HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٥٠

حدثنا محمد بن المثنى. حدثنا عبد الأعلى عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ: هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ فَقَالَ عَلْقَمَةُ: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ. فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ. فَفَقَدْنَاهُ. فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ. فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ. قَالَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ. قَالَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ. فَقَالَ «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ. فَذَهَبْتُ مَعَهُ. فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ» قَالَ فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ. وَسَأَلُوهُ الزَّادَ. فَقَالَ «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا. وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص36
ج ١ ص ٣٣٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٠ ص٣٩٠
والحاصل أن الجنّ مثل الإنس، في الثواب والعقاب، ودخول الجنّة، والنار؛ لدلالة النصوص على هذا، كالآية المذكورة، وكقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، وغير ذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أن هذا الحديث مع حديث ابن مسعود -﵁- الآتي بعده، والأحاديث الأخرى يدلّ على أن الجنّ أصناف متعددة، وتعددت وفادتهم على النبيّ -ﷺ- بمكة والمدينة بعد الهجرة، فقول من قال باتّحاد قصّة ليلة الجنّ غير صحيح، كما أسلفنا تحقيقه قريبًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠١٢] (٤٥٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ: هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: فَقَالَ عَلْقَمَةُ: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَفَقَدْنَاهُ، فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ، أَوِ اغْتِيلَ، قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْنَاكَ، فَطَلَبْنَاكَ، فَلَمْ نَجِدْكَ، فَبِتْنَا بِشَرَّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَقَالَ: «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ»، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا، فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ ، فَقَالَ: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ، ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا، فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُم»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنَزيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، وكان يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٤ - (عَامِر) بن شَرَاحيل الشَّعْبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهور [٣] (ت بعد ١٠٠) عن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٥ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد اللَّه النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت بعد ٦٠ وقيل: بعد ٧٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. ٦ - (ابْنُ مَسْعُودٍ) هو: عبد اللَّه الصحابيّ المشهور، مات -﵁- سنة (٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وداود علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةَ تابعيين روى بعضهم عن بعض: داود، عن عامر، عن علقمة. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من السابقين الأولين، من المهاجرين، ومن كبار علماء الصحابة، ومن المقرئين المشهورين، وقد أثنى على قراءته النبيّ -ﷺ-، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود أن أبا بكر وعمر بشّرَاه، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «من أحبّ أن يقرأ القرآن غَضًّا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرٍ) الشعبيّ -﵀-، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ) بن قيس: (هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ) -﵁- (شَهِدَ) أي حضر (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ الْجنِّ؟) أي ليلة اجتماعه -ﷺ- بالجنّ بعد أن دعوه إليهم (قَالَ) عامر (فَقَالَ عَلْقَمَةُ: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ) -﵁- أي عن حضوره تلك الليلة، فقوله: (فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ) تفصيل، وتفسير لمعنى «سألتُ» (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ الْجِنِّ؟) أي ليلة حضور الجنّ مجلس النبيّ -ﷺ- لِيسألوه عن الدين، ويستفتوه في بعض المسائل (قَالَ) ابن مسعود -﵁- (لَا) أي لم يشهد أحدّ منا تلك الليلة. قال النوويّ -﵀-: هذا صريح في إبطال الحديث المرويّ في «سنن أبي داود» وغيره المذكور فيه الوضوء بالنبيذ، وحضور ابن مسعود معه -ﷺ- ليلة الجنّ، فإن هذا الحديث صحيح، وحديث النبيذ ضعيف باتّفاق المحدثين، ومداره على زيد، مولى عمرو بن حُريث، وهو مجهول. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار بالحديث المذكور إلى ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي زيد، مولى عمرو بن حُريث، عن ابن مسعود، قال: كنت مع النبيّ -ﷺ- ليلةَ لَقِي الجنَّ، فقال: «أمعك ماء؟» فقلت: لا، فقال: «ما هذا في الإداوة؟»، قلت: نبيذٌ، قال: «أرنيها، تمرةٌ طيبةٌ، وماء طهورٌ»، فتوضأ منها، ثم صلّى بنا . قال الترمذيّ: وأبو زيد رجلٌ مجهولٌ عند أهل الحديث، لا تُعرف له رواية غير هذا الحديث. انتهى. وكذا حكم بأنه مجهول أحمد بن حنبل، والبخاريّ، وأبو زرعة الرازي، وأبو أحمد الحاكم، وابن حبّان، واللَّه تعالى أعلم. (وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً مَن الليالي (فَفَقَدْنَاهُ) وفي رواية الترمذيّ: «ولكن قد افتقدناه»، يقال: فَقَدته فقدًا، من باب ضرب، وفِقْدَانًا: عَدِمتُهُ، فهو مفقود، وفَقِيدٌ، وافتقده مثله، وتفقّدتُهُ: طلبتُهُ عند غيبته . (فَالْتَمَسْنَاهُ) أي طلبناه (فِي الْأَوْدِيَةِ) جمع وادٍ، وهو كلُّ منفرج بين جبال، أو آكام يكون مَنْفَذًا للسيل . (وَالشِّعَابِ) بالكسر: جمع شِعْبٍ بكسر، فسكون، وهو: الطريق، وقيل: الطريق في الجبل . (فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ) بالبناء للمفعول، من الاستطارة، أي طارت به الجنّ (أَو) للتنويع، أي قال بعضنا: استطير، وقال بعضنا: (اغْتِيلَ) بالبناء للمفعول أيضًا، من الاغتيال: أي قُتِل سِرًّا، والْغِيلَة بكسر الغين المعجمة: هي القتل في خُفْية، قاله النوويّ . وقال في «المصباح»: غاله غَوْلًا: أهلكه، واغتاله: قتله على غِرّة، والاسم: الْغِيلة بالكسر، والغائلة: الفساد والشرّ. انتهى. (قَالَ) ابن مسعود -﵁- (فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ) يعني أنهم أصابهم بسب فقده -ﷺ- همّ وحزن شديد، من نوع ما يصيب القوم من الهموم والحزن = قام يصلي أدركه شخصان منهم، قالا له: يا رسول اللَّه إنا نحب أن تؤمّنا في صلاتنا، قال: فصفّهما رسول اللَّه -ﷺ- خلفه، ثم صلى بنا، فلما انصرف، قلت له: من هؤلاء يا رسول اللَّه؟ قال: «هؤلاء جنُّ نَصِيبين، جاءوا يختصمون إليّ في أمور، كانت بينهم، وقد سألوني الزاد، فزوّدتهم»، قال: فقلت له: وهل عندك يا رسول اللَّه من شيء تزوّدهم إياه؟، قال: فقال: «قد زوّدتهم الرَّجْعَة، وما وجدوا من رَوْث وجدوه شعيرًا، وما وجدوا من عظم وجدوه كاسيًا»، قال: وعند ذلك نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن أن يستطاب بالروث والعظم. انتهى. الشديد (فَلَمَّا أَصْبَحْنَا) أي دخلنا في الصباح (إِذَا هُوَ جَاءٍ) «إذا» هي الفجائيّة، أي ففاجأنا مجيئه -ﷺ- (مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: أي من جهة (حِرَاءٍ) بالكسر، والمدّ، ويُقصر، ويذكّر، فيُصرف، ويؤنّث، فيُمْنَع من الصرف، ففيه أربع لغات، وقال في «القاموس»: حِرَاءٌ: ككِتاب، وكعَلَى، عن عياض، ويؤنَّث، ويمنع من الصرف: جبل بمكة، فيه غارٌ تحنّث فيه النبيّ -ﷺ-. انتهى. (قَالَ) ابن مسعود -﵁- (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْنَاكَ، فَطَلَبْنَاكَ، فَلَمْ نَجِدْكَ، فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَقَالَ) -ﷺ- («أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ) أي الداعي الذي أرسلته الجنّ، فالإضافة فيه بمعنى»من«(فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ»، قَالَ) ابن مسعود -﵁- (فَانْطَلَقَ) أي ذهب النبيّ -ﷺ- (بِنَا) أي بالصحابة الذين باتوا بشرّ ليلة باتها قوم، من أجل أنهم فقدوا النبيّ -ﷺ- (فَأَرَانَا آثَارَهُمْ) بالمدّ: جمع أَثَرٍ بفتحتين، كسبب وأسباب، والأثر: بقيّة الشيء (وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ) أي ما بقي من النيران التي أوقدوها تلك الليلة لأغراضهم. (وَسَأَلُوهُ) أي طلب أولئك الجنّ من النبيّ -ﷺ- (الزَّادَ) وفي نسخة: «عن الزاد»، والمراد به طعامهم، وعلف دوابّهم، وأصل الزاد هو الطعام الذي يتّخذه المسافر في سفره، قال الفيّوميّ: زاد المسافر: طعامه المتَّخذ لسفره، والجمع: أزواد. انتهى ، ولعلّ التعبير بالزاد؛ لأنهم كانوا رُحّلًا مثل ما كانت الأعراب ترحل من محلّ إلى آخر؛ لطلب الكلإ ونحوه، وسيأتي في الرواية التالية زيادة: «وكانوا من جِنّ الجزيرة». قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تكلّم العلماء في قوله: «وسألوه الزاد. . . إلخ» أنه مدرج من كلام الشعبيّ، وسيأتي تفصيل ما قالوه في المسألة الثالثة -إن شاء اللَّه تعالى-. (فَقَالَ) -ﷺ- («لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ)»كلُّ«مبتدأ، خبره جملة»يقع في أيديكم«، ويحتمل أن يكون الجارّ والمجرور قبله خبرًا، أي كلُّ عظم كان لكم زادًا، (ذُكِرَ) بالبناء للفعول (اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) والجملة من الفعل والنائب في محلّ جرّ صفة لـ»عظم«. قال بعض العلماء: هذا لمؤمنيهم، وأما غيرهم، فجاء في حديث آخر:«أن طعامهم ما لم يُذْكَر اسم اللَّه عليه»، قاله النوويّ . [تنبيه]: قوله -ﷺ-:«لكم كلّ عظم. . . إلخ»هذا بعد أن دعا اللَّه تعالى بذلك، فقد أخرج البخاريّ -﵀- في«صحيحه»عن أبي هريرة -﵁- أنه كان يَحْمِل مع النبيّ -ﷺ- إداوةً لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال:«مَن هذا؟ »فقال: أنا أبو هريرة، فقال:«ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم، ولا بروثة»، فأتيته باحجار أَحْمِلها في طرف ثوبي، حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فَرَغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال:«هما من طعام الجنّ، وإنه أتاني وَفْدُ جن نصيبين، ونعم الجنّ، فسألوني الزاد، فدعوت اللَّه لهم أن لا يَمُرّوا بعظم، ولا بروثة، إلا وجدوا عليها طعامًا». انتهى. فهذا صريح في كونه -ﷺ- دعا لهم، ثم أخبرهم بأن اللَّه تعالى استجاب له في ذلك، فحديث الباب بيّن إخباره لهم أخيرًا، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ) جملة في محلّ رفع خبر المبتدأ، وقوله: (أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا) بنصب«أوفر»على الحال، و«لحمًا»منصوب على التمييز (وَكُلُّ بَعْرَةٍ) مبتدأ خبره«عَلَفٌ»، قال في«القاموس»: الْبَعْرُ، ويُحَرَّك: رَجِيعُ الْخُفّ، والظِّلْفِ، واحدته بِهاء، والجمع: أَبْعار، والفعل كمَنَعَ. انتهى . وفي«المصباح»: الْبَعَرُ معروفٌ، والسكون لغة، وهو من كلّ ذي ظِلْفٍ، وخُفّ، والجمع: أبعار، مثلُ سَبَبٍ وأسباب، وبَعَرَ ذلك الْحَيَوانُ بَعْرًا، من باب نَفَعَ: ألقى بَعَرَه. انتهى . (عَلَفٌ) بفتحتين: ما يُعلف به، والجمع عِلاف بالكسر، مثلُ جبل وجِبَال، يقال: عَلَفْتُ الدابّة عَلْفًا، من باب ضرب، وأعلفتها بالألف لغة . (لِدَوَابِّكُمْ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تَسْتَنْجُوا بِهِمَا) أي بالعظم، والبعرة (فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ») الفاء للتعليل؛ أي إنما نهيتكم عن الاستنجاء بهما؛ لأنهما زاد إخوانكم من الجنّ، فلا يجوز تنجيسهما؛ احترامًا لحقوقهم. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر هذه الرواية أن الجنّ سألوا النبيّ -ﷺ- عن الطعام، فأخبرهم بما جعل اللَّه لهم من الطعام، ثم نهى عن الاستنجاء به، ويعارض هذا ما أخرجه أبو داود بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: قَدِم وفد الجنّ على رسول اللَّه -ﷺ-، فقالوا: يا محمد انْهَ أُمَّتَكَ أن يستنجوا بعظم أو روثة، أو حُمَمَة، فإن اللَّه تعالى جَعَل لنا فيها رزقًا، قال: فنهى رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك . فظاهر هذه الرواية أن الجنّ هم الذين أخبروا النبيّ -ﷺ- بطعامهم، وطلبوا منه أن ينهى أمته عن الاستنجاء به. والجمع بينهما أن يقال: إن الجنّ لَمّا وفدوا على النبيّ -ﷺ- طلبوا منه الزاد، فدعا اللَّه تعالى لهم، ثم أخبرهم بأن اللَّه جعل لهم كلّ عظم ذُكر اسم اللَّه عليه طعامًا لهم، وكلّ بعرة علفًا لدوابّهم، ثم إنهم رأوا أن الناس يستنجون بهما، فطلبوا منه أن ينهى أمته عن ذلك، فنهى عنه. والحاصل أن الجنّ طلبوا من النبيّ -ﷺ- الزاد، فدعا لهم بما ذُكر، وأخبرهم به، ثم طلبوا منه في وقت آخر أن ينهى أمته عن الاستنجاء بما جعل اللَّه تعالى لهم فيه رزقًا، فنهاهم عن ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٠١٢ و١٠١٣ و١٠١٤ و١٠١٥] (٤٥٠)، و(أبو داود) في «الطهارة» (٣٩ و٨٥)، و(الترمذيّ) فيها (١٨) و«التفسير» (٣٢٥٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ١٥٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٨٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٤٣٢ و٦٣٢٠ و٦٥٢٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٠٨ - ١٠٩) وفي «دلائل النبوّة» (٢/ ٢٢٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في هذا الحديث: قال النوويّ -﵀-: قال الدارقطنيّ -﵀-: انتهى حديثُ ابن مسعود -﵁- عند قوله: «فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم»، وما بعده من قول الشعبيّ، كذا رواه أصحاب داود، الراوي عن الشعبيّ: ابنُ عُلَيّة، وابن زُريع، وابن أبي زائدة، وابن إدريس، وغيرهم. قال النوويّ -﵀-: هكذا قاله الدارقطنيّ وغيره، ومعنى قوله: إنه من كلام الشعبيّ أنه ليس مرويًّا عن ابن مسعود بهذا الحديث، وإلا فالشعبيّ لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبيّ -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عبارة عِلَل الدارقطنيّ -﵀- (٥/ ١٣١): وسئل -أي الدارقطنيّ -﵀- عن حديث علقمة، عن عبد اللَّه، أنه سئل: هل كان أحد منكم مع النبيّ -ﷺ- ليلة الجنّ. . . فذكر الحديث، وفيه: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا تستنجوا بها» -يعني بالبعر والروث- فقال: يرويه داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن عبد اللَّه، رواه عنه جماعة من الكوفيين، والبصريين، فأما البصريون، فجعلوا قوله: «وسألوه الزاد. . .» إلى آخر الحديث من قول الشعبيّ مرسلًا، وأما يحيى بن أبي زائدة، وغيره من الكوفيين، فأدرجوه في حديث ابن مسعود، عن النبيّ -ﷺ-، والصحيح قول مَن فَصَّلَهُ، فإنه من كلام الشعبيّ مرسلًا. انتهى كلام الدارقطنيّ -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أشار الإمام مسلم -﵀- إلى هذه العلّة فيما أورده من الإسنادين التاليين، ففي الرواية الأولى بَيَّنَ أن إسماعيل ابن عليّة فصّل الحديث، فجعله إلى قوله: «وآثار نيرانهم» من قول ابن مسعود -﵁-، وجعل ما بعده من قول الشعبيّ عن النبيّ -ﷺ-، مرسلًا، ثم ذكر في الرواية الثانية، ما يؤيّد هذا، حيث ساق الحديث من رواية عبد اللَّه بن إدريس، عن داود، فجعل آخر حديثه: «وآثار نيرانهم»، فلم يذكر ما بعده، فدلّ على أنه ليس من حديث ابن مسعود -﵁-، كما فصّله ابن عليّة. والحاصل أن أرجح الروايتين رواية من فصّله، وجعل آخره من مرسل الشعبيّ، لكن مراسيل الشعبيّ صححها العلماء، فقد قال العجليّ: مرسل الشعبيّ صحيحٌ، لا يكاد يُرسل إلا صحيحًا، وقال الحسن بن شُجاع الْبَلْخيّ: سمعت عليّ ابن المدينيّ يقول: مرسل الشعبيّ، وسعيد بن المسيّب أحبّ إليّ من داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، ذكره الحافظ ابن رجب -﵀- في «شرح العلل» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول أن كونه من مرسل الشعبيّ، وإن كان هو الراجحَ، لا يُخرجه عن كونه صحيحًا،، فقد صُحّحت مراسيله، فقد قدّمها ابن المدينيّ في كلامه السابق على الموصول، وهذا غاية في الصحّة. ويَحْتَمِل أن يكون الشعبيّ رواه عن أبي هريرة -﵁-، فقد تقدّم أن البخاريّ أخرجه في «صحيحه» من حديثه مرفوعًا، ولفظه: «وإنه أتاني وفد جِنّ نَصِيبين، ونعم الجنُّ، فسألوني الزاد، فدعوت اللَّه لهم أن لا يمروا بعظم، ولا بروثة إلا وَجَدُوا عليها طعامًا». انتهى. والشعبيّ ممن أدرك أبا هريرة، وروى عنه كثيرًا، وأحاديثه عنه في «الصحيحين»، وغيرهما، راجع: «تحفة الأشراف» (٩/ ٤٩٢ - ٤٩٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن النبيّ -ﷺ- قرأ على الجنّ، ودعاهم إلى اللَّه تعالى. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من طلب العلم، والبحث عن حقيقة المسألة ووجهها، فقد سأل الشعبيّ علقمة عن شهود ابن مسعود -﵁- ليلة الجنّ، كما سأل علقمة عن ذلك ابن مسعود -﵁- نفسه. ٣ - (ومنها): شدّة اهتمام الصحابة -﵃- بالنبيّ -ﷺ- وشدّة حرصهم على أن لا يناله مكروه، وهذا هو واجب كلّ مسلم أن يكون -ﷺ- أولى عنده من جميع الخلق حتى من نفسه التي بين جنبيه، كما قال اللَّه ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]، فلا يقدّم ما تهواه نفسه على سنته -ﷺ-، بل يجعلها نُصْبَ عينيه، اعتقادًا، وقولًا، وفعلًا؛ لأن هذا هو مقتضى الإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦]. ٤ - (ومنها): بيان أن النبيّ -ﷺ- بُعث إلى الجنّ كما بُعث إلى الناس. ٥ - (ومنها): بيان معجزة النبيّ -ﷺ- حيث إن الجنّ تخضع لأمره، وتطيعه، وتسأله عما أشكل عليها من أمر المعاش والمعاد. ٦ - (ومنها): إثبات البيّنة على الأمر، وإن كان مما لا يُشكّ فيه، فقد أراهم النبيّ -ﷺ- آثار الجنّ، وآثار نيرانهم حتى يزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، وإلا فالصحابة -﵃- غنيّون عن طلب البيّنة على مثل هذا. ٧ - (ومنها): إثبات معجزة له -ﷺ- أيضًا، وهي أنه دعا لهم بأن يجعل اللَّه تعالى لهم العظم الذي أُكل لحمه، وبقي بلا شيء لحمًا وافرًا، بل أوفر مما كان به من قبلُ، وكذلك البعر صار علفًا لدوابّهم. ٨ - (ومنها): أن الجنّ يأكلون الطعام، ولهم داوبّ مثل الناس. ٩ - (ومنها): بيان أن للجنّ حقوقًا على الإنس، وأنه يجب البعد عما يؤذيهم كغيرهم. ١٠ - (ومنها): مشروعيّة السعي في تحصيل ما ينفع الإنسان، ودفع ما يضرّه. ١١ - (ومنها): أن على الإمام أن يحذّر الناس عن إلحاق الضرر بأيّ مسلم إنسًا أو جنًّا. ١٢ - (ومنها): النهي عن الاستنجاء بالعظم، والبعر، ويُلحق به كلّ ما في معناه، من المطعومات، والمحترمات، كأوراق الكتب، وقد تقدّم البحث في هذا في «كتاب الطهارة» مستوفًى، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ مُفَصَّلًا، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. و«داود» ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود -﵁-. وقوله: (إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ) يعني أن حديث ابن مسعود انتهى إلى هذا القدر، فما بعده ليس من حديثه، وإنما هو من حديث الشعبيّ، كما بيّنه بقوله: «قَالَ الشَّعْبِيُّ. . . إلخ». وقوله: (وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ) لا تنافي بين هذا وبين ما تقدّم من رواية البخاريّ: «أنهم من جنّ نصيبين»؛ لأن نصيبين بلدة مشهورة بالجزيرة، قال في «الفتح»: ووقع في كلام ابن التين أنها بالشام، وفيه تجوّز، فإن الجزيرة بين الشام والعراق، قال: ويجوز صرف نصيبين، وتركه. انتهى . وقوله: (مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ) أي من مرسلاته، وقد تقدّم الحديث موصولًا من حديث أبي هريرة -﵁-، أخرجه البخاريّ في «صحيحه» فتنبّه. وقوله: (مُفَصَّلًا، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ) أي منقطعًا عنه. [تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عليّة هذه ساقها الترمذيّ، في «الجامع»، فقال: (٣١٨١) حدّثنا عليّ بن حُجْر، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود، عن الشعبيّ، عن علقمة، قال: قلت لابن مسعود -﵁-: هل صحب النبيّ -ﷺ- ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منّا أحدٌ، ولكن قد افتقدناه ذات ليلة، وهو بمكة، فقلنا: اغْتِيل، أو استُطِير، ما فُعِل به؟ فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، حتى إذا أصبحنا، أو كان في وجه الصبح، إذا نحن به يجيء من قبل حراء، قال: فذكروا له الذي كانوا فيه، فقال: «أتاني داعي الجنّ، فأتيتهم، فقرأت عليهم، فانطَلَقَ، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم». قال الشعبيّ: وسألوه الزاد، وكانوا من جِنّ الجزيرة، فقال: «كلُّ عظم يُذْكَر اسمُ اللَّه عليه، يقع في أيديكم أوفرَ ما كان لحمًا، وكلُّ بَعْرة، أو روثة عَلَفٌ لدوابّكم»، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «فلا تستنجوا بهما، فإنهما زاد إخوانكم الجنّ». قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠١٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) يعني أن عبد اللَّه بن إدريس لم يذكر في روايته عن داود، عن الشعبيّ ما بعد قوله: «وآثار نيرانهم»، بل اقتصر عليه. [تنبيه]: رواية عبد اللَّه بن إدريس هذه لم أجد من ساقها بتمامها، إلا أن أبا نعيم قال في «المسند المستخرج على صحيح مسلم» (٢/ ٦٩): (٩٩٧) حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عُبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن إدريس، عن داود، عن الشعبيّ، عن علقمة، قال: قلت لعبد اللَّه: أصحبَ النبيّ -ﷺ- أحد منكم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكن فَقَدناه، فذكره إلى قوله: «وآثار نيرانهم». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠١٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ تقدّم قبل باب. ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الطحّان المزنيّ مولاهم، أبو الهيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٧. ٣ - (خَالِد) بن مِهْرَان الحذّاء، أبو المنازل البصريّ، ثقةٌ ثبت، تغيّر في الآخر [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤. ٤ - (أَبُو مَعْشَرٍ) زياد بن كُليب الحنظليّ الكوفيّ، ثقة [٦] (ت ١٩ أو ١٢٠) (م د ت س) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٤. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٢. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ) بكسر الدال الأولى؛ أي تمنّيتُ، أو أحببت، يقال: وَدِدتُهُ أَوَدُّهُ، من باب تَعِبَ وُدًّا بفتح الواو، وضمّها: أحببته، والاسم: الْمَوَدّة، ووَدِدتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضًا وُدًّا، ووَدَادَةً بالفتح: تمنّيتُهُ، وفي لغة: وَدَدت أَوَدّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غلطٌ عند البصريين، وقال الزجّاج: لم يقل الكسائيّ إلا ما سَمِعَ، ولكنه سَمِعَه ممن لا يوثق بفصاحته، قاله في «المصباح» . قال النوويّ -﵀-: فيه الحرص على مصاحبة أهل الفضل في أسفارهم، ومُهمّاتهم، ومَشَاهدهم، ومَجالسهم مطلقًا، والتأسّف على فوات ذلك. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠١٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ -ﷺ- بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ، يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ آذَنَتْهُ بِهِمْ شَجَرَةٌ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ) هو: سعيد بن محمد بن سعيد الْجَرْميّ، أبو محمد، وقيل: أبو عبيد اللَّه الكوفيّ، صدوقٌ، رُمي بالتشيّع، من كبار [١١]. رَوَى عن عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر، وأبي تُمَيلة يحيى بن واضح، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وأبي أسامة، والمطلب بن زياد، وأبي عبيدة الحداد، وحاتم بن إسماعيل، ويحيى بن سعيد الأمويّ، وأبي يوسف القاضي، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى له أبو داود، وابن ماجه بواسطة الذُّهْليّ، وأبو زرعة، وعبد اللَّه بن أحمد، وعبد الأعلى بن واصل، وابن أبي الدنيا، وعباس الدُّوريّ، وجماعة. قال أبو زرعة: سألت ابن نُمير، وابن أبي شيبة عنه، فأثنيا عليه، وذاكرت عنه أحمد بأحاديث فعرفه، وقال: صدوق، وكان يطلب معنا الحديث، وقال ابن معين: صدوقٌ، وقال أبو داود: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، قال إبراهيم بن عبد اللَّه بن أيوب المخزوميّ: كان إذا جاء ذكر عليّ بن أبي طالب، قال: -ﷺ-. روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٥٠)، وحديث (٩٩٦): «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته»، و(١٨١٤): «غزا رسول اللَّه -ﷺ- تسع عشرة غزوة. . .». ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قبل باب. ٤ - (مِسْعَر) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٥ - (مَعْن) بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود الْهُذليّ المسعوديّ، أبو القاسم الكوفيّ القاضي، ثقةٌ، من كبار [٧]. رَوَى عن أبيه، وأخيه القاسم، وعون بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وجعفر بن عمرو بن حُريث، وأبي داود الأعمى. وروى عنه الثوريّ، ومِسْعَر، وليث بن أبي سُليم، ومحمد بن طلحة بن مُصَرِّف، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه المسعوديّ، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال العجليّ: كان على قضاء الكوفة، وكان صارمًا عفيفًا مسلمًا جامعًا للعلم، وقال ابن سعد: قليل الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: كان قاضيًا على الكوفة، ثقةً. تفرّد به الشيخان، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٥٠)، وحديث (٨٠٠): «اقرأ عليّ، قال: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال. . .». ٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود الْهُذَليّ الكوفي، ثقة، من صغار [٢]. رَوَى عن أبيه، وعلي بن أبي طالب، والأشعث بن قيس، وأبي بردة بن نيار إن كان محفوظًا، ومسروق بن الأجدع. وروى عنه ابناه: القاسم، ومعن، وسماك بن حرب، والحسن بن سعد، وعبد الملك بن عمير، وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهم. قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة قليل الحديث، وقد تكلموا في روايته عن أبيه، وكان صغيرًا، فأما علي ابن المديني فقال: قد لقي أباه. وقال ابن معين: عبد الرحمن وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما. وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد: مات عبد اللَّه، وعبد الرحمن ابن ست سنين أو نحوها. وقال أحمد: أما سفيان الثوري وشريك فإنهما يقولان: سمع. وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت. وقال العجلي: يقال: إنه لم يَسمَع من أبيه إلا حرفًا واحدًا: «مُحَرِّم الحلال كمستحلّ الحرام»، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: سمع من أبيه، ومن علي. وقال أبو حاتم: صالح. ورَوَى البخاري في «التاريخ الصغير» بإسناد لا بأس به، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه قال: لما حضر عبد اللَّه الوفاةُ قال له ابنه عبد الرحمن: يا أبت أوصني، قال: ابك من خطيئتك. ورَوَى البخاري في «التاريخ الكبير»، وفي «الأوسط» من طريق ابن خُثَيم عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه قال: إني مع أبي. . . فذكر الحديث في تأخير الصلاة، وزاد في «الأوسط»: قال شعبة: لم يسمع من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي. وقال ابن المديني في «العلل»: سمع من أبيه حديثين: حديث الضبّ، وحديث تأخير الوليد للصلاة. وقال العجلي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وأسند حديثه: «مُحَرِّم الحلال. . .» من طريق سماك عنه. وقال أبو حاتم: سمع من أبيه، وهو ثقة. وقال الحاكم: اتفق مشايخ أهل الحديث أنه لم يسمع من أبيه. انتهى. قال الحافظ: وهو نقلٌ غير مستقيم. وقال خليفة بن خياط: مات مَقْدَمَ الحجاج العراق سنة (٧٩). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن أرجح الأقوال أنه سمع من أبيه، ولكنه قليلٌ، واللَّه تعالى أعلم. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط. ٧ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ٢٢٧. و«ابن مسعود -﵁-» ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قَرَن بينهما. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه عبيد اللَّه، وقد دخل الكوفة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبد الرحمن، عن مسروق، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مَعْن) بن عبد الرحمن المسعوديّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود (قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا) أي ابن الأجدع (مَنْ آذَنَ) بالمدّ: أي أعلم (النَّبِيَّ -ﷺ- بِالْجِنِّ) أي بحضورهم مجلسه -ﷺ- (لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ) مسروق (حَدَّثَنِي أَبُوكَ، يَعْنِي) أي يقصد مسروق بقوله: «أبوك» (ابْنَ مَسْعُودٍ) -﵁- (أَنَّهُ) الضمير للشأن، أي أن الأمر والشأن (آذَنَتْهُ) أي أعلمته (بِهِمْ) أي بحضور الجنّ (شَجَرَةٌ) وفي رواية إسحاق ابن راهويه في «مسنده» عن أبي أُسامة بهذا الإسناد: «آذنت بهم سَمُرَة»، وهي بفتح المهملة، وضمّ الميم . قال النوويّ -﵀-: هذا دليلٌ على أن اللَّه تعالى يَجعَل فيما يشاء من الجماد تمييزًا، ونظيره قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٤٤]، وقوله -ﷺ-: «إني لأَعْرِف حجرًا بَمكة، كان يُسِّلم عليّ قبل أن أُبْعَثَ، إني لأعرفه الآن»، رواه مسلم ، وحديث الشجرتين اللتين أتتاه -ﷺ-، وقد ذكره مسلم في آخر الكتاب، وحديث حَنِين الْجِذْع، وتسبيح الطعام، وفِرَار حَجَر موسى بثوبه، ورَجَفَان حِرَاء، وأُحُد. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث ابن مسعود -﵁- هذا يدلّ على أنه -ﷺ- لم يعلم بحضور الجنّ، ولا رآهم، ويعارضه حديثه الماضي أنه -ﷺ- قال: «أتاني داعي الجنّ، فذهبتُ معه، فقرأت عليهم القرآن»، فإنه يدلّ على أنه علم بهم، ورآهم، وقرأ عليهم القرآن، وكلّموه في شأن الزاد. ووجه الجمع بينهما أن يقال: إنهما واقعتان وقعتا له -ﷺ-، ففي إحداهما لم يعلم بهم، وإنما أعلمته شجرة كانت عنده، وأخرى جاءه داعيهم، فذهب معه، وقرأ عليهم القرآن، وكلّموه، كما مرّ الجمع بين حديثه، وحديث ابن عبّاس -﵄-: «ما قرأ رسول اللَّه -ﷺ- على الجنّ، وما رآهم»، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٠١٦] (٤٥٠)، و(البخاريّ) في «مناقب الأنصار» (٣٨٥٩)، و(البزار) في «مسنده» (٥/ ٣٥٢)، و(أبو نعيم) في
مصادر المؤلف (٢٦)

١. وفي نسخة: «وحدّثني عبد الأعلى».

٢. وفي نسخة: «وسألوه عن الزاد».

٣. «شرح النوويّ» ٤/ ١٦٩ - ١٧٠.

٤. ساقه الإمام أحمد -﵀- في «مسنده» (٤١٥٠) فقال: حدّثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني أبو عُميس عتبة بن عبد اللَّه بن عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبي فزارة، عن أبي زيد، مولى عمرو بن حُريث المخزوميّ، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: بينما نحن مع رسول اللَّه -ﷺ- بمكة، وهو في نفر من أصحابه، إذ قال: «ليقم معي رجل منكم، ولا يقومنّ معي رجل في قلبه من الغش مثقال ذرة»، قال: فقمت معه، وأخذت إداوة، ولا أحسبها إلا ماءً، فخرجت مع رسول اللَّه -ﷺ- حتى إذا كنا بأعلى مكة، رأيت أَسْوِدَةً مجتمعةً، قال: فخطَّ لي رسول اللَّه -ﷺ- خطًّا، ثم قال: «قم ها هنا حتى آتيك»، قال: فقمت، ومضى رسول اللَّه -ﷺ-، فرأيتهم يتثورون إليه، قال: فسَمَرَ معهم رسول اللَّه -ﷺ- ليلًا طويلًا، حتى جاءني مع الفجر، فقال لي: «ما زلت قائمًا يا ابن مسعود؟»، قال: فقلت: يا رسول اللَّه أَوَلم تقل لي: «قم حتى آتيك؟»، قال: ثم قال لي: «هل معك من وَضُوء؟»، قال: فقلت: نعم، ففتحت الإداوة، فإذا هو نبيذ، قال: فقلت له: يا رسول اللَّه، واللَّه لقد أخذت الإداوة، ولا أحسبها إلا ماءً، فإذا هو نبيذٌ، قال: فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «تمرةٌ طيبةٌ، وماءٌ طهورٌ»، قال: ثم توضأ منها، فلما =

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٨.

٦. «المصباح» ٢/ ٦٥٤.

٧. «المصباح» ١/ ٣١٣.

٨. «شرح النوويّ» ٤/ ١٧٠.

٩. «المصباح المنير»١/ ٢٥٩ - ٢٦٠.

١٠. «شرح النوويّ» ٤/ ١٧٠.

١١. «القاموس المحيط» ١/ ٣٧٤.

١٢. «المصباح المنير» ١/ ٥٣.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٥.

١٤. حديث صحيح، أخرجه أبو داود في «سننه» برقم (٣٩) وفيه إسماعيل بن عيّاش متكلّم فيه، لكنه ثقة فيما روى عن الشاميين، وهذا منه، فلا كلام فيه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.

١٥. «شرح النوويّ» ٤/ ١٧٠.

١٦. راجع: «شرح علل الترمذيّ» لابن رجب ١/ ٢٩٦.

١٧. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١٨. «الفتح» ٧/ ٢١٠ «كتاب مناقب الأنصار» رقم (٣٨٦١).

١٩. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢٠. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢١. وفي نسخة: «مع النبيّ -ﷺ-».

٢٢. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٣.

٢٣. «شرح النوويّ» ٤/ ١٧١.

٢٤. «الفتح» ٧/ ٢١٠ «كتاب المناقب» رقم (٣٨٦١).

٢٥. سيأتي لمسلم في «الفضائل» برقم (٢٢٧٧).

٢٦. «شرح النوويّ» ٤/ ١٧١.