HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٤٨٤

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كان رسول الله ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ! رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ. اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي» يَتَأَوَّلُ القرآن.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص50
ج ١ ص ٣٥٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص١٨٧
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أشرت إلى هذه المسألة في «التحفة المرضيّة» حيث قلت: فَكُلُّ مُرْسَلٍ بُعَيْدَ الْبِعْثَةِ … لَا يَفْعَلُ الْمُزْرِيَ بِالنُّبُوَّةِ أَوْ مُوجِبَ الْخِسَّةِ أَوْ مَا يُسْقِطُ … مُرُوءَةً عَمْدًا وَسَهْوًا يَهْبِطُ وَأَجْمَعُوا عَلَى انْتِفَا الْكَبَائِرِ … وَرَجَّحُوا الْجَوَازَ لِلصَّغَائِرِ لَكِنَّهُمْ يُنَبَّهُونَ فَوْرَا … فَنِعْمَةُ الْمَوْلَى عَلَيْهِمْ تَتْرَى وإن أردت تحقيق معاني الأبيات فارجع إلى شرحها «المنحة الرضيّة»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٠٨٩] (٤٨٣)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٨٧٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٩٣١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٣٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨٨٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٠٧٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٦٢٠)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٩٠] (٤٨٤) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) عن (٧١) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد اللَّه السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبت [٦] (١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. ٥ - (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبَيح الْهَمْدانيّ الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٢/ ٦٣٥. ٦ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيه عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢١٧. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، ماتت سنة (٥٧)، وقيل غير ذلك (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قَرَن بينهما. ٢ - (ومنها): أنَّ رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه، فالأول نسائيّ، ثم بغداديّ، والثاني مروزيّ، وعائشة -﵂- مدنيّة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- الصدّيقة بنت الصدّيق، حبيبة رسول اللَّه -ﷺ-، وبنت حبيبه -﵄-، الفقيهة، من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ) كذا في رواية منصور، وقد بَيَّنَ الأعمش في روايته، عن أبي الضحى الآتية ابتداء هذا الفعل، وأنه -ﷺ- واظب عليه، ولفظه: «عن عائشة قالت: ما رأيت النبيّ -ﷺ- منذ نزل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ يُصلي صلاةً إلا دعا، أو قال فيها: سبحانك اللهم. . .» الحديث. قيل: اختار النبيّ -ﷺ- الصلاة لهذا القول؛ لأن حالها أفضل من غيرها، وليس في الحديث ما يدلّ على أنه -ﷺ- لم يكن يقول ذلك خارج الصلاة أيضًا، بل في رواية عامر الشعبيّ، عن مسروق الآتية ما يُشعِر بأنه -ﷺ- كان يواظب على ذلك داخل الصلاة وخارجها. وقوله: (فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) بيان للمحلّ الذي كان -ﷺ- يقول فيه هذا الذكر من الصلاة، وهو الركوع والسجود. («سُبْحَانَكَ) قال أهل اللغة العربية، وغيرهم: التسبيح: التنزيه، وقولهم:»سبحانَ اللَّه«منصوب على المصدر، يقال: سَبَّحتُ اللَّه تسبيحًا وسُبْحَانًا، فسبحان اللَّه معناه: براءةً وتنزيهًا له من كل نقص، وصفة للمُحْدَث، قاله النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ:«سُبحان»اسم علمٌ لمصدر سَبَح، وقع موقعه، فنُصب نصبه، وهو لا ينصرف للتعريف، والألف والنون الزائدتين، كعثمان، ومعناه البراءة للَّه من كلّ نقص وسُوء، وهو في الغالب مما لا ينفصل عن الإضافة، وقد ذكره الحريريّ في جملة الأسماء الملازمة للإضافة، حيث قال في«ملحة الإعراب»: وَفِي الْمُضَافِ مَا يَجُرُّ أَبَدَا … مِثْلُ«لَدُنْ زَيْدٍ»وَإِنْ شِئْتَ«لَدَى»وَمِنْهُ«سُبْحَانَ»وَ«ذُو»وَ«مِثْلُ»… وَ«مَعْ»وَ«عِنْدَ»وَ«أُولُو»وَ«كُلُّ»ثُمَّ الْجِهَاتُ السِّتُّ«فَوْقُ»وَ«وَرَا»… وَ«يَمْنَةٌ»وَعَكْسُهَا بِلَا مِرَا وَهَكَذَا«غَيْرُ»وَ«بَعْضُ»و«سِوَى»… فِي كَلِمٍ شَتَّى رَوَاهَا مَنْ رَوَى قال: وقد جاء منفصلًا عنها في قول الأعشى: أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ … سُبْحَانَ مِنْ علْقَمَةَ الْفَاخِرِ وقد أشربه في هذا البيت معنى التعجّب، فكأنه قال: تَعَجُّبًا من علقمةّ!. هذا قول حُذّاق النحويين، وأئمّتهم، وقد ذهب بعضهم إلى أن«سبحان»جمع سِبَاح، من سَبَحَ يسبح في الأرض: إذا ذهب فيها سبحًا وسباحًا، وهذا كحِسَاب وحُسبان، وقيل: جمع سَبيح للمبالغة من التسبيح، مثل خبير وعليم، ويُجمع على سُبْحان، كقَضِيب وقُضبان، وأبطل القرطبي هذين القولين بدليل عدم صرفه، كما مرّ في بيت الأعشى . (اللَّهُمَّ) تقدّم قريبًا أن أصلها«يا أللَّه»، فحُذفت«يا»، وعُوّض عنها الميم المشدّدة (رَبَّنَا) منادى بحذف حرف النداء، أي يا ربّنا (وَبِحَمْدِكَ) متعلّق بفعل محذوف دلّ عليه التسبيح، أي بحمدك سبّحتك، ومعناه: بتوفيقك لي، وهدايتك، وفضلك عليّ سبَّحتك، لا بحولي وقُوّتي، ففيه شكر اللَّه تعالى على هذه النعمة، والاعتراف بها، والتفويض إلى اللَّه تعالى، وأن كل الأفعال له، واللَّه أعلم، قاله النوويّ -﵀-. وقال القرطبيّ بعد ذكره نحو ما تقدّم: هكذا قولهم، وكأنهم لاحظوا أن الحمد هنا بمعنى الشكر، قال: ويظهر لي وجه آخر، وهو إبقاء معنى الحمد على أصله، ويكون إثباتًا للسبب، ويكون معناه: بسبب أنك موصوفٌ بصفات الكمال والجلال سبّحك المسبِّحون، وعظّمك المعظّمون، واللَّه تعالى أعلم . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أشبعت هذا البحث في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد ، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: (اللَّهُمَّ) كرّره للتأكيد (اغْفِرْ لِي») أي استر ذنوبي، واصفح عنها. وقولها: (يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ) أي يَعْمَل ما أُمر به في قول اللَّه ﷿: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣]، وكان -ﷺ- يقول هذا الكلام البديع في الجزالة المستوفِيَ ما أُمر به في الآية، وكان يأتي به في الركوع والسجود؛ لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها، فكان يختارها لأداء هذا الواجب الذي أُمر به؛ ليكون أكمل، قاله النوويّ -﵀- . وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: والمراد أنه يمتثل ما أمره اللَّه تعالى به بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ الآية، فتأويل القرآن تارةً يُراد به تفسير معناه بالقول، وتارةً يراد به امتثال أوامره بالفعل، ولهذا يقال لمن ارتكب شيئًا من الرُّخَص بتأويل سائغ، أو غيره: إنه فعله متأوّلًا. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «يتأول القرآن» أي يفعل ما أُمر به فيه، وقد تبين من رواية الأعمش -يعني الآتية بعد هذا- أن المراد بالقرآن بعضه، وهو السورة المذكورة، والذكر المذكور. قال: وفي هذا تعيين أحد الاحتمالين في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون المراد بـ ﴿سَبِّحْ﴾ نفس الحمد؛ لما تضمّنه الحمد من معنى التسبيح الذي هو التنزيه؛ لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود عليها إلى اللَّه ﷿، فعلى هذا يكفي في امتثال الأمر الاقتصار على الحمد. ويحتمل أن يكون المراد: ﴿فَسَبِّحْ﴾ متلبسًا بالحمد، فلا يمتثل حتى يجمعهما، وهو الظاهر. انتهى. وهو بحث نفيسٌ ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٠٩٠ و١٠٩١ و١٠٩٢ و١٠٩٣] (٤٨٤)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٧٩٤ و٨١٧) و«المغازي» (٤٢٩٣) و«التفسير» (٤٩٦٧ و٤٩٦٨)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٨٧٧)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٢١٩)، و(ابن ماجه) فيها (٨٨٩)، و(عبد الرزّاق) (٢٨٧٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٣ و٤٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٦٠٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٩٣٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨٨١ و١٨٨٢ و١٨٨٣ و١٨٨٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٠٧٥ و١٠٧٦ و١٠٧٧ و١٠٧٨ و١٠٧٩)، و(الطحاويّ) في معاني الآثار«(١/ ٢٣٤)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(٢/ ١٠٩)، و(البغويّ) في»شرح السنّة«(٦١٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الدعاء في الركوع والسجود بالدعاء المذكور. ٢ - (ومنها): بيان جواز الدعاء في الركوع، ونُقل عن مالك: كراهته، وقد ترجم الإمام البخاريّ في«صحيحه»:«باب الدعاء في الركوع»، ثم أورد حديث عائشة -﵂- المذكور في الباب، فقيل: الحكمة في تخصيص الركوع بالدعاء دون التسبيح، مع أن الحديث واحد، أنه قَصَدَ الإشارة إلى الردّ على من كَرِهَ الدعاء في الركوع، كمالك، وأما التسبيح فلا خلاف فيه، فاهتَمّ هنا بذكر الدعاء لذلك، وحجة المخالف حديثُ ابن عباس -﵄- الذي تقدّم في الباب الماضي، وفيه:«فأما الركوع فعَظِّموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم»، لكنه لا مفهوم له، فلا يمتنع الدعاء في الركوع، كما لا يمتنع التعظيم في السجود، وظاهر حديث عائشة -﵂- أنه -ﷺ- كان يقول هذا الذكر كله في الركوع، وكذا في السجود، قاله في«الفتح». وقال ابن دقيق العيد -﵀-: يؤخذ من هذا الحديث إباحة الدعاء في الركوع، وإباحة التسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله -ﷺ-:«أما الركوع فعَظِّموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء». قال: ويمكن أن يُحْمَل حديث الباب على الجواز، وذلك على الأولوية. ويَحْتَمِل أن يكون أَمَر في السجود بتكثير الدعاء؛ لإشارة قوله:«فاجتهدوا»، والذي وقع في الركوع من قوله:«اللهم اغفر لي»ليس كثيرًا، فلا يعارض ما أَمَر به في السجود. انتهى. واعترضه الفاكهانيّ بأن قول عائشة -﵂-:«كان يكثر أن يقول»صريح في كون ذلك وقع منه كثيرًا، فلا يعارض ما أَمَر به في السجود. قال الحافظ: هكذا نقله عنه شيخنا ابن الْمُلَقِّن في«شرح العمدة»، وقال: فليُتَأَمَّل، وهو عجيب، فإن ابن دقيق العيد أراد بنفي الكثرة عدم الزيادة على قوله:«اللهم اغفر لي»في الركوع الواحد، فهو قليل بالنسبة إلى السجود المأمور فيه بالاجتهاد في الدعاء الْمُشْعِر بتكثير الدعاء، ولم يُرِد أنه كان يقول ذلك في بعض الصلوات دون بعض، حتى يَعْتَرِض عليه بقول عائشة -﵂-:«كان يكثر. . . إلخ»انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول أن الأمر بتعظيم الربّ ﷿ في الركوع لا ينافي جواز الدعاء فيه بدليل هذا الحديث، وإنما غاية ما يدلّ عليه قوله:«فعظّموا فيه الربّ»أن يكون معظم الذكر المشروع فيه هو التعظيمَ بالتسبيح والتحميد، والتقديس، كما أن الغالب في السجود الاجتهاد في الدعاء، ولا ينافي التسبيح فيه أيضًا، بدليل قوله -ﷺ- لَمّا نزل ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]:«اجعلوها في سجودكم»، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من الإكثار من الاستغفار، مع أنه غُفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر، كما قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] الآية، وسبب ذلك أن يكون عبدًا شكورًا، فقد أخرج الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة -﵁- قال: قام النبيّ -ﷺ- حتى تَوَرَّمت قدماه، فقيل له: غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». ٤ - (ومنها): شدّة حرصه على مبادرته أمر اللَّه ﷿ له في القرآن، حيث قال له: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ الآية [النصر: ٣]، وهو معنى قوله: «يتأول القرآن»، أي يُطبّق على نفسه ما أُمر به في القرآن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٩١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ: «سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ»، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَرَاكَ أَحْدَثْتَهَا ، تَقُولُهَا؟ قَالَ: «جُعِلَتْ لِي عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي، إِذَا رَأَيْتُهَا قُلْتُهَا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]» إِلَى آخِرِ السُّورَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل باب أيضًا. والباقون ذُكروا في السند الماضي. ومسلم هو ابن صُبيح، أبو الضحى. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه محمد بن العلاء، أحد مشايخ الستة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، فكلهم كوفيّون، سوى عائشة -﵂-، فمدنيّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: الأعمش، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ) هذا يدلّ على أنه -ﷺ- لا يخصّ هذا الذكر في الصلاة فقط، ويؤيّد هذا ما أخرجه ابن جرير الطبريّ، عن أم سلمة -﵂- قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- في آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد، ولا يذهب، ولا يجيء، إلا قال: سبحان اللَّه وبحمده، فقلت: يا رسول اللَّه، رأيتك تكثر من سبحان اللَّه وبحمده، لا تذهب، ولا تجيء، ولا تقوم، ولا تقعد، إلا قلت: سبحان اللَّه وبحمده، قال: «إني أُمرت بها»، فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى آخر السورة . («سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ) وفي نسخة:»سبحانك اللهمّ وبحمدك«(أَسْتَغْفِرُكَ وَأتُوبُ إِلَيْكَ») قال النوويّ: فيه حجةٌ على أنه يجوز، بل يُستحبّ أن يقول: «أستغفرك، وأتوب إليك»، وحُكي عن الرَّبِيع بن خثيم قال: لا يقل أحدكم: «أستغفر اللَّه وأتوب إليه»، فيكون ذنبًا وكذبًا إن لم يفعل، بل يقول: «اللهم اغفر لي، وتب عليّ» وهذا الذي قاله من قوله: «اللهم اغفر لي، وتب عليّ» حَسَنٌ، وأما كراهته «أستغفر اللَّه» وتسميته كذبًا فلا نوافق عليه؛ لأن معنى «أستغفر اللَّه» أطلب مغفرته، وليس في هذا كَذِبٌ، ويكفي في ردّه ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ عن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من قال: أستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ، وأتوب إليه، غُفرت ذنوبه، وإن كان قد فَرّ من الزَّحْف» ، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاريّ ومسلم. انتهى . (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا) استفهاميّة (هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتي أَرَاكَ) وفي رواية عامر الشعبي الآتية: «فقلت: يا رسول اللَّه، أراك تكثر من قول: سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه، وأتوب إليه» (أَحْدَثْتَهَا) وفي نسخة: «قد أحدثتها» (تَقُولُهَا؟) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (قَالَ) -ﷺ- («جُعِلَتْ) بالبناء للمفعول، أي جعل اللَّه تعالى (لِي عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي) وفي رواية الشعبيّ الآتية:»فقال: خبّرني ربّي أني سأرى علامةً في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه، وأتوب إليه، فقد رأيتها« (إِذَا رَأَيْتُهَا) أي تلك العلامة (قُلْتُهَا) أي قلت هذه الكلمات التي أحدثتها. ثم ذكر العلامة فقال: (﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ) وفي رواية الشعبيّ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ فتح مكة، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٢ - ٣]. تفسير السورة الكريمة: ﴿إِذَا﴾ منصوب بـ «سَبِّح»، وهو لما يُسْتَقْبَل، والإعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوّة ﴿جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ النصر: الإغاثةُ والإظهار على العدوّ، والفتح: فتح البلاد، والمعنى نَصْرُ رسول اللَّه -ﷺ- على العرب، أو على قريش، وفَتْحُ مكة، أو جنس نصر اللَّه المؤمنين، وفتح بلاد الشرك عليهم، قاله النسفيّ -﵀-. وقال القرطبيّ: النصر العون، مأخوذ من قولهم: قد نَصَرَ الغيثُ الأرضَ: إذا أعان على نباتها من قَحْطها، قال الشاعر [من الطويل]: إِذَا انْسَلَخَ الشهر الحرام فَوَدّعِي … بِلَادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِرِ ويُروَى: إِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ فَجَاوِزِي … بِلَادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِرِ يقال: نَصَره على عدوه ينصره نصرًا: أي أعانه، والاسم النُّصْرة، واستنصره على عدوه: أي سأله أن ينصره عليه، وتناصروا: نصر بعضهم بعضًا. ثم قيل: المراد بهذا النصر نصر الرسول -ﷺ- على قريش، قاله الطبريّ، وقيل: نصره على من قاتله من الكفار، فإن عاقبة النصر كانت له. وأما الفتح فهو فتح مكة، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير: هو فتح المدائن والقصور، وقيل: فتح سائر البلاد: وقيل ما فتحه عليه من العلوم، و«إذا» بمعنى «قد»: أي قد جاء نصر اللَّه؛ لأن نزولها بعد الفتح، ويمكن أن يكون معناه إذا يجيئك. انتهى . ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾ [النصر: ٢] هو حال من «الناس» على أن «رأيت» بمعنى أبصرتَ، أو عَرَفْتَ، أو مفعول ثان على أنه بمعنى «عَلِمتَ» ﴿فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ هو حال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾ وجواب ﴿إِذَا﴾، ﴿فَسَبِّحْ﴾، أي إذا جاء نصر اللَّه إياك على من ناوأك، وفَتْحُ البلاد، ورأيت الناس يدخلون في ملة الإسلام جماعات كثيرة، بعدما كانوا يدخلون فيه واحدًا واحدًا، واثنين اثنين ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فقل: سبحان اللَّه حامدًا له، أو فَصَلِّ له، ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي اطلب مغفرته لك؛ تواضعًا وهضمًا للنفس، أو دُمْ على الاستغفار، قاله النسفيّ. وقال القرطبيّ -﵀-: [فإن قيل]: فماذا يُغْفَر للنبيّ -ﷺ- حتى يؤمر بالاستغفار؟. [قيل له]: كان النبيّ -ﷺ- يقول في دعائه: «رب اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي، وعمدي، وجهلي، وهَزْلي، وكلُّ ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدَّمت، وما أخرت، وما أعلنت، وما أسررت، أنت المقدم وأنت المؤخر، إنك على كل شيء قدير». فكان -ﷺ- يستقصر نفسه؛ لعظم ما أنعم اللَّه به عليه، ويرى قصوره عن القيام بحقّ ذلك ذنوبًا. ويَحْتَمِل أن يكون بمعنى: كن متعلقًا به سائلًا راغبًا متضرعًا على رؤية التقصير في أداء الحقوق؛ لئلا ينقطع إلى رؤية الأعمال. وقيل: الاستغفار تعبّد يجب إتيانه، لا للمغفرة، بل تعبدًا، وقيل: ذلك تنبيهٌ لأمته؛ لكيلا يأمنوا ويتركوا الاستغفار، وقيل: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي استغفر لأمتك. ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ ولم يزل ﴿تَوَّابًا﴾ التوّاب الكثير القبول التوبة، وفي صفة العباد الكثير الفعل للتوبة، قاله النسفيّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀-: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] أي على المسبِّحين والمستغفرين يتوب عليهم ويرحمهم، ويَقْبَل توبتهم، وإذا كان -ﷺ-، وهو معصوم، يؤمر بالاستغفار، فما الظن بغيره؟. وقال ابن عمر -﵄-: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، فعاش بعدهما النبيّ -ﷺ- ثمانين يومًا، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يومًا، ثم نزل ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا، ثم نزل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فعاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا، وقال مقاتل: سبعة أيام، وقيل غير هذا. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . وقال في «الفتح»: أخرج النسائيّ من حديث ابن عباس أنها آخر سورة نزلت من القرآن، وقد تقدم في تفسير «براءة» أنها آخر سورة نزلت، والجمع بينهما أن آخرية سورة النصر نزولها كاملةً، بخلاف براءة، كما تقدم توجيهه، ويقال: إن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ يوم النحر، وهو بمنى، في حجة الوداع، وقيل: عاش بعدها أحدًا وثمانين يومًا، وليس منافيًا للذي قبله، بناءً على بعض الأقوال في وقت الوفاة النبوية، وعند ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس: عاش بعدها تسع ليال، وعن مقاتل سبعًا، وعن بعضهم ثلاثًا، وقيل: ثلاث ساعات، وهو باطل. وأخرج ابن أبي داود في «كتاب المصاحف» بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ «إذا جاء فتح اللَّه والنصر». انتهى . وقال الإمام ابن كثير في «تفسيره»: «سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ مدنية». أخرج البخاريّ عن ابن عباس، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد عَلِمتم، فدعاهم ذات يوم، فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول اللَّه ﷿: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]؟ فقال بعضهم: أُمِرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره، إذا نُصِرنا، وفُتِح علينا، وسكت بعضهم، فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول اللَّه -ﷺ- أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، فذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣]، فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. تفرّد به البخاريّ. وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس -﵄- قال: بينما رسول اللَّه -ﷺ- في المدينة، إذ قال: «اللَّه أكبر اللَّه أكبر جاء نصر اللَّه والفتح، جاء أهل اليمن»، قيل: يا رسول اللَّه، وما أهل اليمن؟ قال: «قوم رقيقة قلوبهم، لَيِّنةٌ طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية» . وأخرج أحمد بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ أنه قال: لما نزلت هذه السورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ قرأها رسول اللَّه -ﷺ- حتى ختمها، فقال: «الناس حَيْزٌ وأنا وأصحابي حَيْزٌ -وقال- لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية»، فقال له مروان: كَذَبتَ، وعنده رافع بن خَدِيج، وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عِرَافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، فرفع مروان عليه الدِّرّة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق. تفرّد به أحمد. قال ابن كثير -﵀-: فالذي فَسَّر به بعض الصحابة من جلساء عمر -﵃- من أنه قد أُمِرنا إذا فتح اللَّه علينا المدائن والحصون، أن نحمد اللَّه ونشكره ونسبحه، يعني نُصَلِّي له ونستغفره، معنى مَلِيحٌ صحيحٌ، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبيّ -ﷺ- يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى، وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها، فكيف صلاها ذلك اليوم؟ وقد كان مسافرًا لم ينو الإقامة بمكة، ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبًا من تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحوًا من عشرة آلاف، قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح، قالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات، وهكذا فَعَل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، ثم قال بعضهم: يصليها كلها بتسليمة واحدة، والصحيح أنه يسلم من كل ركعتين، كما ورد في «سنن أبي داود»: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين. وأما ما فَسَّر به ابن عباس وعمر من أن هذه السورة نُعِيَ فيها إلى رسول اللَّه -ﷺ- روحه الكريمة، وأُعْلِم: أنك إذا فتحت مكة، وهي قريتك التي أخرجتك، ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، فقد فَرَغ شغلنا بك في الدنيا، فتهيأ للقدوم علينا، والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾. أخرج النسائيّ بسند حسن عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] إلى آخر السورة، قال: نعيت لرسول اللَّه -ﷺ- نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشدّ ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة، وقال رسول اللَّه -ﷺ- بعد ذلك: «جاء الفتح، وجاء نصر اللَّه، وجاء أهل اليمن»، فقال رجل: يا رسول اللَّه، وما أهل اليمن؟ قال: «قوم رقيقة قلوبهم، ليّنة قلوبهم، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفقه يمان». وقال ابن جرير الطبريّ: حدّثنا أبو السائب، حدّثنا حفص، حدّثنا عاصم، عن الشعبيّ، عن أم سلمة -﵂- قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- في آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد، ولا يذهب، ولا يجيء، إلا قال: سبحان اللَّه وبحمده، فقلت: يا رسول اللَّه، رأيتك تكثر من سبحان اللَّه وبحمده، لا تذهب، ولا تجيء، ولا تقوم، ولا تقعد، إلا قلت: سبحان اللَّه وبحمده، قال: إني أُمرت بها، فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى آخر السورة . قال ابن كثير -﵀-: والمراد بالفتح ها هنا فتح مكة قولًا واحدًا، فإن أحياء العرب كانت تَتَلَوَّمُ بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبيّ، فلما فتح اللَّه عليه مكة، دخلوا في دين اللَّه أفواجًا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مُظهر للإسلام، وللَّه الحمد والمنة. وقد رَوَى البخاري في «صحيحه» عن عمرو بن سَلِمَة قال: لما كان الفتحُ بادر كلُّ قوم بإسلامهم إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وكانت الأحياء تَتَلَوَّم بإسلامها فتح مكة، يقولون: دَعُوه وقومه، فإن ظَهَر عليهم، فهو نبيّ. . . الحديث. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٩٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- مُنْذُ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ يُصَلِّي صَلَاةً، إِلَّا دَعَا، أَوْ قَالَ فِيهَا: «سُبْحَانَكَ رَبِّي ، وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٣ - (مُفَضَّلٌ) بن مُهَلْهَل السَّعْديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ نَبيلٌ عابدٌ [٧] (ت ١٦٧) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ) بضمّ الصاد المهملة، مصغّرًا، وأما والد الربيع بن صَبِيح، فإنه بالفتح، مكبّرًا، وإلى هذا أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث»، حيث قال: صَبِيحُ وَالِدِ الرَّبِيعِ فُتِحَا … وَاضمُمْ أَبًا لِمُسْلِمٍ أَبِي الضُّحَى وقوله: (إِلَّا دَعَا، أَوْ قَالَ فِيهَا إلخ) «أو» هنا للشكّ من الراوي، والحديث متّفق عليه، ومسائله تقدمّت في شرح ثاني أحاديث الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٩٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَاكَ تُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ»، فَقَالَ: «خَبَّرَنِي رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي، فَإذَا رَأَيْتُهَا أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُهَا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحُ مَكَّةَ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٢، ٣] ». رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في«الطهارة»٥/ ٥٥٧.
مصادر المؤلف (٢٦)

١. وفي نسخة: «حدّثني».

٢. «شرح النوويّ»٤/ ٢٠١ - ٢٠٢.

٣. راجع: «المفهم» ٢/ ٨٧ - ٨٨، و«إكمال المعلم» ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩.

٤. «المفهم» ٢/ ٨٨.

٥. راجع: «ذخيرة العقبى» ١٣/ ١٥٢.

٦. «شرح النوويّ» ٤/ ٢٠١.

٧. «فتح الباري» لابن رجب ٧/ ٢٧٢.

٨. «الفتح» ٢/ ٣٤٩.

٩. «الفتح»٢/ ٣٢٩.

١٠. «الفتح» ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠.

١١. وفي نسخة: «سبحانك اللهمّ وبحمدك».

١٢. وفي نسخة: «قد أحدثتها».

١٣. صححه الشيخ الألبانيّ في«الصحيحة»٧/ ٤٤٧.

١٤. حديث صحيح، كما قال الحاكم.

١٥. «الأذكار» للنوويّ ١/ ٣٢٣.

١٦. «تفسير القرطبيّ» ٢٠/ ٢٣٠.

١٧. «تفسير النسفي» ٤/ ٣٦١.

١٨. «تفسير القرطبيّ» ٢٠/ ٢٣٣.

١٩. «الفتح» ٨/ ٦٠٥ - ٦٠٦.

٢٠. صححه الشيخ الألبانيّ بشواهده. «الصحيحة» ٧/ ١١٠٧.

٢١. أي جماعة وفئة.

٢٢. صححه الشيخ الألبانيّ في «الصحيحة» ٧/ ٤٤٧.

٢٣. راجع: «تفسير ابن كثير» ٤/ ٧٧٧ - ٧٨٠.

٢٤. وفي نسخة: «سبحانك اللَّهمّ ربّي».

٢٥. وفي نسخة:«حدّثنا».

٢٦. وفي نسخة:«أخبرني».