HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٦١

وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن سَعِيدٍ وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ؛ شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: الرَّجُلُ، يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ فِي رِوَايَتِهِمَا: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زيد.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص189
ج ١ ص ٢٧٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٣٦٦
(٢٥) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، ثُمَّ شَكَّ فِي الْحَدَث، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِطَهَارَتِهِ تِلْكَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨١٠] (٣٦١) - (وَحَدَّثَني عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثنَا سُفيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّه، شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْه، أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاة، قَالَ: «لَا يَنْصَرِفُ، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا». قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ فِي رِوَايَتِهِمَا: هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في السند الماضي. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة ثبتٌ إمام حجة، من كبار [٨] (ت ١٩٨) عن (٩١) سنة (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم تقدّم قبل باب. ٦ - (سَعِيد) بن المسيِّبِ بن حَزْن بن أبي وَهْب القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. ٧ - (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ) بن غَزِيَّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ، وهو أخو تميم لأمه، وجدته أم عمارة، وأبي قتادة الأنصاريّ، وأبي بشير الأنصاريّ، وأبي سعيد الخدريّ، وعويمر بن أشقر. وروى عنه عمرو بن يحيى عمارة، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وابناه: محمد، وعبدُ الله ابنا أبي بكر والزهريّ، وحبيب بن زيد، وعُمارة بن غَزِيّة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعة، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. قال الواقديّ: عن أبي بكر بن أبي سَبْرة، عن موسى بن عقبة، قال: قال عباد: كنت يوم الخندق ابن خمس سنين، وقال محمد بن إسحاق، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ابن خمس سنين» إن صحّ هذا فعبّاد من صغار الصحابة، فقد عُدّ منهم من هو أصغر منه، فتأمل. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٨ - (عَمُّهُ) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، صاحب صفة الوضوء، مات - ﵁ - (٦٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ٧/ ٥٦١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، فرّق بينهم بالتحويل؛ للاختلاف في كيفيّة تحمّله عنهم، فقد أخذ عن الأولين وحده، ولذا قال: «وحدّثني»، وعن الثالث مع غيره، ولذا قال: «وحدّثنا». ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيين، وهما عن عمّ الثاني. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن الملقن ﵀: إن عبّادًا هذا بفتح أوله، وتشديد ثانيه، يشتبه بعُبَاد بضمّ أوّله، وتخفيف ثانيه، وهو قيس بن عُبَاد وغيره، وبعِبَاد بكسر أوّله، وتخفيف ثانيه، وبعِيَاذ بالياء المثنّاة تحتُ، وذال معجمة، وبعِيَاد مثله إلا أن الدال مهملة، وبعناد بإبدال الباء نونًا، وكلٌّ موضّح في كتابي «مشتبه النسبة». انتهى كلام ابن الملقّن ﵀ . ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، وهو راوي صفة وضوء النبيّ - ﷺ - المتّفق عليه، وهو الذي قتل مسيلمة الكذّاب، واستُشهد بالحرّة سنة (٦٣)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيد) بن المسيِّب (وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بالجرّ عطفًا على سعيد، وفي رواية البخاريّ: «وعن عبّاد» بزيادة «عن»، فقال في «الفتح»: هو معطوف على قوله: «عن سعيد بن المسيب»، وسقطت الواو من رواية كريمة غَلَطًا؛ لأن سعيدًا لا رواية له عن عبّاد أصلًا، ثم إن شيخ سعيد فيه يَحْتَمِل أن يكون عَمَّ عباد، كأنه قال كلاهما عن عمه؛ أي عم الثاني، وهو عبّاد، وَيحتَمِل أن يكون محذوفًا، ويكون من مراسيل ابن المسيِّب، وعلى الأول جَرَى صاحب «الأطراف»، ويؤيد الثاني رواية معمر لهذا الحديث، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب، عن أبي سعيد الخدريّ، أخرجه ابن ماجه، ورواته ثقات، لكن سئل أحمد عنه، فقال: إنه منكر. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ويؤيّد الثاني ..، إلخ فيه نظر لا يخفى، كيف يؤيّده وهو منكرٌ، كما قال الإمام أحمد، بل الذي يظهر أن ما ذهب إليه صاحب «الأطراف» هو الصواب، فسعيد بن المسيِّب يروي هذا الحديث مع عبّاد بن تميم، عن عم عبّاد، وهو عبد الله زيد، فتأمل، والله تعالى أعلم. (عَنْ عَمِّهِ) أي عمّ عبّاد، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ الأنصاريّ، كما سماه سفيان بن عيينة هنا، واختُلِف هل هو عم عباد لأبيه، أو لأمه؟ (شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - الرَّجُلُ) هو بضم الشين، وكسر الكاف مبنيًّا للمفعول، و«الرجل» مرفوع على أنه نائب فاعله، قال النوويّ ﵀: ولم يُسَمَّ هنا الشاكي، وجاء في رواية البخاريّ أن السائل هو عبد الله بن زيد الراوي، وينبغي أن لا يُتَوَهَّم بهذا أنه «شَكَى» مفتوحة الشين والكاف، ويُجْعَل الشاكي هو عمَّه المذكور، فإن هذا الوَهْمَ غَلَطٌ. انتهى . ووقع في رواية البخاريّ: «أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ -»، قال في «الفتح»: قوله: «أنه شكا» كذا في روايتنا «شكا» بألف، ومقتضاه أن الراوي هو الشاكي، وصَرَّح بذلك ابن خزيمة، عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، ولفظه: «عن عمه، عبد الله بن زيد، قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الرجل»، ووقع في بعض الروايات: «شُكِيَ» بضم أوله، على البناء للمفعول، وعلى هذا فالهاء في «أنه» ضمير الشأن، ووقع في مسلم: «شُكِيَ» بالضم أيضًا، كما ضبطه النوويّ. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «شَكَى» من شَكَوت فلانًا أشكوه شَكْوًا، وشِكايةً وشَكِيَّةً وشَكَاةً: إذا أخبرتَ عنه بسوء فعله، فهو مَشْكُوّ، وشَكِيٌّ، والاسم الشكوى، والياء في شَكَى منقلبة عن واو، وأصله شَكَوَ بدليل يشكو، والشَّكْوَى، ويجوز أن تكون أصلية، غير منقلبة في لغة من قال: شَكَى يَشْكِي بالياء. انتهى . (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) - بضم أوله، وفتح المعجمة، وتشديد الياء المثنّاة التحتانيّة المفتوحة - وأصله من الْخَيَال، والمعنى: يُظَنّ، والظن هنا أعمّ من تساوي الاحتمالين، أو ترجيح أحدهما، على ما هو أصل اللغة، من أن الظن خلاف اليقين، قاله في «الفتح» . وقال في «العمدة»: قوله: «يُخَيَّل» على صيغة المجهول: أي يُشَبَّه، ويُخايَل، وفلان يَمضي على الْمُخَيَّل، أي على ما خُيِّلت، أي شُبِّهت، يعني على غَرَر من غير تعين، وخُيِّل إليه أنه كذا على ما لم يُسَمَّ فاعله من التخييل والوهم، قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. انتهى . وقال في «المصباح»: وخُيِّل له كذا بالبناء للمفعول، من الوَهْم والظنّ، وخَيَّلَ الرجلُ على غيره تخييلًا، مثلُ لبّس تلبيسًا وزنًا ومعنًى: إذا وجّه الوهْمَ إليه، والْخَيالُ كلُّ شيء تراه كالظلّ، وخَيَالُ الإنسان في الماء والمرآة صورة تِمثَاله، وربّما مرّ بك الشيء يُشبه الظلّ فهو خَيَالٌ، وكلُّهُ بالفتح. انتهى . والجملة من الفعل والنائب صفة لـ«الرجل»، على تقدير «أل» جنسيّة، والمعرّف بها في قوّة النكرة، كما في قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي فإنه لم يُرِد لئيمًا معيَّنًا، فهو نكرة في المعنى، نبّه عليه الفاكهيّ . (أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ) أي الحدثَ خارجًا منه، وصَرَّح به الإسماعيليّ، ولفظه: «يُخَيَّلُ إليه في صلاته أنه يَخرُج منه شيء»، وفيه العدول عن ذكر الشيء المستقذَر بخاص اسمه، إلا للضرورة. وجملة «أن» من اسمها وخبرها نائب فاعلٍ لقوله: «يُخَيَّل». (فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ«يُخيّل»، أو بـ«يجد»، قال في «الفتح»: تمسّك بعض المالكية بظاهره، فخَصُّوا الحكم بمن كان داخل الصلاة، وأوجبوا الوضوء على من كان خارجها، وفَرَّقوا بالنهي عن إبطال العبادة، والنهيُ عن إبطال العبادة متوقف على صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك؛ لأن هذا التخيُّل إن كان ناقضًا خارج الصلاة، فينبغي أن يكون كذلك فيها، كبقية النواقض. انتهى . (قَالَ) - ﷺ - مجيبًا عن هذا السؤال («لَا يَنْصَرِفُ) بالرفع على أن»لا«نافية، أو بالجزم على أنها ناهية، ويكون النفي بمعنى النهي، بل هو أبلغ؛ لأنه نفيٌ للشيء من أصله، والنهي إعدام لحكمه مع بقائه، ويجوز الجزم على أنها ناهية، وفي رواية البخاريّ:»لا ينفتل، أو لا ينصرف«، قال في»الفتح«: هو شك من الراوي، وكأنه من عليّ - يعني ابن المدينيّ شيخ البخاريّ فيه - لأن الرواة غيره رووه عن سفيان بلفظ:»لا ينصرف«، من غير شك. انتهى. وقال في«العمدة»: كلمة«أو»للشك من الراوي، قال الكرمانيّ: والظاهر أنه من عبد الله بن زيد، قال العينيّ: يجوز أن يكون ممن دونه من الرواة، ووقع في كتاب الخطابيّ:«ولا ينصرف»بحذف الهمزة، وفي رواية للبخاري:«لا ينصرف»، من غير شك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كون الشكّ من عليّ بن المدينيّ هو الأقرب، كما أشار إليه الحافظ، بدليل رواية غيره بلا شكّ؛ إذ لو كان ممن فوقه لاتفقت الروايات في الشكّ؛ فتنبّه، والله تعالى أعلم. (حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا) أي من الدبر (أَوْ) للتنويع لا للشكّ (يَجِدَ رِيحًا») أي خارجًا من الدبر أيضًا، وعبّر بالوجدان دون الشمّ؛ ليشمل ما لو لمس المحلّ، ثم شمّ يده. قاله في «الفتح». ثم إن الغاية تدلّ على أنه إذا وجد ريحًا، أو سمع صوتًا ينصرف لأجل الوضوء، وهو المطلوب، والمقصود بقوله: «حتى يسمع … إلخ» أي حتى يتيقّن بطريق الكناية أعمّ من أن يكون بسماع صوت، أو وجدان ريح، أو يكون بشيء آخر، وغلبة الظنّ عند بعض العلماء في حكم المتيقّن، فبقي الشكّ لا عبرة به، بل يُحكم بالأصل المتيقّن، وإن طرأ الشكّ في زواله. قاله السنديّ ﵀ . وقال في «الفتح»: ودَلَّ حديث الباب على صحة الصلاة، ما لم يَتَيقَّن الحدث، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين؛ لأن المعنى إذا كان أوسع من اللفظ، كان الحكم للمعنى. قاله الخطابي. وقال أيضًا: وحَمَل بعضهم الحديث على مَن كان به وسواس، وتَمَسَّك بأن الشكوى لا تكون إلا من علة. وأُجيب بما دلّ على التعميم، وهو حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بلفظ: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه؛ أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجنّ من المسجد، حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». انتهى . وقال ابن الملقّن ﵀: «الشيء» المشار إليه هو الحركة التي يظُنّ بها أنها حدَثٌ، وليس كذلك، ولهذا قال - ﷺ -: «حتى يسمع صوتًا أو يَجِد ريحًا»، ومعناه: يعلم وجود أحدهما يقينًا، ولا يُشترط اجتماع السماع والشمّ بالإجماع. قال الإسماعيليّ ﵀: هذا من رسول الله - ﷺ - فيمن شك في خروج ريح منه، لا نفي الوضوء إلا من سماع صوت، أو وجدان ريح. وفي «صحيحي ابن خزيمة وابن حبّان»، و«مستدرك الحاكم» من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - مرفوعًا: «إذا جاء أحدكم الشيطان، فقال: إنك أحدثتَ، فليقل: كذبتَ، إلا ما وجد ريحًا بأنفه، أو سمع صوتًا بأذنه». وفي «مسند أحمد» من حديث أبي سعيد - ﵁ - أيضًا: «إن الشيطان ليأتي أحدكم، وهو في صلاته، فيأخذ شَعْرة من دبره، فيَمُدُّها، فيرى أنه أحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا»، وفي إسناده عليّ بن زيد بن جُدْعان، ضعيف. وقال ابن خزيمة: قوله: «فليقل: كذبت» أراد: فليقل: «كذبت» بضميره، لا ينطق بلسانه؛ إذ المصلي غير جائز له أن يقول: كذبت، نطقًا. قال في «العمدة»: ويؤيد ما قاله ما رواه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي سعيد - ﵁ - أيضًا مرفوعًا: «إذا جاء أحدكم الشيطان، فقال: إنك قد أحدثت، فليقل في نفسه: كذبت». وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بعد هذا: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجنّ من المسجد»، وفي رواية الترمذيّ: «فوجد ريحًا بين أَلْيَتَيْه». وفي «علل ابن أبي حاتم»: «فوجد ريحًا من نفسه»، وفي «كتاب الطهور» لأبي عبيد القاسم بن سلّام: «يجد الشيءَ في مقعدته، قال: لا يتوضأ إلا أن يجد ريحًا يعرفها، أو صوتًا يسمعه». وروى ابن ماجه بسند فيه ضعف، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: رأيت السائب بن يزيد، يَشُمّ ثوبه، فقلت: مِمّ ذلك؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا وضوء إلا من ريح، أو سماع». ورَوَى أبو داود من حديث علي بن طلق، يرفعه: «إذا فَسَا أحدكم فليتوضأ». قال مهنّا: قال أبو عبيد الله: عاصم الأحول يُخطئ في هذا الحديث، يقول: علي بن طلق، وإنما هو طلق بن عليّ، وأبى ذلك البخاريّ، فقال فيما ذكره أبو عيسى عنه في «العلل»، وذكر حديث علي بن طلق هذا، بلفظ: جاء أعرابي إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: إنا نكون بالبادية، فيكون من أحدنا الرُّوَيحة؟ فقال: «إن الله تعالى لا يستحي من الحقّ، إذا فَسَا أحدكم، فليتوضأ»، فقال: لا أعرف لعليّ بن طلق، عن النبيّ - ﷺ - غير هذا الحديث، وهو عندي غير طلق بن عليّ، ولا يُعرَف هذا من حديث طلق بن علي. ولما ذكره الترمذي في «الجامع» من حديث علي بن طلق حَسَّنه، وذكره ابن حبان في «صحيحه» بلفظ: «إذا فَسَا أحدكم في الصلاة، فلينصرف، ثم ليتوضأ، ولْيُعِد صلاته»، ثم قال: لم يقل أحد: «ولْيُعِد صلاته» إلا جرير بن عبد الحميد، وقال أبو عبيد في «كتاب الطهور» إنما هو عندنا عليّ بن طلق؛ لأنه حديثه المعروف، وكان رجلًا من بني حنيفة، وأحسبه والد طلق بن عليّ الذي سأل عن مسّ الذكر. وممن ذكره في مسند عليّ بن طلق أحمد بن منيع في «مسنده»، والنسائيّ، والكجيّ في «سننيهما»، وأبو الحسين بن قانع في آخرين. [تنبيه]: (اعلم): أن حقيقة المعنى في قوله: «حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا»: حتى يَعْلَم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع، فإن الأصمّ لا يسمع صوتًا، والأخشم الذي راحت حاسّة شَمّه لا يشُمّ أصلًا. وقال الخطابيّ ﵀: لم يُرِد بذكر هذين النوعين من الحدث تخصيصهما، وقَصْرَ الحكم عليهما، حتى لا يُحدِث بغيرهما، وإنما هو جوابٌ خَرَجَ على حرف المسألة التي سأل عنها السائل، وقد دخل في معناه كلُّ ما يَخرج من السبيلين، وقد تخرج منه الريح، ولا يسمع لها صوتًا، ولا يجد لها ريحًا، فيكون عليه استئناف الوضوء، إذا تَيَقَّن ذلك، وقد يكون بأذنه وَقْرٌ، فلا يسمع الصوت، أو يكون أخشم، فلا يجد الريح، والمعنى إذا كان أوسع من الاسم، كان الحكم للمعنى، وهذا كما رُوي أنه - ﷺ - قال: «إذا استَهَلَّ الصبيّ وَرِثَ، وصُلِّي عليه» ، لم يُرِد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت، دون غيره من أمارات الحياة، من حركة، وقبض، وبسط، ونحوها. قاله في «العمدة» . (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة شيخه الثالث (وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) شيخه الثاني (فِي رِوَايَتِهِمَا: هُوَ) وفي نسخة: «وهو» بالواو (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) يعني أنهما زادا في روايتهما بعد قوله: «عن عمّه» ما نصّه: هو: عبد الله بن زيد، والمعنى أن المراد بعمّه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ، وهو عمّ لعبّاد بن تميم، وقد سبق عن الحافظ أنه اختُلف هل هو عمّه لأبيه أو لأمه؟ وقال ابن الملقّن: هو عمّه من قبل أمه، لا من قبل أبيه ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [٢٥/ ٨١٠] (٣٦١)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٣٧ و١٧٧) و«البيوع» (٢٠٥٦)، و(أبو داود) في «الطهارة» (١٧٦)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ٩٨)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٥١٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٥١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٢٤٨ و٢٤٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٧٤٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٩٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن هذا الحديث أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يُحكَم ببقائها على أصولها، حتى يُتَيَقَّن خلاف ذلك، ولا يضرّ الشكّ الطارئ عليها، والعلماء متفقون على هذه القاعدة، ولكنهم مختلفون في كيفية استعمالها، مثاله مسألة الباب التي دلّ عليها الحديث، وهي أن مَن تيقن الطهارة، وشكّ في الحدث يُحكَم ببقائه على الطهارة، سواء حَصَل الشك في الصلاة أو خارجها، وهذا بالإجماع بين الفقهاء، إلا عن مالك، فله روايتان: إحداهما: أنه يلزمه الوضوء، إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والأخرى يلزمه بكل حال، وحُكِيت الأولى عن الحسن البصريّ، وهو وجه شاذّ عند الشافعية، ذكره الرافعيّ، والنوويّ في «الروضة»، وحُكِيت الثانية أيضًا وجهًا للشافعية، وهو غريب، وعن مالك رواية ثالثة، رواها ابن قانع عنه، أنه لا وضوء عليه، كما قاله الجمهور، وحكاها ابن بطال عنه. ونَقَل القاضي، ثم القرطبيّ، عن ابن حبيب المالكيّ أن هذا الشك في الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث، واعتَذَر عنه بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحلّ منه شيء، بخلاف البول والغائط، ولا يخفى ما فيه، وعن بعض أصحاب مالك أنه إن كان الشك في سبب حاضر، كما في الحديث طرح الشك، وإن كان في سبب متقدم فلا. وأما إذا تيقن الحدث، وشكّ في الطهارة، فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع، وعلى هذا الأصل من شكّ في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب، أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو أنه ركع، أو سجد أم لا، أو نَوَى الصوم أو الصلاة، أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذه العبادات، وما أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث. وقالت الشافعية: تُسْتَثنَى من هذه القاعدة بضع عشرة مسألةً: (منها): من شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها، قيل: أو فيها، ومن شك في ترك بعض وضوء، أو صلاة بعد الفراغ، لا أثر له على الأصح. (ومنها): عَشْرٌ ذَكَرهُنّ ابن القاصّ - بتشديد الصاد المهملة المشدّدة - من الشافعية : الشكّ في مدة خُفّ، وأنّ إمامه مسافر، أو وَصَل وطنه، أو نوى إقامةً، ومسح مستحاضة شُفِيت، وغسل متحيّرة، وثوبٌ خَفِيَت نجاسته، ومسألة الظبية، وبطلان التيمم بتوهم الماء، وتحريم صيد جَرَحه فغاب، فوجده ميتًا. قال الققال: لم يَعْمَل بالشك في شيء منها؛ لأن الأصل في الأولى الغسل، وفي الثانية الإتمام، وكذا في الثالثة، والرابعة إن أوجبناه، والخامسة والسادسة اشتراطُ الطهارة، ولو ظنًّا أو استصحابًا، والسابعة بقاء النجاسة، والثامنة لقوة الظنّ، والتاسعة للشك في شرط التيمم، وهو عدم الماء، وفي الصيد تحريمه، إن قلنا به. قال النوويّ ﵀ في «تحقيقه» بعد أن لخّص المسألة هكذا، وبسطها في «شرح المهذّب»: وقولُ ابن القاصّ أقوى في غير الثامنة، والتاسعة، والعاشرة. انتهى. ٢ - (ومنها): ما قالته الشافعية: لا فرق في الشك بين تساوي الاحتمالين في وجوب الحدث وعدمه، وبين ترجيح أحدهما وغلبة الظن في أنه لا وضوء عليه، فالشك عندهم خلاف اليقين، وإن كان خلاف الاصطلاح الأصوليّ، وقولهم موافق لقول أهل اللغة: الشك خلاف اليقين، نعم يُستحب الوضوء احتياطًا، فلو بان حدثه أوّلًا، فوجهان أصحهما لا يجزيه هذا الوضوء؛ لتردده في نيته، بخلاف ما إذا تيقن الحدث، وشك في الطهارة، فتوضأ، ثم بان محدثًا، فإنه يجزيه قطعًا، لأن الأصل بقاء الحدث، فلا يضر التردد معه، ولو تيقن الطهارة والحدث معًا، وشك في السابق منهما فأوجه؛ أصحها أنه يأخذ بضدّ ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء مطلقًا. ٣ - (ومنها): ما قال الخطابيّ ﵀: فيه حجة لمن أوجب الحدّ على من وُجِدت منه رائحة المسكر، وإن لم يُشاهَد شربه، ولا شهد عليه الشهود، ولا اعترف به. وتعقّبه العينيّ، بأن الحدود تدرأ بالشبهة والشبهة هنا قائمة. قال الخطابيّ: وفيه دلالة أيضًا على أنه إذا تيقّن النكاح، وشكّ في الطلاق كان على النكاح المتقدّم، إلا إن تيقّن الطلاق. قال ابن الملقّن: وهذا فرد من أفراد القاعدة التي أسلفناها، ويتعلّق بها ما رويناه بالإسناد إلى عبد الرحمن بن مالك بن مغراء، قال: جاء رجلٌ إلى أبي حنيفة، فقال: شربت البارحة نبيذًا، فلا أدري أطلّقتُ امرأتي أم لا؟، فقال له: المرأة امرأتك حتى تستيقن أنك طلّقتها، قال: فتركه، ثم جاء سفيان الثوريّ، فسأله، فقال: اذهب فراجعها، فإن كنت طلّقت، فقد راجعتها، وإلا فلا تضرّك المراجعة، فتركه وجاء إلى شريك، فقال له: اذهب فطلّقها ثم راجعها، فتركه، وجاء إلى زفر فسأله، فقال: هل سألت قبلي أحدًا؟، قال: نعم، وقمق عليه القصّةَ، فقال في جواب أبي حنيفة: الصوابَ قال لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما قال، ولما بلغ إلى قول شريك ضَحِك مليًّا، ثم قال: لأضربنّ لهم مثلًا، رجلٌ مرّ بشِعْب يسيل دمًا، فشكّ في ثوبه هل أصابه نجاسة؟ قال أبو حنيفة: ثوبك طاهر حتى تستيقن، وقال سفيان: اغسله، فإن كان نجسًا، فقد طهّرته، وإلا فقد زدته طهارةً، وقال شريك: بُلْ عليه، ثم اغسله، ذكره ابن الملقّن ، والله أعلم بصحّة القصّة. ٤ - (ومنها): مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع، وجواب السائل. ٥ - (ومنها): ترك الاستحياء في العلم، وأنه - ﷺ - كان يعلمهم كل شيء، وأنه يصلي بوضوء واحد صلوات ما لم يحدث. ٦ - (ومنها): قبول خبر الواحد. ٧ - (ومنها): أن من كان على حال لا ينتقل عنه إلا بوجود خلافه. ٨ - (ومنها): أنهم كانوا يَشْكُون إلى النبيّ - ﷺ - جميع ما ينزل بهم. ٩ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن رؤية المتيمم الماء في صلاته، لا ينقض طهارته ، وفيه نظرٌ؛ لأن الشرع جعل صلاحية طهارة التيقم مغيّاة بوجود الماء، فقد أخرج أبو داود، وغيره بسند صحيح، عن أبي ذرّ - ﵁ - مرفوعًا: «إن الصعيد الطيِّب طَهُور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك».
مصادر المؤلف (١٨)

١. وفي نسخة: «وهو» بالواو.

٢. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٦٠ - ٦٦١.

٣. «شرح النوويّ» ٤/ ٥١.

٤. «الفتح» ١/ ٢٨٦.

٥. «عمدة القاري» ٢/ ٣٨٢.

٦. «الفتح» ١/ ٢٨٦.

٧. «عمدة القاري» ٢/ ٣٨٢.

٨. «المصباح المنير»١/ ١٨٧.

٩. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام»١/ ٦٦١ - ٦٦٢.

١٠. «الفتح»١/ ٢٨٦.

١١. «شرح السنديّ على النسائيّ» ١/ ٩٩.

١٢. «الفتح» ١/ ٢٨٧.

١٣. ضعيف.

١٤. «عمدة القاري» ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤.

١٥. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٦٠ - ٦٦١.

١٦. هو أحمد بن أبي أحمد إمام جليل، توفّي بطرسوس سنة (٣٣٥ هـ). «المجموع» (١/ ١٤٣).

١٧. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٧٥ - ٦٧٦.

١٨. راجع: «عمدة القاري» ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥.