HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٣٠

حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ وَمَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ. اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مساجد».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص67
ج ١ ص ٣٧٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص١٤٠
اشتدّ غضب اللَّه على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، والوجه الأول أشبه به. وأما نهي النبيّ -ﷺ- أمته عن الصلاة في المقابر، فإنه لمعنيين: أحدهما: لمشابهة ذلك الفعل سنّة اليهود، وإن كان القصدان مختلفين. والثاني: لما يتضمّنه من الشرك الخفيّ، حيث أُتي في عبادة اللَّه بما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له. قال: والصلاة في المواضع المتبرّك بها من مقابر الصالحين داخلة في جملة هذا النهي، لا سيّما إذا كان الباعث تعظيمَ هؤلاء، وتخصيص تلك المواضع؛ لما أشرنا إليه من الشرك الخفيّ. انتهى كلام التوربشتيّ -﵀-. وهو تحقيقٌ مفيدٌ. وقال صاحب «المرعاة» بعد ذكر كلام التوربشتيّ المذكور ما نصّه: ويدخل. أيضًا في هذا النهي والوعيد اتّخاذ مسجد بجوار نبيّ، أو صالح، والصلاة عند قبره، لا لتعظيمه، ولا بالتوجّه نحوه، بل لحصول مدد منه، ورجاء كمال عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح، وهذا لأن اتّخاذ المسجد بقربه، وقصد التبرّك به تعظيم له، ولأن في هذا الصنيع أيضًا من المفاسد ما لا يخفى، ولأنه لم يأمر النبيّ -ﷺ- أحدًا من أمته بالاستفاضة بقبره، أو بقبر أحد من صلحاء أمته، ولا بالاستمداد منه، ولا بالمجاورة به، ولا التبرّك به، وإنما أمر أمته بالسلام على أهل القبور، والدعاء والاستغفار لهم عند زيارة القبور، وحثّ على الاعتبار بهم، فالاستفاضة بالقبور، والاستمداد منها، والتبرّك بها، ولو كان بدون التوجّه إليها حرام عندنا؛ لكونه داخلًا في الشرك الخفيّ. انتهى كلام صاحب «المرعاة»، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٩٠] (٥٣٠) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني يُونُسُ وَمَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضل [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنة (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. والباقون تقدّموا قبل بابين، غير مالك وهو: ابن أنس إمام دار الهجرة، فتقدّم في الباب الماضي، و«ابن وهب»: هو عبد اللَّه، و«يونس»: هو ابن يزيد الأيليّ. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك، والباقون مصريّون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن ابن المسيّب. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة من المكثرين السبعة، وسعيدًا من الفقهاء السبعة. ٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁- على ما قاله بعضهم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن الأَولى فيه كسر الياء المشدّدة؛ لأنه المنقول عن أهل المدينة، وهم أعلم به، وإنما فتحها أهل الكوفة، وكان هو يكره الفتح، فتنبّه. (أَن أَبا هُرَيْرَةَ) -﵁- (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ) قيل: معناه: لعنهم، كما في الرواية التالية، وقيل: معناه: قَتَلهم وأهلكهم ، وقال في وإنما خَصَّص اليهود ههنا بالذكر، بخلاف ما تقدّم؛ لأنهم أسسوا هذا الاتخاذ، وابتدؤوا به فهم أظلم، أو لأنهم أشدّ غلوًّا فيه. وقد استَشْكَلَ بعضهم ذكر النصارى في الحديث الأول؛ لأنهم ليس لهم نبيّ بين عيسى وبين نبينا -ﷺ- غير عيسى -﵊- وليس له قبر؛ لأنه في السماء. وأجيب عنه بأنه كان فيهم أنبياء أيضًا، لكنهم غير مرسلين، كالحواريين ومريم في قول. قال العينيّ -﵀-: هذا الجواب فيه نظر؛ لأنه جاء في رواية عن عكرمة وقتادة والزهري أن الثلاثة الذين أَتَوْا إلى أنطاكية المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ الآية [يس: ١٤] كانوا رسلًا من اللَّه تعالى، وهم: صادق وصدوق وشلوم، وعن قتادة: إنهم كانوا رسلًا من عيسى -﵇-، فعلى هذا لم يكونوا أنبياء فضلًا عن أن يكونوا رسلًا من اللَّه تعالى. وأما مريم -﵍- فزعم ابن حزم وآخرون أنها نبية، وكذلك سارة أم إسحاق، وأم موسى -﵈- وعند الجمهور كما حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره من أهل السنة والجماعة أن النبوة مختصة بالرجال، وليست في النساء نبية. انتهى . وقال في «الفتح» في «كتاب أحاديث الأنبياء»: واستُدِلّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] على أن مريم كانت نبيةً، ويؤيِّده ذكرها في «سورة مريم» بمثل ما ذُكِر به الأنبياء، ولا يمنع وصفها بأنها صِدّيقة، فإن يوسف وُصِف بذلك مع كونه نبيًّا. وقد نُقِل عن الأشعرىِّ أن في النساء نبيات، وجزم ابن حزم بست: حواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى، وآسية، ومريم، ولم يذكر القرطبيّ سارة، ولا هاجر. ونقله السهيليّ في آخر «الروض» عن أكثر الفقهاء، وقال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيةٌ. وقال عياض: الجمهور على خلافه، وذكر النووي في «الأذكار» عن إمام الحرمين أنه نَقَل الإجماع على أن مريم ليست نبية، ونسبه في «شرح المهذَّب» لجماعة، وجاء عن الحسن البصريّ: ليس في النساء نبيةٌ، ولا في الجنّ، وقال السبكيّ: اختُلِف في هذه المسألة، ولم يصحّ عندي في ذلك شيء. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن التوقّف في هذه المسألة كما قال السبكيّ هو الحقّ؛ ليس عندنا دليل قاطع لأحد القولين، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ») هذه الجملة تقدّم أنها جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا لسؤال مقدّر، فكانه قيل: ما سبب قتال اللَّه تعالى اليهود؟، فأجاب بانهم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ١١٩٠ و١١٩١] (٥٣٠)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٣٧)، و(أبو داود) في «الجنائز» (٣٢٢٧)، و(النسائيّ) فيها (٤/ ٩٥ - ٩٦)، وفي «الكبرى» (٤/ ٢٥٧) رقم (٧٠٩٢)، و(مالك) في «الموطّأ» (٣٢١) برواية محمد بن الحسن، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٨٤ و٢٨٥ و٣٦٦ و٣٩٦ و٤٥٣ و٤٥٤ و٥١٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٣٢٦)، و(البيهقيّ) في
مصادر المؤلف (٥)

١. أخرجه مالك في «الموطأ» مرسلًا برقم (٣٧٦).

٢. وفي نسخة: «حدّثني».

٣. »شرح النوويّ«٥/ ١٢.»العمدة«: قوله:»قاتل اللَّه اليهود» أي قتلهم اللَّه؛ فاعل يجيء بمعنى فعل أيضًا، كقولهم: سافر، وسارع بمعنى سَفَر وسَرَع، ويقال: معناه: لعنهم اللَّه، ويقال: عاداهم اللَّه، ويقال: القتال ههنا عبارة عن الطرد والإبعاد عن الرحمة، فمؤدّاه ومؤدّي اللعنة واحد.

٤. «عمدة القاري» ٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧.

٥. «الفتح» ٧/ ٥٤٦.