HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٢٨

وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ. أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أُولَئِكِ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ. أُولَئِكِ شرار الخلق عند الله يوم القيامة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص66
ج ١ ص ٣٧٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص١٢٥
قال الجامع عفا اللَّه عنه: استنباط المالكيّة لما ذهبوا إليه من نظر المصلي أمامه من هذه الآية لا يخفى بعده، بل ما ذهب إليه الجمهور من أنه يستحبّ نظره إلى موضع سجوده أقرب إلى الخشوع، كما لا يخفى على من تأمّله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ النَّهْي عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَاتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِيهَا، وَالنَّهْي عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٨٦] (٥٢٨) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، توفّيت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسل بالتحديث، والإخبار إلا في موضع، ففيه العنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، ويحيى بصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رَمْلة بنت أبي سفيان صَخْر بن حرب بن أمية الأموية، زوج النبيّ -ﷺ- أسلمت قديمًا، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد اللَّه بن جحش، ومات هناك، فتزوجها رسول اللَّه -ﷺ-، وهي هناك سنة ست، وقيل: سنة سبع. رَوَت عن النبيّ -ﷺ-، وعن زينب بنت جحش، وروت عنها ابنتها حبيبة، وأخواها: معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد اللَّه بن أبي سفيان، وابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق، ومولاها سالم بن سَوّار، ومولاها الآخر أبو الجراح، وأبو صالح السّمّان، وعروة بن الزبير، وزينب بنت أم سلمة، وصفية بنت شيبة، وشهر بن حَوْشب، وآخرون. قال أبو عبيد: تُوُفّيت سنة أربع وأربعين، وقال ابن أبي خيثمة، تُوُفّيت قبل معاوية بسنة، يعني سنة تسع وخمسين، وقال ابن حبان، وابن قانع: ماتت سنة اثنتين وأربعين، وقال ابن عبد البر: قيل: اسمها هُبَيْرَةُ. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (١٢) حديثًا بالمكرّر. (وَأمّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين -﵂-، تزوّجها النبيّ -ﷺ- بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً، وماتت سنة (٦١) على الأصحّ، تقدّمت ترجمتها في «شرح المقدمة» ج ٢ ص ٤٧٣. (ذَكَرَتَا كَنِيسَةً) بفتح الكاف، وكسر النون: مُتعبَّد اليهود، وتُطلق على متعبَّد النصارى، وهو المراد هنا، وهو معرّب، كما قاله في «المصباح». وفي رواية أبي معاوية التالية أن تلك الكنيسة تسمى مَارِيَة. (رَأَيْنَهَا) هكذا رواية مسلم: «رأينها» بنون النسوة، والضمير لأم حبيبة، وأم سلمة، ومن معهما، ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ، والكُشميهنيّ، بلفظ: «رأتاها» بضمير التثنية للمؤنّث على الأصل، وكذا هو عند النسائيّ. (بِالْحَبَشَةِ) بفتحتين: البلد المعروف الذي هاجر إليه الصحابة في أول الإسلام، قبل هجرة المدينة، وكانت أم حبيبة، وأم سلمة ممن هاجر إليه (فِيهَا تَصَاوِيرُ) جملة في محل نصب على الحال من «كنيسة»؛ لكونها موصوفة بجملة «رأينها»، أو صفة بعد صفة، والتصاوير: التماثيل، والمراد صُوَر ذوات الأرواح (لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) متعلّق بـ «ذَكَرتا» (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ أُولَئِكِ) بكسر الكاف، ويجوز فتحها، قاله في»الفتح«، و»العمدة«، وقال السنديّ -﵀-: قيل: بكسر الكاف؛ لأن الخطاب للمؤنّث، وقد تُفتح، قال: وكأن الفتح لتوجيه الخطاب إلى كلّ ما يصلح له، لا لتوجيهه إليهما، وأنت خبير بأن مقتضى توجيه الخطاب إليهما أن يقال: أولئكما، لا أولئكِ -بالكسر- وعند الإفراد ينبغي الفتح بتوجيه الخطاب إلى كلّ ما يصلح له، فليُتأمّل. انتهى . (إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ) عطف على«كان»، وقوله: (بَنَوْا) جواب«إذا»(عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا) أي محلّ عبادة (وَصَوَّرُوا فِيهِ) أي في ذلك المسجد (تِلْكَ الصُّوَرَ) وفي رواية البخاريّ والنسائيّ:«تيك الصور»بكسر التاء المثنّاة، وسكون الياء بدل اللام، من«تلك»، وهي لغة فيه (أُولَئِكِ) بكسر الكاف، وتفتح كما سبق آنفًا (شِرَارُ الْخَلْقِ) بكسر الشين المعجمة: جمع شَرّ، كالخيار جمع خَيْرٍ، والبحار جمع بَحْر، وأما الأشرار، فقال يونس: واحدها شَرٌّ أيضًا، وقال الأخفش: شَرِيرٌ، مثلُ يَتِيم وأيتام، أفاده في«العمدة». وإنما كانوا شرار الخلق؛ لأنهم ضمّوا إلى كفرهم الأعمال القبيحة، فهم أقبح الناس عقيدةً وعملًا، قاله السنديّ -﵀-. وقوله: (عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ») متعلّقان بـ «شرار»، وإنما خصّ يوم القيامة؛ لأن الأمور تشتدّ فيه، بخلاف الدنيا، فمن كان أشرّ الناس فيه كان أشدّهم عذابًا، ولأن من كان في الدنيا شريرًا ربّما يوفّق للتوبة، وأما الآخرة فليست إلا دار الجزاء، واللَّه تعالى أعلم. قال القرطبي -﵀-: إنما صَوَّر أوائلهم الصُّوَرَ ليأتنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون اللَّه عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم خَلَف مِن بعدهم خَلْفٌ جَهِلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فعبدوها، فحذَّر النبيّ -ﷺ- عن مثل ذلك، وشدّد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسدّ الذرائع المؤدية إلى ذلك، فقال: «اشتدّ غضب اللَّه على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتّخذوا القبور مساجد»، أي أنهاكم عن ذلك، وقال: «لعن اللَّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد»، وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد». ولهذا بالغ المسلمون في سدّ الذريعة في قبر رسول اللَّه -ﷺ-، فأَعْلَوُا حيطان تربته، وسدُّوا المداخل إليها، وجعلوها مُحدقةً بقبره -ﷺ-، ثم خافوا أن يُتّخذ موضع قبره قبلة؛ إذ كان مستقبل المصلين، فتتصوّر الصلاة إليه بصورة العبادة، فبَنَوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرّفوهما حتى التقيا على زاويةِ مثلَّث من ناحية الشمال، حتى لا يتمكّن أحدٌ من استقبال قبره، ولهذا الذي ذكرناه كلّه قالت عائشة -﵂-: «ولولا ذلك لأُبرز قبره». انتهى كلام القرطبيّ -﵀-. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٨٦ و١١٨٧ و١١٨٨] (٥٢٨)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٣٣٠ و١٣٤١ و١٣٩٠)، و«المغازي» (٣٤٥٣ و٤٤٤١ و٤٤٤٣)، و(النسائيّ) في «المساجد» (٢/ ٤٠)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٥٨٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١٨ و٦/ ٣٤ و١٢١ و٢٥٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٢٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣١٨١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١١٨٩ و١٠١٩ و١١٩١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢/ ١٣١ - ١٣٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٨٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٥٠٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن فعل التصاوير، وإنما نُهِي عنه لئلا يؤدّي إلى اتخاذ القبور والصور آلهةً. ٢ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀-: هذا الحديث يدلّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صُورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كلّ واحد منهما محرَّمٌ على انفراده، فتصوير صور الآدميين محرّم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرَّمٌ، كما دلتّ عليه نصوص أخرى، فإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين مع تصوير صورهم، فلا شكّ في تحريمه، سواء كانت صورًا مجسّدةً كالأصنام، أو على حائط ونحوه، كما يفعله النصارى في كنائسهم. قال: والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظلّ، وكانت أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة، فتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين للتبرّك بها، والاستشفاع بها محرَّمٌ في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبيّ -ﷺ- أن أهله شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة. قال: وتصوير الصور للتأنّس برؤيتها، أو للتنزّه بذلك للتلهّي محرّمٌ، وهو من الكبائر، وفاعله من أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثّلٌ بافعال اللَّه تعالى التي لا يقدر على فعلها غيره، واللَّه تعالى ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. انتهى كلام ابن رجب -﵀- . وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): تحريم تصوير الحيوان خصوصًا الآدميّ، ولا سيّما الرجل الصالح، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا، وقد أطنب ابن دقيق العيد في ردّ ذلك عليه، وأحسن في ذلك، ودونك نصّه: قال -﵀-: وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد بعبادة الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام، وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في هذا التشديد، هذا أو معناه. قال: وهذا عندنا باطل قطعًا؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، فإنهم يقال لهم: «أحيُوا ما خلقتم». وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صُرّح بذلك في قوله -ﷺ-: «المشبّهون بخلق اللَّه»، وهذه علة عامّة مستقلة مناسبة لا تخص زمانًا دون زمان، وليس لنا أن نتصرّف في النصوص المتظاهرة المتظافرة بمعنى خياليّ يمكن أن لا يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره، وهو التشبيه بخلق اللَّه، وقوله -ﷺ-: «بَنَوا على قبره مسجدًا» إشارة إلى المنع من ذلك، وقد صَرَّح به الحديث الآخر: «لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». انتهى كلام ابن دقيق العيد -﵀- . وهو تحقيقٌ نفيسٌ مفيد، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): النهي عن بناء المساجد على القبور، والحقّ أنه للتحريم، كيف وقد ثبت اللعن عليه؟، قال في «العمدة»: وأما الشافعيّ وأصحابه فصرَّحُوا بالكراهة، وقال البندنيجيّ: والمراد أن يُسَوَّى القبر مسجدًا، فيصلى فوقه، وقال: إنه يكره أن يُبنَى عنده مسجد، فيصلى فيه إلى القبر، وأما المقبرة الداثرة إذا بُنِي فيها مسجد ليصلَّى فيه، فلم أر فيه بأسًا؛ لأن المقابر وقف، وكذا المسجد فمعناها واحد. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر النصّ العموم، فلا ينبغي العدول عنه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وقال البيضاويّ: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلةً يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا لعنهم النبيّ -ﷺ-، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم له، ولا للتوجه إليه فلا يدخل في الوعيد المذكور. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي أباحه البيضاويّ هو عين ما جاء النهي عنه، فهل معنى قصد التبرك بالقبر غير معنى التعظيم، وهل دخل على الأولين الشرك والضلال إلا بقصد التبرك بقبور صالحيهم؟ فهذا هو غربة الإسلام، وعدم غيرة العلماء عليه، فيقرّرون للعوام الفساد، ويحبذون لهم الغلوّ في الصالحين. ومن الغريب العجيب أن السيوطيّ، والسنديّ نقلا كلام البيضاويّ هذا في شرحيهما على النسائيّ، وكذا ذكر في «الفتح» نحوه، وكلهم أقرّوه عليه، وهذا هو العجب العجاب من مثل هؤلاء الأكابر، كيف جاز لهم إقرار مثل هذا القول الشنيع، المنابذ للسنة، والمعارض للنصوص الصريحة؟ وهل دخل على اليهود والنصارى هذا الضلال إلا من هذا الباب؟، فإن أول بداية ضلالهم هذا هو التبرّك بقبور أنبيائهم، وصالحيهم، فآل بهم الحال إلى أن عبدوهم، وقد وقع من كثير ممن يدَّعي الإسلام في كثير من بلدان الإسلام اليوم ما وقع منهم حذو النعل بالنغل، فمن يرى حال كثير من الناس فيما يفعلونه عند قبور الصالحين، من أنواع الشرك والضلالات لا يشك أنه عين ما وقع لليهود والنصارى في قبور أنبيائهم، فإنا للَّه، وإنا إليه راجعون. ومن الداهية العظمى سكوت أهل العلم عن بيان ذلك، بل بعضهم يشاركونهم فيه، ويزيّنون لهم قبيح فعلهم، فإلى اللَّه المشتكى. وقد حَكَى لي بعض من أثق به من أهل العلم أنه سافر إلى مصر لطلب العلاج، فزار قبر البدويّ، فرأى رجلًا من علماء البلد، عليه زيّ علماء الأزهر، يسجد أمام ضريح البدويّ، قال: فقلت له: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، أمثلك يفعل هذا؟، وأنت من علماء هذه البلدة، وعليك لباس علماء الأزهر؟، قال: فردّ عليّ بملء فيه، قائلًا: إن السجود للَّه، والبدوي كالكعبة، أو كما قال، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه العزيز الحكيم. ٥ - (ومنها): جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به. ٦ - (ومنها): ذمّ فاعل المحرمات، ولعنهم، وتحذير الناس من أفعالهم. ٧ - (ومنها): أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل. ٨ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد -﵀-: هذا الحديث يدلّ على امتناع اتخاذ قبر الرسول -ﷺ- مسجدًا، ومنه يُفْهَم امتناع الصلاة على قبره، ومن الفقهاء مَن استدلّ بعدم صلاة المسلمين على قبره -ﷺ- على عدم الصلاة على القبر جملةً. وأجيبوا عن ذلك بأن قبر الرسول -ﷺ- مخصوص عن هذا بما فُهِم من هذا الحديث من النهي عن اتخاذ قبره مسجدًا. وبعض الناس أجاز الصلاة على قبر الرسول -ﷺ- كجوازها على قبر غيره عنده، وهو ضعيف؛ لتطابق المسلمين على خلافه، ولإشعار الحديث بالمنع منه. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الصلاة على القبر من لم يُصلّ عليه سنّة، فقد صلّى النبيّ -ﷺ- على القبر، وصلّى أصحابه معه، فقد أخرج الشيخان عن ابن عبّاس -﵄- «أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى على قبر بعدما دُفن، فكبّر عليه أربعًا». وأخرجا أيضًا عن أبي هريرة -﵁- أن امرأة أو رجلًا كانت تَقُمّ المسجد، ولا أراه إلا امرأةً، فذكر حديث النبيّ أنه صلى على قبرها. وأخرج مسلم عن أنس -﵁- «أن النبيّ -ﷺ- صلى على قبر». وأما الصلاة على قبره -ﷺ- فمن المنكرات، فمن أجازه قياسًا على غيره، فقد خالف إجماع المسلمين، كما أشار إليه ابن دقيق العيد -﵀-، فتبصّر. ٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: في هذه الأحاديث ما يَستدلّ به مالك على صحّة القول بسدّ الذرائع على الشافعيّ وغيره من المانعين لذلك، وهي مستوفاة في الأصول. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه المسألة قد أشبعت الكلام فيها في «التحفة المرضيّة»، و«شرحها» في الأصول، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٨٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ، فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ ، كَنِيسَةً، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٣ - (وَكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ عابد، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) عن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (وَأُمُّ حَبِيبَةَ) هكذا في معظم النسخ «وأمّ حبيبة» بواو العطف، ووقع في بعض النسخ «أو أم حبيبة» بـ «أو» بدل الواو، وهو الذي في «مستخرج أبي عوانة» الآتي. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل «ذكر» ضمير وكيع، وضمير «نحوه» للحديث، يعني أن وكيعًا روى عن هشام بن عروة نحو رواية يحيى القطّان السابقة. [تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنّفه» (٢/ ١٥١)، فقال: (٧٥٤٨) حدّثنا وكيع، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنهم تذاكروا عند رسول اللَّه -ﷺ- في مرضه، فذكَرَت أم سلمة، أو أم حبيبة كنيسةً، رأتها في أرض الحبشة، فيها تصاوير، فقال النبيّ -ﷺ-: «أولئك كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروه، أولئك شرار الخلق عند اللَّه». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٨٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ -ﷺ- كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل باب أيضًا. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ -ﷺ-) هكذا «ذكرن» بالنون في معظم النسخ، وفي بعضها: «ذكرت» بالتاء، قال النوويّ -﵀-: والأول أشهر، وهو جائز على لغة «أكلوني البراغيث»، ومنه حديث: «يتعاقبون فيكم ملائكة»، وإليه أشار ابن مالك في «الخلاصة» حيث قال: وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا … لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَـ «فَازَ الشُّهَدَا» وَقَدْ يَقَالُ «سَعِدَا» وَسَعِدُوا«… وَالْفِعْلُ للظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ وقال الحريريّ في«مُلْحته»: وَوَحّدِ الْفِعْلَ مَعَ الْجَمَاعَهْ … كَقَوْلِهِمْ«سَارَ الرِّجَالُ السَّاعَهْ»وَإِنْ تَشَأْ أَلْحِقْ عَلَيْهِ التَّاءَ … نَحْوُ«اشْتَكَتْ عُرَاتُنَا الشِّتَاءَ وقوله: (يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ) بكسر الراء، وتخفيف الياء التحتانيّة. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) كان الظاهر أن يقول: بمثل حديثهما؛ لأن المراد يحيى القطّان، ووكيع، ويمكن أن يجاب عنه بأن أقل الجمع اثنان عند بعضهم، وهو الصحيح.
مصادر المؤلف (٧)

١. «حاشية السندي على النسائي» ٢/ ٤١ - ٤٢.

٢. «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤.

٣. «إحكام الأحكام» ٢/ ١٧١ - ١٧٢.

٤. «إحكام الأحكام» ٢/ ١٧٣.

٥. «المفهم» ٢/ ١٢٩.

٦. وفي نسخة: «أو أم حبيبة».

٧. وفي نسخة: «وحدّثنا».