HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥١٦

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص61
ج ١ ص ٣٦٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١١ ص٤٦٩
فكان أبو هريرة -﵁- يقول: إني لأترك ردائي على الْمِشْجَب، وأُصَلِّي مُلْتَحِفًا. قال: أخرجه مسلم في «الصحيح» من حديث الليث بن سعد، دون فعل أبي هريرة -﵁-، ورواه أيضًا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة -﵁-. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٥٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَادَى رَجُلٌ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يصَلِّي أَحَدُنَا فِي ثَوْبِ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: «أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) عن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةُ فقيهٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) بن أبي عمرة الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابد كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٨. والباقون تقدّموا في هذا الباب وفيما قبله، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت في أول أحاديث الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٥٦] (٥١٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٢ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز مولى الأسود بن سفيان، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. والباقون ذُكروا في هذا الباب، وابن عيينة في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن قوله: «قال زهير: حدّثنا سفيان»، إشارة إلى اختلاف صيغ أداء شيوخه، ففي رواية زهير بن حرب صرّح بالتحديث، وذكر شيخه باسمه، بخلاف الآخَرينِ فلم يصرّحا بذلك. ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج. ٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد من أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، فقد روي عن البخاريّ أنه قال: أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁- أبو الزناد، عن الأعرج، عنه . ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ) هكذا»يُصَلِّي«بإثبات الياء في معظم النسخ، وأشار في هامش نسخة محمد ذهني إلى أنه يوجد في بعض النسخ:»لا يُصَلِّ«بحذفها، قال ابن الأثير -﵀-: كذا هو في»الصحيحين«بإثبات الياء، ووجهه أن»لا«نافية، وهو خبر بمعنى النهي . وقال ابن رجب -﵀-: هكذا الرواية«لا يُصلّي»بالياء، فيكون إخبارًا عن الحكم الشرعيّ، أو إخبارًا يُراد به النهي، كما قيل مثله في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]. انتهى . وقال الحافظ -﵀-: ورواه الدارقطنيّ في«غرائب مالك»من طريق الشافعيّ، عن مالك بلفظ:«لا يصل»بغير ياء، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن مالك، بلفظ:«لا يُصَلِّيَنّ»بزيادة نون التأكيد، ورواه الإسماعيليّ من طريق الثوريّ، عن أبي الزناد، بلفظ:«نَهَى رسول اللَّه -ﷺ-». انتهى . (فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) متعلّقٌ بـ«يُصلّي»(لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ«) هكذا في معظم النسخ »عاتقيه« بالتثنية، ووقع في بعضها »عاتقه« بالإفراد، وهو الذي عند النسائيّ، وعند أبي داود: »ليس على منكبيه منه شيءٌ«، و»العاتق« هو ما بين المنكبين إلى أصل العنق، وهو مُذكّر وحُكي تأنيثه. وقوله: «شيءٌ» اسم «ليس» مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور الأول، والثاني صفة لـ «شيء» قُدّم عليه، فيُعرب حالًا؛ لأن نعت النكرة إذا قُدّم عليها يُعرب حالًا، كما في قول الشاعر: لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ فـ «موحِشًا» نعت لـ «طللٌ»، فلما قُدّم عليه نُصب على الحال، وجملة «ليس إلخ» في محلّ نصب على الحال من الثوب. والمراد من الحديث: أنه لا يتّزر بالثوب الواحد في وسطه، ويشدّ طرفي الثوب في حَقْويه، بل يتوشّح بهما على عاتقيه؛ ليحصل الستر لجزء من أعلى البدن، وإن كان ليس بعورة، أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد وردت أحاديث في كيفيّة الصلاة في الثوب الواحد، وهو أن يُخالف بين طرفي الثوب على عاتقيه، وهو التوشّح المذكور فيما أخرجه البخاري، وأبو داود من حديث أبي هريرة -﵁- قال: أشهد أني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «من صلى في ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه»، لفظ البخاريّ، ولفظ أبي داود: «إذا صلى أحدكم في ثوب، فليخالف بطرفيه على عاتقيه». وهذا فيما إذا كان الثوب يتّسع لذلك، وأما إذا كان ضيّقًا، فليُصلّ به متّزِرًا؛ لما أخرجه الشيخان من حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- قال: خرجت مع النبيّ -ﷺ- في بعض أسفاره، فجئت ليلةً لبعض أمري، فوجدته يصلي، وعليّ ثوب واحدٌ، فاشتملت به، وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: «ما السُّرَى يا جابر؟»، فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال: «ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟» قلت: كان ثوبٌ -يعني ضاق- قال: «فإن كان واسعًا فالتَحِف به، وإن كان ضَيِّقًا فاتزر به»، ولفظ مسلم: «إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيّقًا، فاشدُده على حِقْوِك» . وقد أورد المصنّف بعد هذا أحاديث تبيّن الكيفيّة أيضًا، وسنزيد عند شرحها بيانًا وإيضاحًا وشرحًا -إن شاء اللَّه تعالى-. [فائدة]: «العاتق»: ما بين المنكب والعنق، مُذَكّرٌ، وقد أُنِّث، وليس بِثَبَتٍ، وزعموا أن هذا البيت مصنوع، وهو: لَا نَسَبَ الْيَوْمَ وَلَا خُلَّةٌ … اتَّسَعَ الْفَتْقُ عَلَى الرَّاتِقِ لَا صُلْحَ بَيْنِي -فَاعْلَمُوا- وَلَا … بَيْنَكُمْ مَا حَمَلَتْ عَاتِقِي وَلَا سَيْفِي وَمَا كُنَّا بِنَجْدٍ وَمَا … قَرْقَرَ قُمْرُ الْوَادِي بِالشَّاهِقِ قال ابنُ بَرِّيّ: والعاتق مؤنّثةٌ، واستَشْهَدَ بهذه الأبيات، ونَسَبها لأبي عامر جدّ العبّاس بن مِرْداس، وقال: ومن رَوى البيت الأول: اتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ فهو لأنس بن العبّاس بن مِرْداس، وقال اللحيانيّ: هو مذكّرٌ لا غير، وهما عاتقان، والجمع عُتْقٌ، وعُتَقٌ، وعَوَاتِقُ، ذكره في «اللسان» . وقال في «العمدة» بعدما ذكر نحو ما تقدّم ما نصّه: وفي «الموعب»: صَفْح العنق من موضع الرداء من الجانبين جميعًا يقال له: العاتق، وقال أبو حاتم: رَوَى من لا أثق به التأنيث، وسألت بعض الفصحاء، فأنكر التأنيث، وقد أنشدني من لا أثق به بيتًا ليس بمعروف، ولا عن ثقة: «ولا صلح بيني» إلى آخره. وقال ابن التبّاني: قال أبو عبيد: قال الأحمر: العاتق يذكَّر ويؤنَّث، وأنشدنا: «لا صُلْحَ بَيْنِي. . . إلخ»، وقال ابن الأنباريّ، عن الفرّاء مثله، وفي «الجامع»: هو مذكَّرٌ، وبعض العرب يؤنثه، وأنكره بعضهم، وقال: هذا لا يُعْرَف، وأما يعقوب بن السِّكِّيت، فذكره مذكَّرًا ومؤنثًا من غير تردُّد، وتبعه على ذلك جماعة، منهم أبو نصر الجوهريّ، وقد أنشد ابن عصفور في ذكر الأعضاء التي تُذَكَّر وتُؤَنَّث [من الطويل]: وَهَاكَ مِنَ الأَعْضَاءِ مَا قَدْ عَدَدتُهُ … يُؤَنَّثُ أَحْيَانًا وَحِينًا يُذَكَّرُ لِسَانُ الْفَتَى وَالْعُنْقُ وَالإِبْطُ وَالْقَفَا … وَعَاتِقُهُ وَالْمَتْنُ وَالضِّرْسُ يُذْكَرُ وَعِنْدِي ذِرَاعٌ وَالْكُرَاعُ مَعَ الْمِعَا … وَعَجْزُ الْفَتَى ثُمَّ الْقَرِيضُ الْمُحَبَّرُ كَذَا كُلُّ نَحْوِيٍّ حَكَى فِي كِتَابِهِ … سِوَى سِيبَوَيْهِ وَهْوَ فِيهِمْ مُكَبَّرُ يَرَى أَنَّ تَأْنِيثَ الذِّرَاعِ هُوَ الَّذِي … أَتَى وَهْوَ لِلتَّذْكِيرِ فِي ذَاكَ مُنْكِرُ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ١١٥٦] (٥١٦)، (والبخاريّ) في «الصلاة» (٣٥٩ و٣٦٠)، و(أبو داود) فيها (٦٢٦ و٦٢٧)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٧١) وفي «الكبرى» (١/ ٢٧٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٢٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٦٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤٥٦ و٤٥٧ و١٥٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٤٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): النهي لمن صلّى في ثوب واحد أن يُجرّد عاتقيه منه. ٢ - (ومنها): عناية الشام بالتزيّن والتجمّل في الصلاة، قال الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية [الأعراف: ٣١] ما نصّه: ولهذه الآية، وما ورد في معناها من السنّة يُستحبّ التجمُّل عند الصلاة، ولا سيّما يوم الجمعة، ويوم العيد. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قاله العلماء: إن حكمة النهي الوارد في هذا الحديث أنه إذا ائتَزر به، ولم يكن على عاتقه منه شيء، لم يؤمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جَعل بعضه على عاتقه، ولأنه قد يَحتاج إلى إمساكه بيده أو يديه، فيُشْغَل بذلك، وتفوته سنةُ وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت صدره ، ورفعهما حيث شُرع الرفع، وغير ذلك، ولأن فيه ترك ستر أعلى البدن، وموضعِ الزينة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٣١]، ذكره النوويّ -﵀- . وقال ابن دقيق العيد -﵀-: هذا النهي مُعَلَّل بأمرين: أحدهما: أن في ذلك تَعَرِّي أعالي البدن، ومخالفة الزينة المسنونة في الصلاة. والثاني: أن الذي يفعل ذلك إما أن يَشْغَل يده بإمساك الثوب أو لا، فإن لم يَشْغَل خيف سقوط الثوب، وانكشاف العورة، وإن شُغِل كان فيه مفسدتان: إحداهما: أنه يمنعه من الإقبال على صلاته، والاشتغال بها. الثانية: أنه إذا شَغَل يديه في الركوع والسجود، لا يؤمن من سقوط الثوب، وانكشاف العورة. ونُقِل عن بعض العلماء القول بظاهر هذا الحديث، ومَنَعَ الصلاة في السراويل والإزار وحده؛ لأنها صلاة في ثوب واحد، ليس على عاتقه منه شيء، وهذا مخصوص بغير حالة الضرورة، والأشهر عند الفقهاء خلافُ هذا المذهب، وجوازُ الصلاة بما يَسْتُر العورة، وعارضوا هذا بقوله -ﷺ- لجابر -﵁- في الثوب: «وإن كان ضَيِّقًا فاتَّزِر به»، ويُحْمَل هذا النهي على الكراهة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن النهي للتحريم، وأن حديث جابر -﵁- محمول على حالة الضرورة، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في حكم ستر العاتقين في الصلاة: قال النوويّ ما حاصله: ذهب مالكٌ، وأبو حنيفة، والشافعيّ -رحمهم اللَّه تعالى- والجمهور إلى أن هذا النهي للتنزيه، لا للتحريم، فلو صلى في ثوب واحدٍ ساترٍ لعورته، ليس على عاتقه منه شيء صحّت صلاته مع الكراهة، سواءٌ قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا. وقال أحمد، وبعض السلف -رحمهم اللَّه تعالى-: لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه؛ لظاهر الحديث، وعن أحمد بن حنبل -رحمه اللَّه تعالى- رواية أنه تصح صلاته، ولكن يأثم بتركه. وحجة الجمهور قوله -ﷺ- في حديث جابر -﵁-: «فإن كان واسعًا فالْتَحِف به، وإن كان ضَيِّقًا فَأتزر به»، رواه البخاريّ، ورواه مسلم في آخر الكتاب في حديثه الطويل. انتهى كلام النوويّ -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي ترجيح القول بكون النهي للتحريم، فتنبّه. وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: قد أجمع العلماء لمن صلّى في ثوب واحد على استحباب المخالفة بين طرفيه، ووضعهما على عاتقيه، وأنه الأفضل، بل كرهوا للمصلي أن يجرّد عاتقيه في الصلاة، قال النخعيّ: كان الرجل من أصحاب محمد -ﷺ- إذا لم يجد رداء يصلي فيه وضع على عاتقيه عِقالًا، ثم صلى، وقال النخعيّ أيضًا: كانوا يكرهون إعراء المناكب في الصلاة، خرّجهما ابن أبي شيبة في مصنّفه . ولو صلى مكشوف المنكبين، فقال أكثر الفقهاء: لا إعادة عليه، وحُكي روايةً عن أحمد، وقال أبو جعفر محمد بن عليّ: عليه الإعادة؛ لارتكابه النهي، والمشهور من مذهب أحمد أنه إن صلّى الفريضة كذلك أعاد، وفي إعادة النفل عنه روايتان، وقد قيل: إن الشافعيّ نصّ على وجوبه في الصلاة، وحكى بعض المالكيّة عن أبي الفرج من أصحابهم أن ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وفي صحة هذا نظر. ونصّ أحمد على أنه لو ستر أحد منكبيه، وأعرى الآخر صحّت صلاته؛ لأنه لم يرتكب النهي، فإن النهي هو إعراء عاتقيه، ولم يوجد ذلك. انتهى المقصود من كلام ابن رجب -﵀- . وقال الشوكانيّ -﵀-: الحديث يدلّ على المنع من الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتق المصلي منه شيء، وقد حمل الجمهور هذا النهي على التنزيه، وعن أحمد: لا تصح صلاةُ مَن قدر على ذلك فتركه، وعنه أيضًا تصحّ صلاته، ويأثم. وغَفَل الكرمانيّ عن مذهب أحمد، فادَّعى الإجماع على جواز ترك جعل طرف الثوب على العاتق، وجعله صارفًا للنهي عن التحريم إلى الكراهة، وقد نَقَل ابن المنذر عن محمد بن عليّ عدم الجواز، وكلام الترمذيّ يدل على ثبوت الخلاف أيضًا، وعَقَد الطحاويّ له بابًا في «شرح معاني الآثار»، ونَقَل المنع عن ابن عمر، ثم عن طاوس، والنخعيّ، ونقله غيره عن ابن وهب، وابن جرير. وجمع الطحاوي بين الأحاديث بأن الأصل أن يصلي مشتملًا، فإن ضاق اتّزر. ونقل الشيخ تقي الدين السبكيّ وجوب ذلك عن الشافعيّ، واختاره، قال الحافظ: لكن المعروف في كتب الشافعية خلافه. واستَدَلَّ الخطابي على عدم الوجوب بأنه -ﷺ- صلى في ثوب كان أحد طرفيه على بعض نسائه، وهي نائمة، قال: ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأن يتزر به، ويفضل منه ما كان لعاتقه، قال الحافظ: وفيما قاله نظر لا يخفى. قال الشوكانيّ: إذا تقرّر لك عدم صحة الإجماع الذي جعله الكرمانيّ صارفًا للنهي، فالواجب الجزم بمعناه الحقيقيّ، وهو تحريم ترك جعل طرف الثوب الواحد حال الصلاة على العاتق، والجزم بوجوبه، مع المخالفة بين طرفيه لحديث أبي هريرة -﵁- المتقدّم: «إذا صلّى أحدكم في ثوب، فليُخالف بطرفيه على عاتقيه»، حتى ينتهض دليل يصلح للصرف. ولكن هذا في الثوب إذا كان واسعًا جمعًا بين الأحاديث كما صرّح بذلك في حديث جابر -﵁-: «فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيّقًا، فاتّزر به». وقد عَمِل بظاهر الحديث ابن حزم، فقال: وفرضٌ على الرجل إن صلى في ثوب واسع أن يَطْرَح منه على عاتقه أو عاتقيه، فإن لم يفعل بطلت صلاته، فإن كان ضَيِّقًا اتَّزر به، وأجزأه، سواءٌ كان معه ثياب غيره، أو لم يكن، ثم ذَكَرَ ذلك عن نافع مولى ابن عمر، والنخعيّ، وطاوس. انتهى كلام الشوكانيّ ببعض تصرّف.
مصادر المؤلف (١٦)

١. وفي نسخة: «وزهير بن حرب، عن ابن عيينة».

٢. وفي نسخة: «لا يصلّ» بحذف الياء.

٣. وفي نسخة: «على عاتقه» بالإفراد.

٤. راجع شرحي «إسعاف ذوي الوطر على ألفية الأثر» ١/ ٤١ - ٤٢.

٥. «الفتح» ١/ ٥٦١.

٦. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٢/ ٣٦١.

٧. «الفتح» ١/ ٥٦١.

٨. «الفتح» ١/ ٤٧١.

٩. «الْحِقْو» بفتح الحاء وكسرها: موضع شَدّ الإزار، وهو الخاصرة.

١٠. «لسان العرب» ١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨.

١١. «تفسير ابن كثير» ٢/ ٢٩٥.

١٢. هكذا قال النووي: «تحت صدره» لأن مذهبه على هذا، وإلا فالذي صحّ في حديث وائل بن حجر -﵁- أنه على الصدر، وقد استوفينا البحث في هذا في محلّه، وللَّه الحمد والمنّة.

١٣. «شرح النوويّ» ٤/ ٢٣١ - ٢٣٢.

١٤. «إحكام الأحكام» ٢/ ١٤٨ - ١٤٩ بنسخة «العدّة».

١٥. «المصنّف» ١/ ٣٤٩.

١٦. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣.