HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٢٩

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ. غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شيبة: ولولا ذاك. لم يذكر: قالت.
ج ١ ص ٣٧٦

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص١٣٥
والمعنى: أن أبا معاوية حدّث عن هشام بمثل حديث يحيى ووكيع. [تنبيه]: رواية أبي معاوية هذه لم أجد من ساقها تامّة، غير أن إسحاق ابن راهويه قال في «مسنده» (٢/ ٢٦٥) بعد إخراج رواية وكيع ما نصّه: (٧٦٩) أخبرنا أبو معاوية، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنهم تذاكروا، فذكر مثله، وقال: كنيسة يقال لها: مارية، وقال: شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٨٩] (٥٢٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللَّه الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَلَوْلَا ذَاكَ، لَمْ يَذْكُرْ: قَالَتْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قَيْصَر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) عن (٧٣) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٣ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ) أو ابن حميد، أو ابن مِقْلاص، أو ابن عبد اللَّه الْجُهنيّ مولاهم، أبو الجهم، وقيل غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفيّ الوزّان الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في «الصلاة» ٣٩/ ١٠٦٢. والباقون تقدّموا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، كما أسلفته غير مرّة. ٢ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيينِ: عائشة -﵂- وعروة، وبغداديينِ: عمرو، وهاشم، وكوفيينَ، وهم الباقون. ٣ - (ومنها): أن فيه عروة، من الفقهاء السبعة، وعائشة -﵂- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) وفي نسخة: «قالت: قال لي رسول اللَّه -ﷺ- (فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ) أي الذي مات بسببه، ولفظ البخاريّ:»في مرضه الذي مات فيه«، كأنه -ﷺ- علم أنه مرتحلٌ من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره، كما فعل اليهود والنصارى، فعرّض بلعنهم إشارة إلى ذمّ من يَفعَل فعلهم كيلا يُعمل معه ذلك، فقال: (»لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) أي طردهم، وأبعدهم من رحمته، قال الفيّوميّ: لعنه لَعْنًا، من باب نفع: طرده، وأبعده، أو سبّه، فهو لَعِينٌ، وملعونٌ. انتهى . واللعن أمارة الكبيرة المحرّمة أشدّ التحريم، فيكون الفعل الذي أوجب اللعن حرامًا . وقوله: (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ«) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو واقع جوابًا لسؤال مقدّر، والتقدير هنا: ما السبب الموجب للعنهم، فأجاب بقوله:»اتّخذوا. . . إلخ«، زاد في حديث ابن عبّاس، وعائشة -﵃- الآتي:»يُحَذِّر ما صَنَعوا«، وهو أيضًا جواب لسؤال مقدّر من كلام الراوي، كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت، فأجاب بأنه قال ذلك ليُحَذِّر أمته أن يصنعوا بقبره مثل ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائه. [تنبيه]: استُشكل ذكر النصارى في هذا الحديث؛ لأنه ليس لهم نبيّ إلا عيسى -﵇-؛ إذ لا نبيّ بينه وبين نبينا -ﷺ-، وهو حيّ في السماء لم يمت، فليس له قبر. وأُجيب بأن ضمير الجمع في قوله:»أنبيائهم«للمجموع من اليهود والنصارى، فإن اليهود لهم أنبياء، أو المراد الأنبياء وكبار أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيّده حديث جندب -﵁- الآتية آخر الباب، وفيه:»وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد«، ولهذا لَمّا أفرد النصارى في حديث عائشة -﵂- الماضي في قصّة أم حبيبة وأم سلمة -﵄-، قال:»إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجدًا«، ولم يذكر الأنبياء، ولَمّا أفرد اليهود في حديث أبي هريرة -﵁- الآتي قال:»قاتل اللَّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فذكر الأنبياء. قيل: ويَحْتَمل أن يُجاب بأن في النصارى أيضًا أنبياء، لكنهم غير مرسلين، كالحوارين. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ما في هذا الجواب من الضعف، وعندي أن أظهر الأجوبة ما قيل: إن أنبياء اليهود هم أنبياء النصارى؛ لأن النصارى مأمورون بالإيمان بكلّ رسول، فرُسُل بني إسرائيل يُسمَّون أنبياء في حقّ الفريقين، وأن المراد من اتّخاذ القبور أعمّ من أن يكون ابتداعًا، أو اتّباعًا، فإن اليهود ابتدعت اتّخاذ القبور مساجد، والنصارى اتّبعت في ذلك، ولا ريب أن النصارى تعظّم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظّمهم اليهود، وخصّ اليهود في حديث أبي هريرة -﵁- بالذكر؛ لكونهم ابتدعوا هذا الاتخاذ، فهم أظلم ، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَتْ) عائشة -﵂- (فَلَوْلَا ذَاكَ) وفي نسخة: «ولولا ذلك»، وهو الذي عند البخاريّ، أي لولا تحذّير النبيّ -ﷺ- أمته بذكره لعن المتَّخِذين قبور الأنبياء مساجد (أُبْرِزَ قَبْرُهُ) بالبناء للمفعول، أي لكُشف قبر النبيّ -ﷺ-، ولم يُتَّخذ عليه الحائل، والمراد دفنه -ﷺ- خارج بيته، وهذا قالته عائشة -﵂- قبل أن يُوسّع المسجد النبويّ، ولهذا لَمّا وُسِّع المسجد جُعلت حجرتها مثلّثة الشكل محددةً حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر، مع استقبال القبلة، قاله في «الفتح» . (غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ) قال النوويّ -﵀-: ضبطناه بضم الخاء، وفتحها، وهما صحيحان. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: أما على الضمّ فالفعل مبنيّ للمفعول، ونائب فاعله، ضمير النبيّ -ﷺ-، أي أنه -ﷺ- خشي أن يُتّخذ قبره مسجدًا، فحذّر أمته، وأخبرها بأن اليهود والنصارى ملعونون بسبب ذلك. وأما على الفتح فالفعل مبنيّ للفاعل، وفاعله ضمير الصحابة -﵃-، أي إنهم لَمّا حذّرهم النبيّ -ﷺ- خَشُوا أن يُتّخذ قبره مسجدًا، فلم يُبرزوه. وقوله: (أَنْ يُتَّخَذَ) بالبناء للمفعول أيضًا، والضمير لـ «قبره» (مَسْجِدًا) بالنصب على أنه مفعول ثان لـ «يُتّخذ». ووقع في نسخة: «فلولا ذاك لأبرز قبرُهُ، ولكنّه خُشي. . . إلخ». ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «غيرَ أني أَخْشَى»، بضمير المتكلّم، قال في «الفتح»: كذا هنا، وفي رواية أبي عوانة، عن هلال الآتية في أواخر «الجنائز»: «غير أنه خَشِيَ، أو خُشِيَ»، على الشكّ، هل هو بفتح الخاء المعجمة، أو ضمها؛ وفي رواية مسلم: «غير أنه خُشِي» بالضم لا غير. قال: فرواية الباب تقتضي أن عائشة -﵂- هي التي امتَنَعَت من إبرازه، ورواية الضم مبهمة، يمكن أن تُفَسَّر بهذه، والهاء ضمير الشأن، وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك، وذلك يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية الفتح، فإنها تقتضي أن النبيّ -ﷺ- هو الذي أمرهم بذلك. انتهى. (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَلَوْلَا ذَاكَ) أي بالواو بدل الفاء (لَمْ يَذْكُرْ) بالبناء للفاعل، والضمير لشيخه هاشم (قَالَتْ) أي لفظة «قالت»، يعني أن هاشمًا حين حدّث أبا بكر لم يذكُر «قالت» قبل قوله: «ولولا ذاك»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٨٩] (٥٢٩)، (والبخاريّ) في «الصلاة» (١٣٣٠ و١٣٩٠ و٤٤٤١ و٤٤٤٣ و٥٨١٥)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (٢/ ٤٠)، و«الجنائز» (٤/ ٩٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٤ و٨٠ و١٢١ و٢٢٩ و٢٥٥ و٢٧٤ و٢٧٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٢٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١١٨٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٦٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٣٢٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٥٠٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال التُّورِبِشْتِيّ الحنفيّ في «شرح المصابيح»: معنى إنكار النبيّ -ﷺ- على اليهود والنصارى صنيعهم هذا مخرَّجٌ على وجهين: أحدهما: أنهم كانوا يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيمًا لهم. والثاني: أنهم كانوا يتحرَّون الصلاة في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجّه إلى قبورهم حالة الصلاة؛ نظرًا منهم بأن ذلك الصنيع أعظم موقعًا عند اللَّه تعالى؛ لاشتماله على الأمرين: عبادة اللَّه، والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذهابًا إلى أن تلك البقاع أولى بإقامة الصلاة والتوسّل بالعبادة فيها إلى اللَّه تعالى؛ لاختصاصها بقبور الأنبياء، وكلتا الطريقتين غير مرضيّة. أما الأولى: فلأنها من الشرك الجليّ، وأما الثانية: فلأنها متضمّنة معنى الإشراك في عبادة اللَّه تعالى حيث أُتي بها على صفة الإشراك، أو التبعيّة لمخلوق. والدليل على ذمّ الوجهين قوله -ﷺ-: «اللَّهمّ لا تجعلوا قبري وثَنًا يُعبد،
مصادر المؤلف (٩)

١. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢. وفي نسخة: «قالت: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-».

٣. وفي نسخة: «ولولا ذلك».

٤. وفي نسخة: «لأبرز قبره، ولكنه خُشِي».

٥. »المصباح المنير«٢/ ٥٥٤.

٦. »المرعاة«٢/ ٤١٩.

٧. راجع: «مرعاة المفاتيح» ٢/ ٤٢٠.

٨. «الفتح» ٢٣/ ٢٣٨.

٩. «شرح النوويّ» ٥/ ١٢.