HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٧٩

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السِّتَارَةَ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَ «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ. أَوْ تُرَى لَهُ. أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا. فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ﷿. وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا في الدعاء. فقمن أن يستجاب لكم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص48
ج ١ ص ٣٤٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص١٢٩
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى قَوْلِهِ: «وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير الْهَمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (حَفْص) بن غياث بن طلق النخعيّ، أبو عُمَر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير حفص بن غياث. [تنبيه]: رواية حفص التي أحالها المصنّف -﵀- على رواية هُشيم لم أجد من ساقها بتمامها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٢) - (بَابُ النَّهْي عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالأَمْرِ بِتَعْظِيمِ الرَّبِّ بِأَنْوَاعِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ فِي الرُّكُوعِ، وَالاجْتِهَادِ فِي الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٧٩] (٤٧٩) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السِّتَارَةَ ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ﷿، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بِهَذَا) . رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُور) بن شعبة، أبو عثمان الخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ) أبو أيوب المدنيّ، مولى خُزَاعة، ويقال: مولى آل حُنَين، صدوقٌ [٣] . رَوَى عن أمه آمنة بنت الحكم الغِفَارية، وسعيد بن المسيِّب، وإبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد بن عباس، وطلحة بن عبد اللَّه بن كُرَيز، وغيرهم. وروى عنه محمد بن إسحاق، وابن جريج، والدراورديّ، وزياد بن سعد، وابن عيينة، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأسٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، ونقل ابن خَلْفُون، عن ابن نُمَير توثيقه، وقال الْبَرْقيّ، عن ابن معين: سليمان بن سُحيم، أبو أيوب الهاشميّ ثقةٌ، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال أحمد بن صالح: له شأنٌ ثَبْتٌ. وقال ابن سعد: تُوُفّي في خلافة أبي جعفر المنصور، وكان ثقةً، له أحاديث، وكذا قال ابن حبان في «الثقات»، لكن قال: في أول خلافة أبي جعفر، وفَرَّق بين مولى خُزاعة، وبين مولى آل حنين، قال الحافظ -﵀-: والظاهر أنه وَهِمَ في ذلك . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا تعقّب الحافظ تفريق ابن حبّان، ولم يذكُر له حجة على ذلك، فهو محل نظر. ودونك عبارة ابن حبّان -﵀- في «الثقات»، قال في طبقة التابعين: سليمان بن سُحيم، كنيته أبو أيوب مولى لخزاعة، يروي عن جماعة من الصحابة، وروى عنه أهل المدينة، مات في أول ولاية أبي جعفر، ثم قال في أتباع التابعين: سليمان بن سُحيم، مولى عباس بن عبد المطّلب، ويقال: مولى آل حُنين، عِداده في أهل الحجاز، يروي عن طاوس، وإبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد، روى عنه ابن عيينة، وابن إسحاق، والماجشون، وليس هذا مولى لخزاعة، ذاك تابعيّ. انتهى كلامه . وتعقّب هذا الكلام يحتاج إلى بينّة واضحة، فليُتأمّل. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ) بن عباس بن عبد المطلب الهاشميّ المدنيّ، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وعن عمّ أبيه، عبد اللَّه بن عباس، وروى عن ميمونة. ورَوَى عنه نافع، وأخوه عباس بن عبد اللَّه، وابن جريج، وسليمان بن سُحيم. ذكره ابن حبان في «الثقات» في طبقة أتباع التابعين، وقال: قيل: إنه سمع من ميمونة، وليس ذلك بصحيح عندنا. انتهى. وقد أخرج البخاريّ في «التاريخ» بعد أن رَوَى حديثه عن ميمونة: حدّث نافع عنه، عن ابن عباس، عن ميمونة، قال البخاريّ: ولا يصحّ فيه ابن عباس، فهذا مشعرٌ لصحة روايته عن ميمونة عند البخاريّ، وقد عُلِم مذهبه في التشديد في هذه المواطن، وقد نَبّه المزيّ في «الأطراف» على أن روايته عن ميمونة بإسقاط ابن عباس ليس في «صحيح مسلم». أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٧٩)، وحديث (١٣٩٦). ٥ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن مَعْبَد بن العباس بن عبد المطلب الهاشميّ المدنيّ، ثقةٌ قليلُ الحديث، [٣]. رَوَى عن عمه عبد اللَّه بن عباس، وروى عنه ابنه إبراهيم، ومحمد بن جعفر، وابن أبي مُليكة، ومحمد بن عليّ بن رَبِيعة. قال أبو زرعة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، له عندهم حديث الباب فقط. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول خُراسانيّ، ثم مكيّ، والثاني كوفيّ، والثالث نسائيّ، ثم بغداديّ، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وهو أيضًا من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال النوويّ -﵀-: قوله: قال أبو بكر: حدثنا سفيان، عن سليمان، هذا من وَرَع مسلم، وباهر علمه؛ لأن في رواية اثنين -يعني سعيد بن منصور، وزهير بن حرب- عن سفيان بن عيينة أنه قال: أخبرني سليمان بن سُحَيم، وسفيان معروف بالتدليس، وفي رواية أبي بكر، عن سفيان، عن سليمان، فنبّه مسلم على اختلاف الرُّواة في عبارة سفيان. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «وسفيان معروف بالتدليس»، فيه نظر لا يخفى؛ لأن ابن عيينة ليس مشهورًا بالتدليس، وإن وُصف به، إلا أنه قليل، وأيضًا فقد قالوا: إنه لا يُدلّس إلا عن ثقة، حتى ادّعى ابن حبّان أنه لا نظير له في ذلك. والحاصل أن تدليس ابن عيينة قليلٌ، وإذا دلّس لا يضرّه؛ لأنه لا يدلّس إلا عن ثقة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: وقع للمصنّف -﵀- في هذا الإسناد غريبةٌ، وذلك أن عادته عند اختلاف شيوخه في صيغ الأداء أن يبيّنه في أول السند، فيقول مثلًا: حدّثنا سعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزُهير بن حرب، قال أبو بكر: حدّثنا سفيان، عن سليمان، وقال الآخران: حدّثنا سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سُحَيم، وهكذا عادته المستمرّة، إلا أنه خالف هذا هنا، فأخّر كلام أبي بكر عن سياق المتن، فأوقع بعضَهم في الغلط، حيث ظنّ أن قوله: «قال أبو بكر إلخ» أولُ السند التالي، فجعلوا قوله: «حدّثنا يحيى بن أيوب إلخ» من كلام سليمان بن سُحيم، وممن وقع له ذلك صاحب «تحفة الأشراف»، حيث قال: (م) في «الصلاة» عن سعيد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، وزُهير بن حرب، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، وقال أبو بكر: حدّثنا سفيان، عن سليمان، عن يحيى بن أيوب إلخ. فجعل يحيى بن أيوب شيخًا لسليمان، وهذا غلطٌ صريحٌ، والصواب أن قوله: «قال أبو بكر، حدثنا سفيان، عن سليمان» من تَتِمّة السند الماضي. وأما قوله: «حدّثنا يحيى بن أيوب»، فهو من مقول المصنّف، فيحيى بن أيوب شيخه، لا شيخ سليمان، وهو المقابريّ البغداديّ، وهو من الطبقة العاشرة، كما سنوضّحه في السند التالي، لا الغافقي المصريّ الذي هو من الطبقة السابعة. ومما يؤكّد ما قلناه أنه وقع في النسخة التي شرح عليها الأبيّ والسنوسي بزيادة توضّح ما ذُكر، ولفظها: «حدّثنا سفيان، عن سليمان بهذا»، وسقطت لفظة «بهذا» عن كثير من النسخ، كشرح النووي وغيره. فقوله: «بهذا» إشارة إلى الحديث الذي قبله، فتأمله تجده حقًّا. وبالجملة فما وقع في هذا الغلط من وقع فيه إلا من تغيير المصنّف أسلوبه المعتاد الذي ذكرناه آنفًا. ويَحْتَمل أن يكون هذا من تصرّف النسّاخ، لا من المصنّف، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السِّتَارَةَ) بكسر السين المهملة: اسم لما يُسْتَرُ به، قال في «المصباح»: السِّتْر -أي بكسر، فسكون-: ما يُسْتَرُ به، وجمعه: سُتُورٌ، والسُّتْرة بالضمّ مثله، قال ابن فارس: السُّتْرة: ما استترتَ به كائنًا ما كان، والسِّتَارة بالكسر مثله، والسِّتَار بحذف الهاء لغةٌ، وسترتُ الشيءَ سَتْرًا، من باب نصر. انتهى . والمراد هنا السِّتْرُ الذي يكون على باب البيت، أو الدار، يعني أنه -ﷺ- كشف الحجاب الذي بينه وبين أصحابه -﵃-؛ ليكلّمهم بما يأتي. (وَالنَّاسُ صُفُوفٌ) بالضمّ: جمع صَفّ، كفلس وفُلُوس، وهو على حذف مضاف: أي ذوو صُفُوف، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو؛ لأن الجملة اسميّة، وهي تربط بالواو، وبالمضمر، كما قال في «الخلاصة»: وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا (خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ) ظرف متعلّق بـ «صُفُوفٌ»، والحال أن الناس مصطفّون وراء أبي بكر الصدّيق -﵁-، يُصلّي بهم؛ لكون النبيّ -ﷺ- مريضًا، كما بُيِّن في رواية إسماعيل بن جعفر، عن سليمان بن سُحيم التالية بلفظ: «كشف رسول اللَّه -ﷺ- السِّتْرَ، ورأسه معصوبٌ، في مرضه الذي مات فيه. . .» (فَقَالَ) -ﷺ- («أَيُّهَا النَّاسُ) بحذف حرف النداء، على حدّ قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، قال الحريريّ في»الْمُلْحَة«: وَحَذْفُ«يَا»يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ«رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي» أي يا أيها الناس (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره جملة بعده، أي إن الأمر والشأن (لَمْ يَبْقَ) بفتح أوله، وثالثه، مضارع بَقِيَ، يقال: بَقِيَ الشيءُ يَبْقَى، من باب تَعِبَ بَقَاءً، وبَاقِيَةً: دام، وثَبَتَ، ويتعدّى بالألف، فيقال: أبقيتُهُ، والاسمُ الْبَقْوَى، بالفتح مع الواو، والْبُقْيَا بالضمّ مع الياء، ومثله الْفَتْوَى، والْفُتْيَا، والثَّنْوَى، والثُّنْيَا، وهي الاسم من الاستثناء، والرَّعْوَى، والرُّعْيَا، من أرعيتُ عليه، وطَيِّئٌ تُبْدل الكسرة فتحةً، فتنقلب الياء ألفًا، فيصير بَقَا، وكذلك كلُّ فِعْل ثلاثيّ، سواءٌ كانت الكسرة والياء أصليّتين، نحوُ بَقِيَ، ونَسِيَ، وفَنِيَ، أو كان ذلك عارضًا، كما لو بُنِي الفعلُ للمفعول، فيقولون في هُدِيَ زيدٌ، وبُنِيَ البيتُ: هُدَا زيدٌ، وبُنَا البيتُ، قاله الفيّوميّ -﵀- . (مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ) بصيغة اسم الفاعل: هو ما اشتمل على الخبر السارّ، من وحيٍ، أو إلهامٍ، أو رؤيا، أو نحوها، أي مما يَظهَر للنبيّ من المبشّرات بعد نبوّته، وفيه إشارة إلى قرب أجله -ﷺ-، وانقطاع الوحي. وقال القرطبيّ -﵀-: «مبشِّرات النبوّة»: أولُ ما يبدو منها، مأخوذ من تباشير الصبح وبشائره، وهو أوّل ما يبدو منه، وهذا كما تقدّم من قول عائشة -﵂-: «أوّلُ ما بُدئ به رسول اللَّه -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم» . انتهى . وقال في «الفتح» -عند شرح قول البخاريّ -﵀- في «كتاب التعبير»: «باب المبشِّرات» -ما نصّه: «المبشِّرات» بكسر الشين المعجمة، جمع مُبَشِّرة، وهي البُشْرَى، وقد ورد في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٦٤] هي الرؤيا الصالحة، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وصححه الحاكم، من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت، ورواته ثقات، إلا أن أبا سلمة لم يسمعه من عبادة، وأخرجه الترمذيّ أيضًا من وجه آخر، عن أبي سلمة، قال: نُبِّئتُ عن عبادة، وأخرجه أيضًا هو وأحمد، وإسحاق، وأبو يعلى، من طريق عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن عبادة، وذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه، أن هذا الرجل ليس بمعروف، وأخرجه ابن مردويه، من حديث ابن مسعود، قال: سألت رسول اللَّه -ﷺ-، فذكر مثله، وفي الباب عن جابر، عند البزار، وعن أبي هريرة، عند الطبريّ، وعن عبد اللَّه بن عمرو، عند أبي يعلى. انتهى. وقال في شرح حديث أبي هريرة -﵁-: «لم يَبْقَ من النبوة إلا المبشرات» ما نصّه: كذا ذكره باللفظ الدالّ على المضِيّ تحقيقًا لوقوعه، والمراد الاستقبال، أي لا يبقى، وقيل: هو على ظاهره؛ لأنه قال ذلك في زمانه، واللام في النبوة للعهد، والمراد نبوته، والمعنى: لم يبق بعد النبوة المختصّة بي إلا المبشرات، ثم فسرها بالرؤيا، وصَرَّح به في حديث عائشة -﵂- عند أحمد، بلفظ: «لم يبق بعدي»، وقد جاء في حديث ابن عباس أنه -ﷺ- قال ذلك في مرض موته، أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، من طريق إبراهيم بن عبد اللَّه بن مَعْبد، عن أبيه، عن ابن عباس -﵄- أن النبيّ -ﷺ- كَشَفَ السِّتَارة، ورأسُهُ معصوب، في مرضه الذي مات فيه، والناسُ صفوفٌ خلفَ أبي بكر، فقال: «يا أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له. . .» الحديث، وللنسائيّ من رواية زُفَر بن صَعْصَعَة، عن أبي هريرة، رفعه: «إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة» ، وهذا يؤيّد التأويل الأول. وظاهر الاستثناء مع ما تقدّم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، أن الرؤيا نبوّة، وليس كذلك؛ لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنبوة؛ أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه رافعًا صوته، لا يسمى مؤذِّنًا، ولا يقال: إنه أذّن، وإن كانت جزءًا من الأذان، وكذا لو قرأ شيئًا من القرآن، وهو قائم، لا يسمى مصليًا، وإن كانت القراءة جزءًا من الصلاة. ويؤيِّده حديث أم كرز -بضم الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي- الكعبية -﵂-، قالت: سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: «ذَهَبَت النبوة، وبقيت المبشِّرات»، أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، ولأحمد عن عائشة -﵂- مرفوعًا: «لم يبق بعدي من المبشِّرات إلا الرؤيا»، وله، وللطبرانيّ، من حديث حُذيفة بن أَسِيد -﵁- مرفوعًا: «ذهبت النبوة، وبقيت المبشِّرات»، ولأبي يعلى، من حديث أنس -﵁-، رفعه: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، ولا نبيّ، ولا رسول بعدي، ولكن بقيت المبشرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «رؤيا المسلمين، جزء من أجزاء النبوة». قال الْمُهَلَّب -﵀- ما حاصله: التعبير بالمبشرات خرج للأغلب، فإن من الرؤيا ما تكون منذرةً، وهي صادقة، يريها اللَّه للمؤمن؛ رفقًا به؛ لِيَستعِدَّ لما يقع قبل وقوعه. وقال ابن التين -﵀- معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي، ولا يبقى ما يُعْلَم منه ما سيكون إلا الرؤيا. ويَرِدُ عليه الإلهام، فإن فيه إخبارًا بما سيكون، وهو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا، ويقع لغير الأنبياء، كما في حديث مناقب عمر -﵁-: «قد كان فيمن مَضَى من الأمم مُحَدَّثون»، وفُسِّر المحدَّث -بفتح الدال- بالملهم -بالفتح- أيضًا، وقد أخبر كثير من الأولياء عن أمور مغيبة، فكانت كما أَخْبَروا. والجواب أن الحصر في المنام؛ لكونه يشمل آحاد المؤمنين، بخلاف الإلهام، فإنه مُخْتَصّ بالبعض، ومع كونه مختصًّا، فإنه نادر، فإنما ذكر المنام لشموله، وكثرة وقوعه. ويشير إلى ذلك قوله -ﷺ-: «فإن يكن»، وكأن السّر في ندور الإلهام في زمنه، وكثرته من بعده غلبة الوحي إليه -ﷺ- في اليقظة، وإرادة إظهار المعجزات منه، فكان المناسب أن لا يقع لغيره منه في زمانه شيء، فلما انقطع الوحي بموته، وقع الإلهام لمن اختَصَّه اللَّه به؛ للأمن من اللبس في ذلك. وفي إنكار وقوع ذلك مع كثرته، واشتهاره، مكابرةٌ ممن أنكره. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحثٌ نفيسٌ. (إِلَّا الرُّؤيا الصَّالِحَةُ) الاستثناء مفرّغ؛ لأن ما قبل إلّا«تفرّغ للعمل فيما بعدها، فالرؤيا فاعل»يَبْقَ«، وقوله: (يَرَاهَا الْمُسْلِمُ) في محلّ نصب على الحال من»الرؤيا«، أي يراها الشخص المسلم، ومثله المسلمة، فليس هذا خاصًّا بالرجال، وفي الرواية التالية:»يراها العبد الصالح«(أَوْ تُرَى لَهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي رآها غيره له. (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، يلقى بها للمخاطب؛ تنبيهًا له، وإزالةً لغفلته (وَإِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد«ألا»الاستفتاحيّة، وفي رواية النسائيّ:«ألا إني»بحذف الواو (نُهِيتُ) بالبناء للمفعول، أي نهاني اللَّه تعالى، ونهيه -ﷺ- نهيٌ لأمته؛ إذ ليس مختصًّا به، بدليل قوله -ﷺ-:«فأما الركوع، فعظِّموا فيه الربّ. . . »الحديث؛ إذ معناه: لا تقرءوا فيه القرآن، بل عظّموا اللَّه تعالى بالتسبيح، والتحميد، والتمجيد (أَنْ) بالفتح مصدريّة (أقرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا) والمصدر المؤوّل مجرور بـ«عن»مقدّرةً قياسًا، كما قال في«الخلاصة»: وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ وَإِنْ … حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلًا وَفِي«أَنَّ»وَ«أَنْ»يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ«عَجِبْتُ أَنْ يَدُو»وانتصاب«راكعًا، أو ساجدًا»على الحال، أي نهاني اللَّه تعالى عن قراءة القرآن في حال ركوعي، أو سجودي. قال بعضهم: وكأنّ حكمة النهي عن ذلك أن أفضل أركان الصلاة القيام، وأفضل الأذكار القرآن، فجُعل الأفضل للأفضل، ونُهِيَ عن جعله في غيره؛ لئلا يوهم استواءه مع بقيّة الأذكار. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: يؤيّد هذا القول ما أخرجه المصنّف -﵀- وغيره من حديث جابر -﵁- قال: سئل رسول اللَّه -ﷺ- أيُّ الصلاة أفضل؟ قال:«طول القنوت» ، أي القيام، واللَّه تعالى أعلم. وقال الطيبيّ -﵀-: لَمّا كان الركوع والسجود، وهما غاية الذلّ والخضوع مخصوصين بالذكر والتسبيح نهى -ﷺ- عن القراءة فيهما، كأنه كرِهَ أن يُجمع بين كلام اللَّه تعالى وبين كلام الخلق في موضع واحد، فيكونا على السواء. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الطيبيّ مخدوشٌ؛ فإن القيام فيه دعاء الاستفتاح، وقد جُمع مع قراءة الفاتحة وغيرها من القرآن، فتبصّر. (فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ﷿) أي سبّحُوه، ونَزِّهوه، ومَجِّدوه، والفاء الأولى فاء الفصيحة، أي إذا عرفتم أن قراءة القرآن منهيّ عنها في حال الركوع والسجود، وأردتم معرفة الأذكار المشروعة فيهما، فأقول لكم: «فأما الركوع، فعظّموا فيه الربّ إلخ»، وأما الفاء الثانية، فهي رابطة لجواب «أما»، وهي حرف تفصيل، وفصل، وتوكيد، بمعنى «مهما يكن من شيء»، كما قال في «الخلاصة»: «أَمَّا» كَـ «مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيءٍ» وَفَا … لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا والمعنى: أن المشروع في الركوع هو تعظيم الربّ ﷿ بأنواع التسبيح، والتحميد، والتقديس المذكورة في أحاديث هذا الباب، وغيرها، فإنه اللائق به، فهو أولى من الدعاء، فيه. [فإن قيل]: هذا يعارضه ما سيأتي من حديث عائشة -﵂-: كان رسول اللَّه -ﷺ- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك، اللهم اغفر لي»، يتأول القرآن، متّفق عليه، فإنه يدلّ على أنه -ﷺ- كان يدعو في الركوع. [أجيب]: بأنه لا معارضة بينهما؛ لأن ذلك قليلٌ بالنسبة إلى التسبيح، وغيره من أنواع التعظيم المشروع في حال الركوع، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ) أي فيه، يعني أن الأولى في حال السجود الاجتهاد في الدعاء. [فإن قلت]: هذا يعارضه ثبوت التسبيح في السجود، فقد أخرج أبو داود، وغيره، عن عقبة بن عامر -﵁- قال: لَمّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ قال رسول اللَّه -ﷺ-: «اجعلوها في ركوعكم»، فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، قال: «اجعلوها في سجودكم»، صححه ابن خزيمة . [قلت]: الجواب هو ما سبق في الركوع، وهو أن التسبيح فيه قليلٌ بالنسبة للدعاء المأمور بالاجتهاد فيه، واللَّه تعالى أعلم. ثمّ بيّن سبب الحثّ على الاجتهاد في الدعاء، فقال: (فَقَمِنٌ) بفتح القاف، وكسر الميم، وفتحها، ويقال أيضًا: قمين بالياء، ومعناه: جدير، وخَلِيقٌ. قال الأزهريّ -﵀-: يقال: هو قَمَنٌ أن يفعل ذلك -بالتحريك- وقَمِن -بكسر الميم- أن يفعل ذلك، فمن قال: قَمَن -بفتح الميم- أراد المصدر، فلم يُثَنِّ، ولم يَجْمَع، ولم يؤنث، يقال: هما قَمَنٌ أن يفعلا ذلك، وهم قَمَنٌ أن يفعلوا ذلك، وهُنَّ قَمَنٌ أن يفعلن ذلك، ومن قال: قَمِنٌ -بكسر الميم- أراد النعت، فَثَنَّى، وجَمَعَ، فقال: هما قَمِنان، وهم قَمِنون، ويؤنث على ذلك، وفيه لغتان: هو قَمِن أن يفعل ذلك، وقَمِين أن يفعل ذلك بالياء، قال قيس بن الْخَطِيم [من الطويل]: إَذَا جَاوَزَ الإِثْنَيْنِ سِرٌّ … فَإِنَّهُ بِنَثِّ وَتَكْثِيرِ الْوُشَاةِ قَمِينُ وقال ابن كيسان: قَمِينٌ بمعنى حَرِيٌّ، مأخوذ من تَقَمَّنتُ الشيءَ: إذا أشرفتَ عليه أن تأخذه، وقال غيره: هو مأخوذ من الْقَمِين، بمعنى السريع والقريب، ذكره في «اللسان» . وقوله: (أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»)«أن»مصدريّة، والمصدر المؤوّل مبتدأ مؤخّر، وخبره قوله:«قمنٌ»مقدّمًا عليه، أو هو فاعل بـ«قَمِنٌ» على مذهب الكوفيين الذين لا يشترطون الاعتماد. وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بِهَذَا) أي بالحديث السابق، وقد تقدّم آنفًا أن الأولى للمصنّف أن يقدّم هذا الكلام قبل المتن في أول السند، كعادته عند اختلاف شيوخه في صيغ الأداء، وقد وقع بعضهم في غلط شنيع بسبب هذا التأخير، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. = به، ووثّقه ابن حبّان، انظر: «تهذيب التهذيب» ١/ ١٩٦، وقال في «التقريب»: صدوق من الثالثة. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ١٠٧٩ و١٠٨٠] (٤٧٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٨٧٦)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٨٨ - ١٩٠ و٢١٧ - ٢١٨)، و(عبد الرّزاق) في «مصنفه» (٢٨٣٩)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٨٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٠٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٥٤٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٨٩٦)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٢٠٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٨٧ - ٨٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨٢٢ و١٨٢٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٠٥٨ و١٠٥٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٦٢٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، قال البيضاويّ -﵀-: نَهْيُ اللَّه تعالى رسولَه -ﷺ- يدلّ على عدم جواز القراءة في الركوع والسجود، لكن لو قرأ لم تبطل صلاته، إلا إذا كان المقروء الفاتحة، فإن فيه خلافًا من حيث إنه زاد ركنًا، لكن لم يتغيّر به نظم صلاته. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: فيه النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وإنما وظيفة الركوع التسبيح، ووظيفة السجود التسبيح والدعاء، فلو قرأ في ركوع، أو سجود غير الفاتحة كُرِه، ولم تبطل صلاته، وإن قرأ الفاتحة ففيه وجهان لأصحابنا: أصحّهما: أنه كغير الفاتحة فيكره، ولا تبطل صلاته، والثاني: يحرُم وتبطل صلاته هذا، إذا كان عمدًا، فإن قرأ سهوًا لم يكره، وسواء قرأ عمدًا أو سهوًا يسجد للسهو عند الشافعي -﵀-. انتهى . ٢ - (ومنها): الحثّ على تعظيم الربّ ﷿ في حال الركوع بأنواع التسبيح والتقديس، والتمجيد، وقد ذَكَر المصنّف -﵀- بعد هذا الأذكار التي تقال في الركوع والسجود. وقال النوويّ -﵀-: استحبّ الشافعي وغيره من العلماء أن يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم»، وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى»، ويكَرِّر كل واحدة منهما ثلاث مرات، ويضُمّ إليه ما جاء في حديث عليّ -﵁- الذي ذكره مسلم بعد هذا: «اللهم لك ركعت، اللهم لك سجدت. . .» إلى آخره، وإنما يستحب الجمع بينهما لغير الإمام، وللإمام الذي يَعلم أن المأمومين يؤثرون التطويل، فإن شكّ لم يَزِد على التسبيح، ولو اقتصر الإمام والمنفرد على تسبيحة واحدة، فقال: «سبحان اللَّه» حَصَلَ أصل سنة التسبيح، لكن ترك كمالها وأفضلها. ٣ - (ومنها): أن فيه الحثّ على الدعاء في السجود؛ لكونه حالةً يستجاب فيها الدعاء؛ لكون العبد فيه أقرب إلى اللَّه تعالى، فقد أخرج المصنّف عن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» . فيستحبّ أن يجمع في سجوده بين الدعاء والتسبيح، وستأتي الأحاديث الواردة فيه -إن شاء اللَّه تعالى-. ٤ - (ومنها): بيان أن الوحي انقطع بموت النبيّ -ﷺ-، فليس بعده شيءٌ يَستدلّ به الناس على الأمور الغيبيّة إلا الرؤيا التي يراها المسلم، أو تُرى له. وأخرج الترمذيّ عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي، ولا نبيّ»، قال: فشقّ ذلك على الناس، فقال: «لكن المبشرات»، قالوا: يا رسول اللَّه، وما المبشرات؟ قال: «رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة»، قال الترمذيّ -﵀-: هذا حديث حسن صحيح. ٥ - (ومنها): بيان شرف رؤيا المسلم، وأنها بشرى عاجلة، يريه اللَّه ﷿ ما يسرّه، فيستبشر بذلك، وقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة». وأخرج المصنّف عن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: «إذا اقترب الزمان لم تَكَد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاثة: فرؤيا صالحة بشرى من اللَّه، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يُحَدِّث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره، فليَقُم، فليصلّ، ولا يُحَدِّث بها الناس. . .»، الحديث. ٦ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ -﵀-: في نسبة نهي القراءة في الركوع والسجود إلى نفسه -ﷺ- إيهام أنه -ﷺ- مخصوص به، وأن الأمة ليسوا داخلين في النهي، فأزيل ذلك بأمره -ﷺ- إياهم أن يُعظّموا اللَّه تعالى في الركوع، وأن يدعوه في السجود، ودلّ ذلك على أن المنهيّ، والمنهيّ عنه عظيمان، ولذلك صُدِّرت الجملة بالكلمة التي هي من طلائع القسم، وهي «ألا»، فإذا نُهي مثل الرسول -ﷺ-، فغيره أولى به، ودلّ على أن الأمر بالذكر والتسبيح دون النهي عن القراءة في المرتبة، فنَسَبَهما إلى الأمة. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأذكار في الركوع والسجود: قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: قد اختلفوا فيما على من ترك التسبيح في الركوع والسجود، فروينا عن الحسن أنه قال: المجزئ ثلاث. وقال إسحاق: لا تتمّ صلاته إلا بالتكبيرات، والتسبيح، والتحميد، والتشهّد، والقراءة، فإن تركها تارك عمدًا كان تاركًا لما أُمر به، فعليه إعادتها. قال: ومن حجة من قال هذا القول أن رسول اللَّه -ﷺ- سبّح في سجوده، وقال لَمّا نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾: «اجعلوها في سُجودكم»، وكذلك قال لَمّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾: «اجعلوها في ركوعكم»، وهذا إن لم يكن أوكد في باب الأمر من التشهّد، فليس بدونه، فاللازم لمن جعل التشهّد فرضًا، وجعل على تاركه إعادة الصلاة أن يقول كذلك في تارك التسبيح في الركوع والسجود؛ إذ هو في باب الأمر مثله، أو أوكد منه. قال: وأسقطت طائفة فرض التسبيح عن الراكع والساجد، وقالت: لا إعادة على تاركه، فروينا عن ابن سيرين أنه قال: إذا وضع يديه على ركبتيه، فقد أتمّ، وإذا أمكن جبهته من الأرض، فقد أتمّ، وقال الثوريّ: وإن لم يقل شيئًا، وقال المسيّب بن رافع نحوه، وقيل لابن أبي نَجِيح: أكان مجاهد يقول: يجزيه إذا وضع يديه على ركبتيه؟، فأومأ برأسه نعم. وكان الشافعيّ يقول: إذا ترك التكبير سوى تكبيرة الافتتاح، وقوله: سمع اللَّه لمن حمده، والذكر في الركوع والسجود لم يُعد صلاته، وكذلك قال أبو ثور، وأصحاب الرأي. واحتجّ الشافعيّ بحديث رفاعة، يعني حديث المسيء صلاته، حيث إنه -ﷺ- لم يأمره بالأذكار. قال ابن المنذر -﵀-: ولعمري لو اقتصر على حديث رفاعة، فلم يَفْرض غير ما فيه، مثل التشهّد، والتسليم للخروج من الصلاة، لكان قد ذهب مذهبًا، فإن قال قائل: التشهّد وجب بحديث آخر، قيل له: وكذلك التسبيح في الركوع والسجود وجب بحديث آخر، ولن يدخل في أحدهما شيء إلا دخل في الآخر مثله. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- باختصار . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد الإمام ابن المنذر -﵀- في الاحتجاج على الإمام الشافعيّ -﵀- حيث لَزِم قوله في هذه المسألة التناقضُ؛ إذ أوجب التشهد، مع أنه لم يُذكر في حديث عقبة بدليل خارج، ولم يوجب التسبيح في الركوع والسجود؛ لعدم ذكره في حديثه، ولا شك أن مثل هذا يلزم منه التناقض، فالحقّ أن كلّ ما دلّ عليه دليلٌ صحيح وجب المصير إليه، فمن أوجب التشهّد لأمره -ﷺ- به، فليوجب أذكار الركوع والسجود؛ لأمره كذلك من غير فرق، واللَّه تعالى أعلم. قال القرطبيّ -﵀-: مذهب الجمهور كراهة القراءة والدعاء في الركوع، وقال الشافعيّ والكوفيّون: يقول في الركوع: «سبحان ربي العظيم»، وفي السجود: «سبحان ربي الأعلى»؛ اتّباعًا لحديث عقبة -﵁- ، وكلُّهم على استحباب ذلك، وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الركوع والسجود، وذهب إسحاق، وأهل الظاهر إلى وجوب الذكر فيهما دون تعيين، وأنه يعيد الصلاة من تركه. وفي «المبسوط» عن يحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار، من أئمتنا -يعني المالكيّة- فيمن لم يذكر اللَّه في ركوعه، ولا سجوده أنه يُعيد الصلاة أبدًا، وقد تأولّ المتأخّرون من أصحابنا ذلك عليهما تأويلات بعيدة. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت فيما سبق أن الحقّ وجوب أذكار الركوع والسجود، فما ذهب إليه إسحاق، وأهل الظاهر، ونقل عن يحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار هو الصحيح، فتبصّر. وقال النوويّ -﵀-: التسبيح في الركوع والسجود سنةٌ غير واجب، هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعيّ -رحمهم اللَّه تعالى- والجمهور، وأوجبه أحمد -﵀-، وطائفة من أئمة الحديث؛ لظاهر الحديث في الأمر به، ولقوله -ﷺ-: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلي»، وهو في «صحيح البخاريّ». وأجاب الجمهور بأنه محمول على الاستحباب، واحتَجُّوا بحديث المسيء صلاته، فإن النبيّ -ﷺ- لم يأمره به، ولو وَجَب لأمره به. انتهى كلام النوويّ -﵀- . وقال الحافظ رجب -﵀-: ولو لم يسبّح في ركوعه، ولا سجوده، فقال أكثر الفقهاء: تجزئ صلاته، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والثوريّ، والشافعيّ وغيرهم. وقال أحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق: إن تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا وجب عليه أن يَجبُره بسجدتي السهو. وقالت طائفة: هو فرض لا يسقط في عمد، ولا سهو، وحُكي روايةً عن أحمد، وهو قول داود، ورجّحه الخطابيّ، وقد روى الحسن، والنخعيّ ما يدلّ عليه. قال: ويُستدلّ له بقول النبيّ -ﷺ- في الصلاة: «إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن»، رواه مسلم، ولذلك سمّى اللَّه تعالى الصلاة تسبيحًا، كما سمّاها قرآنًا، فدلّ على أن الصلاة لا تخلو عن القرآن والتسبيح. قال: وعلى القول بالوجوب، فقال أصحابنا: الواجب في الركوع: «سبحان ربي العظيم»، وفي السجود: «سبحان ربي الأعلى» لا يُجزئ غير ذلك؛ لحديث ابن مسعود، وعقبة بن عامر -﵁-، وقد سبقا . وقال إسحاق: يُجزئ كلُّ ما رُوي عن النبيّ -ﷺ-، من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء. انتهى كلام ابن رجب -﵀-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحث أنيس. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال العلماء، وأدلّتهم أن مذهب من أوجب التسبيح في الركوع والسجود، هو الحقّ؛ لأنه -ﷺ- أمر به، والأمر للوجوب، فقد أمر -ﷺ- بالتسبيح في الركوع والسجود، كما سبق في حديث عقبة -﵁- المتقدّم: «اجعلوها في ركوعكم. . . اجعلوها في سجودكم»، وكذا حديث الباب قال: «فعظّموا فيه الربّ»، وقال: «فاجتهدوا في الدعاء»، وقد صحّ عنه -ﷺ- فعلًا، كما صحّ قولًا، وقال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي»، وقال أيضًا: «إنما هي التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن». فإذا لم تفد هذه النصوص الوجوب، فما الذي يفيده؟ إن هذا لهو العجب العُجاب!!!. وأما الاحتجاج بحديث المسيء صلاته، فليس بصواب؛ لأن الأرجح -كما أسلفناه في محلّه- أن الواجبات ليست مقصورة على حديثه، بل غاية ما فيه أن كلّ ما ذُكر فيه فهو واجب، وما زاد على ذلك ينظر إلى دليله، فإن اقتضى الوجوب كما هنا عُمل به، وإلا حُمِل على الاستحباب. والحاصل أن قول من قال بوجوب أذكار الركوع والسجود هو الحقّ، فمن ترك التسبيح في الركوع، أو التسبيح والدعاء في السجود بالكلّية أعاد الصلاة، عمدًا كان، أو سهوًا؛ لما سبق من الأدلّة الصحيحة الصريحة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد تسبيح الركوع والسجود: (اعلم): أنهم قد اختَلَفوا في ذلك، فذهب الجمهور إلى أن أدنى الكمال ثلاث تسبيحات، وتُجزئ واحدة، وروي عن الحسن، وإبراهيم أن المجزئ ثلاثٌ، قال ابن رجب: وقد يتأول على أنهما أرادا المجزئ من الكمال، كما تأوّل الشافعيّ وغيره، حديث ابن مسعود -﵁- المذكور على أدنى الكمال، وروي عن عمر -﵁- أنه كان يقول في ركوعه وسجوده قدر خمس تسبيحات، وعن الحسن قال: التامّ من ذلك قدر سبع تسبيحات، وعنه قال: سبع أفضل من ثلاث، وخمس وسط بين ذلك، وكذا قال إسحاق: يسبّح من ثلاث إلى سبع. وقالت طائفة: يستحبّ للإمام أن يسبّح خمسًا ليُدرك من خلفه ثلاثًا، هكذا قال ابن المبارك، وسفيان الثوريّ، وإسحاق، وبعض الحنابلة، ومنهم من قال: يسبّح من خمس إلى عشر، وقال بعض الحنابلة: يكره للإمام أن ينقص عن أدنى الكمال في الركوع والسجود، ولا يكره للمنفرد؛ ليتمكّن المأموم من سنّة المتابعة. وقال أصحاب الشافعيّ: لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات، ومنهم من قال: خمس إلا أن يرضى المأمومون بالتطويل، ويكونون محصورين. قال ابن رجب: وهذا خلاف نصّ الشافعيّ في «الأُمّ»، فإنه نصّ على أنه يسبّح ثلاثًا، ويقول مع ذلك ما قاله النبيّ -ﷺ- في حديث عليّ -﵁-، قال: وكلُّ ما قال رسول اللَّه -ﷺ- في ركوع أو سجود أحببت أن لا يُقصِّر عنه، إمامًا كان، أو منفردًا، وهو تخفيف لا تثقيل. قال: واختلف أصحابنا -يعني الحنابلة- في الكمال في التسبيح، هل هو عشر تسبيحات، أو سبع؟ ولهم وجهان آخران في حقّ المنفرد، أحدهما يسبّح بقدر قيامه، والثاني ما لم يَخَف سهوًا، ذكر هذا كلّه الحافظ ابن رجب -﵀- في «شرح البخاريّ» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح عندي أن المصلّي مطلقًا يسبّح بلا عدد معيّن، وكلما زاد كان أفضل، إلا أن يكون إمامًا، فيخفّف للأمر بذلك، وأقوى ما ثبت في ذلك ما أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ بإسناد حسن، عن أنس بن مالك -﵁- قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة بصلاة رسول اللَّه -ﷺ- من هذا الفتى -يعني عمر بن عبد العزيز- فحزَرْنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. وأما ما أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي، عن عون بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدناه»، فإنه حديث ضعيف؛ للانقطاع، كما قاله أبو داود والترمذيّ؛ لأن عون بن عبد اللَّه لم يدرك ابن مسعود -﵁-. والحاصل أنه لا حدّ للتسبيح في الركوع والسجود بالثلاث، ولا بغيرها، بل يسبّح ما شاء، وكلّما زاد كان حسنًا، وإنما الواجب الطمأنينة مع الذكر، لكن إن كان إمامًا فالأولى له أن يراعي حال المأمومين، فلا يشقّ عليهم بالتطويل، ولا يفوّت عليهم سنة التسبيح بالاستعجال، بل يعطي كلّ ذي حقّ حقه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٨٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُحَيْمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السِّتْرَ، وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا، يَرَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ، أَوْ تُرَى لَهُ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (السِّتْرَ) تقدّم أنه بكسر السين، وسكون التاء بمعنى الساتر. وقوله: (وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ) اسم مفعول من عَصَبَ، يقال: عَصَب رأسه يَعْصِبه، من باب ضرب: إذا شدّه بالعصابة، وهي بالكسر: كلّ ما عَصَبْتَ به رأسَك، من عِمَامةٍ، أو منديل، أو خِرقة . والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونه مشدود الرأس بالعمامة؛ لشدّة مرضه. وقوله: (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) قدّم «اللهم» تأكيدًا للأمر، كما أكّده بتكريره ثلاثًا، فهو -ﷺ- يُشهد اللَّه تعالى على تبليغه، وأنه لم يقصِّر في تبليغ الدعوة إلى اللَّه تعالى، وتبليغ ما أمره ﷿ بتبليغه إلى الأمة، ولذلك ثبت عنه في حديث آخر: «اللهم اشهَد» .
مصادر المؤلف (٢٩)

١. وفي نسخة: «وحدّثناه ابن نمير».

٢. وفي نسخة: «إلى قوله: ملء ما شئت».

٣. وفي نسخة: «عن الستارة».

٤. ووقع في نسخة النوويّ وغيره إسقاط قوله: «بهذا».

٥. هكذا جعله في «التقريب» من الثالثة، والظاهر أنه من السادسة أو نحوها، فإنه لا يروي إلا عن التابعين، فهو من أتباع التابعين، كما قال ابن حبّان، فتأمل.

٦. «تهذيب التهذيب» ٤/ ١٩٤.

٧. راجع: «كتاب الثقات» ٤/ ٣١٠ و٦/ ٣٨٣.

٨. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٦.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٥٨.

١٠. متّفقٌ عليه.

١١. «المفهم» ٢/ ٨٦.

١٢. راجع:«السنن الكبرى»للنسائيّ في«كتاب التعبير»(٤/ ٣٨٢).

١٣. «الفتح» ١٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣.

١٤. سيأتي للمصنّف -﵀- برقم (٧٥٦).

١٥. في سنده إياس بن عامر الغافقيّ، صحح حديثه ابن خزيمة، وقال العجليّ: لا بأس =

١٦. «لسان العرب» ١٣/ ٣٤٧.

١٧. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ١٠١٥.

١٨. «شرح النوويّ» ٤/ ١٩٧.

١٩. سيأتي برقم (٤٨٢).

٢٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ١٠١٥ - ١٠١٦.

٢١. «الأوسط» ٣/ ١٨٦ - ١٨٧.

٢٢. تقدّم قريبًا ذكر حديث عقبة بن عامر -﵁-، وهو حديث صحّحه ابن خزيمة.

٢٣. «المفهم» ٢/ ٨٥ - ٨٦.

٢٤. «شرح النوويّ» ٤/ ١٩٧.

٢٥. أما حديث ابن مسعود -﵁- فضعيف؛ للانقطاع، وأما حديث عقبة -﵁- فحسن، كما أسلفت تحقيقه، فتنبّه.

٢٦. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٧/ ١٧٨ - ١٨١.

٢٧. وفي نسخة: «كشف علينا رسول اللَّه -ﷺ-».

٢٨. راجع: «لسان العرب» ١/ ٦٠٣.

٢٩. هو ما تقدّم في «كتاب الإيمان» (٢٢١) عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: خطبنا رسول اللَّه -ﷺ-، فأسند ظهره إلى قبة أَدَم، فقال: «ألا لا يدخل الجنة إلا نفس =