HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٥٣

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوْا سَعْدًا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرُوا مِنْ صَلَاتِهِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَدِمَ عَلَيْهِ. فَذَكَرَ لَهُ مَا عابوه مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ. فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِهِمْ صلاة رسول الله ﷺ. مَا أَخْرِمُ عَنْهَا إِنِّي لَأَرْكُدُ بِهِمْ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ. فَقَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بك. أبا إسحاق!
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص38
ج ١ ص ٣٣٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٠ ص٤٢٦
بحمد اللَّه ومَنِّهِ كذلك؛ لأن الركعة الأولى كان يقرأ -ﷺ- فيها ثلاثين آية بالترسيل والترتيل والترجيع، والركعة الثانية كان يقرأ فيها مثل قراءته في الأولى بلا ترسيل ولا ترجيع، فتكون القراءتان واحدة، والأولى أطول من الثانية. انتهى ، وهو بحث نفيسٌ مفيدٌ. وقوله: (خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً) بفتح شين «عشرة»، ويجوز تسكينها، ويجوز كسرها أيضًا، وهي لغة بني تميم، قال في «الخلاصة»: وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيثِ إِحْدَى عَشْرَهْ … والشِّيْنُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ كَسْرَهْ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٢١] (٤٥٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوْا سَعْدًا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرُوا مِنْ صَلَاتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ لَهُ مَا عَابُوهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، إِنِّي لَأَرْكُدُ بِهِمْ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، فَقَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ أَبَا إِسْحَاقَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْر) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الكوفيّ الْفَرسيّ، ثقة فقيهٌ تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) عن (١٠٣) سنين (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٦. ٢ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﷿، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في «الحيض» ٢٤/ ٨٠٨. ٣ - (٣) - (سَعْدُ) بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٥٥) على المشهور (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. والباقون تقدّموا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنهم ما بين نيسابوريّ، وواسطيّ، وكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. ٥ - (ومنها): أن سعدًا أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وآخر من مات منهم، وهو أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، ذو مناقب جمّة -﵁-. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) -﵄-، قد وقع التصريح بسماع عبد الملك، عن جابر بن سمرة -﵄- في رواية أحمد وغيره، قاله في «الفتح» (أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ) بضمّ الكاف، هي البلدة المعروفة، وهي دار الفضل، ومحلّ الفضلاء، بنيت في خلافة عمر بن الخطاب -﵁-، أمر نوابه ببنائها هي والبصرة، قيل: سميت كُوفة لاستدارتها، تقول العرب: رأيت كُوفًا، وكُوفانًا للرمل المستدير، وقيل: لاجتماع الناس فيها، تقول العرب: تَكَوَّف الرملُ: إذا استدار، ورَكِبَ بعضُهُ بعضًا، وقيل: لأن ترابها خالطه حَصًى، وكل ما كان كذلك سُمِّي كُوفةً، قال الحافظ أبو بكر الحازميّ وغيره: ويقال للكوفة أيضًا: كُوفان بضم الكاف. انتهى . وقال في «اللسان»: الْكُوفة: الرَّمْلةُ المجتمعة، وقيل: الكوفةُ: الرملة ما كانت، وقيل: الكوفة: الرملة الْحَمْراء، وبها سُمّيت الكوفةُ، وقال الأزهريّ والليث: كُوفانُ اسم أرض، وبها سُمّيت الكوفةُ، وقال ابن سِيدَهْ: الكوفةُ بلدٌ، سُمّيت بذلك؛ لأن سعدًا لَمّا أراد أن يبني الكوفة ارتادها لهم، وقال: تَكَوَّفُوا في هذا المكان، أي اجْتَمِعُوا فيه، وقال المفضّل: إنما قال: كَوِّفُوا هذا الرمل، أي نَحُّوه، وانزِلُوا، ومنه سُمِّيت الكوفةُ، وكُوفانُ اسم الكوفة، قال اللِّحْيانيّ: وبها كانت تُدعَى قبلُ، وقال الكسائيّ: كانت الكوفة تُدعى كُوفانَ، وكَوَّفَ القومُ أَتَوُا الكوفة، قال الشاعر [من الطويل]: إِذَا مَا رَأَتْ يَوْمًا مِنَ النَّاسِ رَاكِبًا … يُبَصِّرُ مِنْ جِيرَانِهَا وَيُكَوِّفُ وكَوَّفْتُ تكويفًا: أي صِرْتُ إلى الكوفة، وتكوَّفَ الرجلُ: أي تشبّه بأهل الكوفة، أو انتسب إليهم، وتكوّفَ الرملُ والقومُ: أي استداروا. انتهى . (شَكَوْا سَعْدًا) هو ابن أبي وقاص -﵁-، وهو خال جابر بن سمرة الراوي عنه، وفي الرواية التالية: «قال عمر لسعد: قد شكوك في كلّ شيء حتى في الصلاة»، وفي رواية أبي داود: «قد شكاك الناس في كلّ شيء حتى في الصلاة». وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الملك، عن جابر بن سمرة -﵁- قال: كنت جالسًا عند عمر -﵁-، إذ جاء أهل الكوفة يَشْكُون إليه سعد بن أبي وقاص، حتى قالوا: إنه لا يحسن الصلاة. انتهى. وفي قوله: «أهل الكوفة» مجاز، وهو من إطلاق الكل على البعض؛ لأن الذين شَكَوه بعض أهل الكوفة لا كلهم، ففي رواية زائدة، عن عبد الملك في «صحيح أبي عوانة»: «جعل ناس من أهل الكوفة»، ونحوه لإسحاق ابن راهويه، عن جرير، عن عبد الملك، وسُمِّي منهم عند سيف، والطبرانيّ: الجرّاح بن سنان، وقبيصة، وأربد الأسديّون، وذكر العسكريّ في «الأوائل» أن منهم الأشعث بن قيس (إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) -﵁-، أي في أيام خلافته، حيث كان أمّر سعدَ بن أبي وقاص على قتال الْفُرْس في سنة أربع عشرة، ففَتَحَ اللَّه العراق على يديه، ثم اختَطّ الكوفة سنة سبع عشرة، واستمرّ عليها أميرًا إلى سنة إحدى وعشرين، في قول خليفة بن خياط، وعند الطبري سنة عشرين، فوقع له مع أهل الكوفة ما ذُكِرَ. زاد في رواية البخاريّ: «فعزله، واستعمل عليهم عمّارًا»: أي عزل عمر -﵁- سعدًا، واستَعْمَل على أهل الكوفة بدله عمار بن ياسر -﵄-، قال خليفة: استَعْمَل عَمّارًا على الصلاة، وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حُنيف على مِسَاحة الأرض. انتهى. وكأن تخصيص عمار بالذكر لوقوع التصريح بالصلاة دون غيرها، مما وقعت فيه الشكوى، قاله في «الفتح» . (فَذَكَرُوا مِنْ صَلَاتِهِ) أي ذكر أهل الكوفة من جملة ما شكوه إلى عمر -﵁- إساءته في الصلاة، وفي رواية البخاريّ: «فشَكَوا حتى ذكروا أنه لا يُحسن يصلّي»، قال في «الفتح»: ظاهره أن جهات الشكوى كانت متعددةً، ومنها قصة الصلاة، وصَرَّح بذلك في رواية أبي عون -يعني الآتية بعد هذا-: «فقال عمر: قد شَكَوْك في كل شيء حتى في الصلاة»، وذكر ابن سعد، وسيف، أنهم زعموا أنه حابى في بيع خُمُس باعه، وأنه صنع على داره بابًا مُبَوَّبًا من خشب، وكان السوق مجاورًا له، فكان يتأذى بأصواتهم، فزعموا أنه قال: انقطع التصويت، وذكر سيف أنهم زعموا أنه كان يلهيه الصيد عن الخروج في السَّرَايا، وقال الزبير بن بكار في «كتاب النسب»: رفع أهل الكوفة عليه أشياء، كشفها عمر، فوجدها باطلة. انتهى. ويُقَوِّيه قول عمر في وصيته: «فإني لم أعزله من عجز، ولا خيانة». انتهى . (فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ) أي إلى سعد (عُمَرُ) بن الخطّاب ليحضر عنده، ويسمع الدعوى، ويُجيب عليها (فَقَدِمَ) بكسر الدال، قال في «القاموس»: قَدِمَ من سفره، كعَلِمَ قُدُومًا وقِدْمَانًا بالكسر: آبَ، فهو قادمِ. انتهى . أي رجع سعد -﵁- من الكوفة (عَلَيْهِ) أي على عمر -﵁- (فَذكَرَ لَهُ) أي ذكر عمر لسعد -﵄- (مَا عَابُوهُ بِهِ) أى ما تنقّصه به أهل الكوفة، وقوله: (مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ) بيان لما عابوه (فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي مثلَ صلاته (مَا) نافية (أَخْرِمُ عَنْهَا) بفتح أوله، وكسر الراء: أي لا أنقُصُ، قال في «الفتح»: وحَكَى ابن التين عن بعض الرواة أنه بضمّ أوله، واستضعفه (إِنِّي لَأَرْكُدُ بِهِمْ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: رَكَدَ الماءُ رُكُودًا، من باب قَعَدَ: سَكَنَ، وأركدته: أسكنته، ورَكَدت السفينة: وقَفَت، فلا تجري، قاله الفيّوميّ ، قال القَزّاز: «أَرْكُد» أي أُقيم طويلًا، أي أُطَوِّل فيهما القراءة. وقال النوويّ: قوله: «لأركُد بهم» يعني أُطَوِّلهما، وأديمهما، وأَمُدُّهما، كما قاله في الرواية الأخرى، من قولهم: رَكَدَت السُّفُنُ، والريح، والماء: إذا سَكَنَ ومَكَثَ. انتهى . ويَحْتَمِل أن يكون التطويل بما هو أعمّ من القراءة، كالركوع والسجود، لكن المعهود في التفرقة بين الركعات، إنما هو في القراءة وسيأتي في الرواية التالية، من رواية أبي عون، عن جابر بن سَمُرة: «أَمُدّ في الأوليين، وأَحذف في الأخريين» . (فِي الْأُولَيَيْنِ) بضم الهمزة: تثنية الأولى، أي في الركعتين الأوليين. (وَأَحْذِفُ) بفتح الهمزة، وسكون الحاء المهملة، وكسر الذال المعجمة، أي أحذف التطويل، وليس المراد حذف أصل القراءة، ووقع في رواية البخاريّ بدله: «وأُخِفّ» بضم أوله، وكسر الخاء المعجمة، وتشديد الفاء، وهو بمعناه. ووقع عند الإسماعيليّ من رواية محمد بن كثير، عن شعبة بلفظ: «أحذم» بالميم موضع الفاء، من حذم يَحْذِم حَذْمًا: إذا أسرع . (فِي الْأُخْرَيَيْنِ) تثنية الأخرى، يعني أنه يقصرهما عن الأوليين، لا أنه يُخِلّ بالقراءة، ويَحذفها كلّها، قاله النوويّ، وقال في «الفتح»: والمراد بالحذف حذف التطويل، لا حذف أصل القراءة، فكأنه قال: أَحْذِف تطويل القراءة. (فَقَالَ) عمر -﵁- (ذَاكَ) إشارة إلى ما ذكره من كيفيّة صلاته كصلاة النبيّ -ﷺ-، فـ «ذاك» مبتدأ خبره قوله: (الظَّنُّ بِكَ) وفي رواية: ظنّي بك (أَبَا إِسْحَاقَ) بحذف حرف النداء، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الآية [يوسف: ٢٩]، قال الحريريّ -﵀- في «مُلْحَته»: وَحَذْفُ «يَا» يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دَعَائِي» أي يا أبا إسحاق، وهي كنية سعد، كُنِي بذلك بأكبر أولاده، وهذا تعظيم من عمر -﵁- له، وفيه دلالةٌ على أنه لم تَقْدَح فيه الشكوى عنده -﵄-. [تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف -﵀-، وقد ساقه الإمام البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٧٥٥) حدّثنا موسى، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا عبد الملك بن عُمَير، عن جابر بن سَمَرة، قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر -﵁-، فعزَلَه، واستَعْمَل عليهم عَمّارًا، فشكوا حتى ذَكَروا أنه لا يُحسن يصلّي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعُمُون أنك لا تحسن تصلّي، قال أبو إسحاق: أما أنا واللَّه، فإني كنت أصلّي بهم صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، ما أَخْرِم عنها، أُصَلِّي صلاة العشاء، فأَرْكُد في الأوليين، وأُخِفّ في الأُخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلًا أو رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يَدَعْ مسجدًا إلا سأل عنه، ويُثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: أمّا إذ نَشَدتَنَا فإن سعدًا كان لا يَسِير بالسَّرِيَّة، ولا يَقْسِم بالسَّوِيّة، ولا يَعْدِل في القَضِيّة، قال سعد: أما واللَّه لأدعونّ بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسمعةً، فأَطِلْ عمره، وأطل فقره، وعَرِّضه بالفتن، وكان بَعْدُ إذا سئل يقول: شيخ كبير، مفتونٌ، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعدُ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه لَيَتَعَرَّض للجواري في الطرق، يَغْمِزُهُنّ. انتهى . وقوله: «أمّا أنا واللَّه» «أمّا» بالتشديد، وهي للتقسيم، والقسيم هنا محذوف، تقديره: وأما هم فقالوا ما قالوا، وفيه القسم في الخبر لتأكيده في نفس السامع، وجواب القسم يدل عليه قوله: «فإني كنت أصلّي بهم». وقوله: «أصلّي صلاة العشاء» كذا هنا بالفتح والمد، ورواه أبو داود الطيالسيّ في «مسنده» عن أبي عوانة بلفظ: «صلاتي العشيّ» بالكسر والتشديد، وكذا في رواية عبد الرزاق، عن معمر، وكذا لزائدة في صحيح أبي عوانة، وهو الأرجح، ويدل عليه التثنية، والمراد بهما الظهر والعصر، ولا يبعد أن تقع التثنية في الممدود، ويراد بهما المغرب والعشاء، لكن يَعْكُر عليه قوله: «الأخريين»؛ لأن المغرب إنما لها أخرى واحدة، وأبدى الكرمانيّ لتخصيص العشاء بالذكر حكمةً، وهو أنه لما أتقن فعل هذه الصلاة التي وقتها وقت الاستراحة، كان ذلك في غيرها بطريق الأولى، وهو حسنٌ، ويقال مثله في الظهر والعصر؛ لأنهما وقت الاشتغال بالقائلة والمعاش، والأولى أن يقال: لعل شكواهم كانت في هاتين الصلاتين خاصةً، فلذلك خصهما بالذكر، أفاده في «الفتح» . وقوله: «ذلك الظنّ بك» أي هذا الذي تقول هو الذي كنا نظنه، زاد مسعر عن عبد الملك وابن عون معًا: «فقال سعد: أتعلّمني الأعراب الصلاة؟». وقوله: «فأرسل معه رجلًا أو رجالًا» بالشك، وفي رواية ابن عيينة: «فبعث عمر رجلين»، وهذا يدل على أنه أعاده إلى الكوفة؛ ليحصل له الكشف عنه بحضرته؛ ليكون أبعد من التهمة، لكن كلام سيف يدل على أن عمر إنما سأله عن مسألة الصلاة بعدما عاد به محمد بن مسلمة من الكوفة، وذكر سيفٌ والطبريّ أن رسول عمر بذلك محمد بن مسلمة، قال: وهو الذي كان يقتصّ آثار مَن شُكِيَ من العُمّال في زمن عمر، وحكى ابن التين أن عمر أرسل في ذلك عبد اللَّه بن أرقم، فإن كان محفوظًا، فقد عُرِف الرجلان، ورَوَى ابن سعد من طريق مَلِيح بن عوف السلميّ، قال: بَعَث عمر محمد بن مسلمة، وأمرني بالمسير معه، وكنت دليلًا بالبلاد، فذكر القصة، وفيها: «وأقام سعدًا في مساجد الكوفة، يسألهم عنه»، وفي رواية إسحاق، عن جرير: «فطيف به في مساجد الكوفة». وقوله: «لبني عَبْس» بفتح المهملة، وسكون الموحدة، بعدها مهملة: قبيلةٌ كبيرةٌ من قيس. وقوله: «أبا سَعْدة» بفتح المهملة، بعدها مهملة ساكنة، زاد سيف في روايته: فقال محمد بن مسلمة: أنشد اللَّه رجلًا يعلم حقًّا إلَّا قال. وقوله: «أمّا» بتشديد الميم وقسيمها محذوف أيضًا. وقوله: «نشدتنا» أي طلبت منا القول. وقوله: «لا يسير بالسرية» الباء للمصاحبة، و«السَّرِيّة» بفتح المهملة، وكسر الراء المخففة: قطعة من الجيش، ويَحْتَمِل أن يكون صفة لمحذوف: أي لا يسير بالطريقة السَّرِية، أي العادلة، والأول أولى؛ لقوله بعد ذلك: «ولا يعدل»، والأصل عدم التكرار، والتأسيس أولى من التأكيد، ويؤيده رواية جرير وسفيان بلفظ: «ولا يَنْفِر في السرية». وقوله: «في القضيّة»: أي الحكومة، وفي رواية سفيان، وسيف: «في الرعية». وقوله: «قال سعد»، وفي رواية جرير: «فغضب سعد»، وحكى ابن التين أنه قال له: أعليّ تسجع؟. وقوله: «أَمَا واللَّه» بتخفيف الميم، حرف استفتاح. وقوله: «لأدعونّ بثلاث» أي عليك، والحكمة في ذلك أنه نَفَى عنه الفضائل الثلاث، وهي: الشجاعة، حيث قال: «لا ينفر»، والعفّة حيث قال: «لا يَقْسِمُ»، والحكمةُ حيث قال: «لا يَعْدِل»، فهذه الثلاثة تتعلق بالنفس، والمال، والدين، فقابلها بمثلها، فطُولُ العمر يتعلق بالنفس، وطول الفقر يتعلق بالمال، والوقوعُ في الفتن يتعلق بالدين، ولما كان في الثنتين الأُوليين ما يمكن الاعتذار عنه، دون الثالثة قابلهما بأمرين دنيويين، والثالثة بأمر دينيّ، وبيان ذلك أن قوله: «لا يَنْفِر بالسَّرِيَّة» يمكن أن يكون حقًّا، لكن رأى المصلحة في إقامته؛ ليرتب مصالح من يغزو ومن يقيم، أو كان له عذر، كما وقع له في القادسية، وقوله: «لا يَقْسِم بالسوية» يمكن أن يكون حقًّا، فإن للإمام تفضيلَ أهل الغَنَاء في الحرب، والقيام بالمصالح، وقوله: «لا يَعْدِل في القَضِيّة»، هو أشدّها؛ لأنه سَلَبَ عنه العدل مطلقًا، وذلك قَدْحٌ في الدين، ومن أعجب العَجَب أن سعدًا مع كون هذا الرجل واجهه بهذا، وأغضبه حتى دعا عليه في حال غضبه، راعَى العدل والإنصاف في الدعاء عليه؛ إذ عَلَّقه بشرط أن يكون كاذبًا، وأن يكون الحامل له على ذلك الغَرَضَ الدنيويّ. وقوله: «رياءً وسمعةً» أي ليراه الناس، ويسمعوه، فيُشْهِروا ذلك عنه، فيكون له بذلك ذكرٌ. وقوله: «وأَطِلْ فقره»، وفي رواية: «وشدِّد فقره»، ورُوي: «وأكثر عياله»، قال الزين ابن الْمُنَيِّر: في الدعوات الثلاث مناسبة للحال، أما طول عمره فليراه من سمع بأمره فيعلمَ كرامةَ سعد، وأما طول فقره، فلنقيض مطلوبه؛ لأن حاله يُشعر بأنه طلب أمرًا دنيويًّا، وأما تعرضه للفتن؛ فلكونه قام فيها، ورضيها دون أهل بلده. وقوله: «فكان بعدُ» أي كان أبو سعدة. وقوله: «شيخٌ كبيرٌ مفتونٌ»، وفي رواية الطبراني، وأبي يعلى: «قال عبد الملك: فأنا رأيته يَتَعَرَّض للإماء في السِّكَك، فإذا سألوه، قال: كبيرٌ فقيرٌ مفتونٌ»، وفي رواية: «فافتقر، وافْتُتِنَ»، وفي رواية: «فَعَمِيَ، واجتمع عنده عشر بنات، وكان إذا سمع بِحِسّ المرأة تشبث بها، فإذا أُنكر عليه، قال: دعوة المبارك سعد»، وفي رواية: «ولا تكون فتنة إلَّا وهو فيها»، وفي رواية محمد بن جُحَادة، عن مصعب بن سعد، نحو هذه القصة، قال: «وأدرك فتنة المختار، فقتل فيها»، رواه ابن عساكر، وفي رواية سيف: «أنه عاش إلى فتنة الجماجم، وكانت سنة ثلاث وثمانين، وكانت فتنة المختار حين غلب على الكوفة من سنة خمس وستين إلى أن قُتل سنة سبع وستين». وقوله: «دعوة سعد» أفردها لإرادة الجنس، وإن كانت ثلاث دعوات، وكان سعد معروفًا بإجابة الدعوة، رَوَى الطبراني من طريق الشعبيّ، قال: قيل لسعد: متى أصبت الدعوة؟ قال: يومَ بدر، قال النبيّ -ﷺ-: «اللهم استجب لسعد»، ورَوَى الترمذيّ، وابنُ حبان، والحاكم من طريق قيس بن أبي حازم، عن سعد -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «اللهم استجب لسعد إذا دعاك». انتهى ملخّصًا من الفتح«، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ١٠٢١ و١٠٢٢ و١٠٢٣ و١٠٢٤] (٤٥٣)، و(البخاريّ) في«الأذان»(٧٥٥ و٧٥٨ و٧٧٠)، و(أبو داود) في«الصلاة»(٨٠٣)، و(النسائيّ) في«الافتتاح»(٢/ ١٧٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في«مسنده»(٢١٦ و٢١٧)، و(عبد الرّزّاق) في«مصنّفه»(٣٧٠٦ و٣٧٠٧)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ١٧٥ و١٧٦ و١٧٩ و١٨٠)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٥٠٨)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١٨٥٩ و١٩٣٧ و٢١٤٠)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(٣٠٨)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢/ ١٤٩ - ١٥٠)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٠٠٤ و١٠٠٥ و١٠٠٦ و١٠٠٧)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٢/ ٦٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان مشروعيّة القراءة في كلّ الصلاة. ٢ - (ومنها): أن الإمام إذا شُكِي إليه نائبه بعث إليه، واستفسره عن ذلك، وأنه إذا خاف مفسدة باستمراره في ولايته، ووقوع فتنة عَزَله، فلهذا عزله عمر -﵁- مع أنه لَمْ يكن فيه خَلَلٌ، ولم يثبت ما يَقْدَح في ولايته وأهليته، وقد ثبت في«صحيح البخاريّ»في حديث مَقْتل عمر -﵁- والشوري، أن عمر -﵁- قال:«إن أصابت الإمارة سعدًا فذاك، وإلا فليستعن به أيُّكم ما أُمِّرَ، فإني لَمْ أَعْزِله من عجز ولا خيانة»، قاله النوويّ -﵀-. وقال في«الفتح»: في هذا الحديث جواز عزل الإمام بعضَ عماله إذا شُكِيَ إليه، وإن لم يثبت عليه شيء، إذا اقتضت ذلك المصلحة، قال مالك: قد عَزَلَ عمرُ سعدًا، وهو أعدل مَن يأتي بعده إلى يوم القيامة، والذي يظهر أن عمر عَزَله حسمًا لمادّة الفتنة، ففي رواية سيف:«قال عمرُ: لولا الاحتياط، وأن لا يُتَّقَى من أمير مثلِ سعد لَمَا عزلته»، وقيل: عزله إيثارًا لقربه منه؛ لكونه من أهل الشوري، وقيل: لأن مذهب عمر -﵁- أنه لا يَسْتَمِرّ بالعامل أكثر من أربع سنين، وقال المازريّ: اختلفوا هل يُعزل القاضي بشكوى الواحد، أو الاثنين، أو لا يعزل حتى يجتمع الأكثر على الشكوى منه؟. ٣ - (ومنها): أن فيه استفسارَ العامل عما قيل فيه، والسؤال عمن شَكَى في موضع عمله، والاقتصار في المسألة على مَن يُظَنّ به الفضل. ٤ - (ومنها): بيان أن السؤال عن عدالة الشاهد ونحوه، يكون ممن يجاوره. ٥ - (ومنها): أن تعريض العدل للكشف عن حاله لا ينافي قبول شهادته في الحال. ٦ - (ومنها): أن فيه خطاب الرجل الجليل بكنيته، والاعتذار لمن سُمِع في حقه كلامٌ يسوؤه. ٧ - (ومنها): بيان الفرق بين الافتراء الذي يُقْصَد به السبّ، والافتراء الذي يُقْصَد به دفع الضرر، فيعزَّر قائل الأول دون الثاني، ويَحْتَمِل أن يكون سعد لَمْ يطلب حقّه منهم، أو عفا عنهم، واكتَفَى بالدعاء على الذي كَشَفَ قِناعه في الافتراء عليه دون غيره، فإنه صار كالمنفرد بأذيته، وقد جاء في الخبر: «من دعا على ظالمه فقد انتصر» ، فلعله أراد الشفقة عليه بأن عَجَّل له العقوبة في الدنيا، فانتصر لنفسه، وراعى حال من ظلمه؛ لِمَا كان فيه من وفور الديانة، ويقال: إنه إنما دعا عليه؛ لكونه انتهك حرمة مَن صَحِب صاحب الشريعة، وكأنه قد انتصر لصاحب الشريعة. ٨ - (ومنها): أن في قوله: «ذاك الظن بك أبا إسحاق» مدحَ الرجل الجليل في وجهه إذا لَمْ يُخَف عليه فتنة بإعجاب ونحوه، والنهيُ عن ذلك إنما هو لمن خيف عليه الفتنة، وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيح بالأمرين، وجَمَع العلماء بينهما بما ذكرته. ٩ - (ومنها): جواز الدعاء على الظالم الْمُعَيَّن بما يستلزم النقص في دينه، وليس هو من طلب وقوع المعصية، ولكن من حيث إنه يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته، ومن هذا القبيل مشروعية طلب الشهادة، وإن كانت تستلزم ظهور الكافر على المسلم، ومن الأول قول موسى -﵇-: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [يونس: ٨٨]. ١٠ - (ومنها): أن فيه سلوكَ الورع في الدعاء. ١١ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الأُوليين من الرباعية متساويتان في الطول، وقد تقدّم أن الراجح تطويل الأولى على الثانية؛ لصريح حديث أبي قتادة -﵁-: «وكان يطوّل في الركعة الأولى، ويقصر الثانية»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. والباقون تقدّموا قريبًا، فقتيبة، وإسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه، تقدّما قبل باب، والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: هذا السند من رباعيّات المصنّف: كسابقه، وهو (٥٣) من رباعيّات الكتاب. [تنبيه آخر]: رواية جرير هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٤٧٥) حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن عُمير، عن جابر بن سَمُرة، قال: شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر، فقالوا: لا يُحسن يصلّي، فذكر ذلك عمر له، فقال: أَمّا صلاةُ رسول اللَّه -ﷺ-، فقد كنت أصلّي بهم أَرْكُد في الأوليين، وأحذف في الأخريين، فقال: ذاك الظنّ بك، يا أبا إسحاق. انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٢٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: قَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَمَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ذَاكَ ظَنِّي بِكَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم أوّل الباب. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في «المقدّمة» ج ١ ص ٣٨٨. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في «المقدّمة» ج ١ ص ٣٨١. ٤ - (أَبُو عَوْنٍ) محمد بن عبيد اللَّه بن سعيد الثقفيّ الكوفيّ الأعور، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، وأبي الزبير، وجابر بن سمرة، ومحمد بن حاطب الْجُمَحيّ، والحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة، وسعيد بن جبير، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وغيرهم. ورَوَى عنه الأعمش، وأبو حنيفة، ومحمد بن سُوقة، والمسعوديّ، ومحمد بن قيس الأسديّ، وشعبة، والثوريّ، ويونس بن الحارث الطائفيّ، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: توفي في ولاية خالد على العراق، وكان ثقةً، وله أحاديث، وقال أبو زرعة: حديثه عن سعيد مرسل، وقال ابن شاهين في «الثقات»: هو أوثق من عبد الملك بن عُمير، وقال ابن قانع وغيره: مات سنة عشر ومائة. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٤٥٣)، وحديث (٥٩٣): «إن اللَّه حرّم ثلاثًا. . .»، و(٢٠٧١): «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها. . .»، وأعاده بعده. و«جابر بن سمرة» -﵄- تقدّم في الحديث الماضي. وقوله: (قَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ) تقدّم أن مما شكوه أنهم زعموا أنه حابى في بيع خمس باعه، وأنه صنع على باب داره بابًا مبوّبًا من خشب، وكان السوق مجاورًا له، فكان يتأذَّى بأصواتهم، فزعموا أنه قال: لينقطع الصوت، وزعموا أيضًا أنه كان يُلهيه الصيد عن الخروج في السرايا. وقوله: (أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ) «أمّا» بتشديد الميم للتقسيم، والقسيم هنا محذوف، تقديره: أما أنا فأمدّ. . . إلخ، وأما هم فقالوا ما قالوا. وقوله: (وَمَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) «ما» الأولى نافية، و«الثانية» موصولة، و«آلُو» بالمد في أوله، وضم اللام: أي لا أُقَصِّر في ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ الآية [آل عمران: ١١٨]؛ أي لا يقصِّرون في إفسادكم. والمعنى: أني لا أُقَصِّر فيما أخذته من صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، بل أقتدي به في ذلك دون تقصير. وقوله: (أَوْ ذَاكَ ظَنِّي بِكَ) «أو» للشكّ من الراوي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٢٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَبِي عَوْنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ: فَقَالَ: تُعَلِّمُنِي الْأَعْرَابُ بِالصَّلَاةِ؟). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحد مشايخ الستّة [١٠] (ت ٢٤٧) وهو ابن (٨٧) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٢ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر الْعَبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٧. ٣ - (مِسْعَر) بن كِدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. والباقون تقدّموا قبله، و«عبد الملك»: هو ابن عُمير، و«أبو عون» هو: محمد بن عبيد اللَّه بن سعيد الثقفيّ. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ) يعني أن حديث مسعر عن عبد الملك، وأبي عون بمعنى حديث هشيم، وجرير، وشعبة عنهما. وقوله: (وَزَادَ) فاعله ضمير مسعر؛ أي زاد مسعر في روايته على رواية الثلاثة المذكورين قولَهُ: «فقال: أتعلّمني. . . إلخ». وقوله: (فَقَالَ: تُعَلِّمُنِي الْأَعْرَابُ بِالصَّلَاةِ؟) فاعل «قال» ضمير سعد بن أبي وقّاص -﵁-؛ أي قال سعد منكرًا شكواهم في حلاته. وفيه دلالةٌ على أن الذين شَكَوه لَمْ يكونوا من أهل العلم، وكأنهم ظَنُّوا مشروعية التسوية بين الركعات، فأنكروا على سعد التفرقة، فيستفاد منه ذمُّ القول بالرأي الذي لا يَستَنِد إلى أصل، وفيه أن القياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار. وقوله: (الأَعْرَابُ) بفتح الهمزة: ساكنو البادية من العرب الذين لا يُقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلَّا للحاجة، ولا واحد له من لفظه، وأما العرب
مصادر المؤلف (١٩)

١. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٥/ ١٦٧ - ١٦٨.

٢. راجع: شروح «الخلاصة» في باب العدد، و«حاشية الخضريّ» ٢/ ٢١٠ - ٢١١.

٣. وفي نسخة: «وحدّثني».

٤. راجع: «شرح النوويّ» ٤/ ١٧٥ - ١٧٦.

٥. «لسان العرب» ٩/ ٣١١.

٦. «الفتح» ٢/ ٢٧٨.

٧. «الفتح» ٢/ ٢٧٨.

٨. «القاموس المحيط» ٤/ ١٦٢.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٧.

١٠. «شرح النوويّ» ٤/ ١٧٦.

١١. راجع: «الفتح» ٢/ ٢٧٩.

١٢. راجع: «عمدة القاري» ٦/ ٩.

١٣. «صحيح البخاريّ» ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠ بنسخة «الفتح».

١٤. ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩.

١٥. راجع:«الفتح»٢/ ٢٨٠ - ٢٨١.

١٦. المراد فوائد الحديث بطرقه المختلفة التي أوردتها في الشرح، لا خصوص سياق المصنّف هنا، فتنبّه.

١٧. حديث ضعيف، أخرجه الترمذيّ ٥/ ٥٥٤، وفيه أبو حمزة ميمون الأعور: ضعيف.

١٨. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١٩. وفي نسخة: «وحدّثني».