HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٢٦

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ (وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ) (قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ. فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي إِمَامُكُمْ. فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ. وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ. فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي» ثُمَّ قَالَ «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال «رأيت الجنة والنار».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص28
ج ١ ص ٣٢٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٠ ص١٨٨
ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. والباقون تقدّموا في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، كسابقه. وقوله: (إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ) «ما» بعد «إذا» زائدة، كما تبيّن من الرواية التالية. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت فيما قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٦) - (بَابُ تَحْرِيمِ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٦] (٤٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي»، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السّعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) مولى عمرو بن حُريث البصريّ، ثقةٌ له أوهام [٥] (م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٣٥٨. ٥ - (أَنَس) بن مالك -﵁-، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن أنسًا -﵁- من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة -﵃-، كما سبق قريبًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) -﵁- أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيّام (فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) أي أدّاها، وسلّم منها (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ) بكسر الهمزة، أي ومُهمّة الإمام أن يؤتمّ، ويُقتدى به، على وجه المتابعة. وقال السنديّ -﵀-: فيه أن امتناع التقدّم عليه لكونه إمامًا، فيعمّ كلَّ إمام، لا لكونه نبيًّا؛ ليختصّ به. انتهى. (فَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تَسْبِقُونِي) أصله تسبقونني، فحُذفت نون الرفع للجازم، والنون الموجودة هي نون الوقاية، كما قال في«الخلاصة»: وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ … نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي قَدْ نُظِمْ (بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ) المراد بالانصراف هنا هو السلام، وقيل: هو الانصراف بعد السلام، والأول أرجح، بدليل أنه ذكره مع الركوع والسجود والقيام، وأيضًا قوله:«فإني أراكم من وراء ظهري»يدلّ على أن المبادرة التي نهاهم عنها هي المبادرة الواقعة في الصلاة قبل توجّهه إليه. وأما الانصراف الذي يكون بعد السلام، فيجوز قبل الإمام، إلا إذا كان هناك نساء، فيتأخّر مع الإمام حتى ينصرفن إلى بيوتهنّ قبل الاختلاط بالرجال. وقد أخرج الطبرانيّ في«المعجم الكبير»بإسناد رجاله ثقات، عن أبي الأحوص، أن ابن مسعود -﵁- قال:«إذا كنت خلف الإمام، فلا تركع حتى يركع، ولا تسجد حتى يسجد، ولا ترفع رأسك قبله، وإذا فرغ الإمام، ولم يقم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودَعْهُ، فقد تمّت صلاتك». انتهى . وقد استوفيت هذا البحث في«شرح النسائيّ»في باب«جلسة الإمام بين التسليم والانصراف» (٧٧/ ١٣٣٣) فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق. وقال القرطبيّ -﵀-: وأما نهيه -ﷺ- عن سبقهم إياه بالانصراف، فقد ذهب الحسن والزهريّ إلى أن حقّ المأموم أن لا ينصرف حتى ينصرف الإمام؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث، والجمهور على خلافهما؛ لأن الاقتداء بالإمام قد تمّ بالسلام من الصلاة، ورأوا أن ذلك كان خاصًّا بالنبيّ -ﷺ-، وأن ذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]، فإنه قد يَحتاج إلى مكالمتهم في أمور الدين، ومراعاة المصالح والآراء، واللَّه أعلم. ويَحْتَمِل أن يريد بالانصراف المذكور التسليم، فإنه يقال: انصرف من الصلاة، أي سلَّم منها، واللَّه أعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: حمله على التسليم هو الظاهر؛ لما أسلفته آنفًا، واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي) وفي رواية النسائيّ: «من أمامي» (وَمِنْ خَلْفِي«) أي رؤية حقيقيّةً، أعطاه اللَّه تعالى إياها آية بيّنة على نبوّته، وقد تقدّم أقوال العلماء في معنى هذه الرؤية في الباب الماضي، فراجعه. وقال ابن الملك -﵀-: إنما ذكر النبيّ -ﷺ- الأَمَامَ مع الخلف؛ إشارةً إلى أن رؤيته من خلفه كرؤيته من قُدّامه، ولعلّ هذه الحالة تكون حاصلة له في بعض الأوقات حين تغلب عليه جهة مَلَكيّته دون بشريّته؛ لأنه -﵇- قال:«إنما أنا بشر أَنْسَى كما تنسون». انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله:«جهة ملكيّته»محلّ تأمل، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- («وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ) -ﷺ- (بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد للَّه -﷿- على ما يليق بجلاله (لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ) »ما« موصولة، وعائد الصلة محذوفٌ، والتقدير: لو رأيتم الذي رأيته، أي من عظيم قدرة اللَّه تعالى، وشدّة انتقامه من أهل الإجرام. (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا) منصوب على أنه صفة لمفعول مطلق محذوف، أي ضحكًا قليلًا، ويحتمل أن يكون صفة ظرف محذوف: أي زمنًا قليلًا، والأول أظهر. قيل: معنى القلّة هنا العدم، والتقدير: لتركتم الضحك، ولم يقع منكم إلا نادرًا؛ لغلبة الخوف، واستيلاء الحزن عليكم (وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا») وإعرابه كسابقه، أي بكيتم بكاءً كثيرًا، أو زمنًا كثيرًا؛ خوفًا من عذاب اللَّه تعالى، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: لو رأيتم من سعة رحمة اللَّه وحلمه، وغير ذلك ما رأيت لتركتم الضحك وبكيتم على ما فاتكم من ذلك. (قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟)«ما»استفهاميّة، مفعول مقدّم وجوبًا؛ لكونه اسم استفهام، ويحتمل أن تكون مبتدأ، و«رأيت»خبرها بتقدير الرابط، أي أيُّ شيء رأيته؛ والرؤية هنا بصريّة، ولذا تتعدّى إلى مفعول واحد (قَالَ) -ﷺ- («رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ») هذه الرؤية أيضًا حقيقيّة، يعني أن الجنّة والنار سبب لكثرة البكاء، وقلّة الضحك، فالجنّة شوقًا إليها، وخوفًا من الحرمان منها، والنار خوفًا من الدخول فيها، والاحتراق بلهيبها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٩٦٦ و٩٦٧] (٤٢٦)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (٣/ ٨٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠٢ و١٢٦ و١٥٤ و٢١٧ و٢٤٥ و٢٩٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٧١٥ و١٧١٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٧٥٧ و١٧٥٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٩٥٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم مسابقة الإمام بالركوع، والسجود، والقيام، والسلام. ٢ - (ومنها): بيان حرص النبيّ -ﷺ-، وشدّة عنايته في تحذير أمته مما يكون سببًا لهلاكها، وحثّهم على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وبالجملة فما من شيء فيه خير لهم إلا دلّهم عليه، وما من شيء فيه شرّ إلا حذّرهم منه، فظهر فيه مصداق قوله -﷿-: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٣ - (ومنها): بيان ما خصّ اللَّه -﷿- نبيّه -ﷺ- من إطلاعه على المغيّبات، حتى الجنّة والنار. ٤ - (ومنها): الحثّ على قلّة الضحك، وكثرة البكاء؛ لأن هذا هو اللائق بالعاقل؛ إذ لا يدري ماذا يكون حاله في الآخرة: هل يكون من الفائزين بدخول الجنّة، أو يكون من الخاسرين بدخول النار؟ اللهم إنّا نسألك الجنّة، ونعوذ بك من النار آمين. ٥ - (ومنها): بيان أن الجنّة والنار مخلوقتان، قاله النوويّ -﵀-. [تنبيه]: من أغرب ما رأيته في هذا المحلّ من بعض شرّاح الكتاب إنه كتب هنا ردًّا على استنباط النوويّ المذكور كلامًا خطيرًا، حيث قال: إن قلنا: الرؤية بصريّة، يَحْتَمِل أنهما صُوّرتا له -ﷺ-، فرآهما، ومن فيهما من المنعّمين والمعذّبين في عُرْض الحائط كما نرى شاشة التلفزيون بتصوير ما سيكون في صورة ما هو كائن، فليس فيه دليلٌ على أن الجنّة والنار موجودتان، كما استدلّ به النوويّ، وإن قلنا: إن الرؤية علميّة سقط الاستدلال من أساسه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر كلامه هذا يدلّ على أنه ممن لا يؤمن بوجود الجنّة والنار، كما يفيده تشبيهه بما يشاهَدُ في التلفزيون مما سيكون. . . إلخ، وهذا خطر عظيم، فإن هذا من عقائد الفرق الضالّة، فكيف يصدر مثل هذا ممن يتولّى شرح «صحيح مسلم»، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإنما نبّهت عليه لعِظَم خطره؛ لأن الناس كثيرًا ما يغترّون بمثل هذا الكلام، ولا سيّما إذا صدر من الدكاترة، فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في بطلان من سابق إمامه في أفعال الصلاة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلفوا في صلاة من خالف الإمام في صلاته، فقالت طائفة: لا صلاة له، روي هذا القول عن ابن عمر -﵄-. وروي عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: لا تبادروا أئمتكم الركوع ولا السجود، فإن سبق أحد منكم، فليضع قدر ما سبق به. وممن رأى أن يرجع راكعًا أو ساجدًا إذا رفع رأسه قبل الإمام: مالك بن أنس، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال الأوزاعيّ: فليُعد رأسه، فإذا رفع الإمام رأسه فليمكث بعده بقدر ما نزل، وكان أبو ثور يقول: إذا ركع قبل الإمام، فأدركه الإمام، وهو راكع، ويسجد قبله، فقد أساء ويجزيه، وحُكي عن الشافعيّ أنه قال: يجزيه، وأكرهه، وقال سفيان الثوريّ فيمن ركع قبل الإمام: ينبغي أن يرفع رأسه، ثم يركع، قيل له: أيُعيد؟ قال: ومن يسلم من هذا؟. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- باختصار . وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وقد اختلف العلماء فيمن تعمّد رفع رأسه قبل إمامه في ركوعه أو سجوده، هل تبطل صلاته أم لا؟ وفيه وجهان لأصحابنا -يعني الحنبليّة- وأكثرهم على البطلان، ورُوي عن ابن عمر -﵄-. انتهى . وقال في «الفتح»: الجمهور على أن فاعله يأثم، وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر -﵄-: تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر؛ بناءً على أن النهي يقتضي الفساد، وفي «المغني»: عن أحمد أنه قال في «رسالته»: ليس من سَبَقَ الإمام صلاةٌ؛ لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لَرَجى له الثوابَ، ولم يَخْشَ عليه العقاب. انتهى . وقال أبو محمد بن حزم -﵀-: وفرض على كل مأموم أن لا يرفع، ولا يركع، ولا يسجد، ولا يكبّر، ولا يقوم، ولا يسلم قبل إمامه، ولا مع إمامه، فإن فعل عامدًا بطلت صلاته، لكن بعد تمام كل ذلك من إمامه، فإن فعل ذلك ساهيًا فليرجع، ولا بُدّ حتى يكون ذلك كله منه بعد كل ذلك من إمامه، وعليه سجود السهو. قال: وبه قال السلف، رَوَينا عن أبي هريرة -﵀- أنه قال: إن الذي يرفع رأسه قبل الإمام، ويخفض قبله، فإن ناصيته بيد شيطان، وعن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: ما يُؤَمِّن الرجل إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يعود رأسه رأس كلب، وعنه قال: لا تبادروا أئمتكم بالسجود، فإن سبقكم من ذلك شيء، فليضع أحدكم رأسه كقدر ما سَبَق. وعن عمر بن الخطاب -﵁- مثل هذا حرفًا حرفًا. قال ابن حزم: لا وعيد أشدّ من المسخ في صورة كلب أو حمار -يعني المذكور في حديث أبي هريرة -﵁- الآتي-، ولا عقوبة أعظم من إسلام ناصية المرء إلى يد الشيطان، والمعصية المحرِّمة المبعِدة من اللَّه تعالى، لا تنوب عن الطاعة المفترضة المقرِّبة منه -﷿-. انتهى كلام ابن حزم -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن عمر -﵄-، ونُقل عن الإمام أحمد -﵀-، من بطلان صلاة من سابق إمامه، وعزاه ابن حزم إلى السلف، هو الراجح عندي؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ جَمِيعًا، عَنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ في حَدِيثِ جَرِيرٍ: «وَلَا بِالِانْصِرَافِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرِ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (ابْنُ فُضَيْل) هو: محمد بن فُضَيل بن غَزْوَان الضّبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٨. والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه ولا حقه، وهو (٤٨). وقوله: (جَمِيعًا، عَنِ الْمُخْتَارِ) يعني أن كلًّا من جرير، وابن فُضيل رويا عن المختار بن فُلْفُل. وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بحديث أنس الماضي. [تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد لم أر من أخرجها، وأما رواية محمد بن فُضيل، فقد أخرجها الإمام أحمد في «مسنده»، فقال: (١١٥٥٩) حدّثنا محمد بن فضيل، حدّثنا المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم، وقد انصرف من الصلاة، فأقبل
مصادر المؤلف (٧)

١. راجع:«مجمع الزوائد»للحافظ الهيثميّ ٢/ ٧٨ - ٧٩.

٢. «المفهم»٢/ ٥٨ - ٥٩.

٣. هو الدكتور موسى شاهين، صاحب كتاب «فتح المنعم».

٤. «الأوسط» ٤/ ١٩٠ - ١٩٢.

٥. «فتح الباري» ٦/ ١٦٧ لابن رجب.

٦. «الفتح» ٢/ ٢١٥.

٧. «المحلّى» ٤/ ٦١ - ٦٢.