HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥١٥

حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن الصلاة في الثواب الواحد؟ فقال «أو لكلكم ثوبان؟».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص61
ج ١ ص ٣٦٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص٤٥٨
(٥٤) - (بَابُ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَصِفَةِ لُبْسِهِ، وَوُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٥٣] (٥١٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَيِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الصَّلَاَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟ فَقَالَ: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزومي، أبو محمد المدني الفقيه الحجة الثبت، من كبار [٣] (٤٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وبالفقهاء، فكلهم مشهورون بالفقه. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن سعيد. ٥ - (ومنها): أنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، كما ذكره الحاكم أبو عبد اللَّه -﵀- . ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، وسعيد من الفقهاء السبعة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَن سَائِلًا) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على اسمه، لكن ذكر شمس الأئمة السرخسيّ الحنفيّ في كتابه «المبسوط» أن السائل ثوبان. انتهى . (سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟) أي عن حكم الصلاة في الثوب الواحد، وفي رواية ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- الآتية: «نادى رجل النبيّ -ﷺ-، فقال: أيُصلي أحدنا في ثوب واحد؟ فقال: أوَكلّكم يجد ثوبين؟»، وفي رواية أبي داود: «أن رسول اللَّه -ﷺ- سُئل عن الصلاة في ثوب واحد؟» (فَقَالَ) -ﷺ- «(أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟») الواو عاطفة على محذوف، والاستفهام إنكاريّ بمعنى النفي، والتقدير: أأنتم قادرون، ولكلّ منكم ثوبان؟، أي لستم قادرين، وليس لكلّ منكم ثوبان، فهو -ﷺ- يشير إلى جواز الصلاة في الثوب الواحد، فكأنه قال: يكفي أحدكم في الصلاة الثوبُ الواحدُ؛ لأن الثوبين لا يقدر عليهما كلّ أحد. وقال الخطّابيّ في «معالمه»: لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الإخبار ما كان يَعلَمُهُ من حالهم في العُدْم، وضِيق الثياب، يقول: وإذا كنتم بهذه الصفة، وليس لكلّ واحد منكم ثوبان -والصلاة واجبة عليكم- فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة. وقال في «شرح البخاري»: وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، ثم استقصار فهمهم، واستزادة علمهم، كأنه قال: إذا كان ستر العورة واجبًا، والصلاة لازمة، وليس لكلّ واحد منكم ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: معنى الحديث: أن الثوبين لا يقدر عليهما كلّ أحد، فلو وجبا لعجز من لا يقدر عليهما عن الصلاة، وفي ذلك حرجٌ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحج: ٧٨]. وقال الطحاويّ -﵀-: معناه: لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا؛ لأن حكم الصلاة في الثوب الواحد لمن يجد ثوبين كهو في الصلاة لمن لا يجد غيره. انتهى. وتعقّبه الحافظ بأن هذه الملازمة في مقام المنع؛ للفرق بين القادر وغيره، والسؤال إنما كان عن الجواز، لا عن الكراهة. انتهى. وتعقّبه العينيّ على عادته، ولكنه غير مصيب، فتنبّه، واللَّه تعالى المستعان. [تنبيه]: روى ابن حبّان هذا الحديث من طريق الأوزاعيّ، عن الزهريّ، لكن قال في الجواب: «ليتوشّح به، ثم ليصلّ فيه» . قال في «الفتح»: فيَحْتَمِل أن يكونا حديثين، أو حديثًا واحدًا فرّقه الرواة، وهو الأظهر، وكأن البخاريّ: أشار إلى هذا؛ لذكره التوشّح في الترجمة، حيث قال: «باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به»، قال الزهريّ في حديثه: الملتحف: المتوشّح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ١١٥٣ و١١٥٤ و١١٥٥] (٥١٥)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٣٥٨ و٣٦٥)، و(أبو داود) فيها (٦٢٥)، و(النسائيّ) في «القبلة» (٢/ ٦٩ - ٧٠)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٠٤٧)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١٤٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٣٦٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٩٣٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٠ و٢٣٨ و٢٣٩ و٢٨ و٣٤٥ و٤٩٥ و٤٩٨ و٤٩٩ و٥٠١)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١٧٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٧٥٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٢٩٥ و٢٢٩٨ و٢٣٠٣)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (١/ ٣٧٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٤٠ و١١٤١ و١١٤٢)، و(الدارقطنيّ) (١/ ٢٨٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٥١١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الإمام الطحاويّ -﵀-: تواترت الأحاديث، وتتابعت بجواز الصلاة في الثوب الواحد مُتَوَشِّحًا بَه في حال وجود غيره من الثياب، وأخرج في ذلك عن أحد عشر صحابيًّا، وهم: أبو هريرة، وطَلْق بن عليّ، وجابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عمر، وعمر بن أبي سلمة، وسلمة بن الأكوع، وعبد اللَّه بن عباس، وأبي بن كعب، وأبو سعيد الخدريّ، وأنس بن مالك، وأم هانئ -﵃-. ولَمّا أخرج الترمذيّ حديث عُمر بن أبي سلمة في الصلاة في ثوب واحد، قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وجابر، وسلمة بن الأكوع، وأنس، وعمرو بن أبي أسد، وأبي سعيد، وكيسان، وابن عباس، وعائشة، وأم هانئ، وعمار بن ياسر، وطلق بن عليّ، وعبادة بن الصامت -﵃-. قال في «العمدة»: وفي الباب أيضًا عن حذيفة، وعبد اللَّه بن أبي أمية، وعبد اللَّه بن أبي أنيس، وعبد اللَّه بن سَرْجِس، وعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن المغيرة المخزوميّ، وعليّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي أمامة، وأبي عبد الرحمن حاضن عائشة، وأم حبيبة، وأم الفضل، ورجل لم يُسَمَّ. فحديث أبي هريرة عند البخاريّ، وأبي داود، وحديث طلق بن عليّ عند أبي داود، والطحاويّ، وحديث جابر عند الطحاويّ، والبزار، وحديث عبد اللَّه بن عُمر عند الطحاويّ، وحديث عُمر بن أبي سلمة عند الشيخين، وغيرهما، وحديث سلمة بن الأكوع، عند أبي داود، والطحاويّ، وحديث أم هانئ عند الشيخين وغيرهما، وحديث عبد اللَّه بن عباس عند الطحاويّ، وحديث أبي بن كعب عند ابن أبي شيبة، والطحاويّ، وحديث أبي سعيد الخدريّ عند ابن ماجه، والطحاويّ، وحديث أنس بن مالك عند أحمد والطحاويّ، وحديث عمرو بن أبي أسد عند البغويّ في «معجم الصحابة»، والحسن بن سفيان في «مسنده»، وحديث كيسان عند ابن ماجه، وحديث عائشة عند أبي داود، وحديث عمار بن ياسر عند ، وحديث عبادة بن الصامت عند الطبرانيّ في «الكبير»، وحديث حذيفة عند أحمد، وحديث عبد اللَّه بن أبي أمية عند الطبرانيّ في «الكبير»، وحديث عبد اللَّه بن أبي أنيس عند الطبرانيّ أيضًا، وحديث عبد اللَّه بن سَرْجِس عنده أيضًا، وحديث عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن المغيرة عند أحمد، وحديث علي بن أبي طالب عند الطبرانيّ، وحديث معاذ عنده أيضًا، وحديث معاوية عنده أيضًا، وحديث أبي أمامة عنده أيضًا، وحديث عبد الرحمن حاضن عائشة عنده أيضًا في «الأوسط»، وحديث أم حبيبة عند أحمد، وحديث أم الفضل عنده أيضًا، وحديث الرجل الذي لم يُسَمَّ عنده أيضًا. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الصلاة في ثوب واحد، قال النوويّ -﵀-: ولا خلاف في هذا، إلا ما حُكي عن ابن مسعود -﵁- فيه، ولا أعلم صحته، وأجمعوا أن الصلاة في ثوبين أفضل، وأما صلاة النبيّ -ﷺ-، والصحابة -﵃- في ثوب واحد، ففي وقتٍ كان لعَدَم ثوب آخر، وفي وقتٍ كان مع وجوده؛ لبيان الجواز، كما قال جابر -﵁-: ليراني الْجُهّال، والا فالثوبان أفضل، كما سبق. انتهى. ٢ - (ومنها): بيان يُسر الدين، وسهولة الشريعة، حيث سهّلت في جواز الصلاة في ثوب واحد، قال -﷿-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [المائدة: ٦]. ٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من الاهتمام بأمور الدين، فكانوا يسألون النبيّ -ﷺ- عن كل ما أشكل عليهم، فيعلّمهم ويبيّن لهم ما أشكل عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]. ٤ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين العراقيّ -﵀-: استُدِلّ بهذا الحديث على وجوب الصلاة في الثياب؛ لما دل عليه من أن جواز الاقتصار على ثوب واحد رخصة؛ لضيق الحال، فدَلّ على أنه لا يجوز ترك ذلك، والمعتبر في ذلك الثوب أن يكون ساترًا للعورة، بحسب اختلاف العلماء في العورة، وذلك أيضًا يختلفَ بالذكورة، والأنوثة، وحرية المرأة، ورِقِّها، وإذا ثبت وجوب السترة في الصلاة كان دليلًا على أنه شرط فيها؛ لأن الغالب أن ما وجب في الصلاة كان شرطًا فيها، وبهذا قال الجمهور انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم ستر العورة في الصلاة: ذهب الجمهور إلى أن ستر العورة من شروط الصلاة، وعن بعض المالكية: التفرقة بين الذاكر والناسي، ومنهم من أطلق كونه سنةً، لا يُبطل تركها الصلاةَ، واحتج بأنه لو كان شرطًا في الصلاة لاختَصَّ بها، ولافتقر إلى النية، ولكان العاجز العريان ينتقل إلى بدل كالعاجز عن القيام ينتقل إلى القعود. والجواب عن الأول النقض بالإيمان، فهو شرط في الصلاة، ولا يختص بها، وعن الثاني باستقبال القبلة، فإنه لا يفتقر للنية، وعن الثالث على ما فيه بالعاجز عن القراءة، ثم عن التسبيح، فإنه يصلي ساكتًا، قاله في «الفتح» . وقال الحافظ وليّ الدين -﵀- بعد استدلاله بحديث أبي هريرة -﵁- المذكور في الباب على وجوب سترة العورة في الصلاة -﵀- ما نصّه: وإذا ثبت وجوب السترة في الصلاة كان دليلًا على أنه شرط فيها؛ لأن الغالب أن ما وجب في الصلاة كان شرطًا فيها، وبهذا قال الجمهور، قال: وعند المالكية أربعة أقوال: الاشتراط مطلقًا، وهو المشهور، والاشتراط مع الذِّكْر دون النسيان، والوجوب خاصّة، والاستحباب. وحَكَى القاضي أبو بكر ابن العربي في كون ستر العورة من فروض الصلاة أربعة أقوال، بعد أن صَدَّر كلامه بأن ستر العورة فرض إسلاميّ، لا خلاف فيه بين الأمة، قال: واختلف العلماء هل هو من فروض الصلاة؟ على أربعة أقوال: الأول أنه يجب ستر جميع الجسد، حكاه أبو الفرج. الثاني: يكون متزرَ وسطه، كما فعل جابر -﵁-، قاله ابن القاسم، كأنه غطى العورة وحماها، وستر ما اتصل بها. الثالث: يصلي مستور العورة خاصةً، وبه قال الشافعىّ، وأبو حنيفة، وأكثر علماء الأمصار الرابع: أنه لا يجب ستر عورة ولا غيرها، قال بعض شيوخنا: إذا كان في بيته، ولا يراه أحد، وحكاه القاضي أبو محمد وغيره عن القاضي إسماعيل، والأبهريّ، وابن بكير، وجاء نحوه عن أشهب؛ لأنه قال: من صلى عريانأ أعاد في الوقت، قال: والصحيح وجوب ستر العورة في الصلاة، فإنها إذا وجبت خارج الصلاة تأكدت بالصلاة. انتهى. قال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: وفيه نظرٌ، فإنه ذكر أن الأقوال الأربعة في أن ستر العورة من فروض الصلاة أم لا؟ ثم حَكَى القول الأول أنه يجب ستر جميع الجسد، ولا قائل فيما نعلم بأن جميع جسد الرجل عورة، فكان حقه أن يَفْرِض الخلاف فيما يجب ستره في الصلاة لا بقيد كونه عورة، على أن الذي حكاه ابن عبد البر في «الاستذكار» عن أبي الفرج وجوب ستر العورة في الصلاة، لا ستر جميع البدن. انتهى. قال وليّ الدين: وحكى القاضي عياض عن أبي الفرج وجوب ستر جميع الجسد في الصلاة، كما حكاه ابن العربيّ. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من أن ستر العورة في الصلاة واجب لا تصحّ الصلاة إلا به؛ لأحاديث الباب، وغيرها مما هو صريح في الوجوب، وأما القول بعدم الوجوب، أو بوجوب ستر جميع البدن فمن الأقوال الساقطة التي لا تستند إلى دليل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الصلاة في الثوب الواحد: ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين إلى جواز الصلاة في الثوب الواحد. وممن رأى ذلك من أصحاب النبيّ -ﷺ-: عمر بن الخطاب، وأُبيّ بن كعب، وجابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عبّاس، وأنس بن مالك، وخالد بن الوليد، وأبو هريرة -﵃-، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-. وبه قال جماعة من التابعين، وهو قول مالك، ومن تبعه من أهل المدينة، والأوزاعيّ، ومن قال بمثل قوله من أهل الشام، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وأصحاب الحديث، وأهل الرأي من الكوفة. قال ابن المنذر -﵀-: وقد روينا عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: يصلي في ثوبين، وقال نافع: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد، وقال: ألم أكسك ثوبين؟ فقلت: بلى، قال: أرأيت لو أرسلتك إلى فلان أكنت ذاهبًا في هذا الثوب؟ فقلت: لا، قال: اللَّه أحقّ أن تَزَيَّنَ له، أو من تَزَيَّنت له. وثبت عنه أنه قال لنافع: إذا كان واسعًا تتوشّح به، وإذا كان قصيرًا فاتّزر به. ثم أخرج ابن المنذر أثريّ ابن عمر بسنده، ثم قال: وهذا من قول ابن عمر يدلّ على أنه استحبّ الصلاة في ثوبين، لا أنه رأى ذلك واجبًا، لا يجزي عنه، ويُشبه أن يكون مراد ابن مسعود هذا المعنى؛ استحبابًا لأن يصلي في ثوبين، ولو أوجب ابن مسعود الصلاة في ثوبين لكانت السنّة مستغنى بها. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- . وأخرج عبد الرزّاق في «مصنّفه» عن الحسن، قال: اختَلَف أُبَيّ بن كعب وابن مسعود في الرجل يصلي في الثوب الواحد، فقال أُبَيّ: يصلي في الثوب الواحد، وقال ابن مسعود في ثوبين، فبلغ ذلك عمر، فأرسل إليهما، فقال: اختلفتما في أمر، ثم تفرّقتما، فلم يدر الناس بأيّ ذلك يأخذون، لو أتيتما لوجدتما عندي علمًا، القول ما قال أُبَيّ، ولم يأل ابن مسعود. وعن الحسن: أن أُبي بن كعب وعبد اللَّه بن مسعود اختلفا في الصلاة في الثوب الواحد، فقال أُبيّ: لا بأس به، قد صلى النبيّ -ﷺ- في ثوب واحد، فالصلاة فيه جائزة، وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك إذ كان الناس لا يجدون الثياب، وأما إذ وجدوها فالصلاة في ثوبين، فقام عمر على المنبر، فقال: القول ما قال أُبيّ، ولم يأل ابن مسعود . وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنّفه» عن مجاهد قال: لا تُصَلِّ في ثوب واحد إلا أن لا تجد غيره، وأخرج عن ابن مسعود -﵁- قال: لا يُصَلِّيَنَّ في ثوب واحد، وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض، يصلي وهو مُضْطبع، وعن ابن عُلَيّة، عن خالد، قال: رأيت أبا قلابة وعليه جبة، ومِلْحفة غسيلة، وهو يصلي، مُضْطَبِعًا، قد أخرج يده، وعن ابن عَوْن قال: قيل للحسن: إنهم يقولون: يكره أن يصلي الرجل، وقد أخرج يده من تحت نحره، فقال الحسن: لو وكل اللَّه دينه إلى هؤلاء لضيقوا على عباده. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من جواز الصلاة في الثوب الواحد، وما نُقل عن هؤلاء مما يدلّ على أنه يصلي في ثوبين إما محمول على الاستحباب، وإلا فحديث النبيّ -ﷺ- حجة عليهم، كما سبق قول ابن المنذر -﵀-: ولو أوجب ابن مسعود في ثوبين لكانت السنّة مستغنًى بها. لكن الصلاة في ثوبين أفضل إن تيسّر، قال ابن عبد البرّ -﵀-: وفي قوله -ﷺ-. «أوَلكلّكم ثوبان؟» دليلٌ على أن من كان معه ثوبان يتزّر بالواحد، ويلبس الآخر، إنه حسنٌ في الصلاة. انتهى . وأخرج البخاريّ في «صحيحه» عن ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- قال: قام رجل إلى النبيّ -ﷺ-، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: «أو كلكم يجد ثوبين؟». ثم سأل رجل عمر -﵁-، فقال: «إذا وَسّع اللَّه فأوسعوا، جَمَعَ رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقَباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقَميص، في سراويل وقَباء، في تُبّان وقباء، في تُبّان وقميص، قال: وأحسبه قال: في تبان ورداء». انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفي هذا دليلٌ على أن عمر -﵁- يرى أن الصلاة في الثوبين أفضل من الثوب الواحد؛ لأنه إنما جاز لضيق الحال، فإذا وسّع اللَّه على عبده فالأفضل أن يتجمّل بثيابه. والحاصل أن الصلاة في الثوب الواحد مع وجود غيره جائزة، وإنما الأفضل لمن يجد غيره أن يصلي بهما، وأما القول بإيجاب الصلاة في ثوبين، وإن نُقل عن بعض السلف، كما مرّ آنفًا فتردّه الأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا الباب وغيرها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٥٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، وَحَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، صاحب الشافعيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت حافظ عابد فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٥ - (أَبُوهُ) شُعيب بن الليث بن سعد الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٦ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٧ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَحَدَّثَنِي أَبِي) بواو العطف، فيكون معطوفًا على محذوف، أي حدّثني أبي بكذا، وحدّثني إلخ، وفي بعض النسخ: «حدّثني» بحذفها، وهو واضح. وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير ليونس، وعُقيل. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث مالك، عن ابن شهاب الماضي. [تنبيه]: رواية يونس التي أحالها هنا على رواية مالك، ساقها الحافظ أبو نعيم في «مستخرجه» (٢/ ١٢٢) فقال: (١١٤١) حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-: أن رجلًا ناداه، فقال: يا رسول اللَّه، أيصلي الرجل في ثوب واحد؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «أولكلكم ثوبان؟». انتهى. وأما رواية عُقيل، عن ابن شهاب، فساقها الحافظ أبو بكر البيهقيّ في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٣٧) فقال: (٣٠٩٥) وأخبرنا أبو الحسن، علي بن أحمد بن عبدان، أنبأ أبو بكر محمد بن محمويه العسكريّ بالأهواز، ثنا جعفر بن محمد القلانسيّ، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا الليث بن سعد، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رجلًا يسأل رسول اللَّه -ﷺ-: أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: «أولكلكم ثوبان؟».
مصادر المؤلف (١٤)

١. راجع: «تدريب الراوي» ١/ ٨٣.

٢. «الفتح» ١/ ٥٦١.

٣. «الفتح» ١/ ٥٦١.

٤. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٦/ ٧٨ رقم (٢٣٠٣).

٥. «الفتح» ١/ ٥٦١.

٦. هنا بياض في الأصل.

٧. «عمدة القاري» ٤/ ٩٠ - ٩١.

٨. «الفتح» ١/ ٥٥٥ - ٥٥٦.

٩. «طرح التثريب» ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠.

١٠. «الأوسط» ٥/ ٥٣ - ٥٤.

١١. »مصنّف عبد الرزاق«١/ ٣٥٦.

١٢. »مصنف ابن أبي شيبة«١/ ٢٧٩.

١٣. »التمهيد«٦/ ٣٧١.

١٤. وفي نسخة: «حدّثني».