HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٧٧

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ قَزْعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ قَالَ: كان رسول الله ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ. أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ. أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ. وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ: اللَّهُمَّ! لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ. وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ. وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الجد».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص47
ج ١ ص ٣٤٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص١١٨
والباقون تقدّموا قبل باب، وزهير في الباب الماضي. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لمعاذ بن معاذ، والد عبيد اللَّه، ويزيد بن هارون. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة الذي قبل هذا، وهو: عن مَجْزأة بن زاهر، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى. [تنبيه]: رواية يزيد بن هارون هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه» (٣/ ٢٣٦) فقال: (٩٥٦) أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شعبة، عن مَجْزَأَة بن زاهر، عن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «اللهم لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ، اللهم طَهِّرني بالثلج، والبرد، والماء البارد، اللهم طَهِّرني من ذنوبي كما يُطهَّر الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس». انتهى. وأما رواية ابن معاذ، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧٦] (٤٧٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ قَزَعَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنديّ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ فاضلٌ [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) الطاطَريّ، ثقة [٩] (ت ٢١٠) (م ٤) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) التَّنُوخيّ الدمشقيّ، ثقةٌ إمامٌ، اختلط في آخره [٧] (ت ١٦٧) (بخ م ٤) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٤ - (عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ) الكلابيّ، أو الْكَلاعيّ، أبو يحيى الشاميّ، ثقةٌ مقرئٌ [٣] (ت ١٢١) وقد جاوز المائة (خت م ٤) تقدم في «الصلاة» ٣٥/ ١٠٥٢. ٥ - (قَزَعَةُ) -بفتحتين، أو بفتح، فسكون- ابن يحيى البصريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الصلاة» ٣٥/ ١٠٥٢. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنان الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل غير ذلك (ع) تقدّم في «المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين، غير شيخه، فسمرقنديّ، وقَزَعة فبصريّ، وأبي سعيد -﵁-، فمدنيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي: عطيّة، عن قَزَعة. ٤ - (ومنها): أن صحابيه ابنُ صحابيّ -﵄-، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) إلى هنا تقدّم شرحه في هذا الباب عند شرح حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى -﵄-. (أَهْلَ الثَّنَاءِ) بنصب«أهلَ»على النداء، بحذف حرف النداء، وهو جائزٌ، كما قال الحريريّ -﵀- في«مُلحته»: وَحَذْفُ«يَا»يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ«رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي»أو منصوب على الاختصاص، كما قال في«الخلاصة»: الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ«يَا»… كَأيُّهَا الْفَتَى بِإِثْرِ«ارْجُونِيَا»أو منصوب على المدح، أي أمدح أهلَ الثناء. وهذا الذي ذكرناه من النصب هو المشهور، وجوّز بعضهم رفعه على تقدير: أنت أهلُ الثناء، قال النوويّ -﵀-: والمختار النصب، والثناء: الوصفُ الجميل والمدح. انتهى. وقال الفيّوميّ -﵀-:«الثناء»-بالفتح، والمدّ- يقال: أثنيت عليه خيرًا، وبخير، وأثنيت عليه شرًّا، وبشرّ؛ لأنه بمعنى وَصَفْتُهُ، هكذا نَصّ عليه جماعة، منهم صاحب«الْمُحْكَم»، وكذلك صاحب«البارع»، وعزاه إلى الخليل، ومنهم محمد بن الْقُوطيّة، وهو الْحَبْر الذي ليس في منقوله غَمْز، والبحر الذي ليس في منقوده لَمْز، وكأن الشاعر عَنَاه بقوله [من الوافر]: إَذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا … فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ وقد قيل فيه: هو العالم النِّحْرير، ذو الإتقان والتحرير، والحجة لمن بعده، والبرهان الذي يوقف عنده، وتبعه على ذلك مَنْ عُرِف بالعدالة، واشتَهَرَ بالضبط، وصحة المقالة، وهو السَّرَقُسْطِيُّ، وابنُ القطّاع. واقتَصَر جماعة على قولهم: أثنيت عليه بخير، ولم يَنْفُوا غيره. ومن هذا اجتَرَأَ بعضهم، فقال: لا يُسْتَعْمَل إلا في الْحَسَن، وفيه نظر؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفيه عما عداه، والزيادة من الثقة مقبولة. ولو كان الثناء لا يُسْتَعْمَل إلا في الخير، كان قول القائل: أثنيت على زيد كافيًا في المدح، وكان قوله: «له الثناء الحسن» لا يفيد إلا التأكيد، والتأسيسُ أولى، فكان في قوله: «الحسن» احترازٌ عن غير الحسن، فإنه يُسْتَعْمَل في النوعين، كما قال -ﷺ-: «والخيرُ في يديك، والشرّ ليس إليك»، أخرجه مسلم. وفي «الصحيحين»: «مَرُّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال -ﷺ-: وجبت، ثم مَرّوا بأخرى، فأَثْنَوا عليها شرًّا، فقال -ﷺ-: وجبت، وسئل عن قوله: وجبت، فقال: هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار. . .» الحديث. وقد نقل النوعان في واقعتين، تراخت إحداهما عن الأخرى، من العدل الضابط، عن العدل الضابط، عن العرب الفُصَحاء، عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة، فإنهم قد يَكْتَفُون بالنقل عن واحد، ولا يُعْرَف حاله، فإنه قد يَعْرِض له ما يُخْرِجه عن حَيِّز الاعتدال، من دَهْش، وسُكْر، وغير ذلك، فإذا عُرِف حاله لم يحتجّ بقوله، ويَرْجِع قولُ مَن زَعَم أنه لا يُسْتَعمَل في الشرّ إلى النفي، وكأنه قال: لم يُسْمَع، فلا يقال: والإثبات أولى، وللَّه در من قال [من الوافر]: وَإِنَّ الْحَقَّ سُلْطَانٌ مُطَاعٌ … وَمَا لِخِلَافِهِ أَبَدًا سَبِيلُ وقال بعض المتأخرين: إنما استُعْمِل في الشرّ في الحديث للازدواج، وهذا كلام مَن لا يَعْرِف اصطلاح أهل العلم بهذه اللفظة. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد اتّضَح بما حَرَّره الفيّوميّ: أن الثناء يُستعمل للمدح والذمّ، وإنما يُميّز بالقرينة، مثل ما هنا، فإن المقام مقام مدح، فمن فسّره بأنه الوصف الجميل، كالنوويّ في كلامه السابق، إما قصور عن التحقيق المذكور، وإما محمول على أنهم فسّروه بما يقتضيه المقام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (وَالْمَجْدِ) بالجرّ عطفًا على «الثناء»، وهو بفتح الميم، وسكون الجيم: العظمة، ونهاية الشرف. وقال القاضي عياض -﵀-: قوله: «أهل الثناء والمجد» كذا لهم، ولابن ماهان: «أهل الثناء والحمد»، والحمد أعم من الثناء والمجد، على ما بيّنّاه في الفرق بين «مجّدني عبدي»، و«حمدني عبدي»، و«أثنى عليّ عبدي»، والمجد نهاية الشرف، وكان لفظة «الحمد» هنا أليق بالكلام؛ لقوله أوّلًا: «لك الحمد». انتهى كلام القاضي -﵀- . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «أهل الثناء والمجد» هذا هو المشهور في الرواية في مسلم وغيره، ووقع في رواية ابن ماهان: «أهلُ الثناء، والحمد»، وله وجه، ولكن الصحيح المشهور الأول. انتهى . (أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ) «أحقّ» مبتدأ خبره جملة: «لا مانع لما أعطيتَ»، «وما» موصولة، أو موصوفة مضاف إليها «أحقّ»، وجملة «قال العبد» صلتها بتقدير عائد، أي الذي قاله العبد، ويَحْتَمِل أن تكون مصدريّة، أي أحقّ قول العبد. وقوله: «وكلُّنا لك عبدٌ» جملة حاليّةٌ وقعت معترضة بين المبتدأ والخبر، أفاده ابن الملك. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد»، هكذا هو في مسلم وغيره «أحقُّ» بالألف، و«كلُّنا» بالواو، وأما ما وقع في كتب الفقه «حَق ما قال العبد: كلنا»، بحذف الألف والواو، فغير معروف من حيث الرواية، وإن كان كلامًا صحيحًا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي أنكره النووي قد ثبت في «سنن النسائيّ»، راجع «شرحي» عليه . قال: وعلى الرواية المعروفة تقديره: أحقُّ قول العبد: «لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت»، إلى آخره، واعتَرَضَ بينهما: «وكلُّنا لك عبد»، ومثلُ هذا الاعتراض في القرآن قول اللَّه تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] اعتَرَض قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] على قراءة من قرأ ﴿وَضَعَتْ﴾ بفتح العين وإسكان التاء، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الواقعة: ٧٦] اعتَرَضَ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، ونظائره كثيرة، ومنه قول الشاعر [من الوافر]: أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي … بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زَيادِ فاعتَرَض بقوله: «والأنباء تنمي»، وقول امرئ القيس [من الطويل]: أَلَا هَلْ أَتَاهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ … بِأَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرَا فاعتَرَضَ قوله: «وَالْحَوادثُ جَمَّةٌ»، وقال الآخر [من الطويل]: إِلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ كَلَالُهَا … إِلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ فاعتَرَضَ قوله: «أبيْتَ اللعنَ»، ونظائره كثيرة، وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب؛ للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره هنا: أحقُّ قول العبد: لا مانع لما أعطيت، وكلُّنا لك عبدٌ، فينبغي لنا أن نقوله. (اللَّهُمَّ) تقدّم أن أصلها «يا أللَّه»، فحُذفت «يا» وعُوِّضَ عنها الميم المشدّدة في الأخير، ولا يُجمَع بينهما إلا في الضرورة، كقوله: إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا وإليه أشار في «الخلاصة» حيث قال: وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ «يَا» و«أَلْ» … إِلَّا مَعَ «اللَّهِ» وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ وَالأَكْثَرُ «اللَّهُمَّ» بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ «يَا اللَّهُمَّ» فِي قَرِيضِ (لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) «ما» تعمّ العقلاء وغيرهم، فهي موصول اسميّ، والجملة صلتها بتقدير العائد، أي للذي أعطيته، ويَحْتَمِلُ أن تكون حرفًا مصدريًّا، أي لإعطائك، وهذا بمعنى قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية [فاطر: ٢]. [تنبيه]: من القاعدة النحويّة أن اسم «لا» التي لنفي الجنس إذا كان مضافًا، نحو: لا طالب علم ممقوتٌ، أو شبيهًا بالمضاف، وهو الذي له تعلّقٌ بما بعده بالعمل، أو غيره، نحو: لا طالعًا جبلًا: أن يُنصب، ولكن هذا الحديث مرويّ بإسقاط التنوين من اسمها، فما هو الوجه؟. أُجيب بأنه إما مبنيّ؛ إجراءً له مُجرى المفرد، أو معرب، حُذف تنوينه تشبيهًا بالمضاف، أو مبنيّ لكونه مفردًا، وقوله: «لما أعطيتَ» متعلّق بمحذوف خبرٍ لـ «لا»، أي لامانعَ مانعٌ لما أعطيتَ، وتمام البحث في هذا فيما كتبته على النسائيّ . (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) الكلام فيه كسابقه (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ) «ذا» هنا بمعنى صاحب، مفعول مقدّم على الفاعل، منصوب بالألف، كما قال في «الخلاصة»: وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ مِنْ ذَاكَ «ذُو» إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا … وَ«الْفَمُ» حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا و«الْجَدُّ» بالرفع فاعلٌ مؤخَّرٌ. قال النوويّ -﵀-: المشهور فيه فتحُ الجيم، هكذا ضبطه العلماء المتقدِّمون والمتأخِّرون، قال ابن عبد البرّ: ومنهم من رواه بالكسر، وقال أبو جعفر، محمد بن جرير الطبريّ: هو بالفتح، قال: وقاله الشيبانيّ بالكسر، قال: وهذا خلاف ما عَرَفه أهل النقل، قال: ولا يُعْلَم من قاله غيره، وضَعّفَ الطبريّ ومَن بعده الكسر، قالوا: ومعناه على ضعفه الاجتهاد، أي لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده، إنما ينفعه وينجيه رحمتك. وقيل: المراد ذا الجِدّ والسعي التامّ في الحرص على الدنيا، وقيل: معناه الإسراع في الْهَرَب، أي لا ينفع ذا الإسراع في الهرب منك هَرَبه، فإنه في قبضتك وسلطانك، والصحيح المشهور الْجَدّ بالفتح، وهو الحظّ والغنى والعظمة والسلطان، أي لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان منك حظه، أي لا يُنجيه حظه منك، وإنما ينفعه، وينجيه العمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية [الكهف: ٤٦]، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- . (مِنْكَ الْجَدُّ) اختُلِف في «من» هذه، فقال الزمخشريّ في «الفائق»: بمعنى «بدل»، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الزخرف: ٦٠] أي بدلكم، والمعنى: أن المحظوظ لا ينفعه حظّه بَدَلَك، أي بدل طاعتك وعبادتك. وقال التوربشتيّ: أي لا ينفع ذا الغنى غناه عندك، وإنما ينفعه العمل بطاعتك، وعلى هذا فمعنى «منك» عندك. ويَحْتَمِلُ وجهًا آخر، أي لا يُسلّمه من عذابك غناه. وقال المظهر: أي لا ينفعه غناه من عذابك، إن شئت به عذابًا. انتهى . [تنبيه]: رُوي سبب قوله -ﷺ-: «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» فيما أخرجه ابن ماجه -﵀- في «سننه» عن أبي جحيفة -﵁- قال: ذُكرت الجدود عند رسول اللَّه -ﷺ-، وهو في الصلاة، فقال رجلٌ: جدّ فلان في الخيل، وقال آخر: جدّ فلان في الإبل، وقال آخر: جدّ فلان في الغنم، وقال آخر: جدّ فلان في الرقيق، فلما قَضَى رسول اللَّه -ﷺ- صلاته، ورفع رأسه من آخر الركعة قال: «اللَّهمّ ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ، اللَّهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما مَنَعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ»، وطوّل رسول اللَّه -ﷺ- صوته بـ «الجدّ»؛ ليعلموا أنه ليس كما يقولون. انتهى . لكن الحديث في سنده أبو عمر مجهول، لا يُعرف حاله، كما قال البوصيريّ -﵀-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
مصادر المؤلف (١٣)

١. وفي نسخة: «عن قزعة بن يحيى».

٢. وفي نسخة: «وملء الأرض».

٣. وفي نسخة:«وملء الأرض».

٤. «المصباح المنير» ١/ ٨٥ - ٨٦.

٥. «إكمال المعلم» ٢/ ٣٩١.

٦. «شرح النوويّ» ٤/ ١٩٤.

٧. راجع: «ذخيرة العقبى» ١٣/ ٢٠٧ رقم الحديث (١٠٦٨).

٨. بيقر الرجلُ: هاجر من أرض إلى أرض، أو خرج إلى حيث لا يَدرِي، وله معان أُخَر، راجع: «اللسان» في مادّة «بقر».

٩. راجع: «ذخيرة العقبى» ١٣/ ٢٠٩ رقم الحديث (١٠٦٨).

١٠. وقال غيره: المعنى الذي أشار إليه الشيبانيّ صحيحٌ، ومراده أن العمل لا يُنجي صاحبه، وإنما النجاة بفضل اللَّه ورحمته، كما جاء في حديث: «لن يُنجي أحدًا منكم عمله. . .» الحديث، قاله في «زهر الربى» ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠.

١١. «شرح النوويّ» ٤/ ١٩٦.

١٢. «عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد» ٢/ ١٧٨ - ١٧٩.

١٣. حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه برقم (٨٧٩).