هو ظاهر الحديث، حيث قال: «فتتبّعي بها آثار الدم»، بل أصرح منه ويصرح به رواية الإسماعيليّ: «تتبعي بها مواضع الدم»، فقصره على الفرج فقط خلاف الظاهر، فما قاله هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: واختَلَف العلماء في الحكمة في استعمال المسك، فالصحيح المختار الذي قاله الجماهير من أصحابنا وغيرهم، أن المقصود باستعمال المسك تطييب المحل، ودفع الرائحة الكريهة، وحَكَى أقضى القضاة الماورديّ من أصحابنا وجهين لأصحابنا: أحدهما: هذا، والثاني: أن المراد كونه أسرع إلى عُلوق الولد، قال: فإن قلنا بالأول، ففَقَدت المسك، استَعمَلت ما يَخلُفه في طيب الرائحة، وإن قلنا بالثاني استَعمَلت ما قام مقامه في ذلك من القُسْط والأظفار، وشبههما. قال: واختَلُفوا في وقت استعماله فمن قال بالأول قال: تستعمله بعد الغسل، ومن قال بالثاني قال: قبله. انتهى كلام الماورديّ. قال النوويّ: وهذا الذي حكاه من استعماله قبل الغسل ليس بشيء، ويكفي في إبطاله رواية مسلم في الكتاب في قوله - ﷺ -: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتَطَهّر، فتحسن الطُّهُور، ثم تَصُبّ على رأسها، فتدلكه، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرصة ممسكةً، فتطهر بها». وهذا نصّ في استعمال الفِرصة بعد الغسل، وأما قول من قال: إن المراد الإسراع في العلوق فضعيف، أو باطل، فإنه على مقتضى قوله ينبغي أن يُخَصّ به ذات الزوج الحاضر الذي يتوقع جماعه في الحال، وهذا شيء لم يَصِر إليه أحد نعلمه، وإطلاق الأحاديث يَرُدّ على من التزمه، بل الصواب أن المراد تطييب المحلّ، وإزالة الرائحة الكريهة، وأن ذلك مستحبّ لكل مغتسلة من الحيض أو النفاس، سواء ذات الزوج وغيرها، وتستعمله بعد الغسل، فإن لم تَجِد مسكًا، فتستعمل أيّ طيب وَجَدت، فإن لم تجد طيبًا استُحِبّ لها استعمال طين أو نحوه، مما يزيل الكراهة، نَصّ عليه أصحابنا، فإن لم تجد شيئًا من هذا، فالماء كافٍ لها، لكن إن تركت التطيب مع التمكن منه كُرِه لها، وإن لم تتمكن فلا كراهة في حقها. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّه، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلتِ النَّبِيَّ - ﷺ -: كيْفَ أَغْتَسِلُ عِنْدَ الطُّهْرِ؟ فَقَالَ: «خُذِي فِرْصَةً، مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِي بِهَا»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ)، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَبَّانُ) - بفتح الحاء المهملة - ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢٢. ٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلًا بآخره [٧] (ت ١٦٥)، أو بعدها (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (فِرْصَةً مُمَسَّكَةً) بضمّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وفتح السين المشدّدة: أي قِطعةً من قُطْن، أو صُوف، أو خِرْقة مُطَيّبَةً بالمسك. وقوله: (فَتَوَضَّئِي بِهَا) المراد من الوضوء هنا اللغويّ، وهي النظافة والحسن، أي تنظّفي بها. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير وُهيب، أي ذَكَرَ وُهيب نحو حديث سفيان بن عيينة الماضي. [تنبيه]: رواية وُهيب هذه أخرجها الإمام النسائيّ ﵀ في «سننه»، فقال: (٤٢٧) أخبرنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا عفّان، قال: حدثنا وُهيب، قال: حدثنا منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن عائشة، أن امرأة سألت النبيّ - ﷺ -، قالت: يا رسول الله، كيف أغتسل عند الطهور؟ قال: «خذي فِرصةً مُمَسَّكَةً، فتوضئي بها»، قالت: كيف أتوضأ بها؟ قال: «توضئي بها»، قالت: كيف أتوضأ بها؟ قالت: ثم إن رسول الله - ﷺ - سَبَّحَ، وأعرض عنها، فَفَطِنَتْ عائشة لما يريد رسول الله - ﷺ - قالت: فأخذتها، وجَبَذتها إليّ، فأخبرتها بما يريد رسول الله - ﷺ -. انتهى. وقولها: «وجبذتها»: أي جررتها إليّ، من الجبْذ، لغةٌ في الجذب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِر، قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ، تُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - عنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ؟ فَقَالَ: «تَأخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا ، فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَطَهَّرُ بِهَا»، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله، تَطَهَّرِينَ بِهَا»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَأنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ: تَتَبَّعِينَ أثَرَ الدَّم، وَسَأَلتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: «تَأخُذُ مَاءً، فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ، نِسَاءُ الأنصَار، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ، أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ). رجال هذا الإسناد: سبعةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور، تقدّم قبل باب أيضًا. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ) بن جابر البجليّ، أبو إسحاق الكوفي، صدوقٌ، ليّن الحفظ [٥]. رَوَى عن طارق بن شهاب، وله رؤية، والشعبيّ، وإبراهيم النخعيّ، وأبي الشعثاء، وأبي الأحوص، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوريّ، ومِسْعَر، وأبو الأحوص، وأبو عوانة، وغيرهم. قال ابن المدينيّ: له نحو أربعين حديثًا، وقال الثوريّ، وأحمد بن حنبل: لا بأس به، وقال يحيى القطان: لم يكن بقويّ، وقال أحمد: قال يحيى بن معين يومًا عند عبد الرحمن بن مهديّ، وذَكَر إبراهيم بن مهاجر وآخر، فقال: ضعيفان، فغَضِب عبد الرحمن، وكَرِهَ ما قال، وقال عباس، عن يحيى: ضعيف، وقال العجليّ: جائز الحديث، وقال النسائي في «الكنى»: ليس بالقويّ في الحديث، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: هو عندي أصلح من إبراهيم الْهَجَريّ، وحديثه يُكتَب في الضعفاء، وقال ابن سعد: ثقة، وقال ابن حبان في «الضعفاء»: هو كثير الخطأ، وقال الحاكم: قلت للدارقطنيّ: فإبراهيم بن مهاجر؟ قال: ضَعَّفوه، تَكَلَّم فيه يحيى بن سعيد وغيره، قلت: بحجة؟ قال: بلى، حَدَّث بأحاديث لا يُتَابَعُ عليها، وقد غَمَزه شعبة أيضًا، وقال غيره عن الدارقطنيّ: يُعتَبَر به، وقال يعقوب بن سفيان: له شَرَفٌ، وفي حديثه لِينٌ، وقال الساجيّ: صدوقٌ اختلفوا فيه، وقال أبو داود: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، هو وحُصَين، وعطاء بن السائب قريبٌ بعضُهم من بعض، ومحلُّهم عندنا محلّ الصدق، يُكْتَب حديثهم، ولا يحتج به، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قلت لأبي: ما معنى: لا يُحْتَجُّ بحديثهم؟ قال: كانوا قومًا لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فيَغْلَطُون، تَرَى في أحاديثهم اضطرابًا ما شئتَ. أخرج له المصنّف، والأربعة، قال الحافظ: وقع في مسند أثر عَلَّقه البخاريّ في «كتاب المزارعة»، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٣٣٢)، وحديث (٦٥٥): «أما هذا فقد عصى أبا القاسم». والباقون تقدّموا في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرِ) البجليّ الكوفيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ) بنت شيبة الْعَبدريّة، وقوله: (تُحَدِّثُ) جملة حاليّة على قول الجمهور، أو مفعول ثان لـ«سمعتُ» على قول بعض النحاة: إنها من أخوات «ظنّ»، (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - (أَنَّ أَسْمَاءَ) هي بنت شَكَل، كما يأتي في الرواية الثالثة (سَأَلتِ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ؟)، أي الحيض، فهو مصدر ميميّ لـ«حاضت»، يعني أنها سألته عن كيفيّة اغتسالها عند انقطاع حيضها، (فَقَالَ) - ﷺ - («تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا) بكسر السين، وسكون الدال المهملتين، قال المجد ﵀:»السِّدْرُ: شَجَرُ النّبِق، الواحدة بالهاء، جمعه: سِدْرَاتٌ، وسِدِرَاتٌ، وسِدَرَاتٌ، وسِدَرٌ، وسُدُرٌ«. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀:«السِّدْرَةُ: شَجَرة النَّبِق، والجمع: سِدَرٌ، ثم يُجْمَع على سِدَرَات، فهو جمع الجمع، وتجمع السِّدْرة أيضًا على سِدْرَات بالسكون؛ حَمْلًا على لفظ الواحد، قال ابن السَّرّاج: وقد يقولون: سِدْرٌ - أي بفتح، فسكون - ويريدون الأقل؛ لقلّة استعمالهم التاء في هذا الباب، وإذا أُطلِق السِّدْر في الغسل فالمراد الوَرَق المطحون، قال: والسِّدْر نوعان: أحدهما ينبُت في الأَرياف، فيُنْتَفع بوَرَقه في الغسل، وثمرته طيبةٌ، والآخر ينبُت في الْبَرّ، ولا يُنتفع بورقه في الغسل، وثمرته عَفِصَة». انتهى . وقال القرطبيّ ﵀:«السِّدْر»هنا: هو الغاسول المعروف، وهو المتّخذ من ورق شجر النَّبِق، وهو السدر، وهذا التطهّر الذي أُمر باستعمال السدر فيه هو لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، والغسل الثاني هو للحيض. انتهى . (فَتَطَهَّرُ)، قال القاضي عياض ﵀: التطهر الأوّل تَطَهُّر من النجاسة، وما مسّها من دم الحيض. انتهى. وتعقّبه النوويّ ﵀، فقال: والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالتطهر الأول الوضوء، كما جاء في صفة غسله - ﷺ -، وقد قدَّمنا في أول كتاب الوضوء بيانَ معنى تحسين الطهور، وهو إتمامه بهيأته، فهذا المراد بالحديث. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الأظهر عندي أن المراد كلا الطهارتين؛ لأنهما مطلوبان شرعًا، فقد ثبت أنه - ﷺ -، كان إذا اغتسل من الجنابة غسل فرجه، وما أصابه من الأذى، وثبت الحثّ على إحسان الوضوء، فقد تقدّم قوله - ﷺ -: «من توضّأ، فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده. . .» الحديث. والحاصل أن قوله - ﷺ - هنا: «فتطهّر، فتُحسن الطّهور» يشمل الطهارتين، فتأمل. ومعنى إحسان الطُّهُور هو المبالغة بأداء فرائضه، ومراعاة مستحبّاته، كما سبق بيانه في أبواب الوضوء، والله تعالى أعلم. وقوله: (الطُّهُورَ) هنا بضمّ الطاء؛ لأن المراد الفعل، وأما الطَّهُور بالفتح فاسم لما يُتطهّر به، هذا هو المشهور، لكن ذكر ابن الأثير عن سيبويه جواز الفتح أيضًا، وعبارته: «الطُّهور» بالضمّ: التطهّر، وبالفتح: الماء الذي يُتطهّر به، كالوَضُوء، والوُضُوء، والسَّحُور والسُّحُور، وقال سيبويه: الطَّهُور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا، فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمّها، والمراد بهما التطهّر. انتهى . (ثُمَّ تَصُبُّ) بضمّ الصاد، من باب نصر (عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا) من باب نصر أيضًا، يقال: دلكت الشيءَ دَلْكًا: إذا مَرَسْته بيدك، ودلكت النعلَ بالأرض: إذا مسحتها بها، أفاده الفيّوميّ . (شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ) الضمير لـ«إحداهنّ»، وفي بعض النسخ: «حتى يبلغ» بالياء، فيكون الضمير للدلك (شُؤُونَ رَأْسِهَا) بضم الشين المعجمة، وبعدها همزة، أي أصول شعر رأسها، وأصولُ الشُّؤون: المخطوط التي في عظم الْجُمْجُمة، وهو مُجْتَمَع شُعَب عظامها، الواحد منها شأن، قاله النوويّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: «والشُّؤون» هو أصلُ فَرْق الرأس ومُلتقاها، ومنها تجيء الدموع، وذكرها مبالغةً في شدّة الدلك، وإيصال الماء إلى ما يخفى من الرأس. انتهى . (ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا)، أي على شؤون رأسها (الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً) قال القرطبيّ ﵀: «الْفِرْصة»: صحيح الرواية فيها بكسر الفاء، وفتح الصاد المهملة، وهي القطعة من الشيء، وهي مأخوذة من الْفَرْص، وهو القطع، والْمِفْرَصُ، والْمِفْرَاص: هو الذي تُقطع به الفضة، وقد يكون الْفَرص الشقّ، يقال: فَرَصتُ النعل: أي شققتُ أُذُنيها للشِّرَاك. قال: وأما «مُمَسَّكةٌ»، فروايتنا فيها بضمّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وتشديد السين، ومعناه: مُطَيَّبةٌ بالمسك مبالغةً في نفي ما يُكرَهُ من ريح الدم، وعلى هذا تصحّ رواية الخشني، عن الطبريّ: «فِرْصَةً من مسك» بكسر الميم، وعلى هذا الذي ذكرناه أكثر الشارحين. وقد أنكر ابن قُتيبة هذا كلّه، وقال: إنما هو قُرْضَةٌ بضمّ القاف ، وبالضاد المعجمة، وقال: لم يكن للقوم وُسْعٌ في المال بحيث يستعملون الطيب في مثل هذا، وإنما هو مَسْكٌ، بفتح الميم، ومعناه: الإمساك، فإن قالوا: إنما سُمِع رباعيًّا، والمصدر إمساك، قيل: سُمع أيضًا ثلاثيًّا، فيكون مصدره مَسْكًا. قال القرطبيّ: لقد أحسن من قال في ابن قُتيبة: هَجُومٌ ولّاجٌ على ما لا يُحسن، ها هو قد أنكر ما صحّ من الرواية في «فِرْصة»، وجَهِلَ ما صحّح نَقْلَه أئمّة اللغة، واختار ما لا يلتئم الكلام معه، فإنه لا يصحّ أن يقال: خُذْ قِطعةً من إمساك، وسَوَّى بين الصحابة كلّهم في الفقر، وسُوء الحال، بحيث لا يقدرون على استعمال مِسْك عند التطهّر والتنظّف، مع أن المعلوم من أحوال أهل الحجاز واليمن مبالغتهم في استعمال الطيب من المسك وغيره، وإكثارهم من ذلك، واعتيادهم له، فلا يُلتَفَت لإنكاره، ولا يُعَرَّج على قوله. انتهى . (فَتَطَهَّرُ بِهَا») أصله تتطهّر بتاءين، فحُذفت إحداهما؛ تخفيفًا، كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، قال في«الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كـ«تَبَيَّنُ الْعِبَرْ»أي تنظّفي بتلك الفِرصة المُمَسّكة (فَقَالَتْ أَسمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟، فَقَالَ) - ﷺ - («سُبْحَانَ الله، تَطَهَّرِينَ بِهَا») بحذف إحدى التاءين أيضًا، وهو خبر بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]، (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ: تَتَبَّعِين أَثرَ الدَّمِ). قال النوويّ ﵀: معناه: قالت لها كلامًا خفيًّا. انتهى. فضمير«كأنها»لعائشة - ﵂ -، ومعنى«تُخفي ذلك»، أي تستر كلامها لئلا يسمعه النبيّ - ﷺ -، أو غيره، فاسم الإشارة يرجع إلى قولها المفهوم من«قالت»، يعني أن عائشة - ﵂ - لَمّا لم تفهم أسماءُ مراد النبيّ - ﷺ - بقوله:«تطهّرين بها»قالت لها: معناه: تتبعين بتلك الْفِرصة أثر الدم، وتُنَظّفينه بها، والله تعالى أعلم. (وَسَأَلَتْهُ)، أي سألت أسماء النبيّ - ﷺ - (عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ؟)، أي عن كيفيّته (فَقَالَ) - ﷺ - («تَأْخُذُ) الضمير لإحداكنّ (مَاءً، فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ) للشكّ من الراوي (تُبْلِغُ الطُّهُورَ) من الإبلاغ، ويحتمل أن يكون من التبليغ، يقادٍ أبلغه السلام، وبلّغه بالألف والتشديد: إذا أوصله، والمراد بإبلاغ الطُّهُور إحسانه، كما تقدّم قريبًا. (ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ) وفي بعض النسخ: »حتى يَبْلُغَ« بالياء، أي يَصِلَ الماء (شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (نِعْمَ النِّسَاءُ) فعلٌ وفاعل، والجملة خبر مقدّم، لقولها: (نِسَاءُ الأَنْصَارِ) وهو المخصوص بالمدح، وهذا الكلام قالته عائشة - ﵂ - مدحًا لأسماء، حيث إنها جرّأت نفسها على سؤال ما يُستحيا منه عادةً؛ لأنه أمرٌ دينيّ مهمّ، لا يُعذر فيه أحدٌ، ممن وقع عليه التكليف، من الرجال والنساء، فاضطرّت إلى السؤال عنه، وألقت جلباب الحياء العاديّ؛ لأن الحياء في الأمور الدينيّة غير محمود، ولذا قالت أم سُليم - ﵂ -:«يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحقّ. . .»الحديث، متفق عليه. [تنبيه]: اخْتَلَف النحاة في إعراب هذا التركيب، والأصحّ من أقوالهم: أن«نعم»و«بئس»فعلان ماضيان لإنشاء المدح والذمّ، فلا يتصرّفان؛ فلم يُستعمَل منهما غير الماضي، ولا بدّ لهما من مرفوع هو الفاعل، وهو على ثلاثة أقسام: [الأول]: أن يكون محلّى بالألف واللام، كـ«نعم النساءُ»، وكقوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]. [والثاني]: أن يكون مضافًا إلى ما فيه«أل»، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. [والثالث]: أن يكون مضمرًا مفسَّرًا بنكرة بعده منصوبة على التمييز، نحو قول الشاعر [من البسيط]: لَنِعْمَ مَوْئِلًا الْمَوْلَى إِذَا حُذِرَتْ … بَأْسَاءُ ذِي الْبَغْي وَاسْتِيلَاءُ ذِي الإِحَنِ وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في«الخلاصة»بقولَه: فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ …«نِعْمَ»وَ«بِئْسَ»رَافِعَانِ اسْمَيْنِ مُقَارِنَيْ«أَلْ»أَوْ مُضَافَيْنِ لِمَا … قَارَنَهَا كـ«نِعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا»وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ … مُمَيِّزٌ كـ«نِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهْ»ثم إن فاعل«نعم»و«بئس»إذا كان مؤنثًا، يجوز في الفعل إثبات التاء وحذفها، وإن كان مفردًا مؤنّثًا حقيقيًّا، كقول عائشة - ﵂ -:«نعم النساء»، وإنما جاز ذلك، لأن فاعلها مقصود به استغراق الجنس، فعُومل معاملة جمع التكسير في جواز إثبات التاء وحذفها؛ لشبهه به، وإلى هذا أشار في«الخلاصة»بقوله: وَالْحَذْفَ فِي«نِعْمَ الْفَتَاةُ»اسْتَحْسَنُوا … لأَنَّ قَصْدَ الْجِنْسِ فِيهِ بَيِّنُ ثم جملة قولها:«نعم النساء»من الفعل والفاعل خبر مقدّم لقولها:«نساء الأنصار»، أو هو خبر لمحذوف، تقديره: المخصوص بالمدح نساء الأنصار، وإلى هذا أشار في«الخلاصة»بقوله: وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا … أَوْ خَبَرَ اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا وَإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كَفَى … كـ«الْعِلْمُ نِعْمَ الْمُقْتَنَى وَالْمُقْتَفَى»الَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ) مرفوع، تنازعه الفعلان قبله (أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ)«أن»مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بـ«من»المحذوفة قياسًا، كما قال في«الخلاصة»: وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلًا وَفِي«أَنَّ»وَ«أَنْ»يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كـ«عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا» قال الجامع عفا الله عنه: تخريج الحديث، وبقيّة مسائله تقدّمت في الحديث المذكور أولَ الباب، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَقَالَ: قَالَ: «سُبْحَانَ الله، تَطَهَّرِي بِهَا ، وَاسْتَتَرَ»). رجال هذا الإسناد ثلاثة: كلهم تقدّموا قبل بابين، وأبو عبيد الله: هو معاذ بن معاذ بن نصر. وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة السابق، فـ «في» بمعنى الباء، أي: عن إبراهيم بن المهاجر، عن صفيّة، عن عائشة - ﵂ -. وقوله: (نَحْوَهُ)، أي نحو حديث محمد بن جعفر، يعني أن حديث معاذ بن معاذ نحو حديث محمد بن جعفر الماضي. وقوله: (وَقَالَ: قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ تَطَهَّرِي بِهَا) فاعل»قال«الأول ضمير معاذ، وفاعل»قال«الثاني ضمير النبيّ - ﷺ -، والمعنى أن معاذًا قال في روايته:»وقال«بالواو بدل قول محمد بن جعفر:»فقال«بالفاء، وقال أيضًا:»تطهّري بها«بحذف النون على أنه فعل أمر للمؤنّثة، بدل قول محمد بن جعفر:»تطهّرين بها«على أنه فعل مضارع، حُذف منه إحدى التاءين، كما مرّ بيانه، وهو خبر بمعنى الأمر، فلا اختلاف في المعنى بين الروايتين. ووقع في بعض النسخ:«تطهّر بها»، فإن صحّت، فيكون الضمير لـ«إحداكنّ»، كما سبق تحقيقه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ هذه أخرجها الإمام أبو داود: في«سننه»فقال - بعد إخراج الحديث من طريق أبي الأحوص، وأبي عوانة، كلاهما عن إبراهيم بن مهاجر -: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبريّ، أخبرني أبي، عن شعبة، عن إبراهيم - يعني ابن مهاجر - عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، أن أسماء سألت النبيّ - ﷺ - بمعناه، قال:«فِرْصة مُمَسّكَةً»، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال:«سبحان الله، تطهري بها»، واستتر بثوب، وزاد: وسألته عن الغسل من الجنابة؟ فقال:«تأخذين ماءك، فتطهرين أحسن الطهور وأبلغه، ثم تصبين على رأسك الماء، ثم تدلكينه حتى يبلغ شؤون رأسك، ثم تفيضين عليك الماء»، قال: وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين، وأن يتفقهن فيه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْأَحْوَص، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَغْتَسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ؟، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام الحافظ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ الحافظ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) هو: سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ الكوفيّ، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا قبل حديث. وقوله: (أَسمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ) - بالشين المعجمة، والكاف المفتوحتين - قال النوويّ ﵀: هذا هو الصحيحَ المشهور، وحَكَى صاحب «المطالع» فيه إسكان الكاف، وذكر الخطيب الحافظ، أبو بكر البغداديّ في كتابه «الأسماء المبهمة»، وغيره من العلماء، أن اسم هذه السائلة أسماء بنت يزيد بن السَّكَن التي كان يقال لها: خطيبةُ النساء، ورَوَى الخطيب حديثًا فيه تسميتها بذلك، والله أعلم. انتهى . وتقدّم تمام البحث في هذا في شرح حديث أول الباب، فراجعه، تستفد، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير أبي الأحوص. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ) يعني أن أبا الأحوص اقتصر في روايته على ذكر سؤالها عن غسلها من الحيض، ولم يذكر سؤالها عن غسل الجنابة. [تنبيه]: رواية أبي الأحوص هذه أخرجها الإمام أبو داود ﵀ أيضًا في «سننه»، فقال: (٣١٤) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا سلّام بن سُليم، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: دخلت أسماء على رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ قال: تأخذ سِدْرها وماءها، فتوضأ، ثم تغسل رأسها، وتدلُكُه حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تُفيض على جسدها، ثم تأخذ فِرصتها، فتَطَهَّر بها، قالت: يا رسول الله، كيف أتطهّر بها؟ قالت عائشة: فعرفت الذي يَكْنِي عنه رسول الله - ﷺ -، فقلت لها: تتبعين بها آثار الدم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٩)

١. وفي نسخة: «من حيضها».

٢. وفي نسخة: «وسبحان الله».

٣. وفي نسخة: «تتبّعي أثر الدم».

٤. «الفتح»١/ ٤٩٤.

٥. ٢/ ١١٦ - ١١٧.

٦. «الفتح»١/ ٤٩٤ - ٤٩٥.

٧. «الفتح» ١/ ٤٩٥.

٨. «لسان العرب» ٧/ ٦٥.

٩. «الفتح» ١/ ٤٩٥.

١٠. «شرح النوويّ» ٤/ ١٤.

١١. شرح النوويّ«٤/ ١٤.

١٢. سيأتي آخر هذا الباب.

١٣. راجع: «الفتح» ١/ ٥٥٣.

١٤. وفي نسخة: «حدّثني» بحذف الواو.

١٥. وفي نسخة: «وسدرها».

١٦. وفي نسخة: «حتى يبلغ» بالياء.

١٧. وفي نسخة: «حتى يبلغ» بالياء.

١٨. «القاموس المحيط»٢/ ٤٦.

١٩. «المصباح المنير»١/ ٢٧١.

٢٠. «المفهم» ١/ ٥٨٨.

٢١. «النهاية» ٣/ ١٤٧.

٢٢. راجع: «المصباح المنير» ١/ ١٩٩.

٢٣. «شرح النووي» ٤/ ١٥.

٢٤. «المفهم» ١/ ٥٨٨.

٢٥. وقع في بعض نسخ «المفهم» «قرضة» بالقاف، وهو الصواب، وأما ما في بعض النسخ «فرضة» بالفاء، فتحيفٌ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٢٦. «المفهم»١/ ٥٨٩.

٢٧. زاد في نسخة:«العنبريّ».

٢٨. وفي نسخة:«تطهّرُ بها».

٢٩. «شرح النوويّ» ٤/ ١٦.