HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٧٦

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى؛ قال: كان رسول الله ﷺ، إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ! رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ. وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ».
ج ١ ص ٣٤٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص١٠٨
قال: وتوقّف ابن جرير في المراد بها، هل هي النجوم، أو الظباء، وبقر الوحش؟ قال: ويَحْتَمِل أن يكون الجميع مرادًا. انتهى . (وَكَانَ لَا يَحْنِي) تقدّم أنه يجوز فيه الواو أيضًا، فيقال: «لا يحنو»، أي لا يَثني، وقوله: (رَجُلٌ) مرفوع تنازعه كلّ من «كان»، و«يَحني»، فأُعمل الثاني؛ لقربه عند البصريين، والأول؛ لتقدّمه عند الكوفيين، قال في «الخلاصة»: إِنْ عَامِلَانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ … قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ … وَاخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أَسْرَهْ وقوله: (مِنَّا) متعلّق بصفة لـ «رجلٌ» (ظَهْرَهُ، حَتَّى يَسْتَتِمَّ) النبيّ -ﷺ- بوضع جبهته حال كونه (سَاجِدًا) والمعنى: حتى يسجد سجودًا تامًّا. قال في «القاموس»: أَتَمَّهُ، وتَمَّمَهُ، واستتمّه وتَمّ به، وعليه: جعله تامًّا، وتمام الشيء، وتَمامته، وتَتِمّته: ما يَتِمُّ به، وقال أيضًا: تَمَّ يَتِمُّ تَمًّا وتَمَامًا مثلّثتين، وتَمَامة، ويُكسر. انتهى . والحديث هذا من أفراد المصنّف -﵀-، وتقدّم تخريجه في (٣٦/ ١٠٢٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤١) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧٢] (٤٧٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) عن (٨٢) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٣ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنه يُدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٥ - (عُبَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ) الْمُزَنيّ، ويقال: الثَّعْلبيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن مُغَفَّل، وعبد الرحمن بن مَعْقِل بن مُقَرِّن. وروى عنه الأعمش، ومنصور، والثوريّ، وشعبة، وقيس بن الربيع، ومِسْعَر، وأبو الْعُميس، وآخرون. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، وقال أبو داود: قال يحيى بن سعيد: عبيدٌ أبو الحسن ممن لم يدركه سفيان من مشايخ الكوفيين، قال أبو داود: وسفيان يقول: أدركناه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقةٌ حجةٌ. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث فقط، وله عند أبي داود أيضًا حديث آخر في لحوم الحمر الأهلية. ٦ - (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) هو: عبد اللَّه بن أبي أوفى، واسمه علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد بن رِفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم بن أفصَى بن حارثة الأسلمي، أبو إبراهيم، وبه جزم البخاريّ، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو معاوية، صحابيّ، ابن صحابيّ -﵄-، وشَهِدَ عبد اللَّه بيعة الرضوان، ثم نزل الكوفة ومات بها. رَوَى عن النبي -ﷺ-، وعنه إبراهيم بن عبد الرحمن السَّكْسَكِيُّ، وإبراهيم بن مسلم الْهَجَريّ، وإسماعيل بن أبي خالد، والحكم بن عُتيبة، وسالم أبو النضر فيما كتب إليه، وسلمة بن كُهيل، والأعمش -يقال: مرسل- وطارق بن عبد الرحمن البجلي، وطلحة بن مُصَرِّف، وعبد اللَّه، ويقال: محمد بن أبي الْمُجَالد، وعُبيد بن الحسن، وعدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، وعمرو بن مرة، وفائد أبو الورقاء، والقاسم بن عوف الشيباني، ومَجْزأة بن زاهر، والوليد بن سَرِيع، ويحيى بن عَقِيل، وأبو آدم المحاربي، وأبو إسحاق الشيباني، وأبو المختار الأسدي، وأبو يعفور العبدي، وشَعْثاء الكوفية. وأخرج أحمد عن يزيد، عن إسماعيل: رأيت على ساعد عبد اللَّه بن أبي أوفى ضربة، فقال: ضُربتها يوم حُنين، فقلت: أشهدت حُنينًا؟ قال: نعم، وقبل ذلك. وفي «الصحيح» عن عمرو بن مرّة قال: سمعت ابن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة. وفي «الصحيح» عنه قال: غزوت مع النبيّ -ﷺ- ست غزوات نأكل الجراد، وفي روأية: سبع غزوات، قال سفيان وعطاء -هو ابن السائب-: رأيت عبد اللَّه بن أبي أوفى بعدما ذهب بصره . قال يحيى بن بكير وغيره: مات سنة ست وثمانين، وقال البخاري عن أبي نعيم: مات سنة (٨٧)، وقال الذهليّ عن أبي نعيم: مات سنة سبع أو ثمان وثمانين. قال عمرو بن علي: وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة، وهو أخو زيد بن أبي أوفي، لكن منع ذلك أبو أحمد العسكري وغيره، وفي «كتاب الجهاد» من البخاري ما يدلّ على أنه شهد الخندق . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعبيد بن الحسن، فتفرّد به هو، وأبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن عبيد بن الحسن. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه آخر من مات من الصحابة بالكوفة، كما مرّ آنفًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن) عبد اللَّه (بْنِ أَبِي أَوْفَى) -﵄- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهُ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) قال العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-: معنى سَمِعَ هنا: أجاب، ومعناه: أن مَن حَمِدَ اللَّه تعالى متعرِّضًا لثوابه، استجاب اللَّه تعالى له، وأعطاه ما تَعَرَّض له، فإنا نقول: ربنا لك الحمد؛ لتحصيل ذلك، قاله النوويّ . (مِلْءُ السَّمَاوَاتِ) وفي نسخة:«ملء السماء»، و«مِلْءُ»بالنصب، والرفع، والنصب أشهر، وهو الذي اختاره ابن خَالَوَيه، ورجَّحه، وأطنب في الاستدلال له، وجَوَّز الرفعَ على أنه مرجوحٌ، وحُكِي عن الزجاج أنه يتعين الرفع، ولا يجوز غيره، وبالغ في إنكار النصب، ورجّح الأكثرون النصب، وهو المعروف في روايات الحديث، وهو منصوب على الحال، مالئًا، قال العلماء: معناه حمدًا لو كان أجسامًا لملأ السماوات والأرض، قاله النوويّ . قال الجامع عفا اللَّه عنه: نصب«ملء»على أنه حال، بتقدير مالئًا، كما سبق في كلام النوويّ، أو على أنه صفة لمصدر محذوف، أي حمدًا ملءَ السموات، أو مفعول لفعل محذوف، أي أعني، ورفعه على أنه خبر لـ«الحمدُ»، أو خبر لمحذوف: أي هو. و«الْمِلْء» بكسر الميم، وسكون اللام: ما يأخذ الإناء إذا امتلأ. وقال الخطّابيّ -﵀-: هو تمثيلٌ وتقريبٌ، والمراد تكثير العدد حتى لو قُدّر ذلك أجسامًا لملأ ذلك، وقال غيره: المراد بذلك التعظيم، كما يقال: هذه الكلمة تملأ طباق الأرض، وقيل: المراد بذلك أجرها وثوابها. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا حاجة إلى هذه التأويلات المتكلّفة، بل الصواب إبقاء الحديث على ظاهر معناه، وما المانع أن يكون الحمد شيئًا يملأ السموات والأرض، وقد ثبت بالنصوص الكثيرة أن الأعمال توزن يوم القيامة، ومنه تلك البطاقة التي تثقّل ميزان العبد، والحديث فيه صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه بسند صحيح ، ومعلوم أنه لا يوزن إلا ما كان شيئًا محسوسًا، فلا داعي إلى هذه التأويلات التي تكلّفوها، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (وَمِلْءُ الْأَرْضِ) معطوف على ما قبله بوجهيه، وكذا قوله: (وَمِلْءُ مَا شِئْتَ)«ما»موصولة، حُذف عائدها، أي الذي شئته، وقوله: (مِنْ شَيْءٍ) بيان لـ«ما»، وقوله: (بَعْدُ«) من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، وإنما بُني على الضمّ؛ تشبيهًا له بأحرف الغاية، قال في »الخلاصة«: وَاضْمُمْ بِنَاءً «غَيْرًا» انْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا «قَبْلُ» كَـ «غَيْرُ» «بَعْدُ» «حَسْبُ» «أَوَّلُ» … وَ«دُونُ» وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَ«عَلُ» والمضاف المقدّر هنا «السموات، والأرض»، والظرف متعلّق بمحذوفٍ صفة لـ «شيء»، والمراد من قوله: «من شيء»: العرش، والكرسيّ، ونحوهما مما في مقدُور اللَّه ﷿، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٠٧٢ و١٠٧٣ و١٠٧٤ و١٠٧٥] (٤٧٦)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (٦٧٦ و٦٨٤)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١٩٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٢٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٢٤٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٥٦ و٣٨١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩٥٥ و٩٥٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨٤٧ و١٨٤٨ و١٨٤٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٠٥١ و١٠٥٢ و١٠٥٣) واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما يُستحبّ أن يقوله المصلّي إذا رفع رأسه من الركوع. ٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة الاعتدال، ووجوب الطمأنينة فيه؛ لأنه لا يمكن أن يقول هذا الذكر إلا إذا اعتدل، واطمأنّ. ٣ - (ومنها): أنه يستحب لكل مصلّ، من إمام، ومأموم، ومنفرد، أن يقول: «سَمِعَ اللَّه لمن حمده، ربنا لك الحمد»، ويجمع بينهما، فيكون قوله: «سَمِعَ اللَّه لمن حمده» في حال ارتفاعه، وقوله: «ربنا لك الحمد» في حال اعتداله؛ لقوله -ﷺ-: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلّي»، رواه البخاريّ، قاله النوويّ -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن الراجح أن الإمام والمنفرد يجمعان بينهما؛ للحديث المذكور، وأما المأموم، فلا يُشرع له التسميع؛ لصريح قوله -ﷺ-: «وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده»، فقولوا: «ربّنا ولك الحمد»، فقد صرّح فيه أنّ وظيفة المأموم هو التحميد فقط، فتبصّر لذلك. ٤ - (ومنها): أن هذا الذكر مشروع في جميع الصلوات، سواء كانت فرضًا أو نفلًا؛ خلافًا لبعض العلماء؛ حيث قالوا: إنه خاصّ بالتطوّع فقط، ولا حجة لهم في ذلك، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فإلى شعبة تقدّموا قبل باب، والباقيان في السند الماضي، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أَوْفَى، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاءِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ، وَالْبَرَدِ، وَمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْوَسَخِ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ، تقدّموا قبله، غير: ١ - (مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِر) بن الأسود الأسلميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، وأُهْبان بن أوس الأسلميّ، وابن أبي أوفى، وناجية الأسلميّ، وعطاء النَّهْديّ، وإبراهيم بن ملاذ. ورَوَى عنه إسرائيل، وقيس بن الربيع، ورَقَبَة بن مَصْقَلة، وشريك النخعيّ. قال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. [تنبيه]: قوله: (مَجْزَأَة) هو بميم مفتوحة، ثم جيم ساكنة، ثم زاي، ثم همزة تُكْتَب ألفًا، ثم هاء، وحَكَى صاحب «المطالع» فيه كسر الميم أيضًا، ورَجَّح الفتح، وحَكَى أيضًا تركَ الهمزة فيه، ذكره النوويّ . وقال في «الفتح»: هو: بفتح الميم، والزاي، بينهما جيم ساكنة، وبهمزة مفتوحة قبل الهاء، وقال أبو عليّ الْجَيَّانيّ: المحدّثون يسهّلون الهمزة، ولا يَلفظون بها، وقد يَكسرون الميم. انتهى . وقوله: (اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ) بفتح، فسكون: هو ماءٌ ينزل من السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جُمُوده. وقوله: (وَالْبَرَدِ) بفتحتين: هو حَبّ الغمام، وهو ماءٌ ينزل من السماء جامدًا كالملح، ثم يذوب على الأرض. وقوله: (وَمَاءِ الْبَارِدِ) وفي بعض النسخ: «والماء البارد»، وعلى النسخة الأولى يكون من إضافة الموصوف إلى صفته، كقوله تعالى: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وقولهم: «مسجد الجامع»، ومذهب الكوفيين فيه أنه جائز على ظاهره، ومذهب البصريين أنه لا بدّ من التقدير؛ لأنه يكون من إضافة الشيء إلى نفسه، تقديره: ماء الطُّهُور البارد، وجانب المكان الغربيّ، ومسجد الموضع الجامع، وإلى هذا أشار ابن مالك في «خلاصته» حيث قال: وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ قال الكرمانيّ -﵀-: الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحارّ، فلم ذكر الماء البارد؟. ثم أجاب ناقلًا عن محيي السنة أن معناه: طَهِّرني من الذنوب، وذكرها مبالغة في التطهير. وقال الخطابيّ -﵀-: هذه أمثالٌ، ولم يُرَد بها أعيان هذه المسميات، وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا، والمبالغة في مَحْوها عنه، والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي، ولم يَمْتَهِنهما استعمال، فكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهير الثوب. وقال التوربشتيّ -﵀-: ذَكَرَ أنواع المطهِّرات الْمُنَزَّلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلّا بأحدها بيانًا لأنواع المغفرة التي لا تَخَلُّص من الذنوب إلّا بها، أي طَهِّرني بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث. وقوله: (اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا) يَحْتَمِل أن يكون الجمع بينهما -كما قال بعض المفسرين- في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١٢] قال: الخطيئة المعصية بين العبد وبين اللَّه تعالى، والإثم بينه وبين الآدمي، قاله النوويّ -﵀- . و«الخطايا»: جمع خَطِيّة، كالعطايا جمع عطية، يقال: خَطِئَ في دينه خِطْأ: إذا أَثِمَ فيه، والْخِطْأُ بالكسر: الذنب والإثم، وأصل خطايا خَطايِءُ، فقلبوا الياء همزة، كما في قبائل، جمع قبيلة، فصار خطائء بهمزتين فقلبوا الثانية ياءً، فصار خطائيُ، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة، فصارت خطايَيُ، فقلبت الياء الأخيرة ألفًا، فصار خطايا . وقوله: (كَمَا يُنَقَّى) بالبناء للمفعول، أي كما يُنظّف. وقوله: (الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ) خصّ الأبيض؛ لأن التطهير فيه أظهر. وقوله: (مِنَ الْوَسَخِ) وفي رواية: «من الدّرَن»، وفي رواية: «من الدّنَس»، وكله بمعنى واحد، ومعناه: اللهم طهِّرني طهارة كاملة مُعْتَنًى بها، كما يُعْتَنَى بتنقية الثوب الأبيض من الوسخ، قاله النوويّ. وفيه إيماءٌ إلى أن القلب بمقتضى أصل الفطرة سليم، ونظيفٌ، وأبيض، وظريفٌ، وإنما يتّسخ، وَيسْوَدّ بارتكاب الذنوب، وبالتخلّق بالعيوب، فينبغي للعبد إزالة هذا الوسخ بالاستغفار والالتجاء إلى اللَّه ﷿ بالدعاء والتضرّع حتى ينظّفه مما حلّ به من أوساخ المعاصي، ودرن المخالفات. والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ: «كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّرَنِ»، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ: «مِنَ الدَّنَسِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥.
مصادر المؤلف (١٦)

١. راجع:«تفسير ابن كثير»٤/ ٦٤١ - ٦٤٢.

٢. «القاموس المحيط»٤/ ٨٣.

٣. وفي نسخة:«وحدّثنا».

٤. وفي نسخة: «ملء السماء».

٥. راجع:«الإصابة»٤/ ١٦ - ١٧.

٦. «تهذيب التهذيب»٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥.

٧. «شرح النوويّ»٤/ ١٩٣.

٨. راجع:«المجموع»٣/ ٤١٦، و«شرح مسلم»٤/ ١٩٣.

٩. قال الإمام أحمد: (٦٦٩٩) حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ، حدّثنا ابن مبارك، عن ليث بن سعد، حدّثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحبليّ، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن اللَّه ﷿ يستخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سِجِلًّا كل سِجِلّ مَدّ البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، فيقول: ألك عذر، أو حسنةٌ؟، فيبهت الرجل، فيقول: لا يا ربّ، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنةً واحدةً لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: أَحضِرُوه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة، مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كِفّة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء بسم اللَّه الرحمن الرحيم». انتهى. وهذا إسناد صحيح، ولفظ الترمذي:«فلا يثقل مع اسم اللَّه شيء».

١٠. وفي نسخة: «حدّثنا».

١١. «شرح النوويّ» ٤/ ١٩٣.

١٢. «الفتح» ٧/ ٥١٧ «كتاب المغازي» رقم الحديث (٤١٧٣).

١٣. «شرح النوويّ» ٤/ ١٩٤.

١٤. راجع: «عمدة القاري» ٥/ ٢٩٤.

١٥. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١٦. وفي نسخة: «بتأخير» «قال» عن الحاء.