HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٤٨

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شيبة وعمرو الناقد. جميعا عن سفيان. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ. فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ. ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ أَمَامَهُ. وَلَكِنْ يَبْزُقُ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص75
ج ١ ص ٣٨٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٣٥٧
لا يتنخمنّ، ثم نزل، فحتّها بيده، وقال ابن عمر -﵄-: إذا بزق أحدكم فليبزق على يساره. انتهى. وأما رواية الضحّاك بن عثمان، وموسى بن عقبة، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٩] (٥٤٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ أَمَامَهُ، وَلَكِنْ يَبْزُقُ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم أول الباب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي ٣ - (عَمْرو الناقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (تخ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا. ٦ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣ ] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل، فقال: قال يحيى: «أخبرنا سفيان بن عيينة» إيضاحًا بأنه صرّح بالإخبار، ونسب شيخه إلى أبيه، بخلاف الآخرين. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له أبو داود وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، والثالث ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وابن عيينة مكيّ، ويحيى نيسابوريّ، وأبو بكر كوفيّ، وعمرو بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الزهريّ، عن حميد. ٥ - (ومنها): أن أبا سعيد صحابيّ ابن صحابيّ، أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-) وفي نسخة: «أن رسول اللَّه -ﷺ-» (رَأَى نُخَامَةً) بضم النون، وتخفيف الخاء المعجمة كالنُّخَاعة وزنًا ومعنى، يقال: تنخّم الرجل: إذا تنخع، وفي «المطالع»: النُّخَامة: ما يخرج من الصدر، وهو البلغم اللَّزِج، وفي «النهاية»: النخامة: البَزْقَة التي تخرج من الرأس، ويقال: النخامة: ما يخرج من الصدر، والبصاقُ: ما يخرج من الفم، والمخاط: ما يسيل من الأنف. قاله في «العمدة» . (فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ) متعلق بـ «رأى»، أو بمحذوفٍ صفةٍ لـ «نخامة»، أي نخامةً كائنةً في حائط قبلة المسجد النبويّ. (فَحَكَّهَا) أي قَشَرَ تلك النخامة (بِحَصَاةٍ) هي واحدة الحصى، وهي صغار الحجارة. [فإن قيل]: ظاهر هذا الحديث كحديث ابن عمر -﵄- الماضي يدلّ على أن الذي تولى إزالتها هو النبيّ -ﷺ- بنفسه، ورواية أنس عند النسائيّ بلفظ: «فقامت امرأة من الأنصار، فحكّتها، وجعلت مكانها خَلُوقًا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-:»ما أحسن هذا! « يدلّ على أن الذي باشر ذلك امرأة من الأنصار، فكيف التوفيق بينهما؟. [أجيب]: بحمل الاختلاف على تعدد الواقعة، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ نَهَى) بالبناء للفاعل، أي منع النبيّ -ﷺ- (أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ) وعلة النهي عنه كونه محل ملَك، فعند أبي داود من طريق ابن عجلان، وصححه الحاكم على شرط مسلم: أن النبيّ -ﷺ- كان يُحِبّ العَرَاجين، ولا يزال في يده منها، فدخل المسجد، فرأى نُخامة في قبلة المسجد، فحَكّها، ثم أقبل على الناس مُغْضَبًا، فقال: «أَيَسُرُّ أحدكم أن يُبصَقَ في وجهه؟، إن أحدكم إذا استقبل القبلة، فإنما يستقبل ربه ﷿، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه، ولا في قبلته، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فإن عجل به أمر فليقل هكذا»، ووصف لنا ابن عجلان ذلك أن يتفل في ثوبه، ثم يرد بعضه على بعض. (أَوْ أَمَامَهُ) وعلة النهي هو قوله في حديث أبى داود المذكور: «فإنما يستقبل ربّه ﷿»، وفي حديث ابن عمر -﵄- الماضي: «فإن اللَّه قبل وجهه» (وَلَكِنْ يَبْزُقُ) وفي نسخة: «لِيَبْزُق»، وهو بضمّ الزاي، يقال: بزق يَبْزُق من باب نصر بُزَاقًا: بَصَقَ، وهو إبدال منه (عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى) ووقع عند البخاريّ في رواية أبي الوقت: «وتحت قدمه»، بالواو، وفي حديث أبي هريرة -﵁- الآتي للمصنّف من طريق أبي رافع، عنه: «ولكن عن يساره تحت قدمه» بحذف «أو»، وفي حديث أنس -﵁-: «ولكن عن شماله تحت قدمه». قال في «الفتح»: والروايات التي فيها «أو» أعم؛ لكونها تَشْمَل ما تحت القدم، وغير ذلك. انتهى. وقال صاحب «المفهم»: وظاهر «أو» الإباحة، أو التخيير ففي أيهما بصق لم يكن به بأس، قال: وإليه يرجع معنى قوله: «عن شماله تحت قدمه»، فقد سمعنا من بعض مشايخنا أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب، أو الرمل، كما كانت مساجدهم في الصدر الأول، فأما إن كان في المسجد بُسُط، وما له بالٌ من الْحُصُر مما يُفسده البصاق، ويقذّره، فلا يجوز؛ احترامًا للماليّة. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدري -﵁- مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ١٢٢٩ و١٢٣٠] (٥٤٨)، و(البخاريّ) (٤٠٨ و٤٠٩ و٤١٠ و٤١١ و٤١٤)، و(النسائيّ) في «المساجد» (٧٢٥)، و«السنن الكبرى» (٨٠٤)، (وابن ماجه) في «الصلاة» (٧٦١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٦٨١)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٢٢٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٣٦٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٦ و٥٨ و٨٨ و٩٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٧٢٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩٧٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٨٧٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٢٥٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٢٦٨ و٢٢٦٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١١٩٥ و١١٩٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٢٠٥ و١٢٠٦ و١٢٠٧)، و(البيهقيّ) (٢/ ٢٩٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٩٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن البزاق في المسجد في الصلاة أو غيرها. ٢ - (ومنها): بيان النهي عن البزاق بين المصلّي وقبلته؛ لأنه يناجي ربّه. ٣ - (ومنها): النهي عن البزاق عن يمين المصلّي؛ لأنه مكان الملك. ٤ - (ومنها): بيان طهارة البصاق والنخامة؛ إذ لو لم يكن طاهرًا لما أمر بدفنه في المسجد، ولا بأن يبصق في ثوبه ويدلكه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وهو كذلك. قال ابن عبد البرّ -﵀-: ولا أعلم خلافًا في طهارة البصاق، إلا شيئًا يُرْوَى عن سلمان -﵁-، والسنن الثابتة ترده، وحكاه الزكيّ عبد العظيم في «حواشيه» على «السنن» عن النخعيّ أيضًا. ٥ - (ومنها): تفقُّد الإمام أحوال المساجد، وتعظيمها، وصيانتها. ٦ - (ومنها): أن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة، ولا تفسد صلاته. ٧ - (ومنها): أن البصاق طاهرٌ، وكذا النخامة والمخاط، خلافًا لمن يقول: كلُّ ما تستقذره النفس حرام. ٨ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن التحسين والتقبيح إنما هو بالشرع، فان جهة اليمين مفضَّلة على اليسار، وأن اليد مفضلة على القدم. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قصر في «الفتح» التحسين والتقبيح على الشرع فقط، وهو مذهب الأشاعرة، والحقّ أن التحسين والتقبيح بالشرع والعقل، وإنما الذي يختصّ بالشرع هي الأحكام الشرعيّة، من الإيجاب والتحريم، ومقدار الثواب والعقاب، ونحو ذلك، وقد حقّقت المسألة في «التحفة المرضيّة» و«شرحها»، فراجعهما تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ٩ - (ومنها): الحث على الاستكثار من الحسنات، وإن كان صاحبها مليًّا؛ لكونه -ﷺ- باشر الحك بنفسه، وهو دالّ على عِظَم تواضعه -ﷺ-، زاده اللَّه تشريفًا وتعظيمًا -ﷺ-. ١٠ - (ومنها): أن في أمره -ﷺ- بدفن النخامة في المسجد دليل على تنظيف المسجد وتنزيهه عما يستقذر، ورَوَى أبو داود وابن ماجه من حديث عائشة لقالت: «أمر رسول اللَّه -ﷺ- ببناء المساجد في الدور، وأن تُنَظّف، وتُطَيَّب» . وقال ابن عبد البرّ -﵀-: وفي حكم البصاق في المسجد تنزيهه عن أن يؤكل فيه مثل البَلُّوط نوع من الشجر والزبيب لعَجَمِه -أي نواه- وما له دسم وتلويث، وحَبّ رقيق، وما يَكْنُسُه المرء من بيته. ١١ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ -﵀-: فيه أن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة إذا لم يبصق قبل وجهه، ولا يقطع ذلك صلاته، ولا يفسدها إذا غلبه ذلك، واحتاج إليه، ولا يبصق قبل وجهه الْبَتَّةَ. ١٢ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ: أيضًا في إباحة البصاق في المسجد لمن غلبه ذلك دليل على أن النفخ، والتنحنح في الصلاة إذا لم يقصد به صاحبه اللعب والعبث، وكان يسيرًا، لا يضر المصلي في صلاته، ولا يفسد شيئًا منها؛ لأنه قلما يكون بصاق، إلا ومعه شيء من النفخ، والنحنحة، والبصاق، والنخاعة، والنخامة كل ذلك متقارب. قال: والتنخم، والتنخع ضرب من التنحنح، ومعلوم أن للتنخم صوتًا كالتنحنح، وربما كان معه ضرب من النفخ عند القذف بالبصاق، فإن قصد النافخ أو المتنحنح في الصلاة بفعله ذلك اللعب، أو شيئًا من العبث أفسد صلاته، وأما إذا كان نفخه تأوُّهًا من ذكر النار إذا مرّ به ذكرها في القرآن، وهو في الصلاة فلا شيء عليه. ثم ذكر اختلاف العلماء في ذلك، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يقطع الصلاة النفخ والتنحنح، وروى ابن عبد الحكم، وابن وهب أنه لا يقطع الصلاة النفخ، والتنحنح، وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: يقطع النفخ إن سمع، وقال أحمد وإسحاق: لا يقطع، وقال الشافعي: ما لا يُفْهِم منه حروف الهجاء فليس بكلام. قال ابن عبد البر: وقول مَن راعى حروف الهجاء، وما يُفْهَم من الكلام أصحّ الأقاويل، إن شاء اللَّه. انتهى. ومذهب الشافعي في النحنحة، والضحك، والبكاء، والنفخ، والأنين أنه إن بان منه حرفان بطلت ما لم يكن معذورًا بغلبة، أو تعذر قراءة الفاتحة ما لم يكثر الضحك، وإن كان مغلوبًا فإنه يضر. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): هل المراد بقوله في حديث أبي هريرة -﵁- عند البخاري: «. . . فإنه مُنَاجٍ للَّه ﷿ ما دام في مصلاه»، أي المكان الذي صلى فيه، أو المسجد الذي صلى فيه، أو المراد بالمصلَّى نفس الصلاة؟ والأول هو الحقيقة، فحمله عليه أولى، ويدل على الثاني قوله في حديث ابن عمر -﵄-: «فإن اللَّه قِبَل وجهه إذا صلى»، واللَّه تعالى أعلم. وقال الحافظ -﵀-: قوله: «ما دام في مصلاه» يقتضي تخصيص المنع بما إذا كان في الصلاة، لكن التعليل المتقدم بأذى المسلم يقتضي المنع في جدار المسجد مطلقًا، ولو لم يكن في صلاة، فيُجْمَع بأن يقال: كونه في الصلاة أشدّ إثمًا مطلقًا، وكونه في جدار القبلة أشدّ إثمًا من كونه في غيرها من جدار المسجد، فهي مراتب متفاوتة مع الاشتراك في المنع. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ثبت في رواية أبي داود تعليل النهي عن البصاق في اليمين بأن فيه ملكًا، قال الحافظ -﵀-: فإن قلنا: المراد بالملك الكاتب، فقد يُسْتَشْكَل اختصاصه بالمنع مع أن عن يساره ملكًا آخر. وأجيب باحتمال اختصاص ذلك بملك اليمين تشريفًا له وتكريمًا، هكذا قال جماعة من القدماء، ولا يخفى ما فيه. وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أمّ الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويَشهَد له ما رواه ابن أبي شيبة من حديث أبي أمامة في هذا الحديث: «فإنه يقوم بين يدي اللَّه، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره». انتهى. فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين، وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحوّل في الصلاة إلى اليمين، واللَّه تعالى أعلم. انتهى ، وهو توجيه حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أَطْلق في هذا الحديث الإذن في أن يبصق عن يساره، وهو محمول على ما إذا كان جهة يساره فارغًا من المصلين، بدليل ما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ من حديث طارق بن عبد اللَّه المحاربيّ -﵁- وفيه: «. . . ولكن تلقاء يساره، إن كان فارغًا، أو تحت قدمه اليسرى». قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وكذا يدل عليه قوله في بعض طرق حديث أبي هريرة الآتي للمصنّف، بلفظ: «فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا» أي فإن لم يجد جهة شماله فارغًا، قاله العراقيّ -﵀-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): قد ذكر العراقيّ في «طرح التثريب» فوائد تتعلق بحديث الباب، أحببت إيرادها هنا، مع المناقشة لبعضها، وإن كان بعضها تقدم تكميلًا للفوائد، وتكثيرًا للعوائد، قال -﵀-: [الأولى]: هذا النهي في البصاق أمامه، أو عن يمينه، هل يفيد كونه في المسجد أو عام في المصلين في أيّ موضع كانوا؟. الظاهر أن المراد العموم؛ لأن المصلي مُنَاجٍ للَّه تعالى في أي موضع صلى، والملك الذي عن يمينه معه، أيّ موضع صلى، ولكن البخاريّ بوّب على هذا الحديث: «باب دفن النخامة في المسجد»، وإنما قيّده البخاريّ بالمسجد؛ لأنه لم يأمر بدفن النخامة في غير المسجد. ويدل عليه ما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد أنه -ﷺ- رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة، فحَكّها، فقال: «إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمنّ قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى». لفظ البخاريّ، ولم يَسُق مسلم لفظه. [الثانية]: هل المراد بالقيام للصلاة يعني قوله: «إذا قام أحدكم للصلاة فلا يبصق أمامه» الدخول فيها، أو النهوض، والانتصاب لها ولو قبل الإحرام؟. والجواب: أنه إن كان في غير المسجد، أو غيره، فلا حرج في ذلك قبل الشروع في الصلاة إذا كان في غير المسجد، وإن كان المراد بذلك تقييد كونه في المسجد، فسواء في ذلك بعد الإحرام، أو قبله، بل دخول المسجد كان في النهي عن البزاق فيه، وإن لم يكن قام إلى الصلاة، كما ثبت في حديث أنس المتفق عليه: «البزاق في المسجد خطيئة». [الثالثة]: هذا النهي عن بصاق المصلي أمامه، أو عن يمينه، هل هو على التحريم، أو التنزيه؟. قال القرطبيّ -﵀-: إن إقباله -ﷺ- على الناس مُغْضبًا يدل على تحريم البصاق في جدار القبلة، وعلى أنه لا يُكَفَّر بدفنه، ولا بحكه، كما قال في جملة المسجد: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها». قال العراقيّ -﵀-: ويدل على تحريم البصاق في القبلة ما رواه أبو داود بإسناد جيِّد من حديث السائب بن خلاد -﵁-: أن رجلًا أمَّ قومًا، فبصق في القبلة، ورسول اللَّه كليم ينظر إليه، فقال حين فرغ: «لا يصلي لكم. . .» الحديث. وفيه أنه قال له: «إنك آذيت اللَّه ورسوله». وأطلق جماعة من الشافعيين كراهية البصاق في المسجد، منهم المحامليّ، وسُلَيم الرازيّ، والرويانيّ، وأبو العباس الجرجانيّ، وصاحب «البيان» ﵏، وجزم النوويّ -﵀- في «شرح المهذَّب»، و«التحقيقِ» بتحريمه، وكأنه تمسك بقوله في الحديث الصحيح: «إنه خطيئة». وقال أبو الوليد الباجيّ -﵀-: فأما من بصق في المسجد، وستر بصاقه، فلا إثم عليه، وحكى القرطبيّ -﵀- أيضًا عن ابن مكيّ إنه إنما يكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه، قال القرطبيّ: وقد دل على صحة هذا قوله في حديث أبي ذرّ -﵁- عند مسلم: «ووجدت في مساوي أعمالها: النخامة تكون في المسجد، لا تدفن»، فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك، وببقائها غير مدفونة. قال العراقيّ -﵀-: ويدل عليه أيضًا إذنه -ﷺ- في ذلك في حديث الباب بقوله: «أو تحت رجليه، فيدفنه»، إن حملنا الحديث على إرادة كونه في المسجد، كما تقدم، وهو مصرح به في حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة -﵁-. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا التفصيل عندي هو الأولى جمعًا بين الأحاديث. والحاصل أن البصاق في المسجد محرَّم إذا لم يدفن، واللَّه تعالى أعلم. [الرابعة]: علَّل النهي عن البصاق أمامه بكونه مناجيًا للَّه تعالى، وفي حديث ابن عمر بأن اللَّه قِبَل وجهه إذا صلى، وفي حديث أبي هريرة الآتي: «ما بال أحدكم يقوم مستقبلًا ربه، فيتنخع أمامه». ولا منافاة بين ذلك، فإن المراد إقبال اللَّه تعالى عليه، كما سيأتي. وقال ابن عبد البر -﵀-: وهذا كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وإكرامها، قال: وقد نزع بهذا الحديث بعض من ذهب مذهب المعتزلة إلى أن اللَّه تعالى في كل مكان، وليس على العرش، قال: وهذا جهل من قائله، لأن قوله في الحديث: «يبصق تحت قدمه، وعن يساره» ينقض ما أصَّلُوه في أنه في كل مكان. قال العراقي: هذا كلام ابن عبد البر، وهو أحد القائلين بالجهة، فاحذره، وإنما ذكرته لأنّبه عليه؛ لئلا يُغْتَرّ به، والصواب ما قدمناه بدليل ما أخرجه القاضي إسماعيل بإسناد صحيح من حديث حذيفة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ-، قال: «إذا قام الرجل في صلاته أقبل اللَّه تعالى عليه بوجهه، فلا يبزقن أحدكم في قبلته. . .» الحديث. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله العراقيّ ردًّا على ابن عبد البر، وصوّبه غير صواب؛ بل الصواب مع ابن عبد البر، وهو الذي عليه أهل الحديث، وهو مذهب سلف هذه الأمة، وذلك أن ابن عبد البرّ من كبار المحدثين، ومن محققي الفقهاء والأصوليين، ومذهب هؤلاء: الإيمان بما وصف اللَّه تعالى به نفسه في كتابه، أو صحّ عن رسول اللَّه -ﷺ- وصفُهُ به، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل. فيا أيها العقلاء، ويا أصحاب الألباب، فهل من يؤمن بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] الآية، بأن اللَّه تعالى استوى على العرش على معناه اللغويّ العربيّ، استواء يليق بجلاله، وبقوله -ﷺ- في الحديث الذي اتفقت الأمة على صحته وقبوله: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا. . .» الحديث، بأن اللَّه تعالى ينزل نزولًا حقيقيًّا يليق بجلاله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه، ولا تمثيل، فهل هو على الصواب؟ أم من يعتقد أن معنى استوى: استولى، وأن معنى ينزل: ينزل ملكه، ويسلك مسلك التحريف والتأويل هو الذي على الصواب؟! فباللَّه أنصفوا، وقولوا الحق، أيهما على الصواب؟، وأيهما معه الحق؟! ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]. اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ عالِمَ الغَيْب والشَّهادَة، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفون، اهْدِنَا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وقال صاحب «المفهم»: إنه لما كان المصلي يتوجه بوجهه وقصده وكلّيته إلى هذه الجهة؛ نزّلها في حقه وجود منزلة اللَّه تعالى، فيكون هذا من باب الاستعارة، كما قال: «الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض»، أي بمنزلة يمين اللَّه. قلت: وقد أوّل الإمام أحمد هذا الحديث. قال القرطبي: وقد يجوز أن يكون من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، فكأنه قال: مستقبل قبلة ربه، أو رحمة ربه، كما قال في الحديث الآخر: «فلا يبصق قبل القبلة، فإن الرحمة تواجهه». قال العراقي: ولا أحفظ هذا اللفظ في البصاق، وإنما هو في مسح الحصى، كما رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي ذرّ -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصا فإن الرحمة تواجهه». انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كلام صاحب «المفهم» هو عين ما قاله العراقي فتنبه. وأما قوله: وقد أوَّل الإمام أحمد هذا الحديث، فقد ردّه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٩٨). قال -﵀-: وأما ما حكاه أبو حامد الغزاليّ عن بعض الحنابلة: أن أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء: «الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض»، و«قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن»، و«إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمين»، فهذه الحكاية كَذِبٌ على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد؛ ولا يُعرَف أحد من أصحابه نَقَل ذلك عنه، وهذا الحنبليّ الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يُعْرَف، لا علمه بما قال، ولا صدقه فيما قال. انتهى كلام شيخ الإسلام، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، فتمسّك به تسلم من التدليس والتلبيس، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٣٠] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ، أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى نُخَامَةً، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه المصريّ الحافظ الفقيه، تقدّم قريبًا أيضًا. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا أيضًا. ٥ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٦ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١.
مصادر المؤلف (١٣)

١. وفي نسخة: «حدّثني».

٢. وفي نسخة: «أن رسول اللَّه -ﷺ-».

٣. وفي نسخة: «ليبزُق».

٤. جعله في التقريب من الثانية، والذي يظهر لي أنه من الثالثة، فتأمل.

٥. «عمدة القاري» ٤/ ١٤٩.

٦. «المفهم» ٢/ ١٦٠.

٧. حديث صحيح.

٨. راجع: «طرح التثريب» ٢/ ٣٨٠ - ٣٨٦.

٩. «الفتح» ٢/ ٧٣ - ٧٤.

١٠. «الفتح» ٢/ ٧٤.

١١. وفي نسخة: «وحدّثني».

١٢. وفي نسخة: «وحرملة بن يحيى».

١٣. وفي نسخة: «مثلَ».