HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٣٨

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأبو سعيد الأشج (وألفاظهم متقاربة) قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عبد اللَّهِ؛ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. فَيَرُدُّ عَلَيْنَا. فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا. فَقَالَ «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص71
ج ١ ص ٣٨٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٢٥٠
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٦] (٥٣٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَة، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا نُسَلَمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ، فَتَرُدُّ عَلَيْنَا؟، فَقَالَ: «إِنَّ في الصَّلَاةِ شُغْلًا») . رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد اللَّه بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) أحد مشايخ الستّة بلا واسطة تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧. ٤ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غزوان، تقدّم قريبًا. والباقون تقدّموا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد صيغة الأداء، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، وزُهير، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، وزهير دخل الكوفة. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد مما قيل فيه: إنه أصح الأسانيد، كما نُقل ذلك عن ابن معين -﵀-، قال: أصحّ الأسانيد: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵀-، وإليه أشار في «ألفيّة الحديث» حيث قال: كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ … عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ ٥ - (ومنها): أن فيه «عبد اللَّه» مهملًا، لم يُنسب إلى أبيه، وفي الصحابة من يُسمّى بعبد اللَّه كثيرون، ويعلم الفرق بالرواة، فإذا كان الراوي كوفيًّا كما هنا فهو ابن مسعود -﵁-، وقد بيّن هذا السيوطيّ في «ألفيّة الحديث»، حيث قال: وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّهِ فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عَمَرٍ وإنْ يَفِي بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- أنه (قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ) جملة حاليّة من «رسول اللَّه -ﷺ-». وأخرج الحديث أبو داود في «سننه» من طريق أبي وائل، عن عبد اللَّه -﵁- قال: كنا نسلِّم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول اللَّه -ﷺ-، وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يردَّ عليّ السلام، فأخذني ما قَدُمَ وما حَدُثَ، فلما قضى رسول اللَّه -ﷺ- الصلاة، قال: «إن اللَّه يُحدث من أمره ما يشاء، وإن اللَّه جَلَّ وعَزّ قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة»، فردَّ عليَّ السلام. (فَيَرُدُّ عَلَيْنَا) أي يردُّ السلام علينا بالقول، وهو في الصلاة؛ لكون الكلام كان مباحًا (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ) بفتح النون، وقيل: بكسرها، وتخفيف الجيم، وبالشين المعجمة، وتخفيف الياء، وتُشَدَّد كياء النسب. وفي «القاموس»: النجاشيّ بتشديد الياء، وبتخفيفها أفصح، وتُكسر نونها، أو هو أفصح، أصحَمَةُ، ملك الحبشة. انتهى . وقال ابن الأثير: النجاشيّ الياء مشدّدة، وقيل: الصواب تخفيفها. انتهى . وأفاد ابن التين أنه بسكون الياء، يعني أنها أصليّة، لا ياء النسبة، وحكى غيره تشديد الياء أيضًا، وحكى ابن دحية كسر نونه، وهو لقبٌ لكل من ملك الحبشة، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك فارس، وفرعون لملك مصر، واسمه أصحمة، أسلم في زمن النبيّ -ﷺ-، ومات سنة تسع من الهجرة عند الأكثر، وصلّى عليه النبيّ -ﷺ- بأصحابه بالمدينة . [تنبيه]: (اعلم): أن جماعة من الصحابة -﵃- هاجروا من مكة إلى الحبشة قبل هجرة المدينة. قال ابن إسحاق: لَمّا احْتَمَل المسلمون من أذى الكفار، واشتَدَّ ذلك عليهم، قصد بعضهم الهجرة فرارًا بدينهم من الفتنة، قال: ولما رأى رسول اللَّه -ﷺ- ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من اللَّه تعالى، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها مَلِكًا لا يُظْلَم عنده أحدٌ، وهي أرض صدق، حتى يجعل اللَّه لكم فرجًا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون، من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- إلى أرض الحبشة؛ مخافةَ الفتنة، وفرارًا إلى اللَّه تعالى بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام. وقال الواقديّ: كانت هجرتهم إلى الحبشة في رجب سنة خمس من النبوة، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلًا، وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماشٍ وراكبٍ، فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة، وهم: عثمان بن عفان، وامرأته رُقيّة بنت رسول اللَّه -ﷺ-، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوّام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة الْعَنَزيّ، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة، وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم، وحاطب بن عمرو، وسُهَيل بن بيضاء، وعبد اللَّه بن مسعود -﵃-. وقال ابن جرير: وقال الآخرون: كانوا اثنين وثمانين رجلًا، سوى نسائهم وأبنائهم، وعمار بن ياسر يشك فيه، فإن كان فيهم فقد كانوا ثلاثة وثمانين رجلًا، ولما رجعوا من عند النجاشيّ كان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن المسلمين الذين ذكرناهم أنهم هاجروا إلى الحبشة بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتَدَّ الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضًا، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين . [تنبيه آخر]: اختُلِف في مراده بقوله: «فلما رجعنا» هل أراد الرجوع الأول، أو الثاني؟. فمالت جماعة، منهم أبو الطيب الطبريّ إلى الأول، وقالوا: تحريم الكلام كان بمكة، وحَمَلُوا حديث زيد بن أرقم -﵁- على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع من أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه. ومالت طائفة إلى الترجيح، فقالوا بترجيح حديث ابن مسعود -﵁-، فإنه حَكَى لفظ النبيّ -ﷺ- بخلاف زيد، فلم يَحْكِه. وقالت طائفة: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قَدِمَ المدينة، والنبي -ﷺ- يتجهز إلى بدر. ورَوَى الحاكم في «مستدركه» من طريق أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، قال: «بعثنا رسول اللَّه -ﷺ- إلى النجاشيّ ثمانين رجلًا. . .»، فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: «فتعجل عبد اللَّه بن مسعود، فشهد بدرًا»، وقال ابن إسحاق: إن المؤمنين وهم بالحبشة لما بلغهم أن النبيّ -ﷺ- هاجر إلى المدينة، رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلًا، فمات منهم رجلان بمكة، وحُبِس بها منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلًا، فشهدوا بدرًا، فبان من ذلك أن ابن مسعود كان من هؤلاء، وأن اجتماعهم بالنبيّ -ﷺ- كان بالمدينة، قاله في «العمدة» . (سَلَّمْنَا عَلَيْهِ) -ﷺ-، والمراد أنهم سلّموا عليه، وهو يصلّي (فَلَمْ يَرُدَّ) بفتح الدال، ويجوز ضمّها، وكسرها (عَلَيْنَا) أي بالقول، وإلا فقد رَوَى ابن أبي شيبة من مرسل ابن سيرين أن النبيّ -ﷺ- ردّ على ابن مسعود -﵁- في هذه القصّة السلام بالإشارة، أفاده في «الفتح» . (فَقُلْنَا) أي بعد الصلاة (يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ) أي قبل أن نهاجر إلى الحبشة (فَتَرُدُّ عَلَيْنَا؟) أي ترد علينا السلام بالقول، فلماذا تركت ذلك؟ (فَقَالَ) -ﷺ- («إِن فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا») وفي رواية أحمد: «لشُغلًا» بلام التوكيد، وأشار في هامش نسخة محمد ذهني إلى أنه موجود في بعض نسخ مسلم. و«الشغل»: بضمّ الشين، وسكون الغين المعجمتين، وبضمّهما، قال القرطبيّ -﵀-: اكتفى بذكر الموصوف عن الصفة، فكأنه قال: شُغْلًا كافيًا، أو مانعًا من الكلام وغيره، ويُفهم منه التفرّغ للصلاة من جميع الأشغال، ومن جميع المشوّشات، والإقبال على الصلاة بظاهره وباطنه. انتهى . وقال الطيبيّ -﵀-: التنكير فيه يَحْتَمِل التنويع، يعني أن شغل الصلاة قراءة القرآن، والذكر، والدعاء، لا الكلام، ويَحْتَمِلُ التعظيم، أي شُغلًا، أيَّ شغل؛ لأنها مناجاة مع اللَّه ﵎، واستغراق في خدمته، فلا تصلح للاشتغال بغيره. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: معناه: أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته، وتدبّر ما يقوله، فلا ينبغي أن يُعرِّج على غيرها من ردّ السلام ونحوه. انتهى . وزاد في رواية أبي وائل المتقدّمة: «إن اللَّه يُحدث من أمره ما يشاء، وإن اللَّه قد أحدث أن لا تكلّموا في الصلاة»، وزاد في رواية كلثوم الخزاعيّ: «إلا بذكر اللَّه، وما ينبغي لكم، فقوموا للَّه قانتين، فأمرنا بالسكون»، قاله في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: انتقد أبو الفضل بن عمّار الشهيد هذا الإسناد في «علله»، فقال: ووجدت فيه حديث ابن فُضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، كنا نسلّم على النبيّ -ﷺ-. . . الحديث. وبعده لِهُرَيم بن سُفيان، عن الأعمش مثله. قال أبو الفضل: وافقهما على ذلك جماعة: أبو عوانة، وأبو بدر شُجاع بن الوليد، ورواه الثوريّ، وشعبة، وزائدة، وجرير، وأبو معاوية، وحفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد اللَّه، ولم يذكروا علقمة، وهؤلاء الذين أرسلوه أثبت، وأجلّ ممن وصله، ورواه الحكم بن عتيبة أيضًا، عن إبراهيم، عن عبد اللَّه مرسلًا أيضًا، إلا ما رواه أبو خالد الأحمر عن شعبة موصولًا، فإنه وَهِمَ فيه أبو خالد. انتهى كلام أبي الفضل -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه أبو الفضل في كلامه هذا ترجيح انقطاع الحديث على وصله، وجه الانقطاع أن إبراهيم النخعي لم يلق ابن مسعود، فروايته عنه منقطعة، وإنما رجّح أبو الفضل الانقطاع على الاتّصال؛ لكثرة من رووه كذلك، فإن الذين رووه موصولًا بذكر علقمة هم: محمد بن فُضيل، وهُريم بن سفيان، وأبو عوانة، وأبو بدر شُجاع بن الوليد، أربعة. والذين رووه عن إبراهيم، عن عبد اللَّه بدون ذكر علقمة هم: الثوريّ، وشعبة، وزائدة، وجرير بن عبد الحميد، وأبو معاوية، وحفص بن غياث، ستة. فرجّح أبو الفضل رواية هؤلاء؛ لجلالتهم، وهم أكثر أيضًا، لكن الذي يظهر لي أن الأرجح كونه موصولًا، كما هو صنيع الشيخين، حيث اتّفقا على إخراج الحديث موصولًا، وذلك لأن الذين رووه موصولًا جماعة، ثقات، حفّاظ، وأن الذين رووه منقطعًا، وإن كانوا أجلّ وأكثر، إلا أن للأولين مرجِّحَين: [أحدهما]: أن الانقطاع بين إبراهيم وابن مسعود له حكم الاتّصال؛ لأن إبراهيم لا يرسل عنه إلا ما سمعه من أكثر من واحد، فقد ذكر ذلك الترمذيّ عنه بسند حسن، عن الأعمش، أنه قال: قلت لإبراهيم النخعيّ: أَسْنِدْ لي عن عبد اللَّه بن مسعود، فقال: إذا حدّثتك عن رجل، عن عبد اللَّه، فهو الذي سَمَّيتُ، وإذا قلت: قال عبد اللَّه، فهو عن غير واحد. انتهى. قال الحافظ ابن رجب في «شرحه»: وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن عن النخعيّ خاصّةً فيما يُرسله عن ابن مسعود -﵁- خاصّة. قال: وقد قال أحمد في مراسيل النخعيّ: لا بأس بها، قال: وقال ابن معين: مرسلات إبراهيم صحيحة إلا حديث تاجر البحرين، وحديث الضحك في الصلاة. انتهى باختصار . وإلى هذا أشرت في «شافية الغُلَل» حيث قلت: وَمُرْسَلَاتُ النَّخَعِيِّ صُحِّحَتْ … سِوَى حَدِيثَيْنِ لَدَى يَحْيَى الثَّبَتْ حَدِيثُ إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِالضَّحِكْ … وَتَاجِرُ الْبَحْرَيْنِ فَاهْجُرُ مَا تُرِكْ وَكَوْنُهَا أَعْلَى مِنَ الْمُسْنَدِ إِنْ … إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ عَزَاهَا قُلْ قَمِنْ وراجع ما كتبه في شرح هذه الأبيات . والحاصل أن مرسل إبراهيم النخعيّ عن ابن مسعود صحيح. [والثاني]: أن الحديث روي متّصلا عن ابن مسعود من طرق كثيرة، غير هذا الطريق، فقد أخرجه أحمد من طريق زائدة بن قُدامة، وأبو داود، من طريق أبان بن يزيد العطار، والنسائيّ من طريق ابن عيينة، ثلاثتهم عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، قال: «كنا نسلم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا، فقدِمتُ على رسول اللَّه -ﷺ-، وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يرُدّ عليّ السلام. . .» الحديث. وأخرجه النسائيّ من طريق الثوريّ، عن الزبير بن عديّ، عن كُلْثُوم الخزاعيّ، عن عبد اللَّه -﵁-. وأخرجه ابن ماجه، والطحاويّ من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه -﵁-. وأخرجه أحمد من طريق أبى الجهم ، عن أبي الرَّضْرَاض ، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: «كنت أُسَلِّم على رسول اللَّه -ﷺ- في الصلاة، فيردُّ عليّ. . .» الحديث. والحاصل أن الحديث متّصلًا أرجح، كما هو رأي الشيخين، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٧/ ١٢٠٦ و١٢٠٧] (٥٣٨)، و(البخاريّ) في «كتاب العمل في الصلاة» (١١٩٩ و١٢١٦)، و«المناقب» (٣٨٧٥)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٩٢٣)، و(النسائيّ) في «السهو» (١٢٢٠ و١٢٢١)، وفي «الكبرى» (١١٤٣ و١١٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٣٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٩٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٧٧ و٤٣٥ و٤٦٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٨٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٤٨)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم الكلام في الصلاة. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن الكلام كان مباحًا في الصلاة، ثم حُرِّم، وكذلك في حديث زيد بن أرقم الآتي بعد هذا، واختلفوا متى حُرِّم؟ فقال قوم: بمكة، واستدلُّوا بحديث ابن مسعود -﵁-، ورجوعه من عند النجاشيّ إلى مكة، وقال آخرون: بالمدينة، بدليل حديث زيد بن أرقم -﵁-، فإنه من الأنصار، أسلم بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، وسيأتي الخلاف قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): جواز السلام على من يُصلي؛ لأنه -ﷺ- لم ينكر على من سلّم عليه، وهو في الصلاة، وإنما ترك الردّ عليه. ٤ - (ومنها): مشروعيّة ردّ السلام في الصلاة بالإشارة؛ لأنه -ﷺ- ردّ بها. ٥ - (ومنها): أن الإشارة بالسلام لا تُبطل الصلاة؛ خلافًا لأبي حنيفة، والحديث يردّ عليه. ٦ - (ومنها): استحباب ردّ السلام باللفظ بعد الصلاة، وإن ردّ فيها بالإشارة؛ لأنه -ﷺ- ردّ على ابن مسعود في الصلاة بالإشارة، وبعدها باللفظ، ففي رواية أبي داود من طريق عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، قال: كنا نسلم في الصلاة،. . . الحديث، وفي آخره: «فردَّ عليّ السلام». ٧ - (ومنها): بيان أن الواجب في الصلاة اشتغال المصلي بقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، ولا يشتغل بما ينافيها، من السلام على الناس، وردّ سلامهم، وتشميت العاطس، ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ، حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (ابْنُ نُمَيْر) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ الجيّانيّ في كتابه «تقييد المهمل» بعد سوقه هذا الإسناد ما نصّه: هكذا رواه مسلم عن ابن نُمير، ووقع في بعض النسخ بدل «ابن نُمير»: «نا ابن مثنّى، قال: نا إسحاق بن منصور»، وفي بعضها أيضًا: «نا ابن كثير، نا إسحاق» وهذا كلّه خطأ، والحديث يرويه محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، عن إسحاق بن منصور، وكذلك خرّجه البخاريّ في «الجامع»، عن محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، عن إسحاق السَّلُوليّ. انتهى كلام الجيّانيّ -﵀- . ٢ - (إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُوليُّ) -بفتح السين المهملة، ولامين الأولى مضمومة- مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ تُكُلِّم فيه للتشيّع [٩] (ت ٢٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٢/ ٦٣٨. ٣ - (هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ) -بهاء، وراء، آخره ميم، مصغّرًا- البجليّ، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ، من كبار [٩]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، والأعمش، ومنصور، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وسهيل بن أبي صالح، وعبد ربه بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن منصور السَّلُوليّ، وأسود بن عامر شاذان، وأبو غَسّان النَّهْديّ، وأبو داود الْحَفَريّ، وأبو نعيم، وأحمد بن عبد اللَّه بن يونس، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال عثمان بن أبي شيبة: هو صدوقٌ ثقةٌ، وقال البزار: صالح الحديث، ليس بالقويّ، وقال الدارقطنيّ: صدوقٌ. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) يعني بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو: عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه. وقوله: (نَحْوَهُ) هذه العبارة أيضًا هي عبارة البخاريّ، فإنه أخرج الحديث بإسنادي المصنّف، وذكر في الثاني هذه العبارة، قال الحافظ -﵀-: ظاهر في أن لفظ رواية هُرَيم غير مُتّحِد مع لفظ رواية ابن فضيل، وأن معناهما واحدٌ، وكذا أخرج مسلم الحديث من الطريقين، وقال في رواية هُرَيم أيضًا: «نحوه». قال: ولم أقف على سياق لفظ هُرَيم إلا عند الْجَوْزقيّ ، فإنه ساقه من طريق إبراهيم بن إسحاق الزهريّ، عنه، ولم أر بينهما مغايرةً، إلا أنه قال: «قَدِمْنا» بدل «رجعنا»، وزاد: «فقيل له: يا رسول اللَّه»، والباقي سواء. قال: وللحديث طُرُقٌ أخرى، منها عند أبي داود، والنسائيّ من طريق أبي وائل ، عن ابن مسعود، وعند النسائيّ من طريق كُلْثُوم الخزاعيّ، عنه، وعند ابن ماجه، والطحاويّ من طريق أبي الأحوص، عنه -﵀-. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لم يطّلع الحافظ على رواية أبي نعيم في «مسنده المستخرج على صحيح مسلم»، فإنه ساقه بتمامه فيه، فالعزو إليه أولى من الْجَوزقيّ، وأيضًا فالمغايرة فيه ظاهرة، كما سيظهر لك في التنبيه التالي، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية هُريم هذه ساقها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٤٦٣)، فقال: (١٧٢٠) حدّثنا القاضي إبراهيم بن إسحاق بن أبي العنبس أبو إسحاق، قال: ثنا إسحاق بن منصور السَّلُوليّ، عن هُرَيم بن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: كنا نسلم على رسول اللَّه -ﷺ- في الصلاة، فيرُدُّ علينا، فلما قَدِمنا من عند النجاشيّ، سلمنا عليه، فلم يرُدّ، فقيل له، فقال: «إن في الصلاة شُغْلًا». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٢٢)

١. وفي نسخة: «إن في الصلاة لشُغْلًا».

٢. راجع: «شرحي» على الألفية المذكورة ١/ ٣٧ - ٣٨.

٣. «القاموس المحيط» ٢/ ٢٨٩.

٤. «النهاية» ٥/ ٢٢.

٥. راجع: «المرعاة» ٣/ ٣٤٣.

٦. «عمدة القاري» ٧/ ٣٩٠ - ٣٩١.

٧. «عمدة القاري» ٧/ ٣٩١.

٨. «الفتح» ٣/ ٨٨.

٩. «المفهم» ٢/ ١٤٧.

١٠. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ١٠٦٩.

١١. «شرح النوويّ» ٥/ ٢٧.

١٢. «الفتح» ٣/ ٨٨.

١٣. راجع: «شرح المقدّمة» ١/ ١٤٧.

١٤. راجع: «شرح علل الترمذيّ» لابن رجب ١/ ٢٩٤.

١٥. «مزيل الخلل عن أبيات شافية الغُلل» (ص ٥٧).

١٦. هو سليمان بن الجهم، وثقه العجلي، وابن حبّان.

١٧. اسمه رضراض، وثقه العجليّ، وابن حبّان.

١٨. وفي نسخة: «حدّثنا».

١٩. «تقييد المهمل، وتتمييز المشكل» ٣/ ٨١٣.

٢٠. سيأتي في التنبيه أن أبا عوانة أخرجها في «مسنده»، فتنبّه.

٢١. وقع في نسخة «الفتح»: «أبي ليلى»، وهو تصحيف، فتنبّه.

٢٢. «الفتح» ٣/ ٨٩.