HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٦٨

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شيبة وابن نمير. جميعا عن أبي مُعَاوِيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ؛ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا. كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [٥/المائدة/ الآية-٦] فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ، لَأَوْشَكَ، إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ، أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ. فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ. فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ. ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً. ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ، وَوَجْهَهُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يقنع بقول عمار؟.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص192
ج ١ ص ٢٨٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٨ ص٤٥٠
وقولها: (قِلَادَةً) بكسر القاف: ما يُجعل في العنُق ، وهو العقد المذكور في الحديث الماضي، قال النوويّ ﵀: وأما العقد، فهو بكسر العين، وهو كلُّ ما يُعقد، ويُعلّق في العنق، فيُسمّى عِقْدًا وقِلادةً. انتهى . وقولها: (فَهَلَكَتْ) أي ضاعت، وهو بمعنى قولها السابق: «انقطع عقد لي». وقولها: (فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ) وفي رواية البخاريّ: «فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا»، ولا تنافي بين الروايتين؛ لإمكان الجمع بأنه - ﷺ - أرسل جماعة، وجعل رجلًا منهم رئيسًا عليهم، وهو أسيد بن حُضير - ﵁ -. وقولها: (فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ) هذا دليل لقول من قال: إن فاقد الطهورين يصلي على حاله، وقد تقدّم أن أرجح المذاهب وجوب الصلاة عليه، بلا إعادة؛ فتنبّه. [تنبيه]: قوله: «فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ» هذه الزيادة ادّعى ابن المنذر ﵀ في «الأوسط» (٢/ ٤٦) أنه تفرّد بها عبدة بن سليمان. ورُدّ عليه بأنه لم ينفرد بها، بل تابعه أبو أسامة، ومحمد بن بشر عند المصنّف هنا، وعبد الله بن نمير، عند الحسن بن سفيان في «مسنده»، وأبو نعيم عند الإسماعيليّ، أفاده في «الفتح» . قوله: (فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ) وفي رواية البخاريّ: «فوالله ما نزل بكِ أمرٌ تكرهينه، إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرًا». والحديث متّفقٌ عليه، والمسائل المتعلّقة به قد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٢٤] (٣٦٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ الله، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يَتَيَمَّمُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة، لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ، أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيد، فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ: أَلمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ: بَعَثَني رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيد، كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أتيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِين، وَظَاهِرَ كَفَّيْه، وَوَجْهَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَوَ لَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع)، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٤ - (شَقِيق) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة [٢] (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٥ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابيّ المشهور، مات - ﵁ - سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. ٦ - (عَمَّارُ) بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوَذِيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر بن يام بن عَنْس - بنون ساكنة - ابن مالك العنسي، أبو اليَقْظَان، حليف بني مخزوم، وأمه سُمَيّة مولاة لهم، كان من السابقين الأولين هو وأبوه، وكانوا ممن يُعَذَّب في الله، فكان النبي - ﷺ - يَمُرّ عليهم، فيقول: «صبرًا آل ياسر موعدكم الجنة»، واختُلف في هجرته إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، ثم شهد اليمامة فقطعت أذنه بها، ثم استَعمَله عمر - ﵁ - على الكوفة، وكَتَبَ إليهم أنه من النجباء، من أصحاب محمد - ﷺ -. وتواترت الأحاديث عن النبي - ﷺ - أن عمارًا تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنه قُتل مع علي - ﵁ - بصِفِّين قتله أبو غادية الجهنيّ، وقيل: المزنيّ، طعنه برمح فسقط، سنة سبع وثمانين في ربيع، وله ثلاث وتسعون سنة ، واتفقوا على أنه نزل فيه قوله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . وقال النبيّ - ﷺ - في حقّه: «مَرْحبًا بالطيّب المطيّب» ، وقال: «اهتدوا بهدي عمّار» ، وقال: «من أبغض عمّارًا أبغضه الله، ومن عاداه عاداه الله» . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط ، هذا برقم (٣٦٨) وأعاده بعده، وحديث (٨٦٩): «إن طول صلاة الرجل، وقِصَر خطبته مئنّة من فقهه …»، وحديث رقم (٢٧٧٩) وأعاده بعده، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّفاق كيفيّة تحمّله عنهم، وهي السماع من لفظهم مع غيره. ٢ - (ومنها): أن فيه قوله: «قال أبو بكر … إلخ»، وذلك أن شيوخه الثلاثة، وإن اشتركوا في الرواية عن أبي معاوية، إلا أن شيخه أبا بكر صرّح بالتحديث عنه، بخلاف الآخرين، فبيّنه المصنّف بالتفصيل. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٤ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش، إلا الثوريّ. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ: أبي موسى، عن عمّار - ﵄ -، وتابعيّ عن تابعيّ مخضرم: الأعمش، عن شقيق، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ شَقِيق) بن سلمة، أبي وائل ﵀، وفي رواية للبخاريّ من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، قال: «سمعتُ شقيق بن سلمة»، فصرّح الأعمش بالسماع، فزالت عنه تهمة التدليس، أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - (وَأَبِي مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ - (فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن مسعود (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ) قال في «القاموس»: «الجَنابة»: الْمَنيّ، وقد أجنب، وجَنِبَ - بكسر النون - وجَنُبَ - بضمّها - وأُجْنِبَ - بالبناء للمفعول - واسْتَجْنَبَ، وهو جُنُبٌ يستوي الواحد والجميع، أو يقال: جُنبان، وأَجْنابٌ، لا جُنُبَةٌ. انتهى . وقال في «المفهم»: قال الفرّاء: يقال: أجنب الرجل، وجَنُبَ من الجنابة، وقال غيره: يقال: جُنُبٌ للواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنّث، قال ابن فارس: وقد قيل في الجمع: أجنابٌ، والجنابة: الْبُعْدُ، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: فَلَا تَحْرِمَنِّي نَائِلًا عَنْ جَنَابَةٍ … فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الْقِبَابِ غَرِيبُ فقوله: «عن جنابة»: أي بُعْدٍ، قال الأزهريّ: وسُمّي جُنُبًا؛ لأنه نُهِي أن يقرَبَ مواضع الصلاة ما لم يتطهّر، فيجتنبها، وقال الشافعيّ: إنما سُمّي جُنُبًا من المخالطة، ومن كلام العرب: أجنب الرجلُ: إذا خالط امرأته، وهذا ضدّ المعنى الأول، كأنه من القرب منها. انتهى . (فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا) المراد طول المدّة، لا التحديد بالشهر (كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟) أي هل يصلّي بالتيمّم، أم يترك الصلاة؟، وفي رواية البخاريّ: «لو أن رجلًا أجنب، فلم يجد الماء شهرًا، أما كان يتيمّم، ويُصلّي؟» (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - (لَا يَتَيَمَّمُ) يعني أنه لا يُصلي؛ لعدم ما يتوضّأ به (وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا) قال القرطبيّ ﵀: كان مذهب عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن الجنب لا يتيمّم؛ لأنه ليس داخلًا في عموم ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، ألا تراه قد سَلَّم ذلك لأبي موسى، ونحا إلى منع الذريعة، وكأنه كان يعتقد تخصيص العموم بالذريعة، ولا بُعْدَ في القول به على ضعفه. وأما عمر بن الخطاب - ﵁ -، فكان يرى أن الآية لا تتناول الجنب رأسًا، فمنعه التيمّم لذلك، وتوقّف في حديث عمّار - ﵁ -؛ لكونه لم يَذْكُره حين ذَكَّرَه به، وقد صحّ عن عمر، وابن مسعود أنهما رجعا إلى أن الجنب يتيمّم، وهو الصحيح؛ لأن الآية بعمومها متناولة له، ولحديث عمّار - ﵁ - المذكور هنا، وحديث عمران بن الحصين - ﵄ -، حيث قال النبي - ﷺ - للرجل الذي قال له: أصابتني جنابةٌ ولا ماء، فقال له: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك»، متّفقٌ عليه، وهذا نصّ رافعٌ للخلاف. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في المسألة الخامسة في الحديث (٨٢٢) تحقيق القول في مسألة تيمّم الجنب، وأن الراجح جوازه، وهو مذهب الجمهور، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) - ﵁ - (فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ) وفي رواية البخاريّ: «فكيف تصنعون بهذه الآية؟»، وقوله: (فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ) متعلّق بصفة لـ «الآية»، أو حال منه. وإنما عَيَّنَ سورة المائدة؛ لكونها أظهر في مشروعيّة تيمّم الجنب من آية النساء؛ لتقدّم حكم الوضوء في المائدة. وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؟ [المائدة: ٦] بدلٌ من «الآية، أو عطف بيان. قال الخطّابيّ وغيره: فيه دليلٌ على أن عبد الله بن مسعود كان يرى أن المراد بالملامسة الجماع، فلهذا لم يَدفع دليل أبي موسى - ﵁ -، وإلا لكان يقول له: المراد من الملامسة التقاء البشرتين فيما دون الجماع، وجَعْلُ التيمّم بدلًا من الوضوء لا يستلزم جعله بدلًا من الغسل. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الخطابيّ وغيره من أن ابن مسعود - ﵁ - يرى أن المراد بالملامسة الجماع واضح من هذه القصّة، وتَعَقُّب العينيّ تبعًا للكرمانيّ مما لا يخفى بُعْده على من تأمله، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - (لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ) بالبناء للمفعول (فِي هَذِهِ الْآيَةِ) «في» هنا سببيّة، كما في حديث: «عُذّبت امرأة في هرّة حبستها»، متّفقٌ عليه، أي بسبب هذه الآية (لَأَوْشَكَ) أي أسرع، قال في «القاموس»: وَشُكَ الأمرُ، ككَرُمَ: سَرُعَ، كَوَشَّكَ، وأوشك: أسرع السيرَ؛ كَوَاشَك، ويوشِكُ الأمرُ أن يكون، وأن يكونَ الأمرُ، ولا تُفْتَحُ شينه، أو لغةٌ رَدِيَّةٌ. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: يُوشِك أن يكون كذا من أفعال المقاربة، والمعنى: الدنوّ من الشيء، قال الفارابيّ: الإيشاك: الإسراع، وفي «التهذيب» في باب الحاء: وقال قتادة: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: إن لنا يومًا أوشك أن نستريح فيه، ونَنْعَمَ»، لكن قال النحاة: استعمال المضارع أكثر من الماضي، واستعمال اسم الفاعل منها قليلٌ، وقال بعضهم: وقد استعملوا ماضيًا ثلاثيًّا، فقالوا: وَشُكَ مثلُ قَرُبَ، وُشْكًا. انتهى . قال ابن مالك ﵀ في «خلاصته»: وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعًا لِـ «أَوْشَكَا» … وَ«كَادَ» لَا غَيْرُ وَزَادُوا «مُوشِكَا» (إِذَا بَرَدَ) بفتح الراء على المشهور، وحَكَى الجوهريّ ضمّها، قاله في «الفتح» . وعبارة «القاموس»: الْبَرْدُ: معروفٌ، بَرَدَ، كنَصَرَ، وكَرُمَ، بُرُودةً، وماءٌ بَرْدٌ - بفتح، فسكون - وباردٌ، وبَرُودٌ - بالفتح -، وبُرَادٌ - بالضمّ، وتخفيف الراء - ومَبْرُودٌ، وبَرَدَهُ - بالتخفيف - وبَرّده - بالتشديد -: جعله باردًا، أو خَلَطه بالثلج. انتهى . وفي «المصباح»: بَرُد الشيءُ بُرُودةً، مثلُ سَهُلَ سُهُولةً: إذا سكنت حرارته، وأما بَرَدَ بَرْدًا، من باب نصر، فيُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، يقال: بَرَدَ الماءُ، وبَرَدتُهُ، فهو باردٌ ومَبْرُودٌ، وهذه العبارة تكون من كلّ ثلاثيّ يكون لازمًا ومتعدّيًا، قال الشاعر [من الطويل]: وَعَطِّلْ قَلُوصِي فِي الرِّكَابِ فَإِنَّهَا … سَتبرُدُ أَكْبَادًا وَتُبْكِي بَوَاكِيَا وبَرَّدتُهُ بالتثقيل مبالغةٌ. انتهى . (عَلَيْهِمُ) متعلّق بـ «بَرَدَ» (الْمَاءُ) بالرفع على الفاعليّة، وقوله: (أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ) في تأويل المصدر فاعل «أوشك»، أي أوشك تيمّمهم بالصعيد، و«أوشك» هنا تامّة لا تحتاج إلى خبر، وذلك أنها من أفعال المقاربة التي تنسخ المبتدأ والخبر، فترفع المبتدأ اسمًا لها، وتنصب الخبر خبرًا لها، وتُسمّى ناقصةً، نحو: أوشك زيد أن يقوم، وتُستعمل أيضًا تامّة، وهي التي تكتفي بمرفوعها، نحو: أوشك أن يقوم زيد، وكهذا الحديث، ومثلها في ذلك «عسى»، و«اخلولق»، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» بقوله: بَعْدَ «عَسَى» «اخْلَوْلَقَ» «أَوْشَكْ» قَدْ يَرِدْ … غِنًى بِـ «أَنْ يَفْعَلَ» عَنْ ثَانٍ فُقِدْ (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ - (لِعَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - (ألمْ تَسْمَعْ) قال في «الفتح»: ظاهره أن ذكر أبي موسى لقصّة عمّار متأخّرٌ عن احتجاجه بالآية، ووقع في رواية للبخاريّ من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش أن احتجاجه بالآية متأخر عن احتجاجه بحديث عمّار - ﵁ -، قال: ورواية حفص أرجح؛ لأن فيها زيادة تدلّ على ضبط ذلك، وهي قوله: فَدَعنا من قول عمّار، كيف تصنع بهذه الآية؟. انتهى . (قَوْلَ عَمَّار) بالنصب على المفعوليّة لـ «تسمع» (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) يقال: بعثه، وابتعثه بمعنى أرسله، فابتعث، وهو من المطاوع، ومنه بعثت الناقة: أثرتها، وبعثه من منامه: أي أنبهه، وبعث الله الموتى: أي نشرهم ليوم البعث، وانبعث في السير: أي أسرع فيه (فِي حَاجَةٍ) هي رعاية الإبل، ففي رواية النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: «أتذكر يا أمير المؤمنين، حيث كنت بمكان كذا وكذا، ونحن نرعى الإبل، فتعلم أنا أجنبنا»، وفي رواية المصنّف التالية: «أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سريّة، فأجنبنا»، وفي رواية أحمد في «مسنده» من طريق يعلى بن عبيد، عن الأعمش: «بعثني رسول الله - ﷺ - أنا وأنت فأجنبتُ» (فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ) وفي رواية ابن أبي أبزى الآتية: «فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصلّ، وأما أنا فتمعّكت في التراب» (فَتَمَرَّغْتُ) أي تقلّبتُ، قال ابن الملقّن: التمرّغ في الشيء: التمعّك فيه، ويقال للموضع المتمرَّغ فيه: متمرَّغٌ، ومَرَاغ، ومَرَاغة. انتهى. (فِي الصَّعِيدِ) أي في التراب، كما في الرواية الأخرى (كَمَا تَمَرَّغُ) بحذف إحدى التاءين؛ تخفيفًا، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في «الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ … عَلَى تَا كَـ «تَبَيَّنُ الْعِبَرْ» أي تتمرّغ الدابّة، أي تتقلّب. وفيه دليلٌ على أنْ عمّارًا - ﵁ - كان عنده علم بأصل التيمّم، وإنما لا يعلم كيفيّته، وكأن عمّارًا - ﵁ - استعمل القياس في هذه المسألة؛ لأنه لَمّا رأى أن التيمّم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء، رأى أن التيمّم عن الغسل يقع على هيئة الغسل . (الدَّابَّةُ) في الأصل كلُّ ماش على وجه الأرض، وقد أخرجها العرف عن هذا الأصل، فاستعملها أهل العراق في الفَرس خاصّةً، وأهل مصر في الحمار، قال الجوهريّ: وقولهم: أكذب مَنْ دَبّ ودَرَج: أي أكذب الأحياء والأموات . (ثُمَّ أتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ) أي تيمّمه للجنابة بالتمرّغ، زاد في رواية النسائيّ: «فضحك»، وإنما ضحك تعجّبًا من فعله ذلك (فَقَالَ) - ﷺ - معلّمًا له كيفيّة التيمّم المشروع في الجنابة («إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ) بفتح أوله: أي يجزيك عن التمرّغ (أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا») فيه إطلاق القول على الفعل مجازًا، وقد تقدّم غير مرّة. قال الحافظ ﵀: فيه دليلٌ على أن الواجب في التيمّم هي الصفة المشروحة في هذا الحديث، والزيادة على ذلك لو ثبت بالأمر دلّ على النسخ، ولزم قبولها، لكن إنما وردت بالفعل، فتُحمل على الأكمل، وهذا هو الأظهر من حيث الدليل. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: خاطبه بـ «إنما» ليحصر له القدر الواجب، وهو أن يضرب الأرض بيديه، ثم يمسح وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح كفّيه، ولم يُختَلَف أن الوجه كلّه لا بدّ من استيعابه، واختَلَفوا هل الواجب أن يبلغ إلى المرفقين، أم يقتصر على الكوعين؟ وإنما يُستحبّ الإيصال إلى المرفقين، فإن اقتصر على الكوعين أجزأه، وهذا مذهب ابن القاسم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قول الحافظ: «فتُحمل على الأكمل» فيه نظر، وكذا قول القرطبيّ: «ثم يضرب ضربة أخرى … إلخ»، فيه نظر أيضًا، فمن أين له تكرار الضرب؟ فإن الثابت في الحديث الصحيح في كيفيّة التيمّم ضربة واحدة للوجه والكفين، فما زاد على هذا فليس عليه دليلٌ يصحّ الاعتماد عليه، فلا ينبغي القول باستحبابه، وسيأتي تحقيق القول فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. (ثُمَّ) بيّن المعنى المراد بالقول المشار إليه بقوله: (ضَرَبَ بِيَدَيْهِ) وفي رواية النسائيّ: «بكفّيه» (الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً) زاد في رواية: «ثم نفخ فيهما»، وفي رواية: «ثم أدناهما من فيه»، وهو كناية عن النفخ، وفيهما إشارة إلى أنه كان نفخًا خفيفًا، وفي رواية: «تَفَلَ فيهما»، و«التَّفْلُ» قال أهل اللغة: هو دون الْبَزْق، والنَّفْثُ دونه. قال الحافظ ﵀: وسياق هؤلاء يدلّ على أن التعليم وقع بالفعل، ولمسلم من طريق يحيى بن سعيد - يعني الرواية التالية - والإسماعيليّ من طريق يزيد بن هارون وغيره، كلهم عن شعبة أن التعليم وقع بالقول، ولفظهم: «إنما كان يكفيك أن تضرب الأرضَ بيدك»، زاد يحيى: «ثم تنفُخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفّيك». واستُدلّ بالنفخ على استحباب التخفيف للتراب، وعلى سقوط استحباب التكرار في التيمّم؛ لأن التكرار يستلزم عدم التحفيف ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ مَسَحَ) - ﷺ - (الشِّمَالَ) بكسر الشين: خلاف اليمين، وجمعها أَشْمُلٌ، مثلُ: ذِرَاع وأذرُع، وشمائل أيضًا . (عَلَى الْيَمِينِ) ويقال أيضًا: الْيُمنى، وهي مؤنّثةٌ، وجمعها: أَيْمُنٌ، وأيمانٌ. قال القرطبيّ ﵀: ومسحه الشمال على اليمين مراعاةٌ لحال اليمين حتى تكون هي المبدوء بها . (وَظَاهِرَ كفَّيْهِ) بالنصب عطفًا على «الشِّمالَ»، أي مسح ظاهر كفّيه، فهو من عطف المفصل على المجمل، فإن قوله: «الشمال على اليمين» فيه إجمال من حيث شموله لكلّ اليدين، ففصّله بأن المراد مسح ظاهر كفّ اليمين بالشمال. و«الكفّ» مؤنّثةٌ وقد تُذكَّر، سُمّيت بذلك؛ لأنها تكُفّ الأذى عن البدن: أي تدفعه، وقيل: لأن بها تُضمّ الأشياء وتُجْمَع. [فائدة]: في الإنسان عشرة أشياء أولها كاف: كُوعٌ، وكُرسوعٌ، وكفّ، وكَتِفٌ، وكَتَدٌ - بفتح التاء وكسرها -، وهو مجتمع الكتفين، وقيل: ما بين الكاهل والعنق، وكاهلٌ، وكُليةٌ ، وهو ما بين الكتفين، وكبِدٌ، وكَمَرةٌ، وهي الحشفة، وكعبٌ، أفاده ابن الملقّن ﵀ . وقد نظمت ذلك بقولي: وَجَاءَ فِي الإِنْسَانِ عَشْرٌ تُبْتَدَا … أَوَّلُهَا بِالْكَافِ نِلْتَ الرَّشَدَا كُوعٌ وَكُرْسُوعٌ وَكَفٌّ وَكَتِفْ … وَكَتَدٌ وَكَاهِلٌ مِنْهَا عُرِفْ وَكُلْيَةٌ كَعْبٌ وَكَبْدٌ كَمَرَهْ … قَرَّبْتُهَا نَظْمًا لِقَوْمٍ بَرَرَهْ (وَوَجْهَهُ) بالنصب أيضًا، أي ومسح وجهه أيضًا، والوجه: مأخوذ من المواجهة، ويقال له: الْمُحَيّا أيضًا . قال القرطبيّ ﵀: وكونه في هذه الرواية أخّر الوجه في الذكر، وكونه في الرواية الثانية قدّمه يدلّ على عدم ترتيب الواو. انتهى . [تنبيه]: وقع في رواية للبخاريّ: «ثم مسح بهما ظهر كفّه بشماله، أو ظهر شماله بكفّه، ثم مسح بهما وجهه»، قال في «الفتح»: كذا في جميع الروايات بالشكّ، وفي رواية أبي داود تحرير ذلك، من طريق أبي معاوية أيضًا، ولفظه: «ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله، على الكفين، ثم مسح وجهه». وفيه الاكتفاء بضربة واحدة في التيمم، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء، واختاره. وفيه أن الترتيب غير مُشْتَرَط في التيمم، قال ابن دقيق العيد: اختُلِف في لفظ هذا الحديث، فوقع عند البخاري بلفظ: «ثُمّ»، وفي سياقه اختصار، ولمسلم بالواو، ولفظه: «ثم مَسَحَ الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه»، وللإسماعيلي ما هو أصرح من ذلك، ولفظه من طريق هارون الحمّال، عن أبي معاوية: «إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، ثم تنفُضَهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك». انتهى . = حيوان، وهما لحمتان حمراوان لازقتان بعظم الصلب عند الخاصرتين، وهما منبت زرع الولد. اهـ. «المصباح» ٢/ ٥٤٠. [تنبيه آخر]: قال الكرمانيّ عند شرح رواية البخاريّ المذكورة: اعلم أن هذه الكيفيّة مشكلة من جهات: الأول: مما ثبت من الطريق الآخر أنه ضربتان، وقال النوويّ: الأصحّ المنصوص ضربتان. والثاني: من جهة الاكتفاء بمسح ظهر كفّ واحدة، وبالاتفاق مسح كلا ظهري الكفين واجبٌ، ولم يُجز أحد الاجتزاء بأحدهما. والثالث: من حيث إن الكفّ إذا استُعمل ترابه في ظهر الشمال كيف مسح به الوجه، وهو صار مستعملًا؟. والرابع: من جهة أنه لم يمسح الذراعين. والخامس: من جهة عدم مراعاة الترتيب، وتقديم الكفّ على الوجه. انتهى. قال العينيّ ﵀: هذه خمسة إشكالات أوردها، ثم تكلّف في الجواب عنها، ثم قال في آخره: هذا غاية وُسعنا في تقريره، ولعلّ عند غيرنا خير منه. أقول - وبالله التوفيق -: ملخّص الجواب عن الأول بالمنع بأنا لا نسلّم أن هذا التيمّم كان بضربة واحدة. قلت: منعه ممنوع؛ لأنه كان بضربة واحدة؛ لأنه صرّح فيه بأن الضربة الواحدة كافيةٌ، فحمل هذا على الجواز، وما ورد من الزيادة عليها على الكمال. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «وما ورد … إلخ» فيه أن ما ورد لا يصحّ، فلا حاجة إلى حمله على الكمال، كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. قال: وقوله: وقال النوويّ: الأصحّ المنصوص ضربتان اعتراض على الحديث بالمذهب، وهو غير صحيح. وأجاب عن الثاني بأنه لا بدّ من تقدير: ثم ضَرَبَ ضربةً أُخرى، ومسح بهما يديه. قلت: لا يحتاج إلى هذا التقدير؛ لأن أصل الفرض يقوم بضربة واحدة كما في الوضوء، على أن مذهب جمهور العلماء الاكتفاء بضربة واحدة، كذا ذكره ابن المنذر، واختاره هو أيضًا، والبخاريّ أيضًا، فلذلك بوّب عليه، فقال: «باب التيمّم ضربةٌ». وأجاب عن الثالث بما لا طائل تحته، والجواب السديد ملخّصًا: أن التراب لا يأخذ حكم الاستعمال، وهذا الحكم في الماء دون التراب. وأجاب عن الرابع بمنع إيجاب مسح الذراعين، وأكّد ذلك بقوله: ولهذا قالوا: مسح الكفين أصحّ في الرواية، ومسح الذراعين أشبه بالأصول. قلت: فعلى هذا الإشكال الرابع غير وارد من الأول. وأجاب الخامس بمنع إيجاب الترتيب، كما هو مذهب الحنفيّة. قلت: هذه استعانة برأي من هو مخالف رأيه. انتهى . (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود لأبي موسى - ﵄ - (أَوَ لَمْ تَرَ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵁ - (لَمْ يَقْنَعْ) أي لم يَرْضَ، وهو بفتح النون، مضارع قَنِعَ بكسرها، يقال: قَنِعْتُ به قَنَعًا، من باب تَعِبَ، وقَنَاعَةً: إذا رَضِيتَ به، وهو قَنِعٌ، وقَنُوعٌ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أقنعني . (بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟) - ﵁ -؛ أي لأنه ذكّره قضيّةً متعلِّقة به، فلم يذكرها. قال القرطبيّ ﵀: لم يُنكر عمر على عَمَّار إنكارَ قاطعٍ بردّ الخبر؛ لكون عمّار غير ثقة، بل منزلةُ عمّار، وعِظَم شأنه ومكانته كلُّ ذلك معلوم، وإنما كان ذلك من عمر - ﵁ -؛ لأنه لَمّا نَسَبه إليه، ولم يَذْكُره توقّف عمر، ولذلك قال له: «نولِّيك من ذلك ما تولَّيتَ»، أي ما تحمّلتَ عهدته مما ذكرته. انتهى بتصرّف . وقال في «العمدة»: قوله: «لم يقنع بقول عمّار» وجه عدم قناعته بقول عمّار هو أنه كان معه في تلك القضيّة، ولم يتذكّر عمر ذلك أصلًا، ولهذا قال لعمّار فيما رواه مسلم عن عبد الرحمن بن أبزى: «اتّق الله يا عمّار»، أي فيما ترويه، وتثبّت فيه فلعلّك نسِيتَ، أو اشتبه عليك، فإني كنت معك، ولا أتذكّر شيئًا من هذا، ومعنى قول عمّار: «إن شئت لم أحدّث به»: إن رأيتَ المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحةً على التحديث وافقتك وأمسكتُ، فإني قد بلّغته، ولم يبقَ عليّ حرج، فقال له عمر - ﵁ -: «إنا نوليك ما تولّيتَ»: أي لا يلزم من كوني لا أتذكّره أن لا يكون حقًّا في نفس الأمر، فليس لي منعك من التحديث به. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمّار - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [٢٧/ ٨٢٤ و٨٢٥ و٨٢٦ و٨٢٧] (٣٦٨)، و(البخاريّ) في «التيمّم» (٣٣٨ و٣٣٩ و٣٤٠ و٣٤١ و٣٤٢ و٣٤٣ و٣٤٥ و٣٤٦ و٣٤٧)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٣٤٥ و٣٤٦ و٣٤٧)، و(الترمذيّ) فيها (١٤٤)، و(النسائيّ) فيها (١/ ١٧٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٥٩) و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٦٥ و٣١٩ و٣٢٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٦٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٣٠٣ و١٣٠٤ و١٣٠٥ و١٣٠٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١١٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ٢١٤)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ١٨٣)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٢٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٠٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٧٥ و٨٧٦ و٨٧٧ و٨٧٨ و٨٧٩ و٨٨٠ و٨٨١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٨١١ و٨١٢ و٨١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة التيمّم للجنب، وبه قال العلماء كافّة، إلا ما حُكي عن عمر وابن مسعود، وإبراهيم النخعيّ، وقيل: إن الأولين رجعا، وقد تقدّم تحقيق القول في هذا قريبًا. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الضرب باليدين على الصعيد. ٣ - (ومنها): أنه دليل للمذهب الصحيح، وهو الاكتفاء بضربة واحدة للوجه واليدين، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): أن فيه دلالة على أنه يكفي المسح على الكفّين، ولهذا خاطبه بلفظ: «إنما»؛ ليحصر القدر المطلوب فيه، وسيأتي تحقيقه أيضًا - إن شاء الله تعالى -. ٥ - (ومنها): أن فيه أن من أُرسل في أمر عظيم ينبغي أن يتحفّظ، ولا يُشْهِر ما أُرسل فيه إذا رأى ذلك مصلحة، ويفعل كما فَعَل عمّار حيث لم يصرّح بالحاجة ما هي؟. ٦ - (ومنها): أن المتأوّل المجتهد لا إعادة عليه؛ لأنه - ﷺ - لم يأمر عمّارًا بالإعادة، وإن كان قد أخطأ في اجتهاده؛ لأنه إنما ترك هيئة الطهارة، قاله ابن الملقّن، وهو محلّ نظر؛ فليُتأمّل. ٧ - (ومنها): جواز الاجتهاد في حياته - ﷺ -، فإن عمّارًا - ﵁ - اجتهد في صفة التيمّم، وقد اختُلف فيه، والأصحّ جوازه مطلقًا، وقيل: لا يجوز مطلقًا، وقيل: يجوز للغائب من حضرته، ولا يجوز لمن فيها . ٨ - (ومنها): أن تقديمه في هذه الرواية مسح اليدين على الوجه يدلّ على عدم وجوب الترتيب في التيمّم. ٩ - (ومنها): جواز التيمّم بالمستعمل، حيث مسح وجهه بما مسح به كفّيه، وفيه خلاف، والأرجح الجواز؛ لما ذكرنا. قال الإمام ابن حبّان ﵀ في «صحيحه» بعد إخراج الحديث، ما نصّه: في تعليم المصطفى - ﷺ - التيمّم، والاكتفاء فيه بضربة واحدة للوجه والكفّين أبين البيان بأن المؤدَّى به الفرض مرّةً جائزٌ أن يؤدّى به الفرض ثانيًا، وذلك أن المتيمّم عليه الفرض أن يُمِّم وجهه وكفّيه جميعًا، فلما أجاز - ﷺ - أداء الفرض في التيمّم لكفّيه بفضل ما أدَّى به فرضَ وجهه صحّ أن التراب المؤدَّى به الفرض بعضو واحد جائز أن يؤدَّى به فرض العضو الثاني به مرّةً أخرى، ولَمّا صحّ ذلك في التيمّم صحّ ذلك في الوضوء سواءً. انتهى كلام ابن حبّان ﵀ . ١٠ - (ومنها): أن من فعل ما أُمر به بزيادة أنه يصحّ؛ لأن عمّارًا - ﵁ - تمرّغ، فاكتفى بالتمرّغ من مسح كفّيه، ووجهه؛ لاندراج أعضاء التيمّم في التمرّغ. ١١ - (ومنها): أنه يُستفاد منه مراجعة أهل العلم فيما اجتهد فيه، فإن عمّارًا - ﵁ - راجع النبيّ - ﷺ - فيما اجتهد فيه. ١٢ - (ومنها): أن العلماء ينبغي لهم بيان وجه الصواب لمن راجعهم دون تعنيف وتوبيخ بخطئه. ١٣ - (ومنها): أن فيه البيان بالفعل؛ لأنه أبلغ من القول في التفهيم، كما بيّن النبيّ - ﷺ - لعمّار بالفعل. ١٤ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قوله: «فتمرّغت في الصعيد كما تمرّغ الدابّة»، كأنه استعمالٌ لقياس لا بُدّ فيه من تقدّم العلم بمشروعيّة التيمّم، وكأن عمّارًا لَمّا رأى أن الوضوء خاصّ ببعض الأعضاء، وكان بدله، وهو التيمّم خاصًّا وجب أن يكون بدل الغسل الذي يعمّ جميع البدن عامًّا لجميع البدن. وقال أبو محمد بن حزم الظاهريّ: في هذا الحديث إبطال القياس؛ لأن عمّارًا قدّر أن للمسكوت عنه من التيمّم للجنابة حكم الغسل للجنابة؛ إذ هو بدل منه، فأبطل رسول الله - ﷺ - ذلك، وأعلمه أن لكل شيء حكمه المنصوص عليه فقط. والجواب عما قال أن الحديث دلّ على بطلان هذا القياس الخاصّ، ولا يلزم من بطلان الخاصّ بطلان العامّ، والقائسون لا يعتقدون صحّة كلّ قياس، ثم في هذا القياس شيء آخر، وهو أن الأصل الذي هو الوضوء قد أُلغي فيه مساواة البدل له، فإن التيمّم لا يعمّ جميع أعضاء الوضوء، وصار مساواة البدل للأصل مُلْغًى في محلّ النصّ، وذلك لا يقتضي المساواة في الفرع. بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلًا على صحّة أصل القياس، فإن قوله - ﷺ -: «إنما كان يكفيك كذا وكذا» يدلّ على أنه لو كان فَعَلَهُ لكفاه، وذلك دليلٌ على صحّة قولنا: لو كان فعله لكان مصيبًا، ولو كان فَعَلَه لكان قائسًا للتيمّم للجنابة على التيمّم للوضوء، على تقدير أن يكون اللمس المذكور في الآية ليس هو الجماعَ؛ لأنه لو كان عند عمّار هو الجماعَ لكان حكم التيمّم مبيّنًا في الآية، فلم يكن يحتاج إلى أن يتمرّغ، فإذن فعله ذلك يتضمّن اعتقاد كونه ليس عاملًا بالنصّ؛ بل بالقياس، وحكم النبيّ - ﷺ - بأنه كان يكفيه التيمّم على الصورة المذكورة، مع ما بيّنّا من كونه لو فَعَل ذلك لفعله بالقياس عنده لا بالنصّ. انتهى كلام ابن دقيق العيد ﵀ . وكتب الصنعانيّ ﵀ على قوله: «فإذن فعله ذلك … إلخ»، ما نصّه: أقول: تمرّغه قد يتضمّن أنه فعله اعتمادًا على القياس؛ إذ لو عَمِل بالنصّ لما جاز أعضاء التيمّم؛ لأن النصّ قد بيّن كمّيّة الأعضاء التي تُطهَّر بالتراب في جنابة ووضوء، فلمّا تمرّغ دلّ على أنه قاس الجنابة على الحدث الأصغر في أنه يرفعها التراب كما يرفعه، وألحق التراب بالماء في عموم البدل، فأقرّ - ﷺ - القياس الأول، ونفى الثاني. ويَحْتَمِل أنه قد عَلِم الحكم، وهو أن التراب يرفع الجنابة من الآية، وحَمَل الملامسة على الجماع، وحَمَل قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] على أنه بيان لكمّيّة الأعضاء في تيمّم الوضوء وكيفيّته، وأنه أُحيل بيان كيفيّته وكمّيّته عن الجنابة على القياس على الماء، فَعَمَّ بالتمرّغ البدن قياسًا للتراب على الماء بجامع أنه يطهّر مثله، فأبطل - ﷺ - هذا القياس، وأبان له أن الحكم في ذلك في الوضوء والغسل واحدٌ، وأن النصّ قد شَمِلَ الأمرين، وأنه أخطأ في القياس مع وجود النصّ، وعلى كلّ تقدير لم تتمّ لأبي محمد الحجة بالحديث على بطلان القياس من حيث هو، وإبطاله - ﷺ - له ليس إلا لاختلاله، والمفهوم اعتباره كما سبقت الإشارة إليه. انتهى كلام الصنعاني ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كيفيّة التيمّم: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في كيفية التيمم: فقالت طائفة: يبلغ به الوجه واليدين إلى الآباط، هكذا قال الزهري. وقالت طائفة: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، هذا قول ابن عمر، والحسن، والشعبيّ، وسالم، ورُوي ذلك عن جابر. وقال النخعيّ: أعجب إليّ أن يبلغ به إلى المرفقين، وهذا قول مالك، والليث، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وسفيان، والشافعيّ، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: ضربتين أحب إليّ. قال: ومن حجة بعض القائلين بهذا القول أحاديث ثلاثة: [أحدها]: حديث نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر إلى ابن عباس في حاجة، فكان من حديثه يومئذ أن النبيّ - ﷺ - بال، قال: فمر عليه رجل، فسلّم عليه، فلم يرد ﵇، حتى ضرب بيديه على الحائط، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح بهما ذراعيه، ثم رد ﵇. [والحديث الثاني]: رواه الأعرج، عن أبي الصِّمّة، أن النبيّ - ﷺ - تيمم، فمسح وجهه وذراعيه. [والحديث الثالث]: ما رواه الربيع بن بدر، عن أبيه، عن جدّه، عن أسلع، قال: كنت مع النبيّ - ﷺ -، فأصابتني جنابة، فقال: «يا أسلع قُمْ، فارحل لي»، فقلت: أصابتني جنابة، فسكت، فنزلت آية التيمم، فأراني التيمم، فضرب بيديه، فمسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما. وقالت طائفة: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الرسغين، رُوي هذا القول عن عليّ. وقالت طائفة: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهذا قول عطاء، ومكحول، والشعبيّ، ورُوي ذلك عن ابن المسيّب، والنخعيّ، وبه قال الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق. واحتجت هذه الفرقة بحُجَج، فأعلى ما احتَجَّت به الأخبار الثابتة عن النبيّ - ﷺ - الدالة على صحة هذا القول، كحديث عمّار - ﵁ - هذا المتّفق عليه. قال ابن المنذر ﵀: وأما الأخبار التي رُويت عن عمار التي فيها ذكر اختلاف أفعالهم حين نزلت آية التيمم قبل أن يأتوا النبيّ - ﷺ -، فيُعَلِّمهم صفة التيمم مما فعلوه عند نزول الآية احتياطًا، فلما جاؤوه علّمهم، فقال لعمار: «إنما كان يكفيك هذا»، وفي قوله: «إنما كان يكفيك هذا»، دليل على أن الفعل الذي كان منهم كان قبل أن يُعْلِمهم، والدليل على صحة هذا القول أن عمارًا عَلَّمهم بعد النبيّ - ﷺ - في ولايته أيام عمر على الكوفة التيمم ضربة للوجه والكفين. ومما احتجت به هذه الفرقة أنهم قد أجمعوا على أن عليه في التيمم أن يمسح بوجهه وكفيه، واختلفوا فيما زاد على ذلك، فثبت فرض ما أجمعوا عليه بالكتاب، واختلفوا فيما زاد على الوجه والكفين، ولا يجب الفرض باختلاف، ولا حجة مع قائله، وفي تعليمه - ﷺ - أصحابه صفة التيمم، دليلٌ على معنى ما أراد الله تعالى بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]؛ لأنه المبين عن الله معنى ما أراد، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقد بَيَّن لَمّا قال لعمار: «إنما يكفيك هذا» أن الذي فرض الله مسح الوجهين والكفين. وقد احتَجَّ مكحول بحجة أخرى، قال: لَمَّا قال تعالى في الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في آية التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، ولم يستثن إلى المرافق، ثم قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، قال مكحول: فإنما تُقْطَع يد السارق الكفّ من الْمَفْصِل. قال ابن المنذر ﵀: قد ذكرنا معاني الأخبار التي فيها ذكر تيممهم قبل أن يأتوا النبيّ - ﷺ -، وتعليمه إياهم، فأما الأخبار الثلاثة التي احتَجَّ بها مَن رأى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فمعلولة كلها، لا يجوز أن يُحْتَجَّ بشيء منها، فمنها حديث محمد بن ثابت، ولم يرفعه غيره، وقد دَفَع غيرُ واحد من أهل العلم حديثه، قال يحيى بن معين: محمد بن ثابت ليس بشيء، وهو الذي رَوَى حديث نافع، عن ابن عمر في الضربتين يُضَعَّف، وقال البخاريّ: محمد بن ثابت، أبو عبد الله البصريّ في حديثه عن نافع، عن ابن عمر في التيمم، خالفه أيوب، وعبيد الله، وابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر فعله، فسَقَط أن يكون هذا الحديث حجةً؛ لضعف محمد في نفسه، ومخالفة الثقات له، حيث جعلوه من فعل ابن عمر. وأما حديث إبراهيم بن أبي يحيى، فقد دفعه جماعة، نَهَى عنه مالك، وشَهِد عليه يحيى بن معين وابن أبي مريم بالكذب، وقال يحيى بن سعيد: كنا نتهمه بالكذب، وتركه ابن المبارك، وتكلم فيه أحمد، قال: كان يأخذ حديث الناس، فيجعله في كتبه، وقال يحيى بن معين: إبراهيم ليس بثقة كذّاب رافضيّ، وقد كثر كلام المتكلمين في إبراهيم. وأما حديث الربيع بن بدر، فهو إسناد مجهول؛ لأن الربيع لا يُعْرَف برواية الحديث، ولا أبوه، ولا جده، والأسلع غير معروف، فالاحتجاج بهذا الحديث يَسْقُط من كل وجه. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - . وقال في «الفتح» عند قوله: «يكفيك الوجه والكفّان»، ما نصّه: ويستفاد من هذا اللفظ أن ما زاد على الكفين ليس بفرض، كما تقدم، واليه ذهب أحمد، وإسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن خزيمة، ونقله ابن الجهم وغيره عن مالك، ونقله الخطابيّ عن أصحاب الحديث، وقال النوويّ: رواه أبو ثور وغيره عن الشافعيّ في القديم، وأنكر ذلك الماورديّ وغيره، قال: وهو إنكار مردود؛ لأن أبا ثور إمام ثقة، قال: وهذا القول، وإن كان مرجوحًا - أي في المذهب - فهو القويّ في الدليل. انتهى كلامه في «شرح المهذب»، وأجاد في المقال. وقال في «شرح مسلم» في الجواب عن هذا الحديث: إن المراد به بيان صورة الضرب للتعليم، وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التيمم. وتُعُقِّب بأن سياق القصة يدلّ على أن المراد به بيان جميع ذلك؛ لأن ذلك هو الظاهر، من قوله: «إنما يكفيك»، وأما ما استَدَلَّ به مَن اشترط بلوغ المسح إلى المرفقين، من أن ذلك مشترط في الوضوء، فجوابه أنه قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد الاعتبار، وقد عارضه مَن لم يشترط ذلك بقياس آخر، وهو الإطلاق في آية السرقة، ولا حاجة لذلك مع وجود هذا النصّ. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه في «الفتح» من الردّ على من اشترط بلوغ المسح إلى المرفقين مستدلًّا بالقياس بأن ذلك قياس فاسد؛ لمعارضته النصّ تحقيق نفيس جدًّا. وقال قبل ذلك عند قول البخاريّ: «بابٌ التيممُ للوجه والكفين»، ما نصّه: أي هو الواجب المجزئ، وأَتَى بذلك بصيغة الجزم، مع شهرة الخلاف فيه؛ لقوّة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يَصِحَّ منها سوى حديث أبي جُهيم وعمّار - ﵄ -، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جهيم، فورد بذكر اليدين مُجْمَلًا ، وأما حديث عمار، فورد بذكر الكفين في «الصحيحين»، وبذكر المرفقين في «السنن»، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع ففيهما مقال، وأما رواية الآباط، فقال الشافعيّ وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبيّ - ﷺ -، فكل تيمم صحّ للنبيّ - ﷺ - بعده، فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره، فالحجة فيما أَمَر به، ومما يُقَوِّي رواية «الصحيحين» في الاقتصار على الوجه والكفين، كون عمار - ﵁ - كان يُفتي بعد النبيّ - ﷺ - بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابيّ المجتهد. انتهى ما في «الفتح» ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في المسألة أن الراجح قول من قال: إن التيمّم بضربة واحدة للوجه والكفّين فقط، ولا يُشرع المجاوزة إلى المرفقين؛ لعدم صحّة الدليل على ذلك، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٢٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَثنَا عَبْدُ الْوَاحِد، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللهِ … وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِه، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيةَ، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا»، وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْأَرْض، فَنَفَضَ يَدَيْه، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفيْهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧)، وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ … إلخ) الضمير لعبد الواحد، يعني أن عبد الواحد ساق القصّة التي جرت بين عمّار، وعمر بن الخطّاب، ثم بين أبي موسى، وعبد الله بن مسعود، نحو ما ساقها أبو معاوية، إلا أنه قال: «فقال رسول الله - ﷺ - … إلخ». وقوله: (وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ) فاعل «ضرب» ضمير عبد الواحد، كما بيّنته رواية أبي عوانة في «مسنده»، ولفظه: «وضرب عبد الواحد بيده الحائط مرّة واحدةً، فحكى النبيّ - ﷺ -، ثم مسح عبد الواحد يديه جميعًا …». وقوله: (فَنَفَضَ يَدَيْهِ) أي حرّكهما، هو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: «ثم نفخ فيهما»، يقال: نفضه نفضًا، من باب نصر: إذا حرّكه؛ ليزول عنه الغبار ونحوه، فانتفض: أي تحرّك لذلك، ونفضتُ الوَرَقَ من الشجرة نَفْضًا: أسقطته، والنَّفَضُ بفتحتين: ما تساقط، فَعَلٌ بمعنى مفعول، أفاده الفيّوميّ . [تنبيه]: رواية عبد الواحد هذه التي أحالها المصنّف على رواية أبي معاوية ساقها ابن حبّان في «صحيحه» (٤/ ١٣٠)، فقال: (١٣٠٥) أخبرنا عمر بن محمد الهمدانيّ، قال: حدثنا بشر بن معاذ العَقَديّ، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا سليمان الأعمش، عن شقيق بن سلمة، قال: قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود: لو أن جُنُبًا لم يجد الماء شهرًا لم يُصَلِّ؟ قال عبد الله: لا، قال أبو موسى: أما تذكر حين قال عمار بن ياسر لعمر: يا أمير المؤمنين، ألا تتقي الله؟ ألا تذكر حين بعثني وإياك رسول الله - ﷺ - في الإبل فأصابتني جنابة، فتمعكت في التراب، فلما رجعت إلى رسول الله أخبرته، فقال رسول الله: «إنما كان يكفيك أن تقول هكذا»، وضرب بيده إلى الأرض، ومسح وجهه وكفيه؟ قال عبد الله: لا جَرَم ما رأيت عمر قَنِعَ بذلك، قال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة النساء: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [٤٣]؟ فقال عبد الله: إنا لو رَخَّصنا لهم في ذلك، يوشك إذا بَرَد على جلد أحدهم الماء أن يتيمم، قال الأعمش: فقلت لشقيق: أما كان لعبد الله غير ذلك؟ قال: لا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٢٦] (…) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ -، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَني الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيه، أَنَّ رَجُلًا أتى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدْ مَاءً، فَقَالَ: لَا تُصَلِّ، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا، فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَل، وَأَمَّا أنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفيْكَ»؟ فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ يَا عَمَّارُ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ. قَالَ الْحَكَمُ: وَحَدَّثَنِيهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيه، مِثْلَ حَدِيثِ ذَرٍّ. قَالَ: وَحَدَّثَني سَلَمَةُ، عَنْ ذَرٍّ، فِي هَذَا الإسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَ الْحَكَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ، صاحب حديث، من صغار [١٠] (ت سنة بضع و٢٥٠) من أفراد المصنّف تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) البصريّ الإمام الحجة الناقد الْجِهْبذ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام العلم الحجة الناقد الجِهْبذ القدوة [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨١. ٤ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دَلَّسَ [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدَّم في «المقدّمة» ١/ ١. ٥ - (ذَرّ) بن عبد الله بن زُرَارة الْمُرْهبيّ - بضمّ الميم، وسكون الراء، وكسر الهاء - الْهَمْدانيّ، أبو عُمَر الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٦]. رَوَى عن عبد الله بن شداد بن الهاد، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وسعيد بن جبير، والمسيِّب بن نَجَبَة، ويُسَيع الحضرميّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عُمر، والأعمش، ومنصور، والحكم بن عُتيبة، وزُبيد الياميّ، وسلمة بن كُهيل، وحبيب بن أبي ثابت، وحصين بن عبد الرحمن، وغيرهم. قال الأثرم، عن أحمد: ما بحديثه بأسٌ، وقال ابن معين، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال أبو داود: كان مرجئًا، وهَجَره إبراهيم النخعيّ، وسعيد بن جبير للإرجاء، وذكر أبو مِخْنَف، عن عُمر بن ذَرٍّ أن أباه شَهِد مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قتاله للحجاج، وذلك سنة (٨٠)، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان من عُبّاد أهل الكوفة، وكان يَقُصّ، وقال البخاريّ: صدوق في الحديث، وكذا قال الساجيّ، وزاد: كان يرى الإرجاء، ووثقه ابنُ نمير، وقال أحمد بن حنبل: لم يسمع من عبد الرحمن بن أبزى. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى) - بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، بعدها زاي، مقصورًا - الْخُزاعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وعن ابن عباس، وواثلة، وروى عنه جعفر بن أبي المغيرة، وذَرّ بن عبد الله، وطلحة بن مُصَرِّف، وعَزْرة بن عبد الرحمن، وقتادة، وعبدة بن أبي لبابة، وزُبيد الياميّ، وسلمة بن كُهيل، وقيل: بينهما ذَرّ بن عبد الله، وحبيب بن أبي ثابت، والصحيح أن بينهما ذرّ بن عبد الله، والحكم بن عتيبة، وعطاء بن السائب، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: قال أبو زرعة: روايته عن عثمان مرسلةٌ، وقال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». ٧ - (أَبُوهُ) هو: عبد الرحمن بن أبزى الخزاعيّ، مولى نافع بن عبد الحارث، مختَلَف في صحبته، استخلَفه نافع بن عبد الحارث على أهل مكة أيام عمر، وقال لعمر: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، ثم سكن الكوفة. رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وعمار، وأُبي بن كعب، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه سعيد، وعبد الله بن أبي الْمُجالد، والشعبيّ، وأبو مالك غَزْوان الغِفَاريّ، وأبو إسحاق السبيعيّ، وغيرهم، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال ابن أبي داود: لم يُحَدِّث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من التابعين، إلا ابن أَبْزَى، وقال البخاريّ: له صحبة، وذكره غير واحد في الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي - ﷺ -، وصَلَّى خلفه، وقال ابن عبد البر: استعمله عليّ على خُراسان، وذكره ابن سعد فيمن مات رسول الله - ﷺ -، وهم أحداث الأسنان، وممن جزم بأن له صحبةً خليفةُ بن خياط، والترمذيّ، ويعقوب بن سفيان، وأبو عروبة، والدارقطني، والْبَرْقيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم، وفي «صحيح البخاري» من حديث ابن أبي الْمُجالد أنه سأل عبد الرحمن بن أبزى، وابن أبي أوفى عن السلف، فقالا: كنا نُصيب المغانم مع النبي - ﷺ - … الحديث، وقال ابن سعد: أخبرنا أبو عاصم، أنا شعبة، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أنه صلَّى مع النبيّ - ﷺ -، فكان إذا خفض لا يكبر. قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بما ذُكر أن الأرجح ثبوت الصحبة لعبد الرحمن بن أبزى، فتنبّه، والله تعالى أعلم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديث واحد فقط برقم (٣٦٨). ٨ - (سَلَمَةُ) بن كُهَيل الْحَضْرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الحيض» ٥/ ٧٠٤. و«عمّار» - ﵁ - تقدّم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من ثمانيّات المصنف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من الحكم. ٣ - (ومنها): أن رواية الحكم عن ذرّ من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن الحكم من الطبقة الخامسة، وذرًّا من السادسة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ ذَرٍّ) بفتح الذال المعجمة، وتشديد الراء (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ) تقدّم آنفًا أن الأرجح أنه صحابيّ - ﵁ - (أَن رَجُلًا) قال في «الفتح» لم أقف على تسميته، وفي رواية الطبرانيّ أنه من أهل البادية، وفي رواية للبخاريّ: «أن عبد الرحمن بن أبزى شَهِدَ ذلك» (أتى عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵁ - في خلافته (فَقَالَ: إِني أَجْنَبْتُ) أي صِرتُ ذا جنابة (فَلَمْ أَجِدْ مَاءً) أي للغسل (فَقَالَ) عمر - ﵁ - (لَا تُصَلِّ) زاد في رواية: «حتى تجد الماء» (فَقَالَ عَمَّارٌ) أي ابن ياسر مذكّرًا له حيث خالف فتواه السنّة (أَمَا) أداة عرض، كـ «ألا»، ويَحتَمل أن تكون الهمزة للاستفهام، و«ما» نافية (تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ أنا وَأنْتَ) «إذ» ظرف متعلّق بـ «تذكر»، وهو مضاف إلى الجملة الاسميّة، أي ألا تذكر وقت كوننا (فِي سَرِيَّةٍ) بفتح، فكسر: فَعِيلة بمعنى فاعلةٍ، وهي القطعة من الجيش، سُمّيت بذلك؛ لأنها تسري في خُفْيةٍ، والجمع سَرَايَا، وسَرِيّات، مثلُ عطيّة وعطيّات، قاله في «المصباح» . وقال في «اللسان»: «السّريّة»: ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة، وقيل: هي من الخيل نحو أربعمائة. وفي «التهذيب»: وأما السريّة: من سَرَايَا الجيش، فإنها فَعِيلة بمعنى فاعلة، سُمّيت سَريّةً؛ لأنها تَسري ليلًا في خُفية؛ لئلا يَنْذرَ بهم العدوّ، فيحذروا، أو يمتنعوا، يقال: سَرَّى قائد الجيش سَرِيَّةً إلى العدوّ: إذا جَرَّدها، وبَعَثها إليهم، وهو التسرية، وفي الحديث: «يَرُدّ مُتَسَرِّيهم على قاعدهم»، المتسرِّي: الذي يَخرُج في السريّة، وهي طائفة من الجيش يبلُغُ أقصاها أربعمائة، وجمعها السَّرَايَا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خُلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السَّرِيّ: أي النفيس، وقيل: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يُنَفَّذُون سِرًّا وخُفْيةً، وليس بالوجه؛ لأن لام السرّ راء، وهذه ياءٌ. انتهى . (فَأَجْنَبْنَا) أي أصابتنا جنابة (فَلَمْ نَجِدْ مَاءً) أي للاغتسال (فَأَمّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ) أي لعدم وجدانك الماء، مع اعتقاد عدم صحة التيمّم للجنب (وَأَمّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ) أي تَحَكَّكت، من قولهم: مَعَكَ الأديمَ: إذا حكّه، وقال الفيّوميّ: مَعَكته في التراب مَعْكًا، من باب نفع: دلكته به، ومَعّكته تمعيكًا، فتمعّك: أي مرّغته، فتمرّغ. انتهى . وفي الرواية الماضية: «فتمرّغت في الصعيد كما تمرغّ الدابّة»، وهو بمعناه. (وَصَلَّيْتُ) زاد في رواية النسائيّ: «فأتينا النبيّ - ﷺ -، فذكرنا ذلك له» (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ) المراد من اليدين الكفّان، بدليل الرواية الأخرى:»وضرب بكفّيه الأرض«(ثُمَّ تَنْفُخَ) بضمّ الفاء، من باب نصر (ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكفَّيْكَ») هذا صريح في أن الذي يُجزئ في التيمّم مسح الوجه والكفّين فقط، وهو المذهب الراجح، كما أسلفنا تحقيقه في المسألة الرابعة من مسائل الحديث الماضي. (فَقَالَ عُمَرُ) - ﵁ - (اتَّقِ اللهَ يَا عَمَّارُ) أي خَفِ الله تعالى فيما تروي، وتَثَبَّت فيه، فلعلّك نَسِيتَ، أو اشتبه عليك (قَالَ) عمّار - ﵁ - (إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ) وفي الرواية الآتية من طريق النضر، عن شعبة: «قال عمّار: يا أمير المؤمنين إن شئتَ لِما جعل الله عليّ من حقّك لا أحدّث به أحدًا»، والمعنى: إن رأيتَ عدم تحديثي بذلك مصلحةً، لم أحدّث به؛ لأن طاعتك واجبة في غير المعصية. قال النوويّ - ﵀ -: ويحتمل أنه أراد: إن شئت لم أحدّث به تحديثًا شائعًا بحيث يشتهر في الناس، بل لا أحدّث به إلا نادرًا. انتهى ، وفيه بعدٌ، والله تعالى أعلم. [فإن قلت]: كيف جاز لعمّار - ﵁ - عدم التحديث مع أنه متيقِّنٌ في حفظه، ومن تيقَّنَ حفظ السنّة وجب عليه تبليغها، ولو منعه من تجب طاعته؟. [أجيب]: بأن التبليغ حَصَلَ حينما ذَكَّرَ به عمر - ﵁ -، مع وجود الحاضرين في مجلسه، فإذا أمسك بعد ذلك لا يكون كاتمًا للعلم، وتاركًا لامتثاله أمره - ﷺ - بقوله: «بلّغوا عنّي ولو آية»، رواه البخاريّ، وقوله: «وليبلّغ الشاهد الغائب»، متّفقٌ عليه. والحاصل أن السنّة بلّغها عمّار - ﵁ -، وحفظها عمر، والقوم الحاضرون ذلك المجلس، ولذا نقلوها لمن بعدهما، كما في حديث الباب، والله تعالى أعلم. (قَالَ الْحَكَمُ) بن عُتيبة بالسند الماضي، وليس معلّقًا (وَحَدَّثَنِيهِ) عطف على مقدّر، أي حدّثني ذرّ بهذا، وحدّثني سعيد (ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن (مِثْلَ حَدِيثِ ذَرٍّ) غرض الحكم بهذا أنه كما حدّثه ذرّ بن عبد الله بهذا الحديث عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، حدّثه أيضًا سعيد نفسه عن أبيه دون واسطة ذرّ. قال في «الفتح»: والظاهر أنه سمعه من ذرّ عن سعيد، ثم لَقِي سعيدًا، فأخذه عنه، وكأن سماعه له من ذرّ كان أتقن، ولهذا أكثر ما يجيء في الروايات بإثباته. انتهى . (قَالَ) القائل هو شعبة (وَحَدَّثَني سَلَمَةُ) بن كُهَيل (عَنْ ذَرٍّ، فِي هَذَا الإسْنَادِ الَّذِي ذَكرَ الْحَكَمُ) فيه حذف العائد، وهو جائز، كما قال في «الخلاصة»: .................................. … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ بِفِعْلٍ اوْ … وَصْفٍ كـ«مَنْ نَرْجُو يَهَبْ» والإسناد المشار إليه هو: عن ذرّ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه. (فَقَالَ عُمَرُ) - ﵁ - (نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ) وفي رواية النسائيّ: «فقال: اتّق الله يا عمّار، فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئت لم أذكره، قال: لا، ولكن نُوَلِّيك من ذلك ما تولّيتَ». ومعنى: «نولّيك» من التولية: أي نجعلك واليًا على ما تصدّيتَ له من تبليغ هذا الحكم، ورضيته لنفسك، وذلك لأنه لم يَجزم بخطئه، ولم يتذكّر القصّة، فجوّز النسيان على نفسه، كما جوّز الْوَهم على عمّار، فليس له أن يُفتي به، بخلاف عمّار، حيث جزم به، فله التبليغ والفتوى به. والحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٨٢٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم، قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ: قَالَ الْحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيه، أَنَّ رَجُلًا أتى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدْ مَاءً، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ شِئْتَ لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ، لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا، وَلَمْ يَذْكُرْ: حَدَّثَني سَلَمَةُ عَنْ ذَرٍّ).
مصادر المؤلف (٤٨)

١. راجع: «القاموس» ١/ ٣٣٠.

٢. «شرح النوويّ» ٤/ ٥٩.

٣. ١/ ٥٢٥.

٤. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ١٣٤.

٥. راجع: «الإصابة» ٤/ ٤٧٣ - ٤٧٤.

٦. أخرجه الترمذيّ (٣٧٩٩)، والحاكم في (٣/ ٣٨٨) وصححه، ووافقه الذهبيّ.

٧. أخرجه أحمد في «مسنده» (٥/ ٣٨٥ و٤٠٢)، وصححه ابن حبان (٢١٩٣)، والحاكم في (٣/ ٧٥) ووافقه الذهبيّ.

٨. أخرجه أحمد (١/ ٨٩ و٩٠)، والحاكم ٣/ ٣٨٩ و٣٩٠، وصححه، ووافقه الذهبيّ.

٩. وقال ابن الملقّن ﵀ في «الإعلام» (٢/ ١٣٢): له عن النبي - ﷺ - اثنان وستّون حديثًا، اتفق الشيخان على حديثين، وقال ابن الجوزيّ: على واحد، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديث.

١٠. «القاموس المحيط» ١/ ٤٨ - ٤٩.

١١. «المفهم» ١/ ٦١٣.

١٢. «المفهم» ١/ ٦١٣ - ٦١٤.

١٣. راجع: «الفتح» ١/ ٥٤٤.

١٤. «القاموس المحيط» ٣/ ٣٢٣.

١٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٦١.

١٦. ١/ ٥٤٤.

١٧. راجع: «القاموس المحيط» ١/ ٢٧٦.

١٨. «المصباح المنير» ١/ ٤٢ - ٤٣.

١٩. «الفتح» ١/ ٥٤٤.

٢٠. «الفتح» ١/ ٥٢٩.

٢١. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ١٣٥ - ١٣٦.

٢٢. «المفهم» ١/ ٦١٥.

٢٣. «الفتح» ١/ ٥٢٩.

٢٤. «المصباح» ١/ ٣٢٣.

٢٥. «المفهم» ١/ ٦١٥.

٢٦. ويقال: الكلوة بالواو لغة لأهل اليمن، قال الأزهريّ: الكليتان للإنسان ولكل =

٢٧. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ١٣٦ - ١٣٧ ببعض تصرّف.

٢٨. «الإعلام» ٢/ ١٣٧.

٢٩. «المفهم» ١/ ٦١٥.

٣٠. «الفتح» ١/ ٥٤٤.

٣١. «عمدة القاري» ٤/ ٥٥.

٣٢. راجع: «المصباح» ٢/ ٥١٧.

٣٣. «المفهم» ١/ ٦١٥.

٣٤. «عمدة القاري» ٤/ ٥٦.

٣٥. هذا هو الصواب، وهو كون الحديث من مسند عمّار - ﵁ -، وقد وقع لي سهو في شرح النسائيّ، حيث جعلته من مسند أبي موسى - ﵁ -؛ فليُتنبّه.

٣٦. راجع: «شرح النوويّ» ٤/ ٦٣.

٣٧. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٤/ ٨١.

٣٨. «إحكام الأحكام» ١/ ٤٣١ - ٤٣٢ بنسخة الحاشية.

٣٩. «العدّة حاشية العمدة» ١/ ٤٣٢ - ٤٣٣.

٤٠. «الأوسط» ٢/ ٤٧ - ٥٤.

٤١. سيأتي حديث أبي جهيم قريبًا.

٤٢. «الفتح» ١/ ٥٣٠.

٤٣. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٦١٨.

٤٤. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٥.

٤٥. «لسان العرب» ١٤/ ٣٨٣.

٤٦. «المصباح» ٢/ ٥٧٦.

٤٧. «شرح النوويّ» ٤/ ٦٣.

٤٨. «الفتح» ١/ ٥٣٠.