HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٣٧

حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ) قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ؛ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ. فَقُلْتُ: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: واثكل أُمِّيَاهْ! مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ. فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ. فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي. لَكِنِّي سَكَتُّ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي! مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ. فَوَاللَّهِ! مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي. قَالَ «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ. إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ. وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ. وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ. قَالَ «فَلَا تَأْتِهِمْ» قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ. قَالَ «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ. فلا يصدنهم (قال ابن المصباح: فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ) قَالَ قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ. قَالَ»كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ. فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ«قَالَ: وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ. فَاطَّلَعْتُ ذات يوم فإذا الذيب [الذئب؟؟] قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا. وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ. آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ. لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ»ائْتِنِي بِهَا«فَأَتَيْتُهُ بِهَا. فَقَالَ لَهَا»أَيْنَ اللَّهُ؟ «قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ»مَنْ أَنَا؟ «قَالَتْ: أَنْتَ رسول الله. قال»أعتقها. فإنها مؤمنة«.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص70
ج ١ ص ٣٨١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, مسند أحمد, موطأ مالك
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٣٣
[٦٧٢] قوله: (وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ) : في هذه الأخبار بيان أن الغيب لا يعلمه أحد إلا الله، والتطير لا يضر ولا ينفع، قال بعض العلماء: النهي عن إتيان الكاهن لأجل أن من يسمع كلام الكاهن يحسب أنه حق، فربما يقع في قلبه تصديقه؛ فيكون قد صدقه على علم استأثر الله به، فلا يأمن الكفر إذا صدقه، وأما الخط؛ فإنهم كانوا يخطون ويتكهنون على ذلك الخط بما لا يعلم؛ هل يصح أم يبطل. وقوله: (كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ)؛ النبي الذي كان يخط؛ إنما كان يخط عن وحي أو إلهام من الله تعالى، وقوله: (فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ)، أي: فمن عَلِم كعلمه: (فَذَاكَ)؛ أي: فليخطَّ، أي: لا يُعطى أحد علم ذلك، لأن علم ذلك بالنبوة، ولا نبوة لغير الأنبياء، وقوله: (ذَلكَ شَيْءٍ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ)؛ أي: يخطر بباله عن غير حقيقة، فلا يمنعنَّه ذلك من المُضِيّ لحاجته. ومن باب الشؤم في الدار والمرأة والفرس [٦٧٣ - ٦٧٤] قوله: (فإن كَانَ فِي شَيءٍ فَفِي الرَّبِعِ، وَالخَادِمِ، وَالفَرَسِ) ؛ قوله: (فإن كَانَ فِي شَيء)؛ وفي رواية ابن عمر ﵁: (إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةِ: الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَس، وَالدَّارِ) ؛ الرَّبع: المنزل، قال صاحب المجمل : الرَّبع: محلة القوم، والمراد بالرَّبع في الحديث: المسكن، وإنما يستحق بقاع الأرض الذم والمدح لأجل سكانها الذين [يعملون] فيها بمرضاة الله، أو بسخط الله، وقيل: الشؤم في الدار ضيقها وأذى جيرانها، وفي المرأة: سلاطتها وتعرضها لما يشينها، وشؤم الدّابة: حرانها وغلاء ثمنها وشؤم الخادم - والمراد به الخادمة -: سوء خلقها؛ وقلة تعهدها لما هو مفوض إليها. ومن باب رجوم الشياطين
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٢٠٢
قال القاضي: وقد رُوِيَ عن جماعة من الصحابة والسلف، أنهم كانوا يفعلونه، قال: وكذا جاء مفسَّرًا عن ابن عباس -﵄-: «من السنة أن تُمِسّ عقبيك أَلْييك»، هذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس -﵄-، وقد ذكرنا أن الشافعيّ على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وله نصٌّ آخر، وهو الأشهر أن السنة فيه الافتراش. وحاصله أنهما سنتان، وأيُّهما أفضل؟ فيه قولان. وأما جِلْسَةُ التشهد الأول، وجِلْسة الاستراحة فسنتهما الافتراش، وجِلْسة التشهد الأخير السنة فيه التورك، هذا مذهب الشافعيّ -﵀-، وقد سبق بيانه مع مذاهب العلماء - رحمهم اللَّه تعالى. انتهى كلام النوويّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصواب في تفسير الإقعاء المذكور في حديث الباب أن يجعل أليتيه على عقبيه، وهما منصوبتان، وهذه الكيفيّة من سنن الصلاة لا كراهة فيها، وأما الإقعاء الذي ورد فيه النهي، فهو أن يُلْصِق أَلْيتيه بالأرض، ويَنصِب ساقيه، ويَضَع يديه على الأرض، كهيئة جلوس الكلب، فهذا تفصيل المسألة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا سْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٤] (٥٣٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَجَّاجٍ الصَوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أنا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي ، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ : «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ»، قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، فَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ -قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ -: فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ»، قَالَ: قُلْتُ وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ»، قَالَ: وَكَانَتْ لِي جَارِيةٌ، تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ، وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا»، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٧. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ مصنّف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ المعروف بابن عُلَيّة، ثقةٌ ثبت حافظ [٨] (ت ١٩٣) عن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٤ - (حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ) هو: حجّاج بن أبي عثمان ميسرة، أو سالم الكنديّ مولاهم، أبو الصَّلْت البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٢/ ٣١٨. ٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) واسمه صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثمّ اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. ٦ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) هو: هلال بن عليّ بن أُسامة، ويقال: هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال، العامريّ مولاهم المدنيّ، وبعضهم نسبه إلى جدّه فقال: ابن أسامة، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وأبي ميمونة المدنيّ. ورَوَى عنه يحيى بن أبي كثير، وزياد بن سعد، ومالك، وفُليح، وسعيد بن أبي هلال، وعبد العزيز بن الماجشون. قال أبو حاتم: شيخٌ يُكْتَب حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال الدارقطنيّ: هلال بن عليّ ثقة، وقال مسلمة في «الصلة»: ثقة قديمٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال الواقديّ: مات في آخر خلافة هشام بن عبد الملك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٥٣٧) وكرره، و(١٠٥٢) و(١٥٦٦). ٧ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت ٩٤) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٨ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ) هو: معاوية بن الحكم بن خالد بن صخر بن الشَّرِيد بن رَبَاح بن يقظة بن عُصيّةَ بن خُفَاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سُلَيم بن منصور السُّلَميّ الصحابيّ -﵁-. رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعنه ابنه كثير، وعطاء بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، قال البخاريّ: له صحبة، يُعدّ في أهل الحجاز، وقال أبو عمر ابن عبد البرّ: كان ينزل المدينة، ويَسْكُن في بني سُلَيم، له عن النبيّ -ﷺ- حديث واحدٌ، في الكِهانة، والطِّيَرة، والخطّ، وتشميت العاطس، وعتق الجارية -يعني حديث الباب- قال: أحسن الناس له سياقة يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء، عنه، ومنهم من يُقَطِّعه، فيجعله أحاديث. قال الحافظ: وله حديث آخر، من طريق ابنه كثير بن معاوية، عنه . انتهى. أخرج له البخاريّ في «جزء القراءة»، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. [تنبيه]: «السُّلَميّ» -بضمّ السين المهملة، وفتح اللام-: نسبة إلى سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس عَيْلان بن مُضَر، وهي قبيلة مشهورة، قاله في «اللباب» . لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في صيغة الأداء، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن قوله: «وتقاربا في اللفظ» فيه إشارة إلى أن شيخيه بينهما اختلاف قليل في لفظ الحديث، ومثله لا يضرّ الإجمال فيه، وقد أشرت إلى هذه القاعدة في قولي: وَلَوْ رَوَى عَنِ الشُّيُوخِ مَا اتَّفَقْ … مَعْنَى حَدِيثِهِمْ وَلَفْظُهُ افْتَرَقْ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ فِي السَّنَدِ … وَيُورِدَ الْمَتْنَ بِلَفْظِ وَاحِدِ مُبَيِّنًا وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أَجْمَلَهْ … بِأَنْ أَشَارَ لِلْمُرَادِ جَازَ لَهْ فَقَالَ قَدْ تَقَارَبُوا فِي اللَّفْظِ أَوْ … وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى فَحَقِّقْ مَا رَأَوْا ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، والصحابيّ، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأخرج له البخاريّ في «جزء القراءة». ٤ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيين، وهم: هلال، وعطاء، ومعاوية، وبصريين، وهم: إسماعيل، وحجاج، ويحيى، فهو بصريّ، يماميّ، وبغداديّ، وهو أبو جعفر، وكوفيّ، وهو: أبو بكر بن أبي شيبة. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: يحيى، عن هلال، عن عطاء، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة. ٦ - (ومنها): أن صحابيه -﵁- من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ) بضمّ، ففتح: نسبة إلى سُليم أحد أجداده، أنه (قَالَ: بَيْنَا) وفي نسخة: «بينما»، وقد تقدّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة (أنا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ عَطَسَ) بفتح أوله وثانيه، يقال: عَطَسَ عَطْسًا، من باب ضَرَبَ، وفي لغة من باب قَتَلَ، والْمَعْطِسُ وزانُ مَجْلِس: الأنف، وعَطَسَ الصبْحُ: أنار، على الاستعارة، قاله الفيّوميّ . (رَجُلٌ) بالرفع على الفاعليّة (مِنَ الْقَوْمِ) متعلّق بصفة لـ «رجل» (فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ) إنما قال له ذلك لأنه -ﷺ- أمره به، ففي رواية أبي داود: «قال: لَمّا قَدِمتُ على رسول اللَّه -ﷺ- عُلِّمْتُ أمورًا من أمور الإسلام، فكان فيما عُلِّمتُ أن قال لي: إذا عَطَست فاحمد اللَّه، وإذا عطس العاطس، فَحَمِدَ اللَّه، فقل: يرحمك اللَّه، قال: فبينما أنا قائم مع رسول اللَّه -ﷺ- في الصلاة، إذ عطس رجل، فَحَمِدَ اللَّه، فقلت: يرحمك اللَّه، رافعًا بها صوتي، فرماني الناس بأبصارهم. . .»، الحديث. (فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ) قال الطيبيّ -﵀-: أي أسرعوا في الالتفات إليّ، ونفوذ البصر فيّ، استُعير من رمي السهم. انتهى . وفي رواية النسائيّ: «فحدّقني القوم بأبصارهم»، من التحديث، وهو شدّة النظر، والمراد أنهم نظروا إليه نظرةً منكرة؛ إنكارًا عليه في تشميته ذلك العاطس في الصلاة، وهو لا يجوز؛ لأنه من كلام الناس، وكلام الناس في الصلاة لا يجوز (فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ) «وا» حرف نُدبة ونداء، والنُّدبة: نداءُ الْمُتَفَجَّع عليه، نحو وازيداه، أو الْمُتَوَجَّع منه، نحو واظهراه. و«الثكل» بضمّ الثاء المثلّثة، وسكون الكاف، وبفتحهما لغتان، كالْبُخْل، والْبَخَلِ، حكاهما الجوهريّ وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها، يقال: ثَكِلتهُ أمه بكسر الكاف، من باب تَعِبَ: فقدته، وأثكله اللَّه تعالى أمّه، وامرأة ثَكْلَى، وثاكل، قاله النوويّ . وقال في «المصباح»: ثَكِلَت المرأة ولدها ثَكَلًا، من باب تَعِبَ: فقدته، والاسم: الثُّكْلُ، وزانُ قُفْلٍ، فهي ثاكلٌ، وقد يقال: ثاكلةٌ، وثَكْلَى، والجمع: ثَوَاكل، وثَكَالَى، وجاء فيها مِثْكَالٌ أيضًا بكسر الميم: أي كثيرة الثُّكْل، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: أثكلها اللَّه ولدَهَا. انتهى . و«ثُكْلَ» منادى مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة، و«أمياه» بضمّ الهمزة، وتشديد الميم، أصله: أُمّي، وهو مضاف إليه «ثُكْلَ»، ومضاف إلى ياء المتكلّم المفتوحة، وزيدت الألف لمدّ الصوت، وأُردف بهاء السكت الساكنة الثابتة في الوقف المحذوفة في الوصل، وإلى هذأ أشار في «الخلاصة» حيث قال: وَمُنْتَهَى الْمَنْدُوبِ صِلْهُ بِالأَلِفْ … مَتْلُوُّهَا إِنْ كَانَ مِثْلَهَا حُذِفْ إلى أن قال: وَوَاقِفًا زِدْ هَاءَ سَكْتٍ إِنْ تُرِدْ … وَإِنْ تَشَا فَالْمَدَّ وَالْهَا لَا تَزِدْ فكأن معاوية -﵁- قال: وافُقْدان أُمّي ولدها -يعني نفسه- وذلك لعلمه بأنه فعل في الصلاة فعلًا منافيًا لها. (مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟) «ما» استفهاميّة مبتدأ خبرها «شأنكم»، وفي رواية النسائيّ: «ما لكم تنظرون إليّ؟» (فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ) وفي رواية النسائيّ: «فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم»، وإنما فعلوا ذلك زيادةً في الإنكار حتى يسكت. قال القرطبيّ -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبيّ -ﷺ- عن التصفيق، والأمر بالتسبيح، ويَحْتَمِلُ أن يقال: إنهم فَهِمُوا أن التصفيق المنهيّ عنه إنما هو ضرب الكفّ على الكفّ، أو الأصابع على الكفّ، ويبعُدُ أن يُسمَّى مَن ضَرَبَ على فخذه، وعليها ثوبه مصفِّقًا، ولهذا قال: «فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم»، ولو كان يسمَّى تصفيقًا لكان الأقرب في اللفظ أن يقول: يُصفّقون، لا غير. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: وفيه دليلٌ على جواز الفعل القليل في الصلاة، وأنه لا تبطل به الصلاة، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة. انتهى . (فَلَمَّا رَأْيتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي) بضمّ أوله، وتشديد الميم، أو تخفيفها، من التصميت، أو الإصمات، قال الفيّومي: صَمَتَ صَمْتًا، من باب قتل: سكت، وصُمُوتًا، وصُمَاتًا، فهو صامت، وأصمته غيره، وربّما استعمل الرباعيّ لازمًا أيضًا. انتهى . وقال المجد: الصَّمْتُ والصُّمُوتُ، والصُّمَاتُ: السكوت، كالإصمات، والتصميت، قال: وأصمته، وصَمّته: أسكته، لازمان متعدّيان. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما ذكر أن المناسب لما هنا التعديّ، من الإصمات، أو التصميت، وهو بنونين الأولى نون الرفع، والثانية نون الوقاية، كما قال في «الخلاصة»: وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ … نُونُ وِقَايَةٍ وَ«لَيْسِي» قَدْ نُظِمْ ويجوز إدغام نون الرفع في نون الوقاية، كقوله تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ و﴿تَأْمُرُونِّي﴾. وفي بعض النسخ: «يُصمتوني» بحذف إحدى النونين، والصحيح أنها نون الرفع، كما هو معروف في محلّه. وقوله: (لَكِنِّي سَكَتُّ) استدراك على محذوف جوابٍ لـ «لَمّا»، أي فلَمّا رأيتهم يصمتونني أردت أن أُخاصمهم، لكني سكتّ عن ذلك. وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «لكني سكت» هكذا في الأصول على ما ذُكر في المتن، ولا بدّ من تقدير جواب «لَمّا»، ومستدرك «لكن»؛ ليستقيم المعنى، فالتقدير: فلما رأيتهم يصمتونني غَضِبتُ وتغيّرتُ، لكني سكت، ولم أعمل بمقتضى الغضب. انتهى . وقال الشوكانيّ -﵀-: قال المنذريّ -﵀-: يريد لم أتكلّم، لكنّي سكتُ، وورود «لكن» هنا مشكلٌ؛ لأنه لا بدّ أن يتقدّمها كلام مناقضٌ لما بعدها، نحو ما هذا ساكتًا، لكنه متحرّك، أو ضدّ له، نحو ما هو أبيض، لكنه أسود. ويَحْتَمل أن يكون التقدير هنا: فلما رأيتهم يصمّتوني لم أكلّمهم، لكني سكتُّ، فيكون الاستدراك لرفع ما تُوُهّم ثبوته، مثلُ ما زيدٌ شُجاعًا، لكنه كريمٌ؛ لأن الشجاعة والكرم لا يكادان يفترقان، فالاستدراك من توهّم نفي كرمه. ويَحْتَمِلُ أن تكون «لكن» هنا للتوكيد، نحو لو جاءني أكرمته، لكنه لم يجئ، فأكّدت «لكن» ما أفادته «لو» من الامتناع، وكذا في الحديث أكّدت «لكن» ما أفاده ضربهم من ترك الكلام. انتهى . (فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي انتهى من صلاته، قال الطيبيّ -﵀-: جواب «لَمّا» قوله: «قال: إن هذه الصلاة. . . إلخ»، وقوله: «فبأبي هو وأمّي» إلى قوله: «قال» معترضٌ بين «لَمّا» وجوابها. انتهى كلام الطيبيّ، وتبعه ابن حجر الهيتميّ، وقال: واعتُرض بينهما بما فيه غاية الالتئام والمناسبة لهما. انتهى. وقال ميرك: الأولى أن يقال: جواب قوله: «فلَمّا صلّى. . . إلخ» محذوف، وهو ما دلّ عليه جملة «فبأبي هو وأمي ما رأيت معلّمًا. . . إلخ»، أي اشتَغَل بتعليمي بالرفق، وحسن الكلام. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأحسن تقدير جواب «لَمّا» بما وقع في الرواية الأخرى، أي «دعاني. . . إلخ»، فقد وقع ذلك فيما أخرجه النسائيّ، ولفظه: «فلما انصرف رسول اللَّه -ﷺ- دعاني بأبي وأمي هو. . . إلخ»، وإنما استحسنت هذا؛ لأن خير ما فُسّر به الوارد بالوارد، ومعنى «انصرف» أي سلّم من صلاته. (فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي) قال الطيبيّ -﵀-: هذه الفاء كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)﴾ [السجدة: ٢٣]، فإنه عطف ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ على ﴿آتَيْنَا﴾، وأوقعها معترضةً بين المعطوف والمعطوف عليه. انتهى. وقوله: «بأبي هو وأمّي» الجارّ والمجرور متعلّق بمحذوف خبرٍ لـ «هو» مقدّمًا عليه، أي هو مفديّ بأبي وأميّ. (مَا) نافية (رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ) بالنصب مفعول ثانٍ لـ «رأيتُ» إن كانت علميّة، أو منصوب على الحال، إن كانت بصريّة، أي ما علمت، أو ما أبصرت قبله -ﷺ-، ولا بعده معلّمًا أحسن منه، وقوله: (تَعْلِيمًا) منصوب على التمييز، أي من حيث التعليمُ (مِنْهُ) متعلّق بـ «أحسن». ثم بيّن حسن تعليمه -ﷺ- بقوله: (فَوَاللَّهِ مَا كهَرَنِي) «ما» نافيةٌ، و«كهر» من باب مَنَعَ، قال أبو عُبيد: الْكَهْرُ: الانتهار، وقيل: الْعُبُوسُ في وجه من يلقاه. انتهى. وقرأ ابن مسعود -﵁-: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ [الضحى: ٩] بالكاف. والمعنى هنا: أنه لم ينتهرني، ولا أغلظ لي القول، ولا استقبلني بوجه عَبُوس على ما فعلتُ من المخالفة في الصلاة. (وَلَا ضَرَبَنَي) تأديبًا على ما أسأت في صلاتي بقولي: يرحمك اللَّه (وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ) -ﷺ-، وهو جواب «فلما صلى. . . إلخ» على ما قاله الطيبيّ، وعلى ما قاله غيره جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنه قيل له: ما الذي قاله لك في تعليمه الحسن؟، فقال: «قال: إن هذه الصلاة. . . إلخ». وفي بعض «النسخ» «ثم قال»، وهو واضح. («إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ) وفي رواية النسائيّ:»إن صلاتنا هذه«، والمراد مطلق الصلاة، فيشمل الفرض والنفل (لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ) وفي رواية:»لا يحلّ«، وقوله:»يصلح«بضمّ اللام وفتحها، يقال: صلح الشيءُ صُلُوحًا، من باب قعد، وصلاحًا أيضًا، وصَلُحَ يَصْلُحُ بضمّ اللام فيهما لغةٌ، وهو خلاف فَسَدَ، وصَلَحَ يَصْلَحُ بفتحتين لغة ثالثة، أفاده الفيّوميّ . وقوله: (مِنْ كَلَامِ النَّاسِ) بيان لـ«شيء»، أي ما يجري في مخاطباتهم ومحاوراتهم. قال الشوكانيّ -﵀-: و«كلام الناس»اسم مصدر يراد به تارةً ما يُتكلَّم به، على أنه مصدر بمعنى المفعول، وتارةً يراد به التكليم للغير، وهو الخطاب، والظاهر أن المراد به ههنا الثاني بشهادة السبب. انتهى . وقال السيوطيّ في«شرح النسائيّ»: هذا من خصائص هذه الشريعة، ذكر القاضي أبو بكر ابن العربيّ: أن شريعة بني إسرائيل كان يباح فيها الكلام في الصلاة دون الصوم، فجاءت شريعتنا بعكس ذلك. وقال ابن بطّال -﵀-: إنما عيب على جُريج عدم إجابته لأمه، وهو في الصلاة؛ لأن الكلام في الصلاة كان مباحًا في شرعهم، وفي شرعنا لا يجوز قطع الصلاة لإجابة الأمّ؛ إذ لا طاعة لمخلوف في معصية الخالق. انتهى . (إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»)«هو»ضمير يعود إلى الشيء الذي يصلح في الصلاة، وهو مبتدأ خبره«التسبيح. . . إلخ»، وفي رواية:«إنما هي التسبيح»، أي الصلاة، وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-)«أو»للشكّ من الراوي، وهو معاوية بن الحكم، أو من دونه، أتى به تحرّيًا واحتياطًا في الألفاظ النبويّة، واللَّه تعالى أعلم. قال النوويّ -﵀-: معنى قوله:«إنما التسبيح. . . إلخ»: هذا ونحوه، فإن التشهد والدعاء والتسليم من الصلاة، وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها، فمعناه: لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ومخاطباتهم، وإنما هي التسبيح، وما في معناه من الذكر والدعاء، وأشباههما مما ورد به الشرع. انتهى. وقال الشوكانيّ -﵀-: قوله:«إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» هذا الحصر يدلّ بمفهومه على منع التكلم في الصلاة بغير الثلاثة، وقد تمسكت به الطائفة القائلة بمنع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن من الحنفية، والهادوية. ويجاب عنهم بأن الأحاديث المثبتة لأدعية، وأذكار مخصوصة في الصلاة، مُخَصِّصة لعموم هذا المفهوم، وبناء العام على الخاص متعين، لا سيما بعدما تقرر أن تحريم الكلام كان بمكة، كما قدمنا، وأكثر الأدعية والأذكار في الصلاة كانت بالمدينة، وقد خصصوا هذا المفهوم بالتشهد، فما وجه امتناعهم من التخصيص بغيره؟ وهذا واضح، لا يلتبس على من له أدنى نظر في العلم، ولكن المتعصِّب أعمى، وكم من حديث صحيح، وسنة صريحة قد نصبوا هذا المفهوم العام في مقابلتها، وجعلوه معارضًا لها، وردّوها به، وغَفَلُوا عن بطلان معارضة العام بالخاص، وعن رجحان المنطوق على المفهوم، إن سَلِمَ التعارض. انتهى كلام الشوكانيّ -﵀-. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. قال معاوية بن الحكم -﵀- (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ) ولفظ أبي داود: «إنا قوم حديثو عهد بجاهليّة»، فقوله: «حديث عهد» خبر «إنّ»، ذكر في «القاموس» من معاني «العهد»: المعرفة، والوقت، فيكون المعنى هنا: قريب الوقت من الأمور الجاهليّة، أو قريب المعرفة بها . وقال في «المصباح»: هو قريب العهد بكذا: أي قريب العلم والحال. انتهى . و«الجاهليّة»: قال العلماء: هي ما قبل ورود الشرع، سُمُّوا جاهليّةً؛ لكثرة جهالاتهم، وفُحشهم . والمراد أنه أسلم قريبًا، ولا يعرف أحكام الدين. (وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ) قال السنديّ -﵀-: عطف على مقدّر، أي كنّا فيها، فجاء اللَّه بالإسلام. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا حاجة إلى هذا التقدير، فإن الكلام مستقيم لا يحتاج إلى تقدير شيء، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. وإنما ذكر معاوية -﵁- هذا الكلام تمهيدًا للأسئلة التالية. (وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ) بضم الكاف، وتشديد الهاء: جمع كاهن، يقال: كَهَنَ له، كمنع، ونصر، وكَرُم كَهَانةً بالفتح، وتكهّن تكهّنًا: قَضَى له بالغيب، فهو كاهن، وجمعه كَهَنَةٌ، وكُهّانٌ، ككافر وكَفَرَة، وكُفّار، وحرفته الكِهانة بالكسر، أفاده في «القاموس» . وقال القرطبيّ -﵀-: «الكُهّان» جمع كاهنٍ، ككاتب وكُتّاب، والكاهن: الذي يتعاطى علم ما غاب عنه، وكانت الْكِهانة في الجاهليّة في كثير من الناس شائعةً فاشيةً، وكان أهل الجاهليّة يترافعون إلى الكهّان في وقائعهم وأحكامهم، ويرجعون إلى أقوالهم، كما فَعَل عبد المطّلب حيث أراد ذبح ابنه عبد اللَّه في نذر كان نذره، فمنعته عشيرته من ذلك، وسَرَى أمرهم حتى ترافعوا إلى كاهن معروف عندهم، فحكم بينهم بأن يَفْدُوه بمائة من الإبل على ترتيب ذُكِر في السيرة، وإنما كان الكاهن يتمكّن من التكهّن بواسطة تابعه من الجنّ، وذلك أن الجنّيّ كان يسترق السمع، فيَخطَف الكلمة من الملائكة، فيُخبر بها وليّه، فيتحدّث بها، ويزيد معها مائة كذبة، كما قال رسول اللَّه -ﷺ-، فلما بعث اللَّه رسوله -ﷺ- أُرسلت الشُّهُب على الجنّ، فلم يتمكّنوا مما كانوا يتمكّنون منه قبل ذلك، فانقطعت الْكِهانة؛ لئلا يجُرّ ذلك إلى تغيير الشرع، ولبس الحقّ بالباطل، لكنها وإن كانت قد انقطعت فقد بقي في الوجود قوم يتشبّهون بأولئك الْكُهّان، فنهى رسول اللَّه -ﷺ- عن اتّباعهم؛ لأنهم كَذَبَةٌ مُمَخرِقُون مبطلون ضالّون مضلّون، فيحرُم إتيانهم، والسماع منهم، وقد كثُر هذا النوع في كثير من نساء الأندلس، وكثير من رجال غير الأندلس، فليُحْذَر الأتيان إليهم، والسماع منهم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . وقال الخطابيّ -﵀-: كان في العرب كَهَنَةٌ يَدَّعُون أنهم يَعرِفون كثيرًا من الأمور، فمنهم مَن يزعُم أن له رَئِيًّا من الجنّ، يُلقي إليه الأخبار، ومنهم مَن يَدَّعي استدراك ذلك بفهم أُعطيه، ومنهم من يُسَمَّى عَرّافًا، وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدَّمات أسباب، يستدل بها لمعرفة مَن سَرَقَ الشيء الفلانيّ، ومعرفة مَن يُتَّهَم به المرأة، ونحو ذلك، ومنهم من يُسمّي المنجِّم كاهنًا، قال: والحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلّهم، والرجوع إلى قولهم، وتصديقهم فيما يدَّعونه. انتهى. (قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ») أي الكُهّان، والنهي للتحريم، قال النوويّ -﵀-: قال العلماء: إنما نُهِيَ عن إتيان الكُهّان لأنهم قد يتكلمون في مُغَيَّبات قد يُصادف بعضها الإصابة، فيُخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم يُلَبِّسُون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهّان، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يُعْطَون من الْحُلْوان، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة، منهم أبو محمد البغويّ -رحمهم اللَّه تعالى-. قال البغويّ: اتَّفَقَ أهل العلم على تحريم حُلْوان الكاهن، وهو ما أَخذه المتكهِّن على كَهانته؛ لأن فعل الكِهانة باطل، لا يجوز أخذ الأجرة عليه. وقال الماورديّ في «الأحكام السلطانية»: ويَمْنَعُ المحتَسِب الناس من التكسب بالكهانة، واللهو، ويؤدِّب عليه الآخذ والمعطي. وقال الخطابيّ -﵀-: حُلْوان الكاهن ما يأخذه المتكهِّن على كِهانته، وهو محرَّم، وفعله باطل، قال: وحُلْوان العرّاف حرام أيضًا، قال: والفرق بين العرّاف والكاهن، أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدَّعِي معرفة الأسرار، والعراف يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ونحوهما. انتهى . (قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ) أي يتشاءمون بالطيور، يقال: تطيّر من الشيء، واطّيّر منه، والاسم الطِّيَرة، وزانُ عِنَبَة، وهي التشاؤم، وكانت العرب إذا أرادت المضيّ لمهمّ مرّت بمجاثم الطير وأثارتها؛ لتستفيد هل تمضي، أو ترجع؟ فنَهَى الشرع عن ذلك، قاله الفيّوميّ -﵀- . وقال ابن الأثير -﵀-: «الطِّيَرَة» -بكسر الطاء، وفتح الياء، وقد تسكن-: هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تَطَيَّر، يقال تَطَيَّرَ طِيَرَة، وتَخَيَّرَ خِيَرَةً، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما. وأصل التطيُّر: التفاؤل بالطير، واستُعمل لكلّ ما يُتفاءل به، ويُتشاءم، وكانت العرب تتطيَّر بالطيور والظباء، فيستبشرون بالسَّوَانح، وهي أن يَمُرّ الطير والصيد من اليسار إلى اليمين، ويتشاءمون بالْبَوَارح، وهي مرور الطير والصيد من اليمين إلى اليسار، وكان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع، وأبطله، ونَهَى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع، أو دفع ضر. انتهى بتصرف . (قَالَ) النبيّ -ﷺ- جوابًا عن سؤاله هذا: («ذَاكَ) إشارة إلى التطيّر المفهوم من»يتطيّرون«(شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ) أي ليس له أصلٌ يُستنَد إليه، ولا له بُرهان يُعتمَد عليه، ولا هو في كتاب منزل من عند اللَّه تعالى، وقيل: معناه: أنه معفُوّ عنه؛ لأنه يوجد في النفس بلا اختيار، نَعَم المشي على وفقه منهيّ عنه، فلذا قال: (فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ») أي لا يمنعنّهم عما هم فيه. قال القرطبيّ -﵀-: معنى ذلك أن الإنسان بحكم العادة يجد في نفسه نفرةً وكراهةً مما يُتطيَّر به، فينبغي له أن لا يلتفت إلى تلك النفرة، ولا لتلك والكراهة، ويمضي لوجهه الذي خرج إليه، فإن تلك الطيرة لا تضرّ، وإن لم تضرّ فلا تصدّ الإنسان عن حاجته، وأشار به إلى أن الأمور كلّها بيد اللَّه تعالى، فينبغي أن يُعوَّل عليه، وتُفَوَّضَ جميع الحوائج إليه، ويُفهَم منه أن هذا الوجدان لتك النفرة لا يُلام واجدها عليها شرعًا؛ لأنه لا يقدر على الانفكاك عنها، وإنما يلام الإنسان، أو يُمدَح على ما كان داخلًا تحت استطاعته. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قال العلماء: معناه أن الطِّيَرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورةً، ولا عَتْبَ عليكم في ذلك، فإنه غير مُكْتَسَبٍ لكم، فلا تكليف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه عن التصرف في أموركم، فهذا هو الذي تقدرون عليه، وهو مكتسب لكم، فيقع به التكليف، فنهاهم -ﷺ- عن العمل بالطيرة، والامتناع عن تصرفاتهم بسببها. قال: وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التّطَيُّر والطِّيَرَة، وهو محمول على العمل بها، لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم. انتهى. (قَالَ) وفي نسخة: «وقال» (ابْنُ الصَّبَّاحِ) هو: محمد بن الصبّاح شيخه الأول (فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ) يعني بكاف الخطاب بدل قول أبي بكر بن أبي شيبة: «فلا يصدّنّهم» بضمير الغائبين، وهذا من احتياط المصنّف -﵀-، وشدّة ورعه في المحافظة على أداء ما سمعه كما سمعه، وإن لم يختلف به المعنى، فللَّه درّه، ما أحسن صنيعه -﵀-. (قَالَ) معاوية بن الحكم -﵁- (قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ) أي يستعملون خطًّا معروفًا عندهم يدّعون به التوصّل إلى معرفة النجاح والخيبة في قضاء الحاجة. قال في «اللسان»: الخط: الكتابة ونحوها مما يُخَطّ، ورَوَى أبو العباس عن ابن الأعرابيّ أنه قال في الطَّرْق . وقال في «النهاية»: قال ابن عباس -﵄-: «الخط»: هو الذي يَخُطُّه الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي، فيُعطيه حُلْوانًا، فيقول له: اقعُد حتى أَخُطّ لك، وبين يدي الحازي غلام له، معه مِيلٌ له، ثم يأتي إلى أرض رِخْوَة، فيخط الأستاذ خطوطًا كثيرة بالعجلة؛ لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مَهَلٍ خطين خطين، فإن بقي من الخطوط خطان، فهما علامة قضاء الحاجة والنُّجْح، قال: والحازي يمحو، وغلامه يقول للتفاؤل: ابْنَيْ عِيَان أَسْرِعَا البيان، قال ابن عباس: فإذا محا الحازي الخطوط، فبقي منها خط واحد، فهي علامة الخيبة في قضاء الحاجة. قال: وكانت العرب تُسَمِّي ذلك الخط الذي يبقى من خطوط الحازي: الأَسْحَم، وكان هذا الخط عندهم مشؤومًا. وقال الحربيّ: الخط هو أن يَخُطّ ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهنّ بشعير، أو نَوًى، وبقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكِهانة. قال ابن الأثير: الخط المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف كثيرةٌ، وهو معمول به إلى الَان، ولهم فيه أوضاع، واصطلاحٌ، وأسامٍ، ويستخرجون به الضمير وغيره، وكثيرًا ما يصيبون فيه. انتهى . (قالَ) -ﷺ- («كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ) قيل: المراد به إدريس، وقيل: دانيال (يَخُطُّ) بالبناء للفاعل، من باب نصر، أي يستعمل الخطّ معجزةً له (فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ) يَحْتمل الرفع على الفاعليّة، والمفعول محذوفٌ، والنصب على المفعوليّة، والفاعل الضمير المستتر في»وافق«يعود إلى النبيّ على حذف مضاف، أي خطّ ذلك النبيّ، يعني أن من وافق من الناس خطُّهُ خطّ ذلك النبيّ (فَذَاكَ») خبر مبتدأ محذوف، واختُلف في تقديره، فقيل: فذاك مباحٌ، وقيل: فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول، والجملة جواب الشرط. وقال في «المنهل»: قوله: «فذاك» أي فهو مُصيبٌ، وعالمٌ مثل ذلك النبيّ، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقينيّ بالموافقة، وامتَنَعت الموافقة؛ لأن خطّه كان معجزةً، ولأنه كان يَعرِف بالفراسة بواسطة تلك الخطوط، فلا يُلْحَق به أحدٌ من غير الأنبياء في صفة ذلك الخطّ؛ لقوّة فراسته، وكمال علمه وورعه. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: اختَلَفَ العلماءُ في معناه، فالصحيح أن معناه: من وافق خطُّهُ فهو مباح، ولا طريق لنا إلى العلم اليقينيّ بالموافقة، فلا يباح، والمقصود أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها. وإنما قال النبيّ -ﷺ-: «فمَن وافق خطه فذاك»، ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافقة؛ لئلا يَتَوهَّم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبيّ الذي كان يَخُط، فحافظ النبيّ -ﷺ- على حرمة ذاك النبيّ، مع بيان الحكم في حقنا. فالمعنى أن ذلك النبيّ لا منع في حقّه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها. وقال الخطابيّ: هذا الحديث يَحْتَمِل النهي عن هذا الخطّ؛ إذ كان عَلَمًا لنبوة ذاك النبيّ، وقد انقطعت، فنُهِينا عن تعاطي ذلك. قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خطّ من يوافق خطّه، لكن من أين نعلم الموافقة؟ والشرع منع من التخرُّص، وادّعاء الغيب جملةً، وإنما معناه: أن من وافق خطُّه فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم، وعليه يدلّ ظاهر قول ابن عبّاس، قال: ويَحْتَمُل أن هذا نُسِخَ في شرعنا. انتهى كلام القاضي . قال النوويّ بعدما تقدّم: فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن . وقال القرطبيّ: حَكَى مكيّ في «تفسيره» أنه رُوي أن هذا النبيّ كان يخطّ بأصبعه السبابة والوسطى في الرمل، ثم يزجر. انتهى . (قَالَ) معاوية -﵁- (وَكَانَتْ لِي جَارِيةٌ) أي أمة، سُمّيت جاريةً؛ تشبيهًا لها بالسفينة الجارية في البحر؛ لجريها مُسخَّرةً في أشغال مواليها، والأصل فيها الشابّة؛ لخفّتها، ثم توسّعوا حتى سَمَّوا كلَّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزًا لا تقدر على السعي؛ تسميةً بما كانت عليه، وجمعها جواري، أفاده الفيّوميّ . (تَرْعَى غَنَمًا لِي) «الغنم»: اسم جنس يُطلق على الضأن والمعز، وقد يُجمع على أغنام على معنى قُطْعَانات من الغنم، ولا واحد له من لفظه، قاله ابن الأنباريّ، وقال الأزهريّ أيضًا: الغنم: الشاة، الواحدة: شاةٌ، وتقول العرب: راح على فلان غَنَمان، أي قَطِيعان من الغنم، كلُ قطيع منفرد بمرعًى وراعٍ، وقال الجوهريّ: الغنم اسم مؤنّثٌ موضوع لجنس الشاء، يقع على الذكور والإناث، وعليهما، ويُصَغَّر، فتدخل الهاء، فيقال: غُنيمة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، وصُغِّرت، فالتأنيث لازم لها. انتهى . (قِبَلَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: أي جهةَ (أُحُدٍ) بضمّتين: الجبل المعروف بقرب المدينة النبويّة من جهة الشام، وكانت به الوقعة المشهورة في أوائل سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّرٌ، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البُقْعة، فيُمنع، وليس بالقويّ . (وَالْجَوَّانِيَّةِ) بفتح الجيم، وتشديد الواو، وبعد الألف نون مكسورة، ثم ياء مشدّدة، قال النوويّ: هكذا ضبطناه، وكذا ذكر أبو عُبيد البكريّ، والمحققون، وحَكَى القاضي عياض عن بعضهم تخفيف الياء، والمختار التشديد، والجوّانية بقرب أُحُد: موضع في شَمَاليّ المدينة، وأما قول القاضي عياض: إنها من عَمَلِ الْفُرْع فليس بمقبول؛ لأن الْفُرْع بين مكة والمدينة بعيد من المدينة، وأُحُد في شماليّ المدينة، وقد قال في الحديث: «قِبَلَ أُحُد، والجوّانيّة»، فكيف يكون عند الفُرْع؟. انتهى . (فَاطَّلَعْتُ) بتشديد الطاء المهملة، من الاطّلاع، يقال: اطّلعتُ على الشيء: إذا أشرفت عليه، وعَلِمته، أي أشرفت تلك الغنم (ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا من الأيام، و«ذات» مقحمة (فَإذَا الذِّيبُ) بكسر الذال المعجمة، بعدها ياء، ويقال: فيها أيضًا ذئب بالهمزة، وهو: كلبُ البرّ، قال في «المصباح»: الذِّئبُ: يُهمز، ولا يُهمز، ويقع على الذكر والأنثى، وربّما دخلت الهاء في الأنثى، فقيل: ذئبةٌ، وجمع القليل أذؤُب، مثلُ أفلس، وجمع الكثرة ذِئَابٌ، وذُؤبان، ويجوز التخفيف، فيقال: ذِيَاب بالياء؛ لوجود الكسرة. انتهى. (قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا) وفي رواية النسائيّ: «قد ذهب بشاة منها» (وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ) بمدّ الهمزة، وفتح السين: أي أغضب، يقال: أَسِفَ أَسَفًا، من باب تَعِبَ: حَزِنَ وتَلَهَّفَ، فهو أَسِفٌ، مثلُ تَعِبٍ، وأَسِفَ مثلُ غَضِبَ وزنًا ومعنًى، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آسفته، قاله الفيّوميّ . (كَمَا يَأْسَفُونَ) أي كما يغضبُ بنو آدم إذا أُصيب مالهم (لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً) أي لطمت تلك الجارية لطمة، يقال: صكّه صَكًّا: إذا ضرب قفاه ووجهه بيده مبسوطة. وقوله: «لكنّي» تقدّم مثله في قوله: «لكني سكتُّ»، وأنه استدراك على محذوف، فيقدّم هنا: فلما رأيت ذلك أردت أن أسامحها، لكني لم أفعل ذلك، بل صككتها صكّةً، واللَّه تعالى أعلم. (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ) معطوف على محذوف، وقد صرّح به النسائيّ، أي فأخبرته، فعظّم ذلك عليّ، من التعظيم، أي جعل ما فعلته فعلًا عظيمًا منكرًا. (قُلْتُ) وفي نسخة: «فقلت» (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟) بهمزة الاستفهام، وكان هذا العتق لأجل كفّارة كانت عليه من نذر، أو نحوه، كما بيّنه مالك في «الموطّأ»، ولفظه: «وعليّ رقبةٌ، أفأعتقها؟». ويَحْتَمِلُ أن يكون كفّارةً عن جنايته عليها بالصكّ، فكأنه لَمّا عظّم النبيّ -ﷺ- ذلك عليه أراد أن يكفّره بعتق رقبة، فسأل هل تكفي تلك الجارية عن كفّارته؟. (قَالَ) -ﷺ- («ائْتِنِي بِهَا») وفي رواية النسائيّ: «قال: ادعها»، وإنما أمره بالإتيان بها؛ ليتبيّن كونها مؤمنةَّ يَعتقها صاحبها عن الرقبة التي عليه. قال: (فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ) -ﷺ- (لَهَا) أي لتلك الجارية («أَيْنَ اللَّهُ؟) -﷿- (قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ) قال النوويّ: هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه، مع اعتقاد أن اللَّه تعالى ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات. قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن أراد بعدم الخوض في معناه عدم الخوض في معرفة الكيفيّة، فذاك صواب، وإن أراد عدم معرفة المعنى اللغوي من اللفظ، فهذا باطلٌ؛ لأن هذا ليس مذهب السلف، وإنما مذهبهم أنهم يعرفون المعنى اللغوي، ويُثبتون ذلك للَّه -﷿- على ما يليق بجلاله من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، فتفطّن، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: والثاني: تأويله بما يَلِيق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها، هل هي مُوَحِّدة تُقِرُّ بأن الخالق المدبر الفعال، هو اللَّه وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء، كما اذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصرًا في جهة الكعبة، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «لأن السماء قبلة الداعين» هذا لا دليل عليه، فإن الأدلّة الصحيحة تدلّ على أنه -ﷺ- كان إذا دعا استقبل القبلة، وليس فيها استقبل السماء، فقد وردت أحاديث كثيرة بهذا المعنى، سيأتي ذكرها في محالّها -إن شاء اللَّه تعالى-. والحاصل أن الكعبة هي قبلة الصلاة، والدعاء، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. قال: أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم، فلما قالت: «في السماء» عَلِمَ أنها مُوَحِّدة، وليست عابدة للأوثان. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أبعد هذا التأويل عن معنى هذا النصّ، وما أسمجه، وأسخفه، فهل من عاقل يفهم لغة العرب إذا سمع قول النبيّ -ﷺ-: «أين اللَّه؟»، وجواب الأمة بقولها: «في السماء» يفهم هذا التأويل من هذا السؤال والجواب، هيهات هيهات. سَارَتْ مُشَرِّقَةً وَسِرْتُ مُغَرِّبَا … شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّب وبالجملة فهذا تأويلٌ ما أنزل اللَّه به من سلطان، ولا ذهب إليه المحقَّقون من أولي الهداية والعرفان، فالصواب الذي عليه المعوَّل هو المذهب الأول، وهو الذي كان عليه السلف ﵃ أجمعين، وسلك بنا مسلكهم الأمين آمين آمين آمين. وقال القاضي عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبةً فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونُظّارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر اللَّه تعالى في السماء، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ الآية [الملك: ١٦] ونحوه ليست على ظاهرها، بل متأوَّلة عند جميعهم، فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد، ولا تكييف من المحدثين، والفقهاء والمتكلمين تأول ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أي على السماء، ومن قال من دُهَمَاء النظار والمتكلمين، وأصحاب التنزيه بنفي الحدّ، واستحالة الجهة في حقه -﷿- تأوّلوها تأويلات بحسب مقتضاها، وذكر نحو ما سبق. قال: ويا ليت شعري ما الذي جمع أهل السنة والحق كلهم على وجوب الإمساك عن الفكر في الذات، كما أُمِروا، وسكتوا لحيرة العقل، واتفقوا على تحريم التكييف والتشكيل، وأن ذلك من وقوفهم، وإمساكهم غير شاكّ في الوجود والموجود، وغير قادح في التوحيد، بل هو حقيقته، ثم تسامح بعضهم بإثبات الجهة خاشيًا من مثل هذا التسامح، وهل بين التكييف وإثبات الجهات فرق؟، لكن إطلاق ما أطلقه الشرع، من أنه القاهر فوق عباده، وأنه استوى على العرش، مع التمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكليّ الذي لا يصح في المعقول غيره، وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الآية [الشورى: ١١] عصمة لمن وفقه اللَّه تعالى وهداه. انتهى كلام القاضي عياض -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: كلام القاض عياض الأخير هو الذي نعوِّل عليه، فنُثبت للَّه تعالى ما أثبته في الكتاب العزيز، وثبت في السنة الصحيحة، فلا نُعطِّل، وننفي عنه التشبيه، فلا نُمثِّلُ. وأما قوله: «ويا ليت شعري» إلى قوله: «وهل بين التكييف وإثبات الجهة فرقٌ؟» فكلام غير صحيح؛ إذ الفرق بينهما واضح، حيث إن التكييف غير جائز؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وأما إثبات الجهة بمعنى أنه تعالى فوق العرش، وفوق مخلوقاته فوقيّةً تليق بجلاله -﷿-، فصحيح جائزٌ الإطلاق، كما أطلقتة النصوص الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ﴾ [فاطر: ١٠]، وكحديث الباب: «أين اللَّه؟ قالت: في السماء»، إلى غير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة التي تُثبت الفوقيّة للَّه تعالى. والحاصل أن الواجب أن نستعمل النصوص على ما دلّت عليه من إثبات صفات اللَّه -﷿- إثباتًا بلا تمثيل، وننزّهه عما لا يليق بجلاله تنزيهًا بلا تعطيل، وسيأتي تمام البحث في هذا بذكر ما كتبه الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-. (قَالَ) -ﷺ- لتلك الجارية أيضًا («مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ) -ﷺ- («أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ») الفاء للتعليل، فالجملة تعليل للعتق، أي أعتقها؛ لأنها مؤمنة، فتُجزئ عن الرقبة التي عليك. قال النوويّ -﵀-: في هذا الحديث أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر، وأجمع العلماء على جواز عتق الكافر في غير الكفارات، وأجمعوا على أنه لا يُجزئ الكافر في كفارة القتل، كما ورد به القرآن، واختلفوا في كفارة الظهار، واليمين، والجماع في نهار رمضان، فقال الشافعيّ، ومالك، والجمهور: لا يجزئه إلا مؤمنة؛ حملًا للمطلق على المقيد في كفارة القتل، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يجزئه الكافر؛ للإطلاق، فإنها تُسَمَّى رقبة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في الموضع المناسب له -إن شاء اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاوية بن الحكم -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. [فائدة]: وقع في «الموطّأ» خطأ في اسم هذا الصحابيّ -﵁-، ونصّه: «مالكٌ، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عُمَر بن الحكم أنه قال: أتيت رسول اللَّه -ﷺ-» الحديث. فقوله: «عمر بن الحكم» اتّفقوا على أنه غلط، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: هكذا رواه جماعة رواة «الموطأ»، عن مالك، كلهم قال فيه: «عن عمر بن الحكم»، وهو غلط، ووَهَمٌ منه، وليس في الصحابة رجل يقال له: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم السُّلَميّ. وكذلك قال فيه كلُّ مَن رَوَى هذا الحديث، عن هلال هذا، وهو هلال بن عليّ بن أبى ميمونة، وأبو ميمونة اسمه أسامة، فربما قال: هلال بن أسامة، وربما قال: هلال بن أبي ميمونة، ينسبونه كله إلى ذلك، وربما قالوا: هلال بن عليّ بن أبي ميمونة، وهو مولى عامر بن لُؤَيّ. وأما معاوية بن الحكم، فمعروف في الصحابة، والحديث له محفوظ، وقد يمكن أن يكون الغلط في اسمه جاء من قِبَل هلال شيخ مالك، لا من مالك، والدليل على ذلك رواية مالك في هذا الحديث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن معاوية بن الحكم، في غير «الموطأ»، ولم يقل: عمر بن الحكم، وقال فيه: معاوية بن الحكم، إلا أن مالكًا لم يذكر في روايته لهذا الحديث عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن معاوية بن الحكم، عن النبيّ -ﷺ- إلا قصة إتيان الكُهّان والطيرة، لا غير، وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب. ورواه الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إنا كنا حديثي عهد بجاهلية، فجاء اللَّه بالإسلام، وإن رجالًا منا يتطيرون، وذكر الخبر في الطيرة، وفي إتيان الكهان، وفي الخط، وفي كلامهم في الصلاة. انتهى . وقال في «التمهيد» بعد ذكر نحو ما تقدّم ما نصّه: قال الطحاويّ: سمعت المزنيّ يقول: قال الشافعيّ: مالك بن أنس يُسَمِّي هذا الرجلَ عُمَر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم، قال الطحاويّ: وهو كما قال الشافعيّ، وقال الطحاويّ: وقال مالك: هلال بن أُسامة، وإنما هو هلال بن عليّ، غير أن قائلًا قال: هو هلال بن عليّ بن أسامة، فإن كان كذلك فإنما نسبه مالك إلى جدّه. انتهى . واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ١٢٠٤ و١٢٠٥] (٥٣٧)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٩٣٠) وفي «الأيمان والنذور» (٣٢٨٢)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (١٢٣١٨) و«الكبرى» (١١٤٥) و«السير» من «الكبرى» (٨٥٨٩)، و(مالك) في «الموطّأ» (٣/ ٥ - ٦)، و(الشافعيّ) في «الرسالة» (٢٤٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (١١٠٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٩/ ١١ و٢٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٤٤٧ - ٤٤٨)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٢١٢)، و(ابن خزيمة) في «التوحيد» (ص ١٢١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٦٥ و٢٢٤٨)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٩/ ٩٣٨)، و(أبو عبيد) في «الإيمان» (٨٤)، و(ابن أبي عاصم) في «السنة» (١٠٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٥٧) وفي «الأسماء والصفات» (ص ٤٢١)، و(اللالكائيّ) في «السنّة» (٦٥٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٧٢٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٨٣ و١١٨٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم الكلام في الصلاة، وهو تحريم كلام الناس، وإنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، ونحوها من الأذكار والدعوات المشروعة فيها. قال النوويّ -﵀-: فيه تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان لحاجة أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه، أو إذن لداخل ونحوه سَبَّحَ إن كان رجلًا، وصَفَّقَت إن كانت امرأةً. قال: هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة -رحمهم اللَّه تعالى- والجمهور من السلف والخلف. وقال طائفة، منهم الأوزاعيّ: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة؛ لحديث ذي اليدين. قال: وهذا في كلام العامد العالم، أما الناسي فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عندنا، وبه قال مالك، وأحمد، والجمهور، وقال أبو حنيفة والكوفيون: تبطل. دليلنا حديث ذي اليدين، فإن كثر كلام الناس ففيه وجهان، مشهوران لأصحابنا، أصحهما: تبطل صلاته؛ لأنه نادر، وأما كلام الجاهل، إذا كان قريب عهد بالإسلام، فهو ككلام الناسي، فلا تبطل الصلاة بقليله؛ لحديث معاوية بن الحكم هذا الذي نحن فيه؛ لأن النبيّ -ﷺ- لم يأمره بإعادة الصلاة، لكن علَّمه تحريم الكلام فيما يُستَقبل. انتهى كلام النوويّ -﵀- . وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من مكارم الأخلاق، والملاطفة في التعليم، فلا يضرب من يُعلِّمه إذا أساء، ولا يُعَنِّفه، ولا يسُبّه، ولا يُعبِّس وجهه عليه، بل يُرشده بلطف وحكمة، فكان المثل الأعلى في الخُلق العظيم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وكان ليّن الجانب، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، فكان رحمة للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الخفيف]: رَحْمَةٌ كُلُّهُ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ … وَعِصْمَةٌ وَوَقَارٌ وَحَيَاءُ فينبغي لمن كان يرجو اللَّه واليوم الآخر أن يتخلّق بأخلاقه -ﷺ- في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه، اللهم اجعلنا متخلّقين بأخلاقه -ﷺ- الكريمة، ومتمسّكين بشيمه العظيمة، إنك سميع قريب مجيب الدعوات آمين. ٣ - (ومنها): تحريم التطيّر والتشاؤم بالأشياء. ٤ - (ومنها): تحريم الْكِهانة، وتحريم الإتيان إلى الكُهّان. ٥ - (ومنها): تحريم الخطّ المسمَّى بضرب الرمل، وبيانه أنه كان نبيّ من الأنبياء -﵈- يفعله، فهو علم خاصّ به، لا يجوز لغيره أن يتعاطاه؛ لأنه لا يعلم هل يُصيب خطّه أم لا؟. ٦ - (ومنها): أن تشميت العاطس من جملة كلام الناس الذي لا يجوز في الصلاة، فلو شمّت عاطسًا في الصلاة، بطلت صلاته، إن كان عالِمًا عامدًا. قال النوويّ -﵀-: قال أصحابنا: إن قال: يرحمك اللَّه بكاف الخطاب بطلت صلاته، وإن قال: يرحمه اللَّه، أو اللهم ارحمه، أو رَحِم اللَّه فلانًا لم تبطل صلاته؛ لأنه ليس بخطاب، وأما العاطس في الصلاة، فيستحب له أن يَحْمَد اللَّه تعالى سرًّا، هذا مذهبنا، وبه قال مالك وغيره، وعن ابن عمر، والنخعيّ، وأحمد -﵏- أنه يجهر به، والأول أظهر؛ لأنه ذكر والسنة في الأذكار في الصلاة الإسرار، إلا ما استُثْنِي من القراءة في بعضها ونحوها. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي من قول من قال: يجهر به أن يحمد اللَّه بقدر ما يسمعه من في الصفّ، وهذا هو الحقّ، فإن الرجل الذي عطس وراء النبيّ -ﷺ- قد رفع صوته بالحمد، ولم يُنكَر عليه. فقد أخرج أحمد، وأصحاب السنن عن معاذ بن رفاعة، عن أبيه، قال: صليت خلف رسول اللَّه -ﷺ-، فعطست، فقلت: الحمد للَّه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول اللَّه -ﷺ- انصرف، فقال: «من المتكلم في الصلاة؟» فلم يتكلم أحدٌ، ثم قالها الثانية: «من المتكلم في الصلاة؟»، فلم يتكلم أحدٌ، ثم قالها الثالثة: «من المتكلم في الصلاة؟»، فقال رفاعة بن رافع بن عفراء: أنا يا رسول اللَّه، قال: «كيف قلت؟» قال: قلت: الحمد للَّه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبيّ -ﷺ-: «والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكًا، أيهم يصعد بها؟»، وأصل الحديث في «صحيح البخاريّ»، لكنه لم يذكر العطاس. فهذا الرجل قد حمد اللَّه بعد العطاس في الصلاة، فرفع به صوته، بحيث سمعه النبيّ -ﷺ-، ومن معه، فذكر له الفضل في ذلك، ولم يعنّفه في رفع صوته، فدلّ على أن تحميد العاطس لا بأس في الجهر به، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): مشروعيّة تشميت العاطس، وذلك بعد حمده؛ لأنه السنّة، فقد أخرج البخاريّ، عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد للَّه، وليقل له أخوه، أو صاحبه: يرحمك اللَّه، فإذا قال له: يرحمك اللَّه، فليقل: يَهْدِيكم اللَّه، ويصلح بالكم». وأخرج المصنّف من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁-، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «إذا عطس أحدكم، فحمد اللَّه، فشمِّتوه، فإن لم يحمد اللَّه فلا تشمتوه». ٨ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن من حَلَف لا يتكلم، فسَبَّح، أو كبّر، أو قرأ القرآن لا يَحْنَث، قال النوويّ -﵀-: وهذا هو الصحيح المشهور في مذهبنا، قال: وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة، وجزء منها، وقال أبو حنيفة -﵀-: ليست منها، بل هي شرط خارج عنها، متقدّم عليها. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ما قاله الجمهور؛ لأن الأدلّة التي أوجبت سائر أركان الصلاة، من القراءة، والركوع، والسجود، وغيرها هي التي أوجبت تكبيرة الإحرام، فلا يُعتبر خارجًا منها، واللَّه تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): جواز استخدام السيد جاريته في الرعي، وإن كانت تنفرد في المرعى، وإنما حَرَّم الشرع مُسَافَرَة المرأة وحدها؛ لأن السفر مَظِنَّة الطمع فيها، وانقطاع ناصرها والذابّ عنها، وبُعْدها منه، بخلاف الراعية، ومع هذا فإن خيف مفسدة من رَعْيِها لِرِيبة فيها، أو لفساد مَن يكون في الناحية التي ترعى فيها، أو نحو ذلك لم يسترعها، ولم تُمَكَّن الحرة ولا الأمة من الرعي حينئذ؛ لأنه حينئذ يصير في معنى السفر الذي حَرَّمه الشرع على المرأة، فإن كان معها محرم أو نحوه، ممن تَأْمَن معه على نفسها، فلا منع حينئذ، كما لا يُمنع من المسافرة في هذا الحال، واللَّه تعالى أعلم . ١٠ - (ومنها): تعظيم ضرب الخادم إذا ضاع عليه شيء مما في يده بغير تعدّ منه. ١١ - (ومنها): الترغيب في الرأفة والرفق بالخدم، والتنفير من إهانتهم. ١٢ - (ومنها): بيان شأن المؤمن، وإكرامه، والإحسان إليه. ١٣ - (ومنها): أن الكافر لا يصير مؤمنًا إلا بالإقرار باللَّه تعالى، وبرسالة محمد -ﷺ-. ١٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن من أقر بالشهادتين، واعتقد ذلك جزمًا كفاه ذلك في صحة إيمانه، وكونه من أهل القبلة والجنة، ولا يُكَلَّف مع هذا إقامة الدليل والبرهان على ذلك، ولا يلزمه معرفة الدليل، وهذا هو الحقّ الذي عليه السلف، وجمهور الخلف، فما ابتدع مسألة وجوب النظر إلا متأخرو المتكلمين وأهل الاعتزال، ومن سار على دربهم، وقد سبق بيان هذه المسألة في أوائل «كتاب الإيمان» مع ما يتعلّق به، فراجعه تجد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الكلام في الصلاة: قال النوويّ في كتابه «المجموع» ما حاصله: كلام المصلي في صلاته على ثلاثة أقسام: [أحدها]: أن يتكلم عامدًا لا لمصلحة الصلاة، فتبطل صلاته بالإجماع، نَقَل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره؛ لحديث معاوية بن الحكم السابق، وحديث ابن مسعود، وحديث جابر، وحديث زيد بن أرقم، وغيرها من الأحاديث التي سنذكرها -إن شاء اللَّه تعالى-. [الثاني]: أن يتكلم لمصلحة الصلاة، بأن يقوم الإمام إلى خامسة، فيقول: قد صليت أربعًا، أو نحو ذلك، فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه تبطل الصلاة، وقال الأوزاعيّ: لا تبطل، وهي رواية عن مالك، وأحمد؛ لحديث ذي اليدين، ودليل الجمهور عموم الأحاديث الصحيحة في النهي عن الكلام، ولقوله -ﷺ-: «من نابه شيء في صلاته، فليسبّح الرجال، وليصفق النساء»، ولو كان الكلام مباحًا لمصلحتها لكان أسهل وأبين، وحديثُ ذي اليدين جوابه ما سنذكره -إن شاء اللَّه تعالى-. [الثالث]: أن يتكلم ناسيًا، ولا يطول كلامه، فمذهبنا أن لا تبطل صلاته، وبه قال جمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس، وعروة بن الزبير، وعطاء، والحسن البصريّ، والشعبيّ، وقتادة، وجميع المحدثين، ومالك، والأوزاعيّ، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم -﵃-. وقال النخعيّ، وحماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة، وأحمد في رواية: تبطل، ووافقنا أبو حنيفة في أن سلام الناسي لا يبطلها. واحتُجَّ لمن قال: تَبْطُلُ بحديث ابن مسعود -﵁- قال: «كنا نسلِّم على رسول اللَّه -ﷺ-، وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشيّ سلمت عليه، فلم يرُدّ عليّ، فقلت: يا رسول اللَّه، كنا نسلِّم عليك في الصلاة، فترُدّ علينا، فقال:»إن في الصلاة شغلًا«، متّفقٌ عليه، وفي رواية أبي داود وغيره زيادة:»وإن اللَّه يُحْدِث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث أن لا تَكَلَّموا في الصلاة«. وعن جابر -﵁- قال: بعثني رسول اللَّه -ﷺ- في حاجة، فانطلقتُ، ثم رجحت، فأتيت النبيّ -ﷺ-، فسلمت عليه، فلم يرُدّ عليّ، فوقع في قلبي ما اللَّه أعلم به، ثم سلمت، فلم يردّ عليّ، فوقع في قلبي أشدّ من المرة الأولى، ثم سلمت عليه، فقال:«إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي»، وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة. متّفقٌ عليه. وعن زيد بن أرقم -﵁- قال:«إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول اللَّه -ﷺ- يُكَلِّم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام»، متفق عليه، وليس في رواية البخاريّ:«ونُهينا عن الكلام»، وفي رواية الترمذيّ:«كنا نتكلم خلف رسول اللَّه -ﷺ-». وبحديث معاوية بن الحكم -﵁-:«إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»، رواه مسلم، يعني المذكور في هذا الباب. وبحديث جابر -﵁- مرفوعًا:«الكلام ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء»، ولكنه ضعيف. وبحديث:«مَن قاء في الصلاة، أو قَلَسَ فلينصرف، وليتوضأ، ولْيَبْنِ على صلاته ما لم يتكلم»، وهو أيضًا ضعيف. قال: واحتج أصحابنا -يعني الشافعيّة- بحديث أبي هريرة -﵁- قال:«صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ- الظهر، أو العصر، فسلَّم، فقال له ذو اليدين: أَقُصِرَت الصلاة أم نَسِيتَ يا رسول اللَّه؟ فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: »لم تُقْصَر ولم أَنْسَ«، فقال: بلى قد نسيت يا رسول اللَّه، فقال لهم رسول اللَّه -ﷺ-: »أحقٌّ ما يقول؟«، قالوا: نعم، فصلى ركعتين أُخريين، ثم سجد سجدتين»، رواه الشيخان من طرق كثيرة جدًّا، وهكذا هو في مسلم، وفي مواضع من البخاريّ:«صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ-»، وفي رواية لمسلم:«صلى لنا». وعن عمران بن حصين، أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى العصر، فسلّم في ثلاث، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الْخِرْباق، وكان في يده طولٌ، فقال: يا رسول اللَّه، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يَجُرُّ رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال:«أصدق هذا؟ » قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين، ثم سلّم، رواه مسلم. قال أصحابنا: ومن الدليل لنا أيضًا حديث معاوية بن الحكم، فإنه تكلّم جاهلًا بالحكم، ولم يأمره النبيّ -ﷺ- بالإعادة، قالوا: وقياسًا على السلام سهوًا، وعمدة المذهب حديث ذي اليدين. واعتَرَضَ القائلون بالبطلان عليه أن هذا الحديث منسوخ بحديث ابن مسعود، وزيد بن أرقم، قالوا: لأن ذا اليدين قُتل يوم بدر، ونَقَلوا عن الزهريّ أن ذا اليدين قُتل يوم بدر، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر، ولا يَمنَع من هذا كون أبي هريرة رواه، وهو متأخر الإسلام عن بدر؛ لأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره، بأن يسمعه من النبيّ -ﷺ-، أو صحابي. وأجاب أصحابنا وغيرهم من العلماء عن هذا بأجوبةٍ صحيحةٍ حسنةٍ مشهورةٍ، أحسنها وأتقنها ما ذكره الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» قال: أما دعواهم أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث ابن مسعود فغلط؛ لأنه لا خلاف بين أهل الحديث والسير أن حديث ابن مسعود كان بمكة حين رجع من الحبشة قبل الهجرة، وأن حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين كان بالمدينة، وإنما أسلم أبو هريرة عام خيبر سنة سبع من الهجرة بلا خلاف. وأما حديث زيد بن أرقم، فليس فيه بيان أنه قبل حديث أبي هريرة أو بعده، والنظر يشهد أنه قبله. قال: وأما قولهم: إن أبا هريرة لم يشهد ذلك فغلط، بل شهوده له محفوظ من روايات الثقات الحفاظ، ثم ذكر بأسانيده الروايات الثابتة في صحيح البخاري ومسلم، وغيرهما، أن أبا هريرة قال: صلى لنا رسول اللَّه -ﷺ-، وفي رواية: «صلى بنا»، وفي رواية «صحيح مسلم» وغيره عن أبي هريرة، قال: «بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الظهر، سلَّم رسول اللَّه -ﷺ- بين الركعتين، فقال رجل من بني سُلَيم. . .» وذكر الحديث. قال ابن عبد البر: وقد روى قصة ذي اليدين مع أبي هريرة ابنُ عمر، وعمران بن الحصين، ومعاوية بن حُدَيج -بضم الحاء المهملة- وابن مَسْعَدة، رجل من الصحابة، وكلهم لم يَحْفَظ عن النبيّ -ﷺ-، ولا صَحِبَه إلا بالمدينة متأخرًا، ثم ذكر أحاديثهم بطرُقها. قال: وابن مَسْعدة هذا يقال له: صاحب الجيوش، اسمه عبد اللَّه معروف في الصحابة، له رواية. قال: وأما قولهم: إن ذا اليدين قُتل يوم بدر فغلط، وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين، ولا ننازعهم في أن ذا الشمالين قتل يوم بدر؛ لأن ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي ذكروه فيمن قتل ببدر، قال ابن إسحاق: ذو الشمالين هو عُمير بن عمرو بن غبشان، من خزاعة، فذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر؛ لأن ذا اليدين اسمه الْخِرْباق بن عمرو، ذكره مسلم في رواية، وهو من بني سُلَيم، كما ذكره مسلم في «صحيحه»، قال غير ابن عبد البر: وقد عاش ذو اليدين الخرباق بن عمرو بعد وفاة النبيّ -ﷺ- زمانًا. قال ابن عبد البر: فذو اليدين المذكور في حديث السهو، غير المقتول ببدر. هذا قول أهل الْحِذْق والفهم من أهل الحديث والفقه. قال: وأما قول الزهريّ: إن المتكلم في حديث السهو ذو الشمالين، فلم يُتابع عليه، قال: وقد اضطَرَب الزهريّ في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة، ثم ذكر طرقه، وبَيَّن اضطرابها في المتن والإسناد، وذَكَر عن مسلم بن الحجاج تغليطه الزهريّ في هذا الحديث. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عَوَّل على حديث الزهريّ في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه لاضطرابه، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يَسْلَمُ منه بَشَرٌ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا النبيّ -ﷺ-، فقول الزهريّ: إنه قُتل يوم بدر متروك؛ لتحقق غلطه فيه. هذا مختصر قول ابن عبد البر، وقد بسط شرح هذا الحديث بسطًا لم يبسطه غيره، مشتملًا على التحقيق والإتقان، والفوائد الْجَمَّة -﵀-، ورضي عنه. وذكر البيهقيّ بعض هذا مختصرًا، فمما قال: إنه لا يجوز أن يكون حديث أبي هريرة منسوخًا بحديث ابن مسعود؛ لتقدم حديث ابن مسعود، فإنه كان حين رجع من الحبشة، ورجوعه منها كان قبل هجرة النبيّ -ﷺ- إلى المدينة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، فحديثه في التسليم كان قبل الهجرة. ثم رَوَى البيهقيّ ذلك بأسانيده، ثم نقل اتفاق أهل المغازي على أن ابن مسعود قَدِمَ مكة من هجرة الحبشة قبل هجرة النبيّ -ﷺ- إلى المدينة، وأنه شَهِد بدرًا بعد ذلك. ثم روى البيهقيّ بإسناده عن الحميديّ، شيخ البخاريّ أنه حَمَل حديث ابن مسعود على النهي عن الكلام عامدًا، قال: لأنه قَدِمَ من الحبشة قبل بدر، وإسلام أبي هريرة سنة سبع من الهجرة، وإسلام عمران بن الحصين بعد بدر، وقد حضرا قصة ذي اليدين، وحضرها معاوية بن حُدَيج، وكان إسلامه قبل وفاة النبيّ -ﷺ- بشهرين، وذَكَر حديث ابن عمر أيضًا، ثم قال: فعلمنا أن حديث ابن مسعود في العمد، ولو كان في العمد والسهو لكانت صلوات رسول اللَّه -ﷺ- هذه ناسخة له؛ لأنها بعده. ثم رَوَى البيهقيّ عن الأوزاعيّ قال: كان إسلام معاوية بن الحكم آخر الأمر، فلم يأمره النبيّ -ﷺ- بإعادة الصلاة، وقد تكلم جاهلًا. وذَكَر الشافعيّ في كتاب «اختلاف الأحاديث» نحو ما سبق من كلام الأئمة، قال: ذو الشمالين المقتول ببدر غير ذي اليدين، قال البيهقيّ: ذو اليدين بقي حيًّا بعد وفاة رسول اللَّه -ﷺ-. [فإن قيل]: كيف تكلمَّ ذو اليدين والقوم، وهم بعد في الصلاة؟. [فجوابه]: من وجهين: أحدهما: أنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في صلاة؛ لأنهم كانوا مُجَوِّزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، ولهذا قال: «أَقُصِرت الصلاة أم نسيت؟». والثاني: أن هذا خطاب وجواب للنبيّ -ﷺ-، وذلك لا يبطل الصلاة. وفي رواية لأبي داود وغيره: أن القوم لم يتكلموا، وتحمل رواية «نعم» عليها. انتهى كلام النوويّ -﵀- في «شرح المهذّب»، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر المذاهب، وأدلّتها أن الراجح؛ لقوّة أدلّته، هو ما ذهب إليه الجمهور، من أن من تكلّم ناسيًا، أو جاهلًا لم تبطل صلاته، وأما من تكلّم عامدًا، وهو يَعلم بتحريم الكلام في الصلاة، فقد بطلت صلاته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: (اعلم): أن من سبَّح اللَّه تعالى، أو حَمِده في غير ركوع وسجود، لا تبطل صلاته، سواءٌ قصد به تنبيه غيره أم لا، قال النوويّ -﵀-: وهو مذهب الشافعيّ، وبه قال جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر عن الأوزاعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، قال: وقال أبو حنيفة: إن قاله ابتداءً فليس بكلام، وإن قاله جوابًا فهو كلام. قال: دليلنا حديث سهل بن سعد، وهو في «الصحيحين»، وهو قوله -ﷺ-: «إذا نابكم شيء في الصلاة، فليُسبّح الرجال، وليُصفِّح النساء». انتهى. وهو بحثٌ نفيس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الخامسة): في الكلام على قول الجارية: «في السماء»، ومثله قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وقول النبيّ -ﷺ- في الحديث المتّفق عليه: «ينزل ربّنا ﵎ كلّ ليلة إلى السماء الدنيا. . .» الحديث. لقد حقّق الحافظ الناقد البصير، أبو عمر بن عبد البرّ: هذا الموضوع في كتابه «التمهيد» أتمّ تحقيق، وبيّنه وأحسن تبيين، فأطال وأعاد، وأسهب وأجاد، وأجمل وأفاد، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفوائد، ونشرًا للعوائد. قال عند شرح حديث النزول، وهو حديثٌ عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبد اللَّه الأغر، وعن أبي سلمة، عن أبىِ هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألني فأعطيَهُ؟، من يستغفرني فأغفرَ له؟». قال أبو عمر -﵀-: وفيه دليل على أن اللَّه -﷿- في السماء، على العرش، من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية، في قولهم: إن اللَّه -﷿- في كل مكان، وليس على العرش. قال: والدليل على صحة ما قاله أهل الحقّ في ذلك قول اللَّه -﷿-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وقوله -﷿-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصّلت: ١١]، وقوله: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، وقوله تبارك اسمه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، وقال جل ذكره: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]، وهذا من العلوّ، وكذلك قوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] و﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] و﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥] و﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. والجهمي يزعُم أنه أسفل، وقال جل ذكره: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقال: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ [المعارج: ٢ - ٣]، والعروج: هو الصعود. وأما قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ﴾، فمعناه: من على السماء، يعني على العرش، وقد يكون «في» بمعنى «على»، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: أي على الأرض، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وهذا كلُّه يعضده قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب. قال: وهذه الَايات كلُّها واضحات في إبطال قول المعتزلة، وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، واللَّه لا يغالبه، ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حقّ الكلام أن يُحْمَل على حقيقته، حتى تَتَّفِق الأمة أنه أريد به المجاز؛ إذ لا سبيل إلى اتباع ما أُنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام اللَّه -﷿- إلى الأشهَر والأظهَر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادِّعاء المجاز لكل مُدَّعٍ ما ثبت شيء من العبارات، وجلّ اللَّه -﷿- عن أن يخاطِب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلوّ والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى﴾: قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقرّ، فلم يكن في شبابه مزيدٌ. قال أبو عمر: الاستواء: الاستقرار في العلوّ، وبهذا خاطبنا اللَّه -﷿-، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]، وقال الشاعر [من الطويل]: فَأَوْرَدتُّهُمْ مَاءً بَفَيْفَاءَ قَفْرَةٍ … وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ الْيَمَانِيُّ فَاسْتَوَى وهذا لا يجوز أن يَتَأَوَّل فيه أحدٌ استولى؛ لأن النجم لا يستولي، وقد ذكر النضر بن شُميل، وكان ثقةً مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة، قال: حدَّثني الخليل، وحسبك بالخليل، قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابيّ، وكان من أعلم مَن رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا، فردَّ علينا السلام، وقال لنا: استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال. قال: فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول اللَّه -﷿-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، فصَعِدنا إليه، فقال: هل لكم في خبز فَطِير، ولبن هَجِير، وماء نَمِير؟ ، فقلنا: الساعة فارقناه، فقال: سلامًا، فلم ندر ما قال، فقال الأعرابي: إنه سالمكم متاركةً لا خير فيها، ولا شرَّ، قال الخليل: هو من قول اللَّه -﷿-: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وأما نَزْعُ مَن نَزَعَ منهم بحديث يرويه عبد اللَّه بن واقد الواسطيّ، عن إبرهيم بن عبد الصمد، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]: على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان. فالجواب عن هذا أن هذا حديث منكر، عن ابن عباس، ونَقَلَته مجهولون ضعفاء، فأما عبد اللَّه بن داود الواسطيّ، وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يُعرَف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا، أو أنصفوا، أما سَمِعوا اللَّه -﷿- حيث يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فدلّ على أن موسى -﵇- كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبًا، قال أمية بن أبي الصلت [من الطويل]: فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ قَدْرَهُ … وَمَنْ هُوَ فَوْق الْعَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ … لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ ويقول في وصف الملائكة [من الطويل]: فَمِنْ حَامِلٍ إِحْدَى قَوَائِمِ عَرْشِهِ … وَلَوْلَا إِلَهُ الْخَلْقِ كَلُّوا وَأَبْلَدُوا قِيَامٌ عَلَى الأَقْدَامِ عَانُونَ تَحْتَهُ … فَرَائِصُهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ تَرْعَدُ قال أبو عمر: فإن احتجُّوا بقول اللَّه -﷿-: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وبقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧]، وزعموا أن اللَّه ﵎ في كل مكان بنفسه وذاته، ﵎. قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير، فظاهر التنزيل يَشهَد أنه على العرش، والاختلاف في ذلك بيننا فقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر. وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فالإجماع والاتفاق قد بَيَّن المراد بأنه معبود من أهل الأرض فتدبر هذا، فإنه قاطع إن شاء اللَّه. ومن الحجة أيضًا في أنه -﷿- على العرش فوق السموات السبع، أن الموحِّدين أجمعين من العرب والعجم إذا كَرَبَهم أمر، أو نزلت بهم شدّة رفعوا وجوههم إلى السماء، يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة، من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار، لم يُؤنِّبهم عليه أحدٌ، ولا أنكره عليهم مسلم. وقد قال -ﷺ- للأمَة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنةً، فاختبرها رسول اللَّه -ﷺ- بأن قال لها: «أين اللَّه؟»، فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: «من أنا؟»، قالت: رسول اللَّه، قال: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة»، فاكتفى رسول اللَّه -ﷺ- منها برفعها رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه. وأما احتجاجهم لو كان في مكان لأشبه المخلوقات؛ لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته مخلوق، فشيء لا يلزم، ولا معنى له؛ لأنه -﷿- ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بَرِيَّته، لا يدرك بقياس، ولا يقاس بالناس، لا إله إلا هو، كان قبل كل شيء، ثم خلق الأمكنة والسموات والأرض وما بينهما، وهو الباقي بعد كل شيء، وخالق كل شيء، لا شريك له، وقد قال المسلمون، وكل ذي عقل: إنه لا يُعْقَل كائن لا في مكان منا، وما ليس في مكان فهو عَدم، وقد صحّ في المعقول، وثبت بالواضح من الدليل، أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه، أو يَجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه؟ تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، الذي لا يَبْلُغ مَن وصفه إلا إلى ما وَصَفَ به نفسه، أو وصفه به نبيّه ورسوله -ﷺ-، أو اجتمعت عليه الأمة الحنيفية عنه. [فإن قال قائل منهم]: إنا وصفنا ربنا أنه كان لا في مكان، ثم خلق الأماكن فصار في مكان، وفي ذلك إقرار منا بالتغيير والانتقال؛ إذ زال عن صفته في الأزل، وصار في مكان دون مكان. [قيل له]: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان، وانتقل إلى صفة هي الكون في كل مكان، فقد تغير عندك معبودك، وانتقل من لا مكان إلى كل مكان، وهذا لا ينفك منه؛ لأنه إن زعم أنه في الأزل في كل مكان كما هو الآن، فقد أوجب الأماكن والأشياء موجودة معه في أزله، وهذا فاسد. [فإن قيل]: فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان؟. [قيل له]: أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه؛ لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانًا، وكذلك نَقْلُهُ لا يوجب مكانًا، وليس في ذلك كالخلق؛ لأن كَوْنَ ما كَوَّنه يوجب مكانًا من الخلق، ونقلته توجب مكانًا، ويصير منتقلًا من مكان إلى مكان، واللَّه -﷿- ليس كذلك؛ لأنه في الأزل غير كائن في مكان، وكذلك نقلته لا توجب مكانًا، وهذا ما لا تقدر العقول على دفعه، ولكنا نقول استوى مِن لا مكان إلى مكان، ولا نقول انتقل، وإن كان المعنى في ذلك واحدًا ألا ترى أنا نقول: له العرش، ولا نقول: له سرير، ومعناهما واحد، ونقول: هو الحكيم، ولا نقول: هو العاقل، ونقول: خليل إبراهيم، ولا نقول: صديق إبراهيم، وإن كان المعنى في ذلك كله واحدًا، لا نُسَمِّيه ولا نَصِفُهُ، ولا نُطلِق عليه إلا ما سَمَّى به نفسه على ما تقدم ذكرنا له من وصفه لنفسه، لا شريك له، ولا نَدْفَع ما وَصَف به نفسه؛ لأنه دفع للقرآن، وقد قال اللَّه -﷿-: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، وليس مجيئه حَرَكة ولا زوالًا ولا انتقالًا؛ لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا، فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر لم يجب أن يكون مجيئه حَرَكَة ولا نُقْلَة، ولو اعْتَبَرت ذلك بقولهم: جاءت فلانًا قيامته، وجاءه الموت، وجاءه المرض، وشبه ذلك مما هو موجود نازل به، ولا مجيء لبان لك، وباللَّه العصمة والتوفيق. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم يرد نصّ بإطلاق الجسم والجوهر على اللَّه تعالى لا إثباتًا، ولا نفيًا، فالأولى عدم الخوض في ذلك، حتى يثبت لدينا نصّ نَعتمِد عليه، واللَّه تعالى أعلم. قال أبو عمر: فإن قال: إنه لا يكون مستويًا على مكان إلا مقرونًا بالتكييف. قيل: قد يكون الاستواء واجبًا، والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لَزِم هذا لزم التكييف في الأزل؛ لأنه لا يكون كائن في لا مكان إلا مقرونًا بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحًا في أبداننا، ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح، يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية استوائه على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه. ثم أخرج بسنده عن عبد اللَّه بن نافع، قال: قال مالك بن أنس: اللَّه -﷿- في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان، قال: وقيل لمالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال مالك -﵀-: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجلَ سَوْء. قال: وقد رَوَينا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنه قال في قول اللَّه -﷿-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ مثل قول مالك هذا سواءً. وأما احتجاجهم بقوله -﷿-: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ الآية [المجادلة: ٧]، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حُمِلت عنهم التأويل في القرآن، قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحدٌ يُحْتَجّ بقوله. قال: وأما قوله -ﷺ-: «ينزل ﵎ إلى سماء الدنيا»، فقد أكثر الناس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة، أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول اللَّه -ﷺ-، ويصدِّقون بهذا الحديث، ولا يكيّفون، والقول في كيفية النزول، كالقول في كيفية الاستواء، والمجيء، والحجةُ في ذلك واحدة. وقد قال قوم من أهل الأثر أيضًا: إنه ينزل أمره، وتنزل رحمته، ورُوي ذلك عن حبيب كاتب مالك وغيره، وأنكره منهم آخرون، وقالوا: هذا ليس بشيء؛ لأن أمره ورحمته لا يزالان ينزلان أبدًا في الليل والنهار، وتعالى الملك الجبار الذي إذا أراد أمرًا قال له: كن فيكون، في أيّ وقت شاء، ويَختص برحمته من يشاء متى شاء، لا إله إلا هو الكبير المتعال. وقد رَوَى محمد بن علي الجبليّ، وكان من ثقات المسلمين بالقيروان، قال: حدّثنا جامع بن سوادة بمصر، قال: حدّثنا مطرِّف عن مالك بن أنس، أنه سئل عن الحديث: «إن اللَّه ينزل في الليل إلى سماء الدنيا»؟ فقال مالك: يتنزل أمره. وقد يَحْتَمِل أن يكون كما قال مالك على معنى أنه تتنزل رحمته، وقضاؤه بالعفو والاستجابة، وذلك من أمره، أي أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت، واللَّه أعلم. ولذلك جاء فيه الترغيب في الدعاء، وقد رُوي من حديث أبي ذرّ -﵁- أنه قال: يا رسول اللَّه أيُّ الليل أسمع؟ قال: «جوف الليل الغابر» يعني الآخر، وهذا على معنى ما ذكرنا، ويكون ذلك الوقت مندوبًا فيه إلى الدعاء، كما نُدِب إلى الدعاء عند الزوال، وعند النداء، وعند نزول غيث السماء، وما كان مثله من الساعات المستجاب فيها الدعاء، واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره أبو عمر من تأويل «ينزل ربّنا. . . إلخ» بتنزل رحمته. . . إلخ غير صحيح؛ إذ يردّه قوله في تمام الحديث: «من يدعوني، فأستجيب له. . . إلخ»، فإن الرحمة لا يمكن أن تقول ذلك، وكذا ما نقله عن مالك في هذا المعنى يُرَدّ بمثل ما رَدّ به أبو عمر نفسه على مجاهد في تفسيره قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٣] بقوله: إلى ثواب ربّها. فقد ردّ عليه بما حاصله: قول مجاهد هذا مردود بالسنّة الثابتة عن النبيّ -ﷺ-، وأقاويل الصحابة، وجمهور السلف، وهو عند أهل السنّة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم -ﷺ-، وليس من العلماء أحد إلا ويؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول اللَّه -ﷺ-. ومجاهد وإن كان أحد المقدّمين في العلم بتأويل القرآن، فإن له قولين في تأويل آيتين، هما مهجوران عند العلماء، مرغوب عنهما. أحدهما هذا، والآخر في قول اللَّه -﷿-: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: يوسّع له على العرش، فيُجلسه عليه، وهذا قولٌ مخالف للجماعة من الصحابة، ومن بعدهم، فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أن المقام المحمود: الشفاعة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: فنحن نقول هنا فيما نُقِل عن مالك -إن صحّ عنه-: إنه مردود بالسنّة الصحيحة، وبما ثبت عن السلف في هذا الباب. قال الإمام الترمذيّ في «جامعه» في شرح حديث قبول الصدق ما نصّه: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات، من الصفات، ونزول الرب ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا، ويُؤْمَنُ بها، ولا يُتَوَهَّمُ، ولا يقال: كيف، هكذا رُوِي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذَكَر اللَّه -﷿- في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات، ففسّروها على غير ما فَسَّر أهل العلم، وقالوا: إن اللَّه لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ها هنا القوّة. وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يدٌ كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال اللَّه تعالى: يدٌ، وسمعٌ، وبصرٌ، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال اللَّه تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. انتهى كلام الترمذيّ -﵀-. فتبيّن بهذا أن مالكًا ممن أثبت نزول الربّ -﷿- إلى السماء الدنيا كلّ ليلة على ظاهره، فنقل التأويل عنه محلّ نظر، وعلى تقدير صحته، فجوابه جواب مجاهد فيما خالف فيه السلف في تفسير الآيتين السابقتين، كما قال ابن عبد البرّ. والحاصل أن المعنى الصحيح الذي عليه السلف أن نزول الربّ -﷿- على ظاهره، فينزل كلّ ليلة، كما أخبر النبيّ -ﷺ- بذلك في الحديث الصحيح، حقيقةً لا مجازًا، نزولًا يليق بجلاله، واللَّه تعالى أعلم. ولنعد إلى كلام أبي عمر -﵀-. قال: وقال آخرون: ينزل بذاته، ثم أخرج عن نعيم بن حمّاد قال: ينزل بذاته، وهو على كرسيّه. قال أبو عمر: ليس هذا بشيء عند أهل الفهم، من أهل السنة؛ لأن هذا كيفية، وهم يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يُحاط به عيانًا، وقد جَلَّ اللَّه وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات اللَّه إلا ما وَصَفَ نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله -ﷺ-، فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. قال الجامع عفا اللَّه عنه: المنكر على حمّاد قوله: «بذاته»، فإنه لم يرد في الكتاب، ولا في السنة زيادة هذه اللفظة، فهي منكرة، واللَّه تعالى أعلم. قال أبو عمر: أهل السنة مُجْمِعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يُكَيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفةً محصورةً. وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلُّها، والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يَحْمِل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرّ بها مُشَبِّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحقُّ فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب اللَّه تعالى، وسنة رسوله -ﷺ-، وهم أئمة الجماعة، والحمد للَّه. رَوَى حرملة بن يحيى، قال: سمعت عبد اللَّه بن وهب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: مَن وَصَفَ شيئًا من ذات اللَّه مثل قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآية [المائدة: ٦٤]، وأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فأشار إلى عينيه أو أذنه، أو شيئًا من بدنه قُطِع ذلك منه؛ لأنه شَبَّهَ اللَّه بنفسه. ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء -﵁- حين حَدَّث أن النبيّ -ﷺ- قال: «لا يُضَحَّى بأربع من الضحايا. . .»، وأشار البراء بيده، كما أشار النبيّ -ﷺ- بيده، قال البراء: ويدي أقصر من يد رسول اللَّه -ﷺ-، فكَرِه البراء أن يصف رسول اللَّه -ﷺ- إجلالًا له، وهو مخلوق، فكيف الخالق الذي ليس كمثله شيء. ثم أخرج عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لا يزال الناس يتسائلون، حتى يقولوا: هذا خَلَقَ اللَّهُ الخلقَ، فمن خلق اللَّه؟ فمن وجد من ذلك شيئًا، فليقل: آمنت باللَّه»، متّفقٌ عليه. وفي رواية: «قال: فإذا قالوا ذلك، فقولوا: اللَّه أحد، اللَّه الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم ليتفُل عن يساره ثلاثًا، ويستعيذ باللَّه من الشيطان الرجيم»، رواه أحمد، وأبو داود بسند حسن. قال: ورُوي عن محمد ابن الحنفية أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تكون خصومة الناس في ربهم»، وقد رُوي ذلك مرفوعًا عن النبيّ -ﷺ-. وقال سَحْنُون: من العلم باللَّه الجهلُ بما لم يُخْبِر به عن نفسه. قال: وهذا الكلام أخذه سحنون عن ابن الماجشون، قال: أخبرني الثقة، عن الثقة، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لقد تكلم مُطَرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير على هذه الأعواد بكلام ما قيل قبله، ولا يقال بعده، قالوا: وما هو يا أبا سعيد؟ قال: قال: الحمد للَّه الذي من الإيمان به الجهل بغير ما وَصَفَ من نفسه. ثم أخرج عن سحنون بن منصور، قال: قلت لأحمد بن حنبل: ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ ويَرَى أهل الجنة ربهم، وبحديث: «لا تقبحوا الوجوه، فإن اللَّه خلق آدم على صورته»، و«اشتكت النار إلى ربها حتى يضع اللَّه فيها قدمه»، وأن موسى -﵇- لَطَم ملك الموت -صلوات اللَّه عليه-؟ قال أحمد: كلُّ هذا صحيح، وقال إسحاق: كلُّ هذا صحيح، ولا يَدَعُهُ إلا مبتدع، أو ضعيف الرأي. وقال أبو عمر أيضًا: الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة، وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبيّ -ﷺ- فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه. ثم أخرج بسنده عن أحمد بن نصر، أنه سأل سفيان بن عيينة، قال: حديث عبد اللَّه: «إن اللَّه -﷿- يجعل السماء على إصبع»، وحديث: «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن»، و«إن اللَّه يَعْجَب، أو يضحك ممن يذكره في الأسواق»، و«إنه -﷿- ينزل إلى السماء الدنيا كلَّ ليلة»، ونحو هذه الأحاديث؟ فقال: هذه الأحاديث نَرْوِيها، ونُقِرُّ بها كما جاءت بلا كيف. قال أبو داود: وحدَّثنا الحسن بن محمد، قال: سمعت الهيثم بن خارجة، قال: حدّثني الوليد بن مسلم، قال: سألت الأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف. وذَكَر عباس الدُّوريّ، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: شَهِدت زكريا بن عديّ سأل وكيع بن الجراح، فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث، يعني مثل: الكرسيُّ موضع القدمين، ونحو هذا؟ فقال: أدركت إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعرًا يُحَدّثون بهذه الأحاديث، ولا يفسرون شيئًا. قال الجامع عفا اللَّه عنه: المراد بالتفسير هو تفسير الكيفيّة، وتوضيح معانيها على وجه التشبيه، والتمثيل، لا تفسير معناه اللغويّ، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين. قال عباس بن محمد الدّوريّ: وسمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذُكِر له عن رجل من أهل السنة، أنه كان يقول: هذه الأحاديث التي تُرْوَى في الرؤية والكرسيُّ موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ، وأشباه هذه الأحاديث، وقالوا: إن فلانًا يقول: يقع في قلوبنا أن هذه الأحاديث حقٌّ، فقال: ضَعّفتم عندي أمره، هذه الأحاديث حقٌّ لا شكّ فيها، رواها الثقات، بعضهم عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نُفَسِّرها، ولم نذكر أحدًا يفسِّرها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت المراد بالتفسير هنا آنفًا فلا تنس. قال: وقد كان مالك يُنكر على مَن حدّث بمثل هذه الأحاديث، ذكره أصبغ، وعيسى، عن ابن القاسم، قال: سألت مالكًا عمن يحدث الحديث: «إن اللَّه خلق آدم على صورته»، والحديث: «إن اللَّه يكشف عن ساقه يوم القيامة»، و«إنه يُدخل في النار يده حتى يُخرج من أراد»، فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، ونَهَى أن يحدِّث به أحدًا. قال أبو عمر: وإنما كره ذلك مالك خشيةَ الخوض في التشبيه بكيف هاهنا. وأخرج عن ابن وضاح: سألت يحيى بن معين عن التنزل؟ فقال: أَقِرَّ به، ولا تَحُدّ فيه بقول، كلُّ مَن لقيت من أهل السنة يُصَدِّق بحديث النزول، قال: وقال لي ابن معين: صَدِّقْ به، ولا تصفه. وأخرج عن مهديّ بن جعفر، عن مالك بن أنس، أنه سأله عن قول اللَّه -﷿-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ قال: فأطرق مالك، ثم قال: استواؤه غير مجهول ، والفعل منه غير معقول، والمسألة عن هذا بدعة. وأخرج عن أيوب بن صلاح المخزوميّ قال: كنا عند مالك، إذ جاءه عراقيّ، فقال له: يا أبا عبد اللَّه مسألة أريد أن أسألك عنها، فطأطأ مالك رأسه، فقال له: يا أبا عبد اللَّه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، كيف استوى؟ قال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، إنك امرؤٌ سَوْءٌ، أخرجوه، فأخذوا بضبعيه فأخرجوه. وقال يحيى بن إبرهيم بن مزين: إنما كره مالك أن يُتَحَدَّث بتلك الأحاديث؛ لأن فيها حدًّا وصفةً وتشبيهًا، والنجاة في هذا الانتهاء إلى ما قال اللَّه -﷿-، ووصف به نفسه بوجه، ويدين، وبسط، واستواء، وكلام، فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾. فليقل قائل بما قال اللَّه، ولينته إليه، ولا يَعْدُوه، ولا يفسِّره، ولا يقل: كيف؟، فإن في ذلك الهلاك؛ لأن اللَّه كلف عبيده الإيمان بالتنزيل، ولم يكلفهم الخوض في التأويل، الذي لا يعلمه غيره. وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم يَرَ بأسًا برواية الحديث: «إن اللَّه ضحك»، وذلك لأن الضحك من اللَّه، والتنزل، والملالة، والتعجب منه ليس على جهة ما يكون من عباده. قال أبو عمر: الذي أقول: إنه مَن نظر إلى إسلام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين اللَّه أفواجًا، عَلِمَ أن اللَّه -﷿- لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة، ودلائل الرسالة، لا من قِبَل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه، والتشبيه ونفيه لازمًا، ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نَطَقَ القرآن بتزكيتهم، وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من عملهم مشهورًا، أو من أخلاقهم معروفًا لاستفاض عنهم، ولشُهِرُوا به كما شُهِروا بالقرآن، والروايات. وقول رسول اللَّه -ﷺ-: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» عندهم مثل قول اللَّه -﷿-: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء، بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء؟، وكيف يتجلى؟، وكيف ينزل؟، ولا من أين جاء؟ ولا من أين تجلى؟ ولا من أين ينزل؟؛ لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له. وفي قول اللَّه -﷿-: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالةٌ واضحةٌ أنه لم يكن قبل ذلك متجليًا للجبل، وفي ذلك ما يُفَسِّر معنى حديث النزول. قال: ومن أراد أن يَقِفَ على أقاويل العلماء في قوله -﷿-: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، فلينظر في تفسير بَقِيّ بن مَخْلَد، ومحمد بن جرير، وليقف على ما ذَكَرَا من ذاك، ففيما ذَكَرا منه كفاية، وباللَّه العصمة والتوفيق. انتهى المقصود من كلام الحافظ أبي عمر بن عبد البرّ بتصرّف واختصار. ولقد أجاد في هذا الموضوع وأفاد لمن أراد اللَّه -﷿- له السعادة بفهم النصوص كما فَهِمها السلف -﵃-، ووفّقه لاتّباع منهجهم، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، «اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت»، «اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلف فيه من الحقّ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»، آمين آمين آمين. فإن أردت الزيادة من الفوائد، فعليك بمراجعة كتاب «التمهيد» (٧/ ١٢٨ - ١٥٩). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (الْأَوْزَاعيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ إمام [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) يعني إسناد يحيى بن أبي كثير الماضي، وهو: عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم -﵁-. [تنبيه]: رواية الأوزاعيّ هذه ساقها النسائيّ -﵀-، في «سننه»، فقال: (١٢١٨) أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: حدّثنا محمد بن يوسف، قال: حدّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، قال: حدّثني عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السُّلَميّ، قال: قلت: يا رسول اللَّه، أنا حديث عهد بجاهلية، فجاء اللَّه بالإسلام، وإن رجالًا مِنّا يتطيرون؟، قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنّهم»، ورجال منا يأتون الكُهّان؟ قال: «فلا تأتوهم»، قال: يا رسول اللَّه، ورجال منا يَخُطُّون؟ قال: «كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك». قال: وبينا أنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في الصلاة، إذ عَطَسَ رجلٌ من القوم، فقلت: يرحمك اللَّه، فحدَّقَنِي القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أُمِّياه، ما لكم تنظرون إليّ؟ قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُسَكِّتوني، لكني سكتّ، فلما انصرف رسول اللَّه -ﷺ- دعاني بأبي وأمي هو، ما ضربني، ولا كَهَرني، ولا سبني، ما رأيتُ مُعَلِّمًا قبله ولا بعده، أحسن تعليمًا منه، قال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وتلاوة القرآن». قال: ثم اطَّلعت إلى غُنيمة لي، ترعاها جارية لي في قبل أُحُد، والْجَوَّانية، وإني اطَّلعت، فوجدت الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم آسَفُ كما يَأسَفُون، فصككتها صَكَّةً، ثم انصرفت إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأخبرته، فَعَظَّم ذلك عليّ، فقلت: يا رسول اللَّه، أفلا أُعتقها؟ قال: «ادعها»، فقال لها رسول اللَّه -ﷺ-: «أين اللَّه -﷿-؟»، قالت: في السماء، قال: «فمن أنا؟»، قالت: أنت رسول اللَّه -ﷺ-، قال: «إنها مؤمنة، فأعتقها». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٥٤)

١. «شرح النووي» ٥/ ١٩.

٢. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٣. وفي نسخة: «بينما».

٤. وفي نسخة: «يُصَمِّتُوني» بالإدغام، وبدونه.

٥. وفي نسخة: «ثم قال».

٦. وفي نسخة: «وقال ابن الصبّاح».

٧. وفي نسخة: «فقلت».

٨. راجع في نسبه: «تحفة الأشراف» ٨/ ١١٦.

٩. هو ما ذكره في «الإصابة» ٦/ ١١٨ فقال: وأخرج البغويّ من طريق يعقوب بن محمد الزهريّ، عن أسد بن موسى، عن ضِفَار بن حُميد، عن كثير بن الحكم السُّلَميّ، عن أبيه، قال: كنا مع النبيّ -ﷺ-، فأنزى أخي عليّ بن الحكم فرسًا له خندقًا. . . فذكر الحديث.

١٠. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٤٤٦ - ٤٤٧.

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٦.

١٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ١٠٦٦.

١٣. «شرح النووي» ٥/ ٢٠.

١٤. «المصباح المنير» ١/ ٨٣.

١٥. «المفهم» ٢/ ١٣٨.

١٦. «شرح النووي» ٥/ ٢٠.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٦ - ٣٤٧.

١٨. «القاموس المحيط» ١/ ١٥٢.

١٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ١٠٦٦.

٢٠. «نيل الأوطار» ٢/ ٣٧١.

٢١. راجع «المرعاة» ٣/ ٣٣٩.

٢٢. «المصباح المنير»١/ ٣٤٥.

٢٣. «نيل الأوطار»٣/ ٢١١.

٢٤. «زهر الربى في شرح المجتبى»٣/ ١٧.

٢٥. «القاموس المحيط» ١/ ٣٢٠.

٢٦. «المصباح المنير» ١/ ٤٣٥.

٢٧. «شرح النوويّ» ٥/ ٢٢.

٢٨. «القاموس المحيط» ٤/ ٢٦٤.

٢٩. «المفهم» ٢/ ١٣٩ - ١٤٠.

٣٠. «شرح مسلم» ٥/ ٢٣.

٣١. «المصباح المنير» ٢/ ٣٨٢.

٣٢. «النهاية في غريب الأثر» ٣/ ١٥٢.

٣٣. «المفهم» ٢/ ١٤١.

٣٤. لسان العرب ٧/ ٢٨٧.

٣٥. «النهاية» ٢/ ٤٧.

٣٦. «المنهل العذب المورود» ٦/ ٣٢.

٣٧. «إكمال المعلم» ٢/ ٤٦٤.

٣٨. «شرح النووي» ٥/ ٢٣.

٣٩. «المفهم» ٢/ ١٤١ - ١٤٢.

٤٠. «المصباح المنير» ١/ ٩٨.

٤١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٥.

٤٢. «المصباح» ١/ ٦.

٤٣. «شرح النووي» ٥/ ٢٣ - ٢٤.

٤٤. «المصباح المنير» ١/ ١٥.

٤٥. «إكمال المعلم»٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦.

٤٦. هكذا نسخة «الاستذكار»، ولعل الصواب «كلهم»، فليُحرّر.

٤٧. «الاستذكار» ٧/ ٣٣٦ - ٣٣٧.

٤٨. «التمهيد لابن عبد البر» ٢٢/ ٧٨.

٤٩. «شرح النووي» ٥/ ٢١.

٥٠. «شرح النووي» ٥/ ٢٤.

٥١. الفيفاء: كصحراء وزنًا ومعنى.

٥٢. «الهجير»: الخاثر، و«النمير»: العذب.

٥٣. هو ما أخرجه الترمذيّ برقم (٥٩٧) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «ما تصدق أحد بصدقة من طيّب، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، تربو في كَفّ الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فَلُوَّه، أو فصيله»، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى.

٥٤. وقع في النسخة: بلفظ «مجهول» دون لفظة «غير»، وهو غلط، كما يتبيّن من الراوية التالية، فتنبّه.