HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٤٩

وحدثنا محمد بن المثنى. حدثنا محمد بن عِبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ. حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى (وَهَذَا حَدِيثُهُ) حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ. قَالَ (وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ. فَقَالَ الأَنْصَارِيُّونَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنَ الدَّفْقِ أَوْ مِنَ الْمَاءِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَنَا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ. فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ. فَأُذِنَ لِي. فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاهْ! (أَوْ يَا أم المؤمنين!) إن أرد أن أسألك عن شيء. وإن أستحييك. فقالت: لا تستحي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ التي ولدتك. فإنما أَنَا أُمُّكَ. قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ».
ج ١ ص ٢٧١

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٢٩٠
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) الإشارة إلى الإسناد الماضي، وهو: عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة - ﵁ -. وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ … إلخ) أشار به إلى أن حديث شعبة، وإن كان مثل هشام الدستوائيّ، أنه خالفه في قوله: «ثم جهدها»، فإنه قال: «ثم اجتهد». وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ») فيه إشكال؛ لأنه يقتضي أن هشامًا قاله، وقد تقدّم أن المصنّف نصّ على أنه لم يقع في رواية قتادة: «وإن لم يُنزل»، وإنما هو في رواية مطر فقط، مع أن غيره أثبته في رواية قتادة أيضًا، كما أسلفناه. ويَحْتمل أن يجاب بأنه إنما ذكره من باب التأكيد، لا من باب بيان الخلاف بينهما، ولا يخفى ما فيه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية شعبة هذه أخرجها أبو نعيم في «مستخرجه» (١/ ٣٩١) فقال: (٧٧٩) وحدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى، ثنا عمرو بن عليّ، وأبو موسى قالا: ثنا وهب بن جرير، قال: وثنا يحيى بن حكيم، ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن قتادة (ح) وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن المثنى، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبيّ - صلي الله عليه وسلم - قال: «إذا قَعَدَ بين شُعَبها الأربع، ثم اجتهد، فقد وجب الغسل». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧٩١] (٣٤٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأنْصَارِيُّ، حَدَّثنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (ح) وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، وَهَذَا حَدِيثُهُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَار، فَقَالَ الْأنصَارِيُّونَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنَ الدَّفْقِ، أَوْ مِنَ الْمَاء، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَنَا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأُذِنَ لِي، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أمَّاهْ، أَوْ يَا أمّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلكِ عَنْ شَيْءٍ، وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ ، فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلني عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أمُّكَ، قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَع، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبله. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأنصَارِيُّ) هو: محمد بن عبد الله بن الْمُثَنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاريّ، أبو عبد الله البصريّ القاضي، ثقة [٩]. رَوَى عن أبيه، وسليمان التيميّ، وحميد الطويل، وابن عون، وابن جريج، وحبيب بن الشهيد، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام بن حسان، وغيرهم. ورَوى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون عن عليّ بن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن جعفر البِيكَنديّ، وخليفة بن خياط، وقتيبة بن سعيد، وأبي موسى محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار بندار، وإبراهيم بن المستمِرّ الْعُرُوقيّ، وأبي الأزهر، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، ومحمد بن إسماعيل ابن علية، وأبي حاتم الرازيّ، وغيرهم. قال الأحوص بن المفضَّل بن غسان الغلابيّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال مرَّةً: لم أر من الأئمة إلا ثلاثة: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشميّ، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وقال أبو داود: تغيَّر تغيرًا شديدًا، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال زكريا الساجيّ: رجل جليل عالم، لم يكن عندهم من فرسان الحديث، مثل يحيى القطان ونظرائه، غَلَب عليه الرأي، قال: وحُدِّثت عن ابن معين قال: كان محمد بن عبد الله الأنصاري يَلِيق به القضاء، فقيل له: يا أبا زكريا فالحديث؟ قال: للحديث رجال، وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي، وأبو خيثمة: أنكر معاذ بن معاذ ويحيى بن سعيد حديثَ الأنصاريّ، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس: «احتجم النبيّ - صلي الله عليه وسلم -، وهو محرم صائم»، وقال الأثرم، عن أحمد: ما كان يصنع الأنصاريّ عند أصحاب الحديث، إلا النظر في الرأي، وأما السماع فقد سَمِع، قال: وقد سمعت أبا عبد الله ذكر الحديث الذي رواه الأنصاريّ، عن حبيب بن الشهيد، فضعَّفه، وقال: كانت ذهبت للأنصاريّ كتبٌ، فكان بعدُ يحدِّث من كتب غلامه أبي حكيم، أُراه قال: فكان هذا من ذلك، وقال يعقوب بن سفيان: سئل عليّ ابن المدينيّ عن حديث الأنصاريّ، عن حبيب بن الشهيد، قال: ليس من ذلك شيء، إنما أراد حديث حبيب، عن ميمون، عن يزيد بن الأصمّ: تزوج النبيّ - صلي الله عليه وسلم - ميمونة محرمًا، قال الخطيب: كان الأنصاريّ قد جالس في الفقه سَوّار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن العنبريّ، وعثمان الْبَتِّيَّ، ووليَ قضاء البصرة أيام الرشيد، بعد معاذ بن معاذ، ومات بالبصرة، قال يعقوب بن سفيان: سنة (٢١٤) مات الأنصاريّ، قال: وسمعته سنة اثنتي عشرة ومائتين، يقول: قد أشرفت على أربع وتسعين سنة. وقال الخطيب: وَهِمَ يعقوب في تاريخ وفاته، ثم رَوَى بإسناده عن أبي موسى، محمد بن المثنى، قال: مات سنة خمس عشرة، وفيها أَرَّخه إسماعيل بن إسحاق القاضي، زاد ابن سعد: لم يزل الأنصاريّ بالبصرة يُحَدِّث إلى أن مات بها في رجب سنة خمس عشرة ومائتين، قال ابن سعد: وكان صدوقًا، وأرَّخه عمرو بن عليّ سنة ثمان عشرة ومائتين، وقال معاذ: ما رأيته عند الأشعث قط، وذكر عُمَر بن شَبّة في «أخبار البصرة» أنه ذُكِر للقضاء أيام المهديّ سنة ست وستين ومائة، فقال عثمان بن الربيع الثقفيّ للفضل بن الربيع: إنه فقيه وعفيفٌ، ولكنه يأتم بقول أبي حنيفة، ولنا في مصرنا أحكام تخالفه، فلا يُصلحنا إلا مَن أجاز أحكامنا، فتركوا ولايته إذ ذاك، وقال الساجيّ: سمعت محمد بن المثنى يقول: سمعت الأنصاريّ يقول: من زعم من أصحاب أشعث، ممن كان يلزمه أنه كان لا يراني إلى جنبه، فهو من الكاذبين، كأنه يُعَرِّض بمعاذ بن معاذ، وعلى هذا فقد تعارضا، فتساقطا، قال: وسمعت بشر بن آدم ابن بنت أزهر يقول: سمعت الأنصاريّ يقول: قد وُلّيتُ القضاء مرتين، والله ما حكمت بالرأي، ولقد بعت مُدَبَّرًا، قال: وسمعت محمد بن عبد الله الزياديّ يقول: سألت الأنصاريّ عن شيء قَضَى به علينا معاذ بن معاذ، فأفتى بخلافه، فلما وُلِّي القضاء قَضَى في تلك المسألة بما قَضَى به معاذ، فسألته، فقال: كنت أنظر في كتب أبي حنيفة، فإذا جاء دخول الجنة والنار، لم نجد القول إلا ما قال معاذ. أخرج له الجماعة، وليس له عند المصنّف في الكتاب إلا هذا الحديث فقط. ٣ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٤ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٥ - (حُمَيد بن هلال) بن هُبَيرة، ويقال: ابن سُويد بن هُبيرة الْعَدَويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة عالم [٣]. رَوَى عن عبد الله بن مُغَفّل، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وأنس، وهشام بن عامر الأنصاري، وابنه سعد بن هشام، وعبد الله بن الصامت، وأبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه أيوب السختياني، وعاصم الأحول، وحجاج بن أبي عثمان، وحبيب بن الشهيد، وقتادة، وسليمان بن المغيرة، وهشام بن حسّان، وغيرهم. قال القطان: كان ابن سيرين لا يرضاه، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: لأنه دخل في عمل السلطان، وكان في الحديث ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو هلال الراسبي: ما كان بالبصرة أعلم منه. وقال ابن عديّ: له أحاديث كثيرة، وقد حَدّث عنه الأئمة، وأحاديثه مستقيمة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال البزار في «مسنده»: لم يسمع من أبي ذرّ. وقال أبو حاتم: لم يَلْقَ هشام بن عامر، والحفاظ لا يُدخلون بينهما أحدًا، حماد بن زيد وغيره، وهو الأصح. وقال ابن المديني: لم يَلْقَ عندي أبا رفاعة العدوي. ووَثّقه العجلي، وفي أحاديث القهقهة من «السنن» للدارقطني من طريق وهيب عن ابن عون عن ابن سيرين قال: كان أربعة يُصَدِّقُون مَنْ حدَّثهم، ولا يبالون ممن يسمعون: الحسن، وأبو العالية، وحُميد بن هلال، ولم يذكر الرابع، وفي بعض النسخ منه: وداود بن أبي هند. قال ابن سعد: مات في ولاية خالد على العراق. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. ٦ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] (١٠٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. ٧ - (أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حضّار الصحابيّ المشهور، مات - ﵁ - سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. ٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، (ت ٥٧) (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، ويجتمعان في هشام بن حسّان، وإنما فرّق بينهما؛ لاختلاف صيغ الأداء؛ ففي رواية محمد بن عبد الله الأنصاريّ، قال هشام بن حسّان: «حدّثنا حُميد بن هلال، عن أبي بُردة، عن أبي موسى»، فصرّح بتحديث حميد له، ولم يشك، وفي رواية عبد الأعلى، قال: «عن حميد بن هلال، قال: ولا أعلمه إلا عن أبي بُردة … إلخ»، فشكّ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه هو أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وأبو موسى - ﵁ -، كان واليًا على البصرة، زمن عمر - ﵁ -، فوُلد له أبو بُردة هناك، ثم تولى إمرة الكوفة، وكذلك أبو بُردة كان قاضيًا على الكوفة بعد شُريح، فهما بصريّان كوفيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٦ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهرا بالكنية، أما أبو بردة، فقد اختُلف في اسمه، فقيل: اسمه كنيته، وقيل: عامر، وقيل: الحارث، كما أسلفته آنفًا، وأما أبو موسى - ﵁ -، فلم يُختَلف في اسمه عبد الله بن قيس - ﵁ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) - ﵀ - (قَالَ) الظاهر أن الضمير لحميد (وَلَا أَعْلَمُهُ) أي لا أعتقد هذا الحديث (إِلَّا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) أي إلا كوني سمعته منه، ويحتمل أن يكون لهشام، أي قال هشام: لا أعلم حميدًا حدّثني بهذا الحديث إلا عن أبي بردة. [فإن قلت]: فيه شكّ، فكيف أخرجه المصنّف - ﵀ -؟. [قلت]: الشكّ في هذا الطريق لا يضرّ؛ لأنه قد جزم في رواية محمد بن عبد الله الأنصاريّ، فالظاهر أنه حدّث به هشامًا مرّتين، مرّة، وقد شك فيه، ومرّة قد تحقّق عنده سماعه منه فجزم، ولذا استجاز المصنّف إخراجه ترجيحًا لحالة الجزم؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. (عَنْ أَبِي مُوسَى) متعلّق بحال مقدّر؛ أي حال كون أبي بردة راويًا عن أبيه أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - (قَالَ) أبو موسى - ﵁ - (اخْتَلَفَ) بالبناء للفاعل (فِي ذَلِكَ) الإشارة إلى حكم الجماع دون إنزال المنيّ (رَهْط) بالرفع على الفاعليّة لـ «اختَلَف»، وقد تقدّم «الرهط» بسكون الهاء أفصح من فتحها، وهم: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وقيل غير ذلك في معناه ، (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ) - ﵁ - (فَقَالَ الْأنصَارِيُّونَ) جمع أنصاريّ، نسبة إلى الأنصار، وإن كان جمعًا؛ لكونه جرى مجرى العلم، كما أشار إليه ابن مالك - ﵀ - في«الخلاصة»، حيث قال: وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ وفي رواية أبي نعيم: «عن أبي موسى: قال: كنت في بيت، فذكروا ما يوجب الغسل»، وفي رواية أبي عوانة: «عن أبي موسى: قال: كنّا جلوسًا، فذكروا ما يوجب الغسل، فقال من حضر من المهاجرين: إذا مسّ الختان الختان، أو خالط الختان الختان، فقد وجب الغسل، وقال من حضر من الأنصار: لا حتى يَدْفُق، فقال أبو موسى: أنا آتيكم بالخبر، فقام إلى عائشة، فسلّم …» الحديث. (لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعدها (يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنَ الدَّفْقِ) بفتح الدال المهملة، وسكون الفاء: أي خروج المنيّ بشدّة، وقال أبو نعيم: الدَّفْقُ: الصبّ. انتهى. يقال: دَفَقَ الماءُ دَفْقًا، من باب نصر : انصبّ بشدّة، ودفقتُهُ أنا، يتعدّى ولا يتعدّى، فهو دافقٌ ومدفوقٌ، وأنكر الأصمعيّ استعماله لازمًا، قال: وأما قوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، فهو على أسلوب لأهل الحجاز، وهو أنهم يُحَوِّلون المفعول فاعلًا إذا كان في محلّ نَعْتٍ، والمعنى: من ماء مدفوقٍ، وقال ابن الْقُوطيّة ما يوافقه: سِرٌّ كاتم؛ أي مكتوم، وعارف: أي معروفٌ، ودافق: أي مدفوق، وعاصم: أي معصومٌ، وقال الزجّاج: المعنى: من ماء ذي دَفْقٍ. ذكره الفيّوميّ - ﵀ - . وقال المجد - ﵀ -: دَفَقَه يَدْفُقُهُ - أي بالضمّ - وَيدْفِقُهُ - أي بالكسر -: صبّهُ، وهو ماءٌ دافقٌ: أي مدفوقٌ لأن دَفَقَ متعدٍّ عند الجمهور. انتهى . ثم يحتمل أن يكون المراد بقوله: «من الدَّفق» المعنى المصدريّ؛ أي من إخراج المنيّ، إن كان من المتعدّي، أو خروجه إن كان من اللازم، و«من» في الموضعين سببيّة. (أَوْ مِنَ الْمَاءِ) «أو» للشكّ من أحد الرواة في أيّ اللفظين وقع عند الاختلاف، والمراد من كلّ اللفظين المنيّ. (وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ) للإضراب الإبطاليّ، وفي بعض النسخ: «بلى» أي بلى يجب الغسل (إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ) الضمير في «خالط» المفهوم من المقام، للرجل؛ أي جامع امرأته، أو للعضو، والمخالطة كناية عن المبالغة في الجماع، واختلاطِ العضوين، قال الحربيّ: والخلط من أسماع الجماع . (قَالَ) أبو بردة (قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ - (فَأَنا أَشْفِيكُمْ) الفاء في جواب شرط مقدَّر؛ أي إذا كنتم مختلفين، ولم تجدوا من يفصل بينهم، فأنا أشفيكم، وقوله: «أشفيكم» بفتح الهمزة، وضمّها، يقال: شفاه يَشفيه: أبرأه، كأشفاه، قاله في «القاموس». وقال في «المصباح»: شَفَى الله المريضَ، يَشْفِيه، من باب رَمَى ، شِفَاءً: عافاه، واشتفيتُ بالعدوّ، وتَشَفّيتُ به من ذلك؛ لأن الغضب الكامن كالداء، فإذا زال بما يطلبه الإنسان من عدوّه، فكأنه برئ من دائه. انتهى . (مِنْ ذَلِكَ) الإشارة إلى الاختلاف في هذا الموضوع، كأنه داء، ورفعه دواؤه (فَقُمْتُ) أي من مجلس الاختلاف (فَاسْتَأذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - (فَأُذِنَ لِي) بالبناء للمفعول (فَقُلْتُ لَهَا: يَا أمّاهْ) منادى مضاف إلى ياء المتكلّم، وأصله: يا أمّي، قلبت ياء المتكلّم ألفًا بعد قلب الكسرة قبلها فتحةً؛ للتخفيف، ثم أُلحق بها هاء السكت ساكنة؛ لأجل الوقف (أَوْ) للشك من أحد الرواة أيضًا، هل قال: «يا أماه»، أو قال: (يَا أمّ الْمُؤْمِنِينَ) هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلكِ عَنْ شَيءٍ، وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ) وفي نسخة: «أستحيي منك»، فالأول على لغة التعدية بنفسه، والثاني على لغة التعدية بالحرف، قال في «القاموس»: «الحياء»: الْحِشْمَةُ، حَيِيَ منه حياءً، واستحيا منه، واستَحَى منه، واستحياه. انتهى . فقد أفاد أنه يتعدّى بنفسه، وبحرف الجرّ. وقال في «المصباح»: الحياء: هو الانقباض، والانزواء، قال الأخفش: يتعدّى بنفسه، وبالحرف، فيقال: استحييتُ منه، واستحييته، وفيه لغتان: إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم بياء واحدة. انتهى . (فَقَالَتْ) عائشة - ﵂ - (لَا تَسْتَحْيِي) وقع في النسخ بياءين، وعليه فـ «لا» نافية، والفعل مرفوع، وهو خبرٌ بمعنى النهي على وجه المبالغة، وفي بعض النسخ: «لا تستحي» بياء واحدة، على لغة من قال: استحَى يستحي، كما تقدّم بيانه (أَنْ تَسْأَلني) «أن» مصدريّة والفعل في تأويل المصدر مفعول به، أو مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ لأن سأل يتعدّى إلى المفعول الثاني بنفسه، وبحرف الجرّ، قال في «القاموس»: سأله كذا، وعن كذا، وبكذا بمعنى ، والتقدير هنا: أي عن سؤالي (عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، فَإنمَا أَنَا أمُّكَ) الفاء للتعليل؛ أي لأني أمك، كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟) الفاء في جواب شرط مقدّر، و«ما» استفهاميّة؛ أي إذا أذِنت لي في السؤال، وشجّعتني عليه، وخفَّفتِ عني ثقل الحياء الذي اعتراني، فأيُّ شيء يوجب على الإنسان أن يغسل جميع بدنه؟ (قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ) معناه: صادفت خبيرًا بَحقيقة ما سألت عنه، عارفًا بَخفيّه وجليّه، حاذقًا فيه. قال الأبيّ - ﵀ -: هذا مثل، قال أبو عبيد: وأصله لمالك بن حُبير، أحد حكماء العرب، وبه تمثّل الفرزدق حين لقيه الحسين - ﵁ -، وهو يريد العراق للبيعة، وقال له: ما وراءك؟، فقال: «على الخبير سقطت»، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أميّة، والأمر ينزل من السماء، فقال: صدقتني. انتهى . وهذا القول من عائشة - ﵂ - يدلّ على أنها فَهِمَت أن سؤاله عما يوجب الغسل من الجماع؛ لأنه رجل إنما يسأل عما يخصّه غالبًا، وقد يَحْتَمل أن سؤاله كان حين سؤال عمر وغيره من الصحابة لها حين اختلافهم في المسألة، ففهِمَت بقرينة الحال مراده، أفاده القاضي عياض - ﵀ - . (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ) تقدّم الخلاف في معناه (وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ) قال ابن الأثير - ﵀ -: المراد بالختانين موضع القطع من ذكر الغلام، وفرج المرأة، ويقال لقطعهما: الإعذار والْخَفْض. انتهى . وقال في«القاموس»: خَتَنَ الولدَ يَخْتِنُهُ، ويَخْتُنُه - أي من بابي ضرب، ونصر -، فهو خَتِينٌ، ومختونٌ: قَطَعَ غُرْلَته ، والاسم ككِتاب، وكتابة، والختانة: صناعته، والختان موضعه من الذكر، والْخَتْنُ: القطعُ. انتهى . وقال بعض الشرّاح:«الخِتان»للرجل: قطع قِطعة الكَمَرة المغطّية للحشفة، وللمرأة قطع جلدة من أعلى الفرج، تُشبه عَرْفَ الدِّيك، مجاورة لمخرج البول، بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة، قيل: يُطلق الختان للرجل والمرأة، بخلاف الخِفَاض، فلا يقال إلا للمرأة، وقيل: الخِتان للرجل، والخفاض للمرأة، وعليه فالتثنية في قوله - ﷺ -:«إذا التقى الختانان» على سبيل التغليب، وقاعدتُهُ ردّ الأثقل إلى الأخفّ، والأدنى إلى الأعلى . قال الجامع عفا الله: المراد هنا الموضع الذي قُطعت منه الجلدة، من الرجل والمرأة، فعلى ما سبق من إطلاق الختان على مكان القطع فلا حذف، وعلى إطلاقه على المصدر، فالكلام على حذف مضاف؛ أي موضع الختان، أي القطع. قال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: معناه غَيَّب ذكره في فرجها، وليس المراد حقيقة المس، وذلك أن ختان المرأة في أعلى الفرج، ولا يمسه الذكر في الجماع، وقد أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها، ولم يولجه، لم يجب الغسل، لا عليه ولا عليها، فدَلّ على أن المراد ما ذكرناه، والمراد بالْمُمَاسّة الْمُحَاذاة، وكذلك الرواية الأُخرى:«إذا التقى الختانان»: أي تحاذيا. انتهى . (فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ») جواب «إذا»، أي وجب غسل جميع الجسد على الرجل والمرأة؛ لكونهما جنبين، داخلين، في أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [٢١/ ٧٩١] (٣٤٩)، و(الترمذيّ) في «الطهارة» (١٠٨ و١٠٩)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٦٠٨)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٤٦ و٦٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٥٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٢٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١١٨٣)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٥٥ و٥٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٦٣ و١٦٦)، وفي «المعرفة» (١/ ٤١٥ و٤١٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٤٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٢٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٨٠ و٧٨١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من شدّة حرصهم على العلم، حتى يحصل بينهم مناقشة؛ للوصول إلى معرفة الحقّ. ٢ - (ومنها): بيان ما كانت عليه عائشة - ﵂ - من العلم الذي لا يشاركها غيرها مما كان رسول الله - ﷺ - يفعله معها.
مصادر المؤلف (٢٢)

١. وفي نسخة: «بَلَى».

٢. وفي نسخة: «أستحيي منك».

٣. وفي نسخة: «لا تستحي» بياء واحدة.

٤. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.

٥. هكذا في «المصباح»، لكن في «القاموس» ما يفيد أنه من بابي نصر، وضرب؛ فتنبّه.

٦. الظاهر أن «قال» هنا بمعنى ذكر؛ أي ذكر ابن القوطيّة ما يوافق ما قاله الأصمعي، فقال: يقال: سرّ كاتم … إلخ.

٧. «المصباح المنير» ١/ ١٩٧.

٨. «القاموس المحيط» ٣/ ٢٣١.

٩. راجع: «النهاية» ٢/ ٦٤.

١٠. قد عرفت مما سبق عن «القاموس» أنه من بابي نصر، وضرب؛ فتنبّه.

١١. «المصباح المنير» ١/ ٣١٩.

١٢. «القاموس المحيط» ٤/ ٣٢٢.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ١٦٠.

١٤. «القاموس المحيط» ٣/ ٣٩٢.

١٥. «شرح الأبّي» ٢/ ١١٢.

١٦. «إكمال المعلم» ٢/ ١٩٩.

١٧. «النهاية» ٢/ ١٠.

١٨. «الْغُرْلة»: كالْقُلْفة وزنًا ومعنى. اهـ. «المصباح» ٢/ ٤٤٦.

١٩. «القاموس الحيط» ٤/ ٢١٨.

٢٠. «الكَمَرة: الحَشَفة وزنًا ومعنى. اهـ.»المصباح«٢/ ٥٤١.

٢١. «فتح المنعم»٢/ ٣٧٨.

٢٢. «شرح النوويّ» ٤/ ٤٢.