HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٣٧

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صالح السمان، عن أبي هريرة؛ أن رسول اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا. وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ، لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ. وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ والصبح، لأتوهما ولو حبوا».
ج ١ ص ٣٢٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر صحيح البخاري, مسند أحمد, موطأ مالك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٠ ص٢٦٦
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) يعني أن أبا الأحوص، وأبا عوانة حدّثا بإسناد سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير -﵄- نحو حديث أبي خيثمة عنه. [تنبيه]: رواية أبي الأحوص هذه ساقها الإمام النسائيّ -﵀-، فقال: (٨١٠) أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: أنبأنا أبو الأحوص، عن سماك، عن النعمان بن بشير، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يُقَوِّم الصفوف، كما تُقَوَّم الْقِدَاح، فأبصر رجلًا خارجًا صدره من الصفّ، فلقد رأيت النبيّ -ﷺ- يقول: «لَتُقِيمُنّ صفوفكم، أو ليخالفنّ اللَّه بين وجوهكم». انتهى. وأما رواية أبي عوانة، فقد ساقها الإمام الترمذيّ -﵀- في «جامعه»، فقال: (٢١٠) حدّثنا قتيبة، حدّثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يُسَوِّي صفوفنا، فخَرَجَ يومًا، فرأى رجلًا خارجًا صدره عن القوم، فقال: «لتسَوُّنّ صفوفكم، أو ليخالفنّ اللَّه بين وجوهكم». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٨٦] (٤٣٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ، وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور قبل حديث. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (سُمَيٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) مقتولًا بقُديد (ع) تقدم في «الصلاة» ١٨/ ٩١٨. ٤ - (أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ) ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ سُمَيٍّ) بضم أوله، بصيغة التصغير (مَوْلَى أَبِى بَكْر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ) بفتح السين المهملة، وتشديد الميم: نسبة إلى بيع السَّمْنَ، أو حمله من محلّ إلى محلّ آخر، ويقال له: الزّيّات؛ لأنه كان يجلُب السمن والزيت إلى الكوفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ) أي لو عَلِمُوا، فَوَضَع المضارع موضع الماضي؛ ليُفيد استمرار العلم، وأنه مما ينبغي أن يكون على بالٍ (مَا فِي النِّدَاءِ) أي الأذان، قال في»الفتح«: وهي رواية بِشْر بن عُمَر، عن مالك عند السّرّاج. قال في«العمدة»: الفرق بين النداء والأذان أن لفظة الأذان والتأذين أخصّ من لفظ النداء لغةً وشرعًا، والفرق بين الأذان والتأذين، أن التأذين يتناول جميع ما يصدُر من المؤذن من قول وفعل وهيئة ونية، وأما الأذان فهو حقيقةٌ تُعْقَلُ بدون ذلك. انتهى . (وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ) زاد أبو الشيخ في رواية له، من طريق الأعرج، عن أبي هريرة:«من الخير والبركة»، والتقدير: لو يعلم الناس ما في الصف الأول، وقال الطيبيّ -﵀-: أَطْلَق مفعول«يَعْلَم»، وهو كلمة«ما»، ولم يُبَيِّن الفضيلة ما هي؟ ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف، والإطلاق إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا فقد بُيِّنت في الرواية الأخرى:«بالخير والبركة»، قاله في«الفتح» . [تنبيه]: اختُلف في المراد بالصفّ الأول، فقيل: ما يلي الإمام مطلقًا، وهو الأصحّ، وقيل: أول صفّ تامّ يلي الإمام، لا ما تخلّله شيء، كمقصورة، وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة، ولو صلّى في آخر الصفوف، وهذا ضعيفٌ. وقال النوويّ -﵀-: الصف الأول الممدوح الذي قد وردت الأحاديث بفضله، والحثّ عليه هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدمًا، أو متأخرًا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها، أم لا، هذا هو الصحيح الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون، وقال طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا يتخلله مقصورة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء فليس بأول، بل الأول ما لا يتخلله شيء، وإن تأخر، وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أوّلًا، وإن صلّى في صف متأخر، وهذان القولان غلطٌ صريحٌ، وإنما أذكره ومثله لأُنَبِّه على بطلانه؛ لئلا يغتر به. انتهى ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) أي للتمكّن من النداء والصفّ الأول، ووقع عند البخاريّ في رواية المستملي، والحمويّ: «ثم لا يجدون»، وحَكَى الكرمانيّ أن في بعض الروايات: «ثم لا يجدوا»، ووجّهَهُ بجواز حذف النون تخفيفًا، قال الحافظ: ولم أقف على هذه الرواية (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا) أي يقترعوا، من الاستهام، وهو الاقتراع، يقال: استهموا، فسَهَمَهم فلانٌ سَهْمًا: إذا أقرعهم، وقال صاحب «العين»: القُرْعة مثالُ الظُّلْمة: الاقتراع، وقد اقتَرَعوا، وتقارعوا، وقارعته فقرعته: أي أصابتني القُرْعة دونه، وأقرعت بينهم: إذا أمرتهم أن يقترعوا، وقارعت بينهم أيضًا، والأول أصوب، ذكره ابن التيانيّ في «الموعب»، وفي «التهذيب» لأبي منصور، عن ابن الأعرابيّ: القرع، والسبق، والندب: الخطر الذي يَستِبق عليه. والمعنى: لم يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية إلا بالاقتراع، أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الوقت، وحسن الصوت، ونحو ذلك من شرائط المؤذن، وتكملاته، وأما في الصف الأول فبأن يَصِلُوا دفعةً واحدةً، ويستووا في الفضل، فيُقْرَع بينهم، إذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين . وقال النوويّ -﵀-: معناه: أنهم لو عَلِمُوا فضيلة الأذان، وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا يحصلونه به؛ لضيق الوقت، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد، لاقترعوا في تحصيله، ولو يعلمون ما في الصفّ الأول من الفضيلة نحو ما سبق، وجاءوا إليه دفعةً واحدةً، وضاق عليهم، ثم لم يسمح بعضهم لبعض به لاقترعوا عليه. انتهى . وقال الطيبيّ -﵀-: المعنى: لو عَلِموا ما في النداء، والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق إليه لوجب عليهم ذلك، فوضعَ المضارع موضع ما يستدعيه «لو»؛ ليفيد استمرار العلم، وأنه ينبغي أن يكون على بال منه، ثم أتى بـ «ثُمَّ» الْمُؤْذِنةِ بتراخي رتبة الاستباق من العلم، وقَدَّم ذكرَ النداء؛ دلالةً على تَهَيُّؤ المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو الْمُثُول بين يدي رب العزة، فيكون من المقرّبين، وأَطْلَقَ مفعول «يَعْلَم» يعني «ما»، ولم يُبيّن أن الفضيلة ما هي؟ ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الحصر والوصف، وكذا تصوير حالة الاستباق بالاستهام فيه من المبالغة البالغة حَدَّها؛ لأنه لا يقع إلا في أمر يَتنافس فيه المتنافسون، ويَرْغب فيه الراغبون، ولا سيّما إخراجه مخرج الاستثناء والحصر، وليت شعري بماذا يتشبّث، ويَتَمسّك مَن طَرَقَ سمعَه هذا البيان، ثم يتقاعد عن الجماعة خصوصًا عن الاستباق إلى الصفّ الأول؟ ولعلّه يعتذر بأنه خارج من زمرة من سَمِع وأطاع. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- ، وهو بحث مفيدٌ. قال في «الفتح»: واستَدَلَّ به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، وليس بظاهر؛ لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد، ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإمام؛ لما فيه من المزية. وزَعَمَ بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام، وأنه أُخْرِج مخرج المبالغة، واستَأْنَسَ بحديث لفظه: «لتجالدوا عليه بالسيوف»، لكن الأول أظهر، وأقرب، كما بيّنته رواية المصنّف من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة الآتية بلفظ: «لكانت قُرْعَةً»، وهذا هو الذي فهمه البخاريّ -﵀- حيث قال: «باب الاستهام في الأذان»، ثم استشهد على ذلك بقصّة سعد بن أبي وقّاص -﵁-، وهو ما أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقيّ كلاهما من طريق أبي عبيد، عن هشيم، عن عبد اللَّه بن شبرمة، قال: تشاحّ الناس في الأذان بالقادسية، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم، وهذا منقطع، وقد وصله سيف بن عمر في «الفتوح»، والطبريّ من طريقه عنه، عن عبد اللَّه بن شُبْرُمة، عن شقيق، وهو أبو وائل، قال: افتتحنا القادسيّة صدر النهار، فتراجعنا، وقد أُصيب المؤذن، فذكره، وزاد: «فخرجت القرعة لرجل منهم، فأذّن» . وقوله: (عَلَيْهِ) أي على ما ذُكِرَ؛ لِيَشْمَل الأمرين: الأذان، والصف الأول، وقال ابن عبد البر: الهاء عائدة على الصف الأول، لا على النداء، وهو حقّ الكلام؛ لأن الضمير يعود لأقرب مذكور، ونازعه القرطبيّ، وقال: إنه يلزم منه أن يبقى النداء ضائعًا لا فائدة له، قال: والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ الآية [الفرقان: ٦٨] أي جميع ذلك. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله القرطبيّ أولى؛ لأنه تؤيّده رواية عبد الرزاق له، عن مالك، بلفظ: «لاستَهَموا عليهما»، فقد بيّنت المراد بالضمير في هذه الرواية، فتبصّر. وقوله: (لَاسْتَهَمُوا) جواب «لو»؛ أي لاقترعوا على ما ذُكِرَ، والاستهام: بمعنى الاقتراع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١]، قال الخطابيّ، وغيره: قيل له: الاستهام؛ لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء، فمن خرج سهمه غَلَب. انتهى. قال الطيبيّ -﵀-: فلَمّا فرغ من الترغيب في الاستباق إلى الصفّ الأول عقّبه بالترغيب في إدراك أوّل الوقت، ولذا أوجب أن يفسّر التهجير بالتبكير، كما ذهب إليه الكثيرون (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ) أي التبكير إلى الصلاة، قاله الهرويّ، وحمله الخليل وغيره على ظاهره، فقالوا: المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت؛ لأن التهجير مشتقّ من الهاجرة، وهي شدّة الحرّ نصف النهار، وهو أول وقت الظهر، وإلى ذلك مال البخاريّ، ولا يَرِدُ على ذلك مشروعية الإبراد؛ لأنه أريد به الرفق، وأما مَن تَرَك قائلته، وقَصَد إلى المسجد؛ لينتظر الصلاة، فلا يخفى ما له من الفضل، قاله في «الفتح» . وقال الطيبيّ -﵀-: التهجير: التبكير إلى كلّ شيء، والمبادرة إليه، يقال: هَجَّرَ تهجيرًا، فهو مُهَجِّرٌ، وهي لغة حجازيّة، أراد المبادرة إلى أول وقت الصلاة، ومنه حديث الجمعة: «فالمهجِّر إليها كالمهدي بَدَنَةً». قال: لا يقال: الأمر بالإبراد ينافي الأمر بالتهجير، والسعي إلى الجماعة بالظهيرة؛ لأنا نمنع ذلك، فإن كثيرًا من أصحابنا حملوا الأمر به على الرخصة، فعلى هذا يكون الإبراد رخصةً، والتهجير سنّةً، ومن حَمَل ذلك على الندب، فله أن يقول: الإبراد تأخير الظهر أدنى تأخير بحيث يقع الظلّ، ولا يخرج بذلك عن حدّ التهجير، فإن الهاجرة تُطلق على الوقت إلى أن يقرُب العصر. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح تفسير الهرويّ بأن التهجير هو التبكير في أول الوقت مطلقًا، والمراد به أول الوقت المستحبّ، فالتهجير في صيف الظهر يكون بعد الإبراد، أي في أول دخول البرودة، فلا منافاة بين التهجير، وبين الأمر بالإبراد، وهذا الذي رجّحته هو الذي قاله المجد في «القاموس»، ونصّه: والتهجير في قوله -ﷺ-: «الْمُهَجِّر إلى الجمعة كالمهدي بَدَنَةً»، وفي قوله: «ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه» بمعنى التبكير إلى الصلوات، وهو المضيّ في أوائل أوقاتها، وليس من الهاجرة. وقال قبل ذلك: والْهَجِيرُ، والهَجِيرةُ، والْهَجْرُ، والهاجرةُ: نصفُ النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يَسْتَكِنُّونَ في بيوتهم، كأنهم قد تهاجروا، وشِدّةُ الحرّ، وهَجَّرْنا تهجيرًا، وأهجرنا، وتهَجَّرنا: سِرْنا في الهاجرة. انتهى . وقال في «اللسان» نقلًا عن الأزهريّ: يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث من المهاجرة وقت الزوال، قال: وهو غلطٌ، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفيّ، عن النضر بن شُمَيل أنه قال: التهجير إلى الجمعة وغيرها: التبكير، والمبادرة إلى كلّ شيء، قال: وسَمِعتُ الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث، يقال: هَجَّرَ يُهَجِّرُ تَهْجِيرًا، فهو مُهَجِّرٌ، قال الأزهريّ: وهذا صحيحٌ، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس، قال لبيد [من البسيط]: رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَ مَا ابْتَكَرُوا فقَرَنَ الهجر بالابتكار، قال: وقوله -ﷺ-: «لو يَعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه» أراد التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضيّ إليها في أول أوقاتها. قال الأزهريّ: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجل: إذا خرج بالهاجرة، وهي نصف النهار، ويقال: أتيته بالْهَجِير، وبالْهَجْرِ. انتهى . فتبيّن بهذا أن إطلاق التهجير على التبكير المطلق، وهو المبادرة إلى الشيء أول وقته لغة ثابتة، فلا داعي أن يقال: إن هذا الحديث يعارض حديث الأمر بالإبراد في الظهر؛ إذ المراد المبادرة إلى الظهر أو غيره أول الوقت المستحبّ، فالتبكير في صيف الظهر يكون مع الإبراد، أي أن يذهب مبكّرًا بعد أن يُبرِد، ويذهب شدّة الحرّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) أي إلى التهجير، قال ابن أبي جمرة: المراد بالاستباق معنًى لا حِسًّا بأن يَسْبِق غيره في الحضور إلى الصلاة؛ لأن المسابقة على الأقدام حسًّا تقتضي السرعة في المشي، وهو ممنوع منه. انتهى. (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ) أي من مزيد الفضل، و«الْعَتَمَةُ» بفتحات: هي صلاة العشاء، يعني لو يعلمون ما في ثواب أدائها، وأداء الصبح (لَأَتَوْهُمَا) أي الصلاتين، و«أتى» بالقصر ثلاثيّ، يقال: أتى الرجلُ يأتي أَتْيًا، من باب ضرب: جاء، والاسم الإتيان، وأتيته يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، قال الشاعر: فَاحْتَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ أَتْي الْعَسْكَرِ وأتا يأتو أَتْوًا لغةٌ، قاله الفيّوميّ . قال الجامع عفا اللَّه عنه: المناسب هنا المتعدّي؛ لأنه عَمِلَ في ضمير المثنّى، فتنبّه. والمراد لأتوا المحلّ الذي يُصلَّيان فيه جماعةً، وهو المسجد، وإنما خُصّتا بهذا؛ لأنهما في وقت النوم والغفلة، والكسل عن العبادة، فحُثَّ عليهما؛ لكونهما مظنّة التفويت، أفاده القاري . (وَلَوْ حَبْوًا») أي ولو كانوا حابين، من حَبَى الصبيّ: إذا مَشَى على أربع، قاله صاحب«المجمل»، ويقال: إذا مشى على يديه، أو ركبتيه، أو اسْتِهِ. أي يزحفون إذا منعهم مانع من المشي كما يَزْحف الصغير، ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدرداء -﵁-:«ولو حَبْوًا على المرافق والرُّكَب»، قاله في«الفتح»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٩٨٦] (٤٣٧)، و(البخاريّ) في«الأذان»(٦١٥ و٦٥٤ و٧٢١) و«الشهادات»(٢٦٨٩)، و(الترمذيّ) في«الصلاة»(٢٢٥ و٢٢٦)، و(النسائيّ) فيها (١/ ٢٦٩ و٢/ ٢٣)، و(مالك) في«الموطّأ»(١/ ٦٧)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٢٠٠٧)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٢٣٦ و٢٧٨ و٣٠٣ و٣٧٤ و٣٧٥ و٥٣٣)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٣٩١)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١٦٥٩ و٢١٥٣)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١/ ٤٢٨ و١٠/ ٢٨٨)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٣٨٤)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٩٧٠ و١٣٦٧)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٩٧٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة الأذان، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في أبوابه. ٢ - (ومنها): بيان فضيلة الصفّ الأول، والقرب من الإمام؛ لاستماع القرآن إذا جهر، والتأمين عند فراغه من الفاتحة، والتكبير عقب تكبيره، وأيضًا يَحْتَمِل أن يحتاج الإمام إلى استخلاف عند الحاجة، فيكون هو خليفته، فحصل له بذلك أجر عظيم، أو يضبط صفة الصلاة، وينقلها ويعلمها الناس، وسيأتي في الباب قوله -ﷺ-: «خير صفوف الرجال أولها، وشرُّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أولها». وأخرج الدارميّ بسند صحيح، عن عرباض بن سارية -﵁- «أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يستغفر للصف الأول ثلاثًا، وللصف الثاني مرةً». وأخرج أبو داود بسند صحيح، عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول، حتى يؤخرهم اللَّه في النار». وأخرج النسائيّ بإسناد صحيح، عن البراء بن عازب -﵄- قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية، يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول: لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم، وكان يقول: «إن اللَّه وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة». وأخرج الطبرانيّ بسند صحيح، عن عبد الرحمن بن عوف -﵁-: «إن اللَّه وملائكته يصلون على الصف الأول». وعند ابن حبان عن البراء عن عازب -﵄-: «إن اللَّه وملائكته يصلون على الصف الأول»، واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): بيان جواز تسمية العشاء عَتَمَةً، وقد ورد النهي عن تسميتها بها، فقد أخرج المصنّف عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا تَغْلِبَنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب اللَّه العشاء، وإنها تُعْتِم بحلاب الإبل». وقد جمع العلماء بينهما بوجهين: (أحدهما): أن النهي للتنزيه، لا للتحريم. (والثاني): وهو الأظهر، أن استعمال العتمة هنا لمصلحة، ونفي مفسدة؛
مصادر المؤلف (١٤)

١. «عمدة القاري» ٥/ ١٨٢.

٢. ٢/ ١١٥.

٣. «شرح النوويّ» ٤/ ١٦٠.

٤. «الفتح» ٢/ ١١٥.

٥. «شرح النوويّ» ٤/ ١٥٧ - ١٥٨.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ٨٩٦ - ٨٩٧.

٧. «الفتح» ٢/ ١١٥.

٨. ٢/ ١١٥.

٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ٨٩٧.

١٠. «القاموس المحيط» ٢/ ١٥٨.

١١. «لسان العرب» ٥/ ٢٥٤ - ٢٥٥.

١٢. «المصباح المنير»١/ ٣ - ٤.

١٣. «مرقاة المفاتيح» ٢/ ٣٢٣.

١٤. ٢/ ١٦٦.