HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٠٣

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جميعا عَنْ وَكِيعٍ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ. وَهُوَ بِالأَبْطَحِ. فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ. قَالَ فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوئِهِ. فَمِنْ نَائِلٍ وَنَاضِحٍ. قَالَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ. كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ. قَالَ فَتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلَالٌ. قَالَ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فاه ههنا وَهَهُنَا (يَقُولُ: يَمِينًا وَشِمَالًا) يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. قَالَ ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ. يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ. لَا يُمْنَعُ. ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي ركعتين حتى رجع إلى المدينة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص56
ج ١ ص ٣٦٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص٣٣٢
أنها في حال شَدّ الرحل عليها أقرب إلى السكون من حال تجريدها. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الصلاة إلى الراحلة لا يتقيّد بحالة الضرورة؛ لأن قوله: «كان -ﷺ- يعرض راحلته فيصلّي إليها» يدلّ على تكرّر ذلك منه؛ لأن «كان» تدلّ على الاستمرار، ومما يؤيّد ذلك أنه -ﷺ- لم يَعْدِل إلى الاستتار بالرحل، إلا إذا هاجت الركاب، فلو كان الاستتار بالراحلة للضرورة، لتركها، واستتر برحلها، فدلّ على أن الاستتار بالراحلة جائز إذا لم تكن هائجة، فعند ذلك يستتر برحلها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ - كَانَ يُصَلِّي إِلَى رَاحِلَتِهِ»، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: «إِنَّ النَّبيَّ -ﷺ- صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: كلهم تقدّموا في هذا الباب، غير «أَبي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ»، وهو: سليمان بن حيّان، فتقدّم في الباب الماضي. وقوله: (صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ) وفي نسخة: «إلى بعيره»، وهو بمعنى راحلته؛ لأن الراحل هي المركوب من الإبل، ذكرًا كان أو أُنثى، كما تقدّم قريبًا، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٤] (٥٠٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِبهِ، قَالَ: أَتَبْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- بِمَكَّةَ، وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ، مِنْ أَدَمِ، قَالَ: فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوئهِ ، فَمِنْ نَائِلٍ، وَنَاضِحٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ، وَأَذَّنَ بِلَالٌ، قَالَ: فَجَعَلْت أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا، يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بَبْنَ يَدَيْهِ الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، لَا يُمْنَعُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (وَكِيع) بن الجرَاح تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيه إمامٌ حجةٌ، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) السُّوائيّ -بضمّ السين المهملة- الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، ومسلم بن رِيَاح الثقفي، وله صحبة، والمنذر بن جرير البجلي، وعبد الرحمن بن سُمَير، ومِخْنَف بن سُلَيم، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والثوري، وقيس بن الربيع، ومالك بن مِغْوَل، وحجاج بن أرطاة، وصدقة بن أبي عِمْران، وأبو العُمَيس، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقةٌ. وذكره ابن حبان في «الثقات». قال خليفة: مات في آخر ولاية خالد على العراق. وقال ابن قانع: مات سنة ست عشرة ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٥٠٣) وكرّره ثلاث مرّات، وحديث (١٠١٧) وكرّره مرّتين، و(٢٨٦٩). ٤ - (أَبُوهُ) هو: وَهْب بن عبد اللَّه بن مسلم بن جُنَادة بن حبيب بن سُواءة -بضم السين المهملة، وتخفيف الواو، والمدّ- ابن عامر بن صَعْصَعة، ويقال: اسم أبيه وهب، أبو جُحَيفة السُّوَائيّ، يقال له: وهب الخير. قَدِم على النبيّ -ﷺ- في أواخر عمره، وحفظ عنه، ثم صَحِب عليًّا بعده، وولّاه شُرْطة الكوفة لَمّا ولي الخلافة. وفي «الصحيح» عنه: رأيت النبيّ -ﷺ-، وكان الحسن بن عليّ يُشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قَلُوصًا، فمات قبل أن نقبضها، وكان عليّ يُسمّيه وهب الخير. رَوَى عن النبي -ﷺ-، وعن عليّ، والبراء بن عازب. ورَوَى عنه ابنه عون، وسَلَمة بن كُهيل، والشعبي، والسَّبِيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وزياد الأعسم، وأبو عمر الْمُنَبِّهِيُّ، وعلي بن الأقمر، والحكم بن عتيبة. قال الواقديّ: مات في ولاية بشر بن مروان، وقال غيره: سنة أربع وسبعين، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: مات أبو جحيفة قبل أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وهو قول ابن حبان، وقال أبو نعيم: كان على شُرْطة عليّ، واستعمله على خمس المتاع. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، برقم (٥٠٣) وكرره ثلاث مرات، و(١٩٦١) و(٢٣٤٢) و(٢٣٤٣) و(٢٨٦٩). والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه. شرح الحديث: عن عون بن أبي جحيفة (عَنْ أَبِيهِ) أبي جُحَيفة، وهب بن عبد اللَّه السُّوَائيّ -﵁- أنه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- بِمَكَةَ، وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ) قال النوويّ -﵀-: هو الموضع المعروف على باب مكة، ويقال له: البطحاء أَيضًا. انتهى . ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ «بالبطحاء»، قال في «الفتح»: يعني بطحاء مكة، وهو موضع خارج مكة، وهو الذي يقال له الأبطح. انتهى . وقال ابن الأثير -﵀-: البَطْحاء: هي الحصى الصغار، وبطحاء الوادي، وأبطحه حصاه اللَّيِّن في بطن المسيل، ومنه حديث «صلَّى بالأبطح» يعني أبطح مكة، وهو مَسِيل واديها، ويُجمع على البِطَاح، والأباطيح. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: البَطِيحةُ والأبطحُ: كلُّ مكان مُتَّسِعٍ، والأبطح بمكة هو المحصَّبُ. انتهى . وقال في «العمدة»: الأبطح: هو المكان المعروف، ويقال له: البطحاء، ويقال: إنه إلى منى أقرب، وهو المحصّب، وهو خيف بني كنانة، وزعم بعضهم أنه ذو طُوَى، وليس كذلك، كما نبّه عليه ابن قرقول، وعند النسائيّ: «وهو في قبّة حمراء، في نحو من أربعين رجلًا» . (فِي قُبَّةٍ) بضم القاف، وتشديد الموحّدة، قال الفيّوميّ: الْقُبّة من البنيان معروفةٌ، وتُطلق على البيت المدوّر، وهو معروف عند التُّرْكُمَان والأَكْراد، والجمع قِبَاب، مثلُ بُرْمَة وبِرَام. انتهى. وقال في «العمدة»: قال الجوهريّ: القُبّة من البناء، والجمع قُبَبٌ وقِبَابُ قال: المراد من القبة هنا هي التي تُعْمَل من الجلد، وقد فَسَّر ذلك بكلمة «من» البيانية. انتهى. وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ «قُبّة»، أي كائنة له -ﷺ- (حَمْرَاءَ) صفة بعد صفة، ممنوع من الصرف؛ لألف التأنيث الممدودة (مِنْ أَدَمٍ) قال في «المختار»: الأدَمُ -بفتحتين-: جمع أَدِيمٍ، وقد يُجمع على آدِمة، كرغيف وأَرْغِفة ، وقال في «المصباح»: الأَدِيم: الجلد المدبوغ، والجمع أدم بفتحتين، وبضمّتين أيضًا، وهو القياس، مثلُ بَرِيدٍ وبُرُد . وفي «اللسان»: الأَدِيم الجلدُ ما كان، وقيل: الأحمر، وقيل: هو المدبوغ، وقيل: هو بعد الأَفِيق، وذلك إذا تَمَّ واحْمَرَّ، والأَفِيق هو الجلد الذي لم يَتِمَّ دِباغه، وقيل: هو ما دُبِغ بغير القرظ، قاله ابن الأثير، والأَدَمُ -بفتح الدال- اسم للجمع عند سيبويه، مثلُ أَفِتي وأَفَقٍ، والآدام جمع أَدِيم، كيتيم وأَيتَام، وإن كان هذا في الصفة أكثر، وقد يجوز أن يكون جمع أَدَمٍ. انتهى . (قَالَ) أبو جحيفة -﵁- (فَخَرَجَ بِلَالٌ) هو ابن رَبَاح، وأمّه حمامةُ، مولى أبي بكر الصدّيق -﵁-، الموذّن المعروف، من السابقين الأولين، شهد بدرًا، وما بعدها، ومات بالشام سنة (١٧) أو (١٨) وقيل: (٢٠)، تقدّمت ترجمته مستوفاة في (٢٣/ ٦٤٨). (بِوَضُوئِهِ) وفي نسخة: «بوضوء» بلا إضافة، وهو هنا بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضّأ به، وأما بالضم فالفعل، وقد قيل: هما لغتان فيهما، قاله القرطبيّ -﵀- . وقوله: (فَمِنْ نَائِلٍ) أي آخذ من ذلك الوضوء (وَنَاضِحٍ) أي متمسّح بما أصابه من يد صاحبه، كما فُسّر في الرواية الآتية، وقال النوويّ -﵀-: معناه: فمنهم من ينال منه شيئًا، ومنهم من يَنْضَح عليه غيره شيئًا مما ناله، ويَرُشُّ عليه بَلَلًا مما حَصَلَ له، وهو معنى ما جاء في الحديث الآخر: «فمن لم يُصب أخذ من يد صاحبه». (قَالَ) أبو جُحيفة -﵁- (فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ) وفي نسخة: «وعليه حلّة حمراء»، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. و«الْحُلّة»-بضمّ الحاء المهملة، وتشديد اللام- جمعه: حُلَلٌ، كغُرْفة وغُرَف، قال الفيّوميّ: -﵀-: «الْحُلّة» -بالضمّ- لا تكون إلا ثوبين من جنس واحد. انتهى . وقال في «النهاية»: «الحُلّة»: واحدة الْحُلَل، وهي برود اليمن، ولا تُسمّى حُلّةً إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد. انتهى . وقال في «الدرّ النثير»: قال الخطّابيّ: الحلّة ثوبان: إزار ورداء، ولا تكون حلّة إلا وهي جديدة تُحَلُّ من طَيِّها، فتُلبس. انتهى. وقال في «اللسان»: وقال اليماميّ: الحلّة: كلُّ ثوب جيّد جديد تلبسه، غليظٍ، أو دقيقٍ، ولا يكون إلا ثوبين، وقال ابن شُمَيل: الحلّة: القميص والإزار والرداء، لا تكون أقلّ من هذه الثلاث، وقال شَمِر: الحلّة عند الأعراب: ثلاثة أثواب، وقال ابن الأعرابيّ: يقال للإزار والرداء حُلّة، ولكلّ منهما على انفراده حُلّة، قال الأزهريّ: وأما أبو عبيد، فإنه جعل الحلّة ثوبين، والجمع حُلُل، وحِلالُ، وأنشد ابن الأعرابي [من الرجز]: لَيْسَ الْفَتَى بِالْمُسْمِنِ الْمُخْتَالِ … وَلَا الَّذِي يَرْفُلُ فِي الْحِلَالِ انتهى من «اللسان» باختصار . وقال في «القاموس»: «الْحُلّةُ» بالضمّ: إزار ورداءٌ، بُرْدٌ أو غيره، ولا تكون حُلّةً إلا من ثوبين، أو ثوب له بِطَانة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: المشهور أن الحلّة لا تُطلق إلا على ثوبين، كإزار ورداء، أو ما كان في حكمهما، كالمبطّن، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية أبى داود: «وعليه حُلّة حمراء، برودٌ، يمانيةٌ قِطْريّ». قوله: «برود» جمع بُرْد مرفوعٌ؛ لأنه صفة لـ «حلّة»، وقوله: «يمانية» صفة لـ «برود»، أي منسوبة إلى اليمن، وقوله: «قِطْريّ» بكسر القاف، وسكون الطاء، والأصل قَطَريّ بفتح القاف والطاء؛ لأنه نسبة إلى قَطَر بلد بين عُمان وسِيف البحر، ففي النسبة خَفَّفوها، وكسروا القاف، وسكنوا الطاء، ويقال: القِطْريّ: ضرب من البرود، فيها حمرة، ويقال: ثياب حُمْرٌ لها أعلام، فيها بعض الخشونة، وقيل: حُلَلٌ جِيادٌ، تُحْمل من قِبَل البحرين، وإنما لم يقل: «قِطْرية» مع أن التطابق بين الصفة والموصوف شرط؛ لأنه بكثرة الاستعمال صار كالاسم لذلك النوع من الحلل، ووَصَف الحلة بثلاث صفات: الأولى صفة الذات، وهي قوله: «حمراء»، والثانية صفة الجنس، وهي قوله: «برود»، بَيَّن به أن جنس هذه الحلة الحمراء من البرود اليمانية، والثالثة صفة النوع، وهي قوله: «قِطْريّ»؛ لأن البرود اليمانية أنواع، نوعٌ منها قَطْريّ، بيّنه بقوله: قَطْري. وقيل: إنما لبس النبيّ -ﷺ- الحلة الحمراء في السفر؛ ليتأهب للعدوّ، ويجوز أن يلبس في الغزو ما لا يلبس في غيره. وتُعُقّب بأنه لم يكن في هذا السفر للغزو؛ لأنه كان عقب حجة الوداع، ولم يَبْقَ له غزو إذ ذاك، قاله في «العمدة» . [تنبيه]: ظاهر قوله: «حمراء» يدلّ على أنها كانت حمراء خالصةً، لكن فسرها بعضهم بأنها إنما كانت بُرد مخطّطًا فيه خُطَطٌ حمر، ولم يكن كلّه أحمر، وإلى هذا ميل الحافظ ابن رجب -﵀- في «شرح البخاريّ» . وقوله: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ) -ﷺ-، ذكره تأكيدًا لكلامه، وأنه لم ينس الواقعة حتى إنه الآن ليستحضر نظره إلى بياض ساقه -ﷺ- (قَالَ) أبو جحيفة (فَتَوَضَّأَ) -ﷺ-، قال النوويّ -﵀-: فيه تقديم وتأخير، تقديره: «فتوضّأ، فمن نائل بعد ذلك، وناضح»؛ تبرّكًا بآثاره -ﷺ-، وقد جاء مبيّنًا في الحديث الآخر: «فرأيت الناس يأخذون من فضل وَضُوئه». انتهى. (وَأَذَّنَ بِلَالٌ) -﵁-، أي شرع في الأذان (قَالَ) أبو جحيفة (فَجَعَلْتُ) أي شرعتُ وأخذت (أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا) وقوله: (يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا) بيان للمعنى المشار إليه بقوله: «ها هنا وها هنا» على اللفّ والنشر، فقوله: «يمينًا» يعود إلى «ها هنا» الأول، وقوله: «وشمالًا» يعود إلى «ها هنا» الثاني، ثم أوضح وقت التفاته يمينًا وشمالًا بقوله: (يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) فالتفاته يمينًا عند قوله: «حيّ على الصلاة»، والتفاته شمالًا عند قوله: «حيّ على الفلاح»، وسيأتي تمام البحث في هذا الفوائد -إن شاء اللَّه تعالى-. (قَالَ) أبو جحيفة (ثُمَّ رُكِزَتْ) بالبناء للمفعول، والذي ركزها هو بلال -﵁-، ففي الرواية التالية من طريق عمر بن أبي زائدة، عن عون: «ثم رأيت بلالًا أخرج عَنَزَةً، فركزها» (لَهُ) -ﷺ- (عَنَزَة) -بفتحات- هي: عصًا في أسفلها حديدة (فَتَقدَّمَ) -ﷺ- أمام الناس (فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ) أي لكونه مسافرًا (يَمُرُّ) بالبناء للفاعل (بَيْنَ يَدَيْهِ) -ﷺ-، والمراد وراء تلك العنزة، لا بينه وبينها، كما بيّن في الروايات الآتية، وقوله: (الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ) مرفوع على الفاعليّة، وجملة «يمرّ إلخ» حال من الفاعل، والرابط الضمير في «يديه». وفي رواية عمر بن أبي زائدة: «ورأيت الناس، والدوابّ يمرّون بين يدي الْعَنَزة»، وفي رواية الحكم عن أبي جحيفة: «وكان يمرّ من ورائها المرأة، والحمار»، وفي حديث -﵁- المتقدّم: «ولا يبالي من مرّ وراء ذلك»، وفي لفظ: «ثم لا يضرّه من مَرّ بين يديه». قال النوويّ -﵀-: معناه: يمرّ الحمار والكلب وراء السُّترة، وقُدّامها إلى القبلة، كما بُيِّن في الروايات الآخرى. (لَا يُمْنَعُ) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود إلى المذكور، أي لا يُمنع كلّ من الحمار والكلب عن المرور بين يدي تلك العنزة، والجملة حال من الفاعل. (ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ) الظاهر أنه صلّى العصر في وقته؛ لأن «ثُمّ» تقتضي المهلة، ويَحْتَمِل أنه جمع بين الظهر والعصر (ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ) ظاهر قوله: «ثم لم يزل إلخ» يشعر بأن ما قصّة أبي جحيفة -﵁- هذه كانت بعد خروجه -ﷺ- من مكّة ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي جُحيفة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١٢٤ و١١٢٥ و١١٢٦ و١١٢٧ و١١٢٨] (٥٠٣)، و(البخاريّ) في «الوضوء» (١٨٧) و«الصلاة» (٣٧٦ و٤٩٥ و٤٩٩ و٥٠١) و«الأذان» (٦٣٣ و٦٣٤) و«المناقب» (٣٥٥٣ و٣٥٦٦) و«اللباس» (٥٧٨٦ و٥٨٥٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٦٨٨)، و(النسائيّ) في «القبلة» (٢/ ٧٣)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (١٩٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٦٦ - ٦٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٨٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٣١٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٢٧٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٠٧ و٣٠٨ و٣٠٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٨٤١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٢٦٨ و٢٣٩٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٢/ ٢٤٩ و٢٥٠ و٢٥١ و٢٥٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٧٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٥٣٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٤٠٨ و١٤٠٩ و١٤١٠ و١٤١١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١١٠ و١١١١ و١١١٢ و١١١٣)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٢٠٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة وضع السترة للمصلّي بين يديه، والاكتفاء فيها بمثل غلظ العنزة. ٢ - (ومنها): استحباب حمل العنزة في السفر؛ لهذا الغرض، ونحوه. ٣ - (ومنها): جواز لبس الحلّة الحمراء، وفيه اختلاف بين العلماء، والراجح جوازه، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في «كتاب اللباس والزينة» برقم (٢٠٧٧) -إن شاء اللَّه تعالى-. ٤ - (ومنها): جواز الصلاة في الثوب الأحمر، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك الحنفية، فإنهم قالوا: يكره، وتأوّلوا حديث الباب بأنها كانت حُلّة من بُرُود فيها خطوط حُمْرٌ، ومن أدلتهم ما أخرجه أبو داود، من حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄- قال: مَرّ بالنبي -ﷺ- رجلٌ، وعليه ثوبان أحمران، فسلّم عليه، فلم يرُدّ عليه، وهو حديثٌ ضعيفُ الإسناد، وإن وقع في بعض نسخ الترمذيّ أنه قال: حديث حسنٌ لأن في سنده أبا يحيى القتّات، وهو ضعيف، وعلى تقدير أن يكون مما يُحتجّ به فقد عارضه ما هو أقوى منه، كحديث الباب، وهو واقعة عين، فَيَحْتَمِل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر. وحمله البيهقي على ما صُبغ بعد النسج، وأما ما صبغ غزله، ثم نُسِج فلا كراهية فيه. وقال ابن التين: زعم بعضهم أن لبس النبيّ -ﷺ- لتلك الحلّة كان من أجل الغزو، وفيه نظرٌ؛ لأنه كان عقب حجة الوداع، ولم يكن له إذ ذاك غزو، قاله في «الفتح» . ٥ - (ومنها): جواز الاستعانة بمن يركز له عنزةً، ونحو ذلك. ٦ - (ومنها): بيان طهارة الماء المستعمل إذا كان المراد أنهم كانوا يأخذون ما سال من أعضائه -ﷺ-، وكذلك إن كان المراد أنهم أخذوا ما فضل من وضوئه -ﷺ-؛ لأنه تناوله بيده، وتقاطر فيه غسالة أعضائه، فدلّ على ذلك كلّه، وهذا قول الجمهور، وخالف في ذلك بعض الحنفيّة، فقالوا بنجاسة الماء المستعمل، وهو خلاف الصواب، فهذا الحديث ونحوه من الأحاديث تردّه، واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن قصر الصلاة في السفر أفضل من الإتمام؛ لما يُشعر به هذا الحديث من مواظبة النبيّ -ﷺ- عليه، وأنه يشرع القصر، وإن كان بقرب بلد ما لم ينو الإقامة فيه أربعة أيام فصاعدًا، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-. ٨ - (ومنها): بيان أن الساق ليست بعورة، وأنه يجوز النظر إليها، وهذا مجمع عليه في الرجال. ٩ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة من تعظيم النبيّ -ﷺ-، ومحبّته. ١٠ - (ومنها): مشروعيّة الأذان في السفر، قال النوويّ: قال الشافعيّ -﵀-: ولا أكره من تركه في السفر ما أكره من تركه في الحضر؛ لأن أمر المسافر مبنيّ على التخفيف. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الفرق يحتاج إلى نصّ، فإنه -ﷺ- لم يترك الأذان في السفر، وأمر به المسافر، حيث قال لمالك بن الحويرث وصاحبه لَمّا أرادا السفر: «إذا حضرت الصلاة فأذّنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما»، ولأحمد، وأصحاب السنن: «إذا سافرتما فأذّنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما»، فدلّ على أن الأذان لا يُرخَّص فيه بسبب السفر، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): أنه يُسَنّ للمؤذن الالتفات في الحيعلتين يمينًا وشمالًا برأسه وعنقه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ١٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ: ففيه التبرّك بآثار الصالحين، واستعمال فضل طَهورهم، وطعامهم، وشرابهم، ولباسهم انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «بآثار الصالحين» محلّ نظر؛ لأن هذا لم يُنقل مع غيره -ﷺ-، فإن الصحابة والتابعين يعرفون فضل أبي بكر، والخلفاء الراشدين، بل وفضل أصحاب رسول اللَّه -﵃- كلّهم، ولم يُنقل أن أحدًا منهم تبرّك بوضوئهم، ولا بغير ذلك، فما لم يثبت عنهم لا يسع لمن جاء بعدهم أن يفعله؛ لأنه داخل في محدثات الأمور، وقد صحّ عنه -ﷺ- التحذير عنها فيما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن من حديث العرباض بن سارية -﵁- مرفوعًا في حديث طويل، قال فيه: «فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وأرزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الالتفات في الأذان: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في استدارة المؤذّن، فرخّصت طائفة فيه، فممن رخّص فيه: الحسن البصريّ، والنخعيّ، والثوريّ، والنعمان، وصاحباه، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو ثور. وكرهت طائفة الاستدارة في الأذان، منهم ابن سيرين، ومالك، وقال أحمد: لا يدور إلا أن يكون في منارة يريد أن يُسمع الناس، وكذلك قال إسحاق. انتهى ملخّص كلام ابن المنذر -﵀- . وقال النوويّ: أنه يُسَنّ للمؤذن الالتفات في الحيعلتين يمينًا وشمالًا برأسه وعنقه، قال أصحابنا: ولا يحوّل قدميه وصدره عن القبلة، وإنما يَلْوي رأسه وعنقه، واختلفوا في كيفية التفاته على مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحُّها، وهو قول الجمهور أنه يقول: «حي على الصلاة» مرتين عن يمينه، ثم يقول عن يساره مرتين: «حي على الفلاح». والثاني: يقول عن يمينه: «حي على الصلاة» مرةً، ثم مرةً عن يساره، ثم يقول: «حيّ على الفلاح» مرةً عن يمينه، ثم مرةً عن يساره. والثالث: يقول عن يمينه: «حي على الصلاة» ثم يعود إلى القبلة، ثم يعود إلى الالتفات عن يمينه، فيقول: «حي على الصلاة»، ثم يلتفت عن يساره فيقول: «حي على الفلاح»، ثم يعود إلى القبلة، ويلتفت عن يساره فيقول: «حي على الفلاح». انتهى . وقال في «الفتح» عند شرح قوله: «أتتبّع فاه ها هنا وها هنا» ما نصّه: وهذا فيه تقييد للالتفات في الأذان، وأن محلّه عند الحيعلتين، وبَوّب عليه ابن خزيمة: «انحرافُ المؤذن عند قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، بفمه لا ببدنه كلّه»، قال: وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه، ثم ساق الحديث من طريق وكيع أيضًا، بلفظ: «فجعل يقول في أذانه هكذا، ويُحَرِّف رأسه يمينًا وشمالًا». وفي رواية عبد الرزاق، عن الثوريّ في هذا الحديث زيادتان: إحداهما: الاستدارة، والأخرى: وضع الإصبع في الأذن، ولفظه عند الترمذيّ: رأيت بلالًا يؤذن، ويدور، ويتبع فاه ها هنا وها هنا، وإصبعاه في أذنيه، فأما قوله: «ويدور» فهو مدرج في رواية سفيان، عن عون، بَيَّن ذلك يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عون، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا أذّن، فأتبع فاه ها هنا وها هنا، والتفت يمينًا وشمالًا، قال سفيان: كان حجاج -يعني ابن أرطاة- يذكر لنا عن عون أنه قال: «فاستدار في أذانه»، فلما لَقِينا عونًا لم يذكر فيه الاستدارة، أخرجه الطبرانيّ، وأبو الشيخ، من طريق يحيى بن آدم، وكذا أخرجه البيهقيّ من طريق عبد اللَّه بن الوليد العَدَنيّ، عن سفيان، لكن لم يُسَمِّ حجاجًا، وهو مشهور عن حجاج، أخرجه ابن ماجه، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم من طريقه. ولم ينفرد به، بل وافقه إدريس الأودي، ومحمد الْعَرْزميّ، عن عون، لكن الثلاثة ضعفاء. وقد خالفهم من هو مثلهم، أو أمثل، وهو قيس بن الربيع، فرواه عن عون، فقال في حديثه: «ولم يستدر»، أخرجه أبو داود. ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عَنَى استدارة الرأس، ومن نفاها عَنَى استدارة الجسد كلّه. ومشى ابن بطال ومن تبعه على ظاهره، فاستدلّ به على جواز الاستدارة بالبدن كلّه. وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استدارة المؤذنين للإسماع عند التلفظ بالحيعلتين، واختُلِف هل يستدير ببدنه كلّه، أو بوجهه فقط، وقدماه قارّتان مستقبل القبلة؟. واختُلِف أيضًا هل يستدير في الحيعلتين الأوليين مرة، وفي الثانيتين مرة، أو يقول: حَيّ على الصلاة عن يمينه، ثم حي على الصلاة عن شماله، وكذا في الأخرى؟، قال: ورُجِّح الثاني؛ لأنه يكون لكل جهة نصيب منهما، قال: والأول أقرب إلى لفظ الحديث. انتهى . وفي «المغني» عن أحمد: لا يدور إلا إن كان على منارة، يقصد إسماع أهل الجهتين. [تنبيه]: وأما وضع الإصبعين في الأذنين، فقد رواه مُؤَمَّل أيضًا عن سفيان، أخرجه أبو عوانة، قال الحافظ -﵀-: وله شواهد، ذكرتها في «تغليق التعليق»، من أصحها ما رواه أبو داود، وابن حبان، من طريق أبي سلّام الدمشقيّ، أن عبد اللَّه الْهَوْزنيّ حدّثه، قال: قلت لبلال: كيف كانت نفقة النبيّ -ﷺ-؟ فذكر الحديث، وفيه قال بلال: فجعلت إصبعي في أذني، فأذّنت. ولابن ماجه، والحاكم، من حديث سَعْد القرظ، أن النبيّ -ﷺ- أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وفي إسناده ضعف. قال العلماء: في ذلك فائدتان: إحداهما: أنه قد يكون أرفع لصوته، وفيه حديثٌ ضعيفٌ، أخرجه أبو الشيخ من طريق سعد القرظ عن بلال. ثانيهما: أنه علامة للمؤذن؛ ليعرف مَن رآه على بُعْد، أو كان به صَمَمٌ أنه يؤذن، ومن ثَمّ قال بعضهم: يجعل يده فوق أذنه حسبُ. قال الترمذيّ -﵀-: استَحَبّ أهل العلم أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان، قال: واستحبه الأوزاعيّ في الإقامة أيضًا. [تنبيه آخر]: لم يَرِد تعيين الإصبع التي يُسْتَحب وضعها، وجزم النوويّ أنها المسبحة، وإطلاق الإصبع مجاز عن الأنملة. [تنبيه آخر]: وقع في «المغني» للموفق نسبة حديث أبي جحيفة -﵁- بلفظ: «أن بلالًا أذّن، ووَضَع إصبعيه في أذنيه» إلى تخريج البخاريّ ومسلم، وهو وَهَمٌ، وساق أبو نعيم في «المستخرج» حديث الباب من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الرزاق، عن سفيان، بلفظ عبد الرزاق من غير بيان، فما أجاد؛ لإيهامه أنهما روايتان، وقد عرفت ما في رواية عبد الرزاق من الإدراج، وسلامة رواية عبد الرحمن من ذلك، واللَّه المستعان. انتهى ما في «الفتح»، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، أَنَّ أَبَاهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ، مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخْرَجَ وَضُوءًا، فَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخْرَجَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، فَصَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَنَزَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوق فاضل ربما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (بَهْز) بن أسد العميّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) الْهَمْدانيّ الوادعيّ الكوفيّ، أخو زكريّا، صدوقٌ رُمي بالقدر [٦] (ت بعد ١٥٠) (خ م س) تقدم في «الطهارة» ٢٢/ ٦٣٨. والباقيان ذُكرا في السند الماضي. وقوله: (يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ) أي يتسابقون في أخذه، يقال: بادره مُبادرةً، وبِدارًا، وابتدره، وبَدَرَ غيره إليه: عاجله، وبدره الأمرُ وإليه: عَجِلَ إليه، واستبق، قاله في «القاموس» . وقوله: (فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا) منصوب على الحال، وهو اسم فاعل من التشمير، يقال: شَمّر إزاره تشميرًا: إذا رفعه، أي رافعها إلى أنصاف ساقيه، ونحو ذلك، كما قال في الرواية السابقة: «كأني أنظر إلى بياض ساقيه»، وفيه رفع الثوب عن الكعبين . وقوله: (فَصَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) هما ركعتا الظهر؛ لأنه كان مسافرًا، ففي الرواية السابقة: «فتقدَّم، فصلّى الظهر ركعتين». وقوله: (وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَي الْعَنَزَةِ) فيه تغليب العاقل؛ إذ حقّ «الدوابّ» أن يقول: «تمرّ». [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ لهذا الحديث من طريق شعبة، عن عون بن أبي جحيفة بلفظ: «والمرأة والحمار يمرّون»، قال في «الفتح»: كذا ورد بصيغة الجمع، فكأنه أراد الجنس، ويؤيده رواية: «والناسُ والدواب يمرون»، كما تقدّم، أو فيه حذفٌ، تقديره: وغيرهما، أو المراد الحمار براكبه، وقد تقدم بلفظ: «يمر بين يديه المرأة والحمار»، فالظاهر أن الذي وقع هنا من تصرف الرواة. وقال ابن التين: الصواب «يمرّان»؛ إذ في «يمرون» إطلاق صيغة الجمع على الاثنين. وقال ابن مالك: أعاد ضمير الذكور العقلاء على مؤنث ومذكر غير عاقل، وهو مشكل، والوجه فيه أنه أراد المرأة والحمار وراكبه، فحذف الراكب؛ لدلالة الحمار عليه، ثم غَلَّب تذكير الراكب المفهوم على تأنيث المرأة، وذا العقل على الحمار، وقد وقع الإخبار عن مذكور ومحذوف في قولهم: «راكبُ البعير طليحان» ، أي البعير وراكبه. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أقرب التوجيهات أن يقال: إنه من باب إطلاق ضمير الجمع على الاثنين، وهو واقع في فصيح الكلام، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] الآية، وقد اختُلف في أقلّ الجمع، فقيل: اثنان، وهو مرويّ عن مالك -﵀-، وهو الذي رجحته في «التحفة المرضيّة» في الأصول، والجمهور أنه ثلاثة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِنَحْوِ حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَعُمَرَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: «فَلَمَّا كَانَ بِالْهَاجِرَةِ، خَرَجَ بِلَالٌ، فَنَادَى بِالصَّلَاةِ»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْد) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْن) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٥. ٤ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد اللَّه بن عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود الْهُذليّ المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٥. ٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطّحّان، وربما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] (ت في حدود ٢٥٠) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٦ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيُّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابد [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥٤. ٧ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٨ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٦. والباقيان ذكرا في السند الماضي. وقوله: (قَالَ: (ح» فاعل «قال» ضمير المصنّف -﵀-. وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لأبي عميس، ومالك بن مِغْوَل. وقوله: (يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يعني أن بعض هؤلاء الأربعة: سفيان، وعمر، وأبي عُميس، ومالك بن مِغْوَل زيادة في روايتهم على رواية الآخرين. وقوله: (فَلَمَّا كَانَ بِالْهَاجِرَةِ) الظاهر أن اسم «كان» ضمير يعود على الشأن والأمر المفهوم من السياق، والباء فيه بمعنى «في»، أي فلمّا كان شأن الناس، وأمرهم واقعًا في الهاجرة، أي في نصف النهار. قال ابن الأثير -﵀-: الْهَجِير، والهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النهار، والتهجير، والتهَجُّر، والإهجار: السير في الهاجرة. انتهى . وقال في «القاموس»: والْهَجِير، والهَجِيرةُ، والْهَجْرُ، والهاجرةُ: نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يستكنّون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، وشدّةُ الحرّ. انتهى . وقوله: (فَنَادَى بِالصَّلَاةِ) أي أذّن للصلاة، أو نادى الناس بقوله: «حيّ على الصلاة». [تنبيه]: رواية أبي العُمَيس التي أحالها المصنّف هنا ساقها الحافظ أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٣٨٨) فقال: (١٤١٣) حدّثنا كعب الذراع، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: حدّثني أبي، عن أبي عُمَيس، قال: حدّثني عون، عن أبيه، قال: «أَذّن بلال لرسول اللَّه -ﷺ- وهو بالأبطح، في قبة من شعر، فخرج، فصلى والعنزة بين يديه، والناس والحمير تمر بين يديه، فصلى ركعتين». انتهى. وأما رواية مالك بن مغول، فساقها الإمام البخاريّ -﵀-، في «صحيحه» فقال: (٣٥٦٦) حدّثنا الحسن بن الصباح، حدّثنا محمد بن سابق، حدثنا مالك بن مِغْوَل، قال: سمعت عون بن أبي جُحيفة، ذَكَر عن أبيه، قال: «دُفِعتُ إلى النبيّ -ﷺ-، وهو بالأبطح، في قبة كان بالهاجرة، خَرَج بلال، فنادى بالصلاة، ثم دخل، فأخرج فضل وَضوء رسول اللَّه -ﷺ-، فوقع الناس عليه، يأخذون منه، ثم دخل، فأخرج العَنَزة، وخرج رسول اللَّه -ﷺ- كأني أنظر إلى وَبِيص ساقيه، فرَكَز العنزة، ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين يمر بين يديه الحمار والمرأة». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، قَالَ شُعْبَةُ: وَزَادَ فِيهِ عَوْنٌ، عَنْ أَبِيهِ، أَبِي جُحَيْفَةَ: «وَكَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، لكنّه ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون تقدّموا قبل باب، والصحابيّ في السند الماضي. وقوله: (فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ) قال النوويّ -﵀-: فيه دليلٌ على القصر والجمع في السفر، وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع، وهو نازل في وقت الأولى، أن يقدِّم الثانية إلى الأولى، وأما من كان في وقت الأولى سائرًا، فالأفضل تأخير الأولى إلى وقت الثانية، كذا جاءت الأحاديث، ولأنه أرفق به. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أنه -ﷺ- جمع بين الصلاتين احتمال، وقد سبق أن قوله: «ثمّ صلى العصر» يقتضي أنه صلاها في وقتها؛ لأن «ثُمّ» للمهلة، فيمكن أن تحمل هذه الرواية على تلك. والحاصل أن الأمر محتملٌ، واللَّه تعالى أعلم. وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق، وهو متّفقٌ عليه، وتقدّمت مسائله قبل حديثين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الْحَكَمِ: «فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (ابْنُ مَهْديّ) هو: عبد الرحمن بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) عن (٧٣) سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. والباقون تقدّموا في هذا الباب. وقوله: (بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَهُ) يعني أن شعبة حدّث ابنَ مهديّ، ومن معه بإسناد عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، وإسناد الحكم، عن أبي جحيفة -﵁-. [تنبيه]: أما رواية شعبة، عن الحكم التي فيها الزيادة المذكورة، فساقها الإمام البخاريّ في «صحيحه»، فقال: (١٨٨) حدّثنا آدم، قال: حدّثنا شعبة، قال: حدّثنا الحكم، قال: سمعت أبا جحيفة يقول: «خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- بالهاجرة، فأُتي بوَضوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وَضُوئه، فيتمسحون به، فصلى النبيّ -ﷺ- لظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عَنَزَة». انتهى. وأما رواية شعبة، عن عون، فأخرجها البخاريّ أيضًا، فقال: (٤٩٥) حدّثنا أبو الوليد، قال: حدّثنا شعبة، عن عون بن أبي جُحيفة، قال: «سمعت أبي أن النبيّ -ﷺ- صلى بهم بالبطحاء، وبين يديه عَنَزَة الظهرَ ركعتين، والعصرَ ركعتين، تمر بين يديه المرأة والحمار». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٣٨)

١. «الفتح» ١/ ٦٩٢.

٢. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٣. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٤. وفي نسخة: «بوَضُوء».

٥. وفي نسخة: «وعليه حلّة حمراء».

٦. «شرح النووي» ٤/ ٢١٨.

٧. «الفتح» ١/ ٦٨٣.

٨. «النهاية» ١/ ١٢٤ - ١٢٥.

٩. «المصباح» ١/ ٥١.

١٠. «عمدة القاري» ٤/ ١٤٨.

١١. «مختار الصحاح» (ص ٢٨).

١٢. «المصباح» ١/ ٩.

١٣. «لسان العرب» ١٢/ ١٠.

١٤. «المفهم» ٢/ ١٠٢.

١٥. «المصباح المنير» ١/ ١٤٨.

١٦. «النهاية» ١/ ٤٣٢.

١٧. «لسان العرب» ١١/ ١٧٢.

١٨. «القاموس المحيط» ٣/ ٣٥٩.

١٩. «عمدة القاري» ٤/ ١٤٨ - ١٤٩.

٢٠. راجع: «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٢/ ٤٣٦ - ٤٤١.

٢١. راجع: «الفتح» ١/ ٦٨٤.

٢٢. «الفتح» ٢/ ٥٧٩.

٢٣. «شرح النووي» ٤/ ٢١٩.

٢٤. «الأوسط» ٣/ ٢٦ - ٢٧.

٢٥. «شرح النووي» ٤/ ٢١٩.

٢٦. «إحكام الأحكام» ٢/ ١٧٦ - ١٧٧.

٢٧. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢٨. وفي نسخة: «حدّثني».

٢٩. «القاموس المحيط» ١/ ٣٦٩.

٣٠. «شرح النوويّ» ٤/ ٢٢٠ - ٢٢١.

٣١. وقع في نسخة «الفتح» «طريحان» بالراء، والصواب باللام، ومعناه مهزولان، يقال: بعير طَلِيح: أي مهزول.

٣٢. «الفتح» ١/ ٦٨٦.

٣٣. وفي نسخة: «حدّثنا».

٣٤. «النهاية» ٥/ ٢٤٦.

٣٥. «القاموس المحيط» ٢/ ١٥٨.

٣٦. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٣٧. «شرح النوويّ» ٤/ ٢٢١.

٣٨. وفي نسخة: «حدّثني».